تتسارع احداث المشهد العراقي وتدفعها اميركا دفعا حتى ليبدو العالم وكأنه ذاهب بمجمله الى حرب تقع اليوم وليس غدا. سريعة تماما كالزيارة التي قام بها الوفد اللبناني الفلسطيني الى بغداد مؤخرا. زيارة تسمح بتشكيل صورة من اربعة مشاهد للحالة العامة. حالة بغداد وقد اختارتها اميركا لتعلن عليها ثاني حروب القرن. مشهد1 في الرابعة من فجر أحد صباحات شباط العام 1991، جاء الصاروخ الاول. الناس نيام على اطمئنان بأن الجدران الخرسانية مسلحة بسماكة مترين تكفي لسلامتهم. اهل الحي يفترشون ارض الملجأ المشيد في العام 1984 في خضم الحرب مع إيران. أصل الفكرة الوقاية من الهجمات الصاروخية المحتملة او الغارات الجوية، وحتى الاسلحة الكيميائية. لكن تلك الحرب القذرة مع الجارة إيران لا تقارن أسلحتها ب»ذكاء« ما جاء به الاميركيون، وبما سيجلبون في حربهم الجديدة. شق الصاروخ الاول طريقه في الجدار الاسمنتي المسلح، قالت لنا المرشدة العراقية التي فقدت غالبية أفراد عائلتها في ذلك الصباح الاسود. صاروخ لولبي حفّار كما وصفته، كان كافيا لفتح الجدار. ومن تلك الفتحة جاء الصاروخ الذكي الثاني محملا بقوة ألفي كيلوغرام من المتفجرات. الناس نيام، والليلة ككل الليالي التي رافقت »عاصفة الصحراء« الاميركية، غير مفهومة. فلماذا دخول الكويت اصلا ؟. ولماذا يكون تحريرها بقصف بغداد؟! ولماذا تقصف مدينتهم اذا كان صدام حسين اخرج قواته من الكويت مع بداية العاصفة؟!. ومثلما كانوا نائمين على تساؤلاتهم، ماتوا. لا احد يمكنه وصف ما جرى داخل تلك القاعات الجامدة وقد تحولت في لحظات الى جحيم. جحيم من الصراخ والنيران واللهب. الاشياء المعدنية انصهرت، والجدران تشققت وتفسخت. اما من كان نائما فقد تلاشى. الجثث التصقت بالجدران وما زال اثرها ظاهرا حتى الآن وكأنها لوحات رسمت على الحيطان من دون ألوان لعمل يتصور شكل جهنم يرسمه الشيطان. قلة كان مصيرها أقل سوداوية، احترقت بالكامل. اكثر من 400 ماتوا ذلك اليوم. والآن، صورهم، مسندة الى الجدران وكأنها كانت في متحف شاهد على ما جرى. لكن من زار بغداد خلال العقد الماضي، من المتضامنين والصحافيين، كان بإمكانه الذهاب لتأمل صور شخصية للموتى، غالبيتها لنساء وأطفال، وبعضها مجموع في إطارات واحدة لتشمل العائلة الواحدة. البعض الآخر لا صور له، وكأنه لم يكن على هذه الارض. والآخرون جثث متفحمة. مجرد جثث، مغطاة او محمولة خلال عمليات الانتشال، او مكدسة في شاحنات. تحت الفجوة التي احدثها الصاروخان، تتدلى دعائم حديدية وخرسانية نحو الحفرة التي احدثتها الانفجارات. يتسلل ضوء الشمس منها الى داخل الملجأ. هنا، المكان المفضل للزوار لتقدير هول ما جرى باعتبار ان الجثث لم تعد موجودة. بعض اعضاء الوفد اللبناني الفلسطيني في »الحملة الاهلية لنصرة فلسطين ومناهضة العدوان على العراق« غالب دموعه. لكن مجموعة لا بأس بها بدت متآلفة مع المشهد. كثيرون خبروا مجازر مشابهة، أقلها في لبنان. ف»الخطأ« الاميركي هناك، مشابه تماما ل»الخطأ« الاسرائيلي هنا ، وفي فلسطين. اعتاد كثيرون على آلام الامتثال بخشوع عفوي امام مثل هذه الفاجعة. في الخارج، صبيان يجلسان يراقبان الوفد مغادرا. يتحرشان بالمارة ظنا منهما انهم اجانب. هما يعملان في التنظيف في الملجأ. يتقاضيان أجرا زهيدا، ويتعلمان في المدرسة الملاصقة للملجأ. تخشى ايلامهما، لكنهما لا يذكران احدا من الموتى. احدهما قضت خالته في الداخل. يأخذك الى قبرها، خلف المبنى. وهناك تمتد الفاجعة امامك: مئات القبور المصطفة بانتظام. قبور جديدة للشهداء. ولكل قبر شاهد، ومصابيح كهربائية لم تعمل بعد. مشهد 2 هنا أطلال تشهد على ما آلت اليه محاولة الريادة العراقية علميا. هنا كأنك في بغداد بعدما استباحها المغول قبل الف عام وألقوا كتبها في نهر دجلة ليعبروا. هنا الخوف على الجهد العراقي لمجاراة العصر، والخوف الاكبر مما اذا كانت الامكانات العربية ستؤول الى المصير ذاته يوما ما. وحدها اللافتة المعدنية عند المدخل توحي اليك بالمكان: المؤسسة العامة لتنمية الثروة الحيوانية دائرة الصحة الحيوانية قسم الحمى القلاعية. هذا المكان الواقع في منطقة الدورة في بغداد، كان »متهما« وما زال »مشبوها«. اسس ما بين عامي 1975 و1980 بمساعدة من الحكومة الفرنسية لانتاج اللقاحات الخاصة بالحمى القلاعية، وسرعان من كان المركز قادرا على انتاج ما يكفي العراق من اللقاحات وامداد دول المنطقة بما تحتاجه. لكنه الآن مجرد خراب. بعد حرب الخليج، زاره المفتشون الدوليون وركزوا فيه اربعة اجهزة تصوير للمراقبة. لكن ذلك لم يحل دون زيارته نحو 60 مرة خلال التسعينات. وفي العام 1995، قرر المفتشون اغلاق الموقع نهائيا، وبعدها بعام اتلفوا الاجهزة العلمية التي كانت تستخدم فيه. نشرت الانابيب المعدنية، وسدت فجوات التهوئة، ووضعت ملصقات مشفرة على الاجهزة والمعدات، مع تعليمات صارمة بمنع تحريكها، او محاولة اصلاحها. ثم جاء الوباء. في عامي 1998 و1999، انتشرت الحمى القلاعية بين الماشية ونفق اكثر من نصف مليون رأس، بينما اصيب اكثر من مليونين. يقول المدير السابق للمشروع منتصر العاني »كنا عاجزين عن تقديم أي علاج«. قبل عودة المفتشين الدوليين منذ نحو شهرين، اصدر رئيس الحكومة البريطانية طوني بلير اشارة الى هذا المختبر بالاسم، متهما العراقيين باستئناف انشطتهم فيه. كان اول ما طلبه المسؤولون العراقيون من المفتشين بعد وصولهم زيارة المركز للتأكد من انه ما زال على حاله منذ سحب المفتشين في اواخر العام 1998. وكان على حاله. كتب علمية قديمة مكدسة في الصناديق في اروقة المختبر المهجور، يأكلها التراب. لا اثر لأن 120 موظفا كانوا يوما ما يعملون في هذه الغرف، يتزاملون في العمل ويتقاسمون طعامهم. حتى الاقتراح العراقي بالتعاون مع منظمة »الفاو« لاعادة تشغليه رفضه المفتشون. اعتاد منتصر العاني الاجابة على اسئلة الصحافيين والزوار كلما جاءوا لتفقد المكان. اعتاد على ما يبدو مواجهة سيل الاسئلة واضواء الكاميرات وهو يردد منذ سنوات رواية نهاية مختبره. اجاباته تخرج بعفوية تلقائية. ربما قلة اكترثت لما يشعر به، وما حل بزملائه . ولهذا ربما بوغت عندما سئل عن احساسه ازاء المفتشين الدوليين. »طوني بلير كاذب« قال منتصر العاني بعدما اخرج من اعماقه تعبيرا مدويا بأنه يكرههم لأنهم أذوه. مشهد 3 بعد المسيرة التي خرج فيها أعضاء الوفد اللبناني الفلسطيني باتجاه مقر مكتب الأمم المتحدة الإنمائي حيث سلمت ممثلة كوفي انان رسالة تدعوه »لتولي مسؤولياته الأخلاقية« ومنع الحرب، قصدت مجموعة صغيرة، مستشفى صدام المركزي للأطفال في منطقة الإسكان والذي شيد في العام 1986. »انماء وأخلاق«. تعبيران ملتبسان هنا. يدخل هذا المستشفى وحده ثلاث حالات اصابة بالسرطان يوميا، بعدما كان قبل سنوات العقوبات والحصار يستقبل حالتين اسبوعيا. منذ العام 1995، دخل هذا المستشفى اكثر من 1750 اصابة بالسرطان، كثيرون منهم من الجنوب، وتحديدا من منطقة الناصرية، حيث اظهرت دراسات علمية عدة وتحقيقات صحافية موثوقة، تضاعف حالات السرطان بعد حرب الخليج نتيجة استخدام اسلحة تعتمد على اليوارنيوم. يقول الطبيب محمد دحام ونحن ندخل برهبة الغرفة رقم اربعة المخصصة للتشخيص الاولي، »لا يمكننا استقبال الجميع. غالبيتهم تأخذ العلاج وتعود الى المنزل«. يشير دحام الى ان غالبية المرضى ولدوا بعد العام 1991، وغالبيتهم مصابة باللوكيميا الذي يسببه اليورانيوم المستنفد. هناك »نقص شديد في كل المستلزمات الطبية والعقاقير«. تتكفل الحكومة ب70 في المئة من تكاليف العلاج بينما يقع الباقي على عاتق الاهل. والاهل احوالهم لا تسر عموما. كثيرون لا تتعدى رواتبهم ما يعادل خمسة دولارات شهريا (حوالى 10 آلاف دينار). المشهد في القاعة رقم اربعة لا يوصف. والطبيب يفتقد احدى مريضاته التي رحلت. مروى طارق. باع والدها البيت والسيارة وظلت تقاوم وهي في الرابعة من عمرها الى ان غابت وهي في الثانية عشرة من العمر. ربما كان حظها اوفر من كثيرين غيرها بإطالة عمرها بضع سنوات. اطفال كثيرون لا يستكملون دورة العلاج، ويغادرون الحياة باكرا. أكثر من نصف مليون طفل، تقل أعمارهم عن خمسة أعوام رحلوا سريعا قبل اقل من عشرة أعوام من العقوبات، وفق التقرير الشهير لمنظمة »اليونيسيف«، والذي اعتبرته مادلين اولبرايت ثمنا يستحق دفعه. مشهد 4 أمام نائب الرئيس العراقي طه ياسين رمضان، تحدث المنسق العام لتجمع اللجان والروابط الشعبية معن بشور باسم الوفد اللبناني الفلسطيني، قائلا »معنيون بانتصاركم« مؤكدا على الامل بجبهة واحدة من القدس الى بغداد مرورا بدمشق. كان رمضان واثقا من القدرة على جعل العراق »مقبرة للامبراطورية المجرمة«. يختصر هذا الكلام المواقف العلنية للعديد من المسؤولين في القيادة السياسية في بغداد. لكن الاكثر دقة في تصورات هذه القيادة يقوله رمضان: »علينا ان ننطلق من واقع ان الحرب واقعة لا محالة. قلت لهانس بليكس ومحمد البرادعي ان اميركا تعلم اكثر منكما انه لا وجود لاسلحة دمار شامل. اذاً، سنكون قد ارتكبنا خطأ كبيرا جدا اذا قلنا ان تطبيق القرار 1441« سيجنب العراقيين ثاني حروب القرن.