As Safir Logo
المصدر:

»حروف الضباب« رواية الجزائري الخيّر شوار الولي الصالح وفانتازيا السرد

المؤلف: الفاروق فضيلة التاريخ: 2003-02-08 رقم العدد:9419

يعود احتراف رواية القصص في البيوت الى عصور موغلة في القدم، ويعمد الرواة الى نسج معتقدات أشبه بالطقوس السحرية ليعطوا للقصة بريقها وجاذبية تشد المستمع، وهذا النمط من الاقاصيص انتشر في كل أصقاع الدنيا، لكن ظهور الآلة وتطور العلم ولّد نمطا جديدا من القص وأساليب الادهاش، وصارت القصص أكثر التصاقا بالواقع. لكن موجة جديدة من الكتاب الجزائريين، وحتى بعض الكتاب الكبار أمثال الطاهر وطار، ومرزاق بقطاش، وجيلالي خلاص أحيوا ذلك اللون القديم من القصص ووظفوه في الشكل الروائي الحديث بكل عناصره التي لا علاقة لها بالواقع إلا ما يخص المكان وسرد بعض الوقائع التاريخية التي لها علاقة بالماضي أكثر منها بالحاضر. وفي رواية القاص الجزائري الخير شوار »حروف الضباب« الصادرة حديثا عن منشورات الاختلاف (الجزائر) نجد هذا اللون الذي يعيدنا الى زمن الأولياء الصالحين والسحر، والجنيات والأرواح وما شابه ذلك. وحقيقة لا أفهم مدلول »الولي الصالح« في الرواية الجزائرية سوى أنه علامة من علامات ثقافتنا ونمطنا المعيشي، وله ارتباط وثيق بالمركبات الاجتماعية للمجتمع الجزائري، لكن ان يتحول الى بصمة للرواية الجزائرية فهذا ما يدعو الى الاستغراب خاصة حين نلمس في الواقع الجزائري حاليا إيمانا كبيرا بالأولياء والطرقيين، وهذه الانتكاسة الاجتماعية إن صح التعبير جاءت بعد ان شهدت الجزائر عشرية دامية لم يشهد مثلها التاريخ المعاصر. الولي الصالح وإن كان بعض الدارسين يرون ان شخصية »الولي الصالح« مثلها مثل شخصية »القوال« او »المداح« وهي شخصية كثيرا ما تتكرر في النص الجزائري بتنوعه الروائي والقصصي والمسرِي، الا ان أدوارهما تختلف، ف»القوال« راوٍ أما »الولي الصالح« فهو شخصية فاعلة في النص وتعمل على توليد الحدث وتحريكه. وفي رواية »حروف الضباب« تنبني الأحداث كلها على هيكل »الولي الصالح« »الزواوي« الذي كلما مات عاد الى الوجود بشكل ما فيبدو حالة استمرار من جيل الى جيل، أما حياته فترتبط بامرأة اسمها »الياقوت« وهي نفسها حالة مستمرة من جيل الى جيل فكلما ماتت أحياها المؤلف لتواصل مغامراتها مع »الزواوي« والعلاقة بين الاثنين علاقة عشق قوي مرة تنتهي بالارتباط ومرة تنتهي بفراق فمصيبة تحل على أهل القرية كلها. أما التجاذب بينهما فإنه يتم كالسحر احيانا عبر رؤيا، وأحيانا تصنعه الصدف، وفي كل الحالات الارتباط لا يتم بسهولة، إذ يتحقق بعد مرحلة عذاب ومعاناة ينتقل فيها »الزواوي« (الولي الصالح المتكرر) من حالته العادية الى ما يشبه حالة الصفاء او المقدس. تبدأ أحداث الرواية في قرية نائية ومنسية اسمها »عين معفال« حيث تبرز منها امرأة على شاشة التلفزيون ترسل نداءً الى ابنها الضائع »الزواوي« ذي ال18 سنة والذي ترك المدرسة وهام على وجهه بحثا عن العلم الذي يقربه من الله ويرفعه من مرتبة انسان عادي الى مرتبة قديس او »ولي صالح« وفيما تنسج حوله الحكايات، وتؤلف حوله الأخبار، يعيدنا الراوي الى ماضي المكان »عين معفال« حيث وجد »الزواوي« الأول الذي أحب »الياقوت« ولكن أهلها رفضوه فزوجوها لغيره، فهام على وجهه وصار قاطع طريق، حيث استحوذ على نبع ماء في منطقة مقفرة وصار يبتز المسافرين، ولكنه مع مرور الأيام اصبح رجلا طيبا، وغير ذلك ظهرت كرامات، وبدأت الاسطورة تنتشر بين الناس انه رجل ذو قدرات خارقة، فكلما أغضبه شخص لحقته المصائب واللعنات. وحين مات بُنيت على قبره قبة وصار القبر مزارا مباركا، يزوره الناس فيبخرون المكان ويشعلون فيه الشموع. لكن »الزواوي الأول« لا ينتهي عند هذا الحد، اذ كلما جاء جيل جديد ولد »الزواوي« جديد ينتهي به المطاف الى التصوف، الى ان يصل بنا الزمن الروائي الى زمننا الحالي حيث »الزواوي« المعاصر الذي تتكرر معه حكاية »الياقوت« التي لا وجود لها، والجنية التي ترغب فيه، والشيخ الذي يجذبه الى عالمه الغامض وحيث في الاخير يتحول كل شيء الى ما يشبه الحلم حيث يرفع الشيخ ذراعه ليدخل »الزواوي« في جناحه ويغيب البرنوس والشيخ و»الزواوي« في عتمة الضباب. وفي هذا تلميح الى عدة نهايات: أولاها ان زمن الأولياء الصالحين انتهى ما جعل المجتمع يفقد بوصلتنا التي تقوده الى الطمأنينة والخلاص من عذابات الدنيا، وهذه اشارة واضحة الى ان مجتمعنا بدائي لم يبلغ مرحلة الفكر العلمي، وحين فقد معالمه الخرافية القديمة ضاع فيما يشبه الضباب المعتم. وثانيها ان فقدان الحلقة الواصلة بين الزمن الحالي والزمن الماضي القائم على كرامات الأولياء الصالحين، يعني ان مجتمعنا لم يخضع لتطور طبيعي ينقله من الفكر الخرافي الى الفكر العقلاني. وثالثها اتهام صريح للفكر الاسلامي المتطرف الذي تغلغل في المجتمع بخدع وأوهام القرون الماضية ما قاده الى ضياع حتمي تصوره الأم (الوطن) التي تطل على الشاشة الصغيرة وهي ميزة التطور الوحيدة لتطلق نداءها بحثا عن ابنها الضائع. تأويلات وربما ينفتح النص على قراءات اخرى، ونهايات اخرى، فالرمز فيه كثيف والتأويلات ملائمة، وعلى حد كل هذه التفاصيل يحتمل أكثر من اسقاط. لكن أهم محطة تستوقفنا بعد كل هذه المتاهة التي تشبه سفرا متعبا في حقبة تاريخية مظلمة من تاريخ الجزائر، هي ان الرواية تكشف زمنين يلتقيان بكل نقاط التشابه هذه: 1 زمن الاستعمار الذي انتعشت فيه »الطرُقية« والشعوذة وكثر فيه »المشايخ« (جمع شيخ وهو المصطلح المستعمل بالعامية الجزائرية) و»الأولياء« والزوايا والمزارات والقبور المباركة. 2 زمن الارهاب الذي كثرت فيه الجريمة، وبُررت من طرف »الأولياء الجدد« بكثرة الفساد وعصيان الله، ما جعل المصائب تنزل بالمجتمع عقابا له، وهو زمن يعمل فيه المتصارعون السياسيون على زرع الفكر الخرافي من جديد في المجتمع للاستحواذ على السلطة. وإن كانت هذه المعالم لا تتضح في الرواية كل هذا الوضوح فإن الأجواء التي اختارها الكاتب تحيلها على هاتين الحقبتين بالضبط، والحقبة الأقرب للرواية هي حقبة »الفكر الديني الظلامي« التي تجتاح الجزائر منذ أواخر الثمانينيات. وفي الحقيقة، الرواية اشتغلت بأسلوب بسيط خال من اي شعرية او تقنيات فنية عالية، ولا يشد القارئ سوى تسلسل الحكاية والرغبة في معرفة النهاية، لكن تبقى لها قيمتها كشهادة تضاف الى الشهادات العديدة على العهد الجزائري المنكسر، وكتصور اجتهد المؤلف لتحقيقه لاختصار ما يحدث في الوطن، وكما قال مقدم الرواية الكاتب مفتي بشير »ها هو الخيّر شوار برواية لا تتعدى صفحاتها المئة يجبرنا على رؤية الأدب من منظار جديد ومختلف /.../ يقدر على استيعاب مغامرة تحتفل بالروحاني الميتافيزيقي داخل تراث شعبي ربما حكمنا عليه مسبقا بالوأد فيما الرواية تعيد له بهاءه من جديد، تعيد خلقه ثانية وهي تصنع نصا خاصا بها، نص الملحمة الميثولوجية للوعي الشفوي« وإن كان مفتي بشير يعبر بمبالغته هذه الحجم الحقيقي للرٍواية، لكنها الأنموذج الأقرب لمجموعة نصوص تلامس الواقع بريشة التراث الشفوي، وتؤرخ للحاضر بشيفرة قديمة قد تبدو غير مفهومة لكنها تخفي الكثير، وتكشف أكثر من حقيقة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة