في ختام كلمته امام المجلس النيابي، دعا الرئيس حسين الحسيني اللبنانيين الى البحث عن مصيرهم بعيدا عن الطبقة المتسلطة، واشار الى ان قانون الانتخابات النيابية قد يكون المدخل الرئيسي، لا بل الوحيد لمثل هذا التحول. والرئيس الحسيني لا يذهب بعيدا في شرحه لموقفه هذا، بل يتصرف ببساطة انطلاقا من كون الانهيار الحاصل في البلاد اليوم يحتاج الى حكومة انقاذ تتولى الكثير من الملفات الاصلاحية، وهو يرى في قانون انتخاب جديد مادة اولى ورئيسة باعتبار ان مثل هذا القانون يتيح تغييرا جوهريا لناحية اعتماد تمثيل اقرب الى الحقيقة، ويوفر مناخات افضل للوفاق الوطني. وسبق للحسيني ان اقترح قانونا انتخابيا يقوم على الدورة الاولى في الاقضية بعد اعادة النظر في عددها وفي حجمها، وفي الدورة الثانية يتبارى المتأهلون في الاقضية ضمن المحافظة باعتبارها الدائرة المقررة في اتفاق الطائف، ولكن مع تعديلات ايضا في عدد المحافظات، وهذه التعديلات لا تاخذ بالاعتبار إلا العناصر التي تفرضها »وثيقة الوفاق الوطني« لناحية حفظ العيش المشترك والوفاق الوطني. لكن الرئيس الحسيني لا يمانع في الأخذ باقتراح آخر يقول بالنسبية على اساس اعتماد المحافظة دائرةً انتخابيةً، مع احترام التوزيع الطائفي والمناطقي للمقاعد النيابية. وهو اقتراح موجود لدى مرجعيات عدة، وقد أعد الباحث في الشؤون الانتخابية عبدو سعد اقتراحا مفصّلا بهذا الصدد وناقشه مع عدد من المعنيين، من مسؤولين وشخصيات رسمية وسياسية. ويبدو أن الأمر محل بحث أيضا عند الرئيس سليم الحص، المهتم جدا بهذا العنوان، ويُفترض ان يكون احد البنود التي بحثها خلال اجتماعه أمس مع الرئيس السوري بشار الأسد، اضافة الى عناوين اخرى محلية واقليمية. والرئيس الحص، كما الرئيس الحسيني، مقتنع بأهمية اطلاق قانون للانتخابات يتيح كسر القواعد الحالية للتمثيل السياسي الناقص من جهة، او الذي يكون عرضة لعملية تزوير وتلاعب بأشكال مختلفة. والحص اشار في مناسبات سابقة الى هذا الامر، وأعد من خلال »ندوة العمل الوطني« التي يرأسها العديد من الندوات والابحاث الخاصة بهذا العنوان. لكن هل من فرصة لتحقيق هذا الامر؟ يبدو بحسب جهات بارزة ان هناك فرصة حقيقية لجعل الأمر محل نقاش على مستويات رفيعة، وثمة اقتراح يتيح تحويل المشروع الى حدث عام يشارك في متابعته كل البارزين في الحياة السياسية، ويتيح تشكُّل تحالفات وتفاهمات سياسية بين قوى بارزة وفق قواعد تُسقط عناصر الاستقطاب الطائفي القائمة الآن. وتقول هذه الجهات انه من المفيد الاسراع في اعداد هذا المشروع ولو كانت الانتخابات بعيدة، وهو امر يناقض رغبة مراجع كبيرة في البلاد، منها رئيس الحكومة رفيق الحريري الذي سبق ان قال انه لا يعتقد ان القانون سيُبحث في وقت قريب، بل هو يكاد يجزم ان الحكومة الجديدة قد لا تتطرق الى هذا الملف، وانه سيُترك للحكومة التي ستؤلَّف بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة. وهذا الموقف يعبر برأي معارضي رئيس الحكومة المقبلة، عن خشيته من أي تحول في الحياة السياسية لا بد من ان يحصل لو أُقر القانون الآن، وليس في مدى بعيد كما جرت العادة. ولكن العمل على تكوين قوة ضغط من قبل اوساط سياسية وشعبية على خلفية قانون الانتخاب، لا بد من ان يولّد دينامية تترك تأثيرات كبيرة على طرفين مركزيين: الرئيس اميل لحود في بيروت والرئيس بشار الأسد في دمشق. وتدرك هذه الجهات ان العمل لإقناع المرجعيتين المذكورتين بأهمية هذا الموقف، يتطلب القيام بخطوتين اساسيتين: الاولى، فتح نقاش جدي يتيح اقرار القانون الآن وليس قبل اسابيع من موعد الانتخابات. الثانية، إخراج النقاش من دائرة ترتيب مصالح فئة محدودة ومحصورة بطبقة تستمر في ادارة السلطة منذ زمن توقف الحرب الاهلية. ويبدو ان النقاش في هذا السياق يأخذ بعين الاعتبار تطورات مهمة، من بينها ان طريقة إعداد القانون خلال المراحل الماضية كانت تقوم على فكرة ان من يتحكم بوزارة الداخلية، يلعب دورا رئيسيا في رسم القانون، كما ان توافقا بسيطا بين اقطاب اربعة او خمسة يكفي لفرض قانون يُلزم اكثرية اللبنانيين. وهذه الطريقة يجب كسرها منذ الآن، خصوصا ان اللبنانيين يشعرون اكثر من أي وقت مضى، بأن الاحوال تعقدت كثيرا بسبب السياسات المتعددة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، والتي ادت الى هذا التدهور من جهة، والى هذا المستوى من الاستقطاب الطائفي الحاد من جهة ثانية. أما الجانب الداخلي الآخر من هذه المهمة، فهو كسر الطوق المفروض على الحياة السياسية بسبب مواقف قوى موجودة داخل الحكم وخارجه. ويبدو ان هذه الجهات تراهن بصورة جدية على تحول في ادارة الملف المسيحي، يمكن له ان يتم من خلال جذب القوى المؤثرة في هذا الواقع، وعلى رأسها البطريرك الماروني نصر الله صفير، الى المكان الذي تتوفر فيه فرصة تصحيح التمثيل السياسي في البلاد وتكسر الاحتكار القائم من جانب طبقة سياسية تستخدم الطوائف كمتاريس لها في المواجهات القائمة في ما بينها. ويقول اقطاب غير بعيدين عن هذا النقاش، ان الابواب مع بكركي ليست مغلقة، ولكن هناك ضرورة لتحييد بعض المقربين من رئيس الجمهورية من الذين يتصرفون على اساس ان كل اقتراب او مصالحة بين بكركي ورئاسة الجمهورية تضر بمصالحهم. ويقول احد هؤلاء الاقطاب، ان البطريرك الماروني وافق وانضم بقوة الى »اتفاق الطائف«، وهو اتفاق نقل البلاد من موقع الى آخر، وبالتالي فمن المنطق المراهنة على مباركة صفير على قانون جديد للانتخابات يوفر آلية انقاذ للبلاد، ويتيح تمثيلا سياسيا يكسر حدة الاحتقان القائم على مستويات مختلفة.