أسبق لريتشارد بايبس المستشار السابق للرئيس رونالد ريغان، ان حذر العالم من الخطر الذي كان يمثله الاتحاد السوفياتي على العالم الغربي أثناء الحرب الباردة. أما اليوم فيطالب نجله دانيال، المختص بشؤون الشرق الاوسط، ان يؤخذ المسلمون المتطرفون على نفس درجة الخطورة. في الحقيقة، ترجع ثقة الولايات المتحدة بقدرتها على الانتصار في الحرب ضد الارهاب وتغيير النظام في العراق وإشاعة الديمقراطية في العالم العربي، الى انها أنجزت شيئا مماثلا من هذا القبيل في السابق. لقد برهنت فكرة الإطاحة بالنظام الشيوعي في المعسكر الشيوعي عن صوابها، وأثبتت للكثير من الاميركيين ان بإمكانهم إعادة تنظيم الشرق الاوسط بشكل جذري. بل أكثر من ذلك، ثمة من يظن منهم ان بلادهم نجحت في وضع حد للتوتاليتارية السوفياتية من دون التنازل عن اي من القيم وإنما على العكس من ذلك، من خلال التأكيد عليها. هذه الصراحة هي التي سمحت بتفادي الحرب وانهيار النظام الديكتاتوري في آن واحد. هذه الفرضيات والآراء التي ازدهرت في فضاء معاداة الشيوعية، يعاد استخدامها اليوم من جديد لمحاربة ايديولوجية اخرى. فمثلما اعتبر البعض ان الشيوعية تمثل الخطر الاكبر على الديموقراطية الغربية في أواخر القرن العشرين، يرى الكثيرون ان الاسلام الجذري هو الذي يمثل مثل هذا الخطر اليوم. لقد أعيد إحياء نظرية الصراع الوجودي بين الخير والشر. وتم ذلك في غالب الاحيان على يد اشخاص كانوا على مقربة من خط المواجهة في معركة محاربة الشيوعية خلال الحرب الباردة. راديك سيروسكي من هؤلاء الاشخاص. لقد تحول هذا اللاجئ السياسي البولندي الى صحافي شرس في مناهضة الشيوعية وخاصة إبان تغطيته لحروب أفغانستان وأنغولا عام 1980. بعد عشر سنوات من هذا التاريخ سيعيّن نائبا لوزير الدفاع ثم الخارجية في حكومة التضامن البولندية. أما اليوم فهو يرأس معهد New Atlantic Uniliative، وهو مركز أبحاث محافظ ذو تأثير على السياسة الحالية في واشنطن. راديك سيروسكي هو اليوم من أشد المتحمسين للحرب على العراق ويعتبرها ضرورة لإعادة فرض الديموقراطية على بعض بلدان الشرق الاوسط. وهذا ما يؤمن باعتقاده الدعامة الرئيسية للانتصار على تنظيم القاعدة واستئصال الارهاب. وسبق لسيروسكي ان صرح في إحدى المقابلات بأن القناعة تترسخ لديه »بأن رؤية الاسلامويين للعالم والحياة شديدة الخطورة على الغرب مثلما كانت الشيوعية السوفياتية في السابق، فالاسلام الفاشي او الاسلام الشيوعي هو قبل كل شيء آخر خطر على من يعيش تحت سيطرته، وبإمكان الولايات المتحدة ان تزيل هذا القمع«. النموذج الثاني هو وليم كريستول الذي يرأس تحرير الWeekly Standard وهي صحيفة يمينية معروفة في واشنطن. بعد أيام من هجمات 11 أيلول بعث كريستول برسالة الى الرئيس بوش يطالبه فيها بدعم المعارضة العراقية وبشن حرب على نظام صدام حسين. ومن يومها لا يتوقف عن شن حملة انتقادات واسعة »لتعنت« الأمم المتحدة وأوروبا حيال هذه القضية. وصرح كريستول في الصين الماضي »ان الاميركيين يعرفون بوضوح من هي الدول الديمقراطية في العالم، ومن هي الدول المستبدة، تماما كما كانوا يدركون ان الاتحاد السوفياتي هو عدوهم الرئيسي«. يحفل ماضي كريستول بالعداء للشيوعية. والده ايرفينغ تروتسكي سابق سرعان ما ارتد يمينا وتولى رئاسة تحرير ال"Enounter" وهي مجلة شهرية مولتها لفترة وكالة الاستخبارات المركزية في مسعى لحشد المثقفين والفنانين ضد الشيوعية. وقد عمل كريستول بنفسه مساعدا للسيناتور الديموقراطي هنري سكوب جاكسون وهو السياسي الذي وضع الخطوط الرئيسية للشيوعية المناضلة في جيل ما بعد المكارثية. لكريستول وسيكورسكي تأثير واضح على واشنطن. الا ان ريتشارد بايبز وابنه دانيال هم الذين يعبرون بشكل أفضل عن تماثل الماضي والحاضر، اذ يتناغمان كل التناغم مع المعسكر المحافظ الجديد الذي وصلت قوته اليوم الى نقطة الذروة منذ تناميها النوعي مع وصول رونالد ريغان الى سدة الرئاسة عام 1980. لقد تأسس التيار المحافظ الجديد على يد ماركسيين مرتدين في الستينيات، الا انه يستمد قوته اليوم من القيم اليهو مسيحية، كما انه على أهبة الاستعداد لمحاربة كل الجهات من يمين او يسار. لقد تخصص كل من ريتشارد ودانيال بايبس في دراسة الاقاليم الجغرافية التي نظر لها على انها المصدر الرئيسي للخطر. عُني ريتشارد بايبس بدراسة الاتحاد السوفياتي، واهتم نجله دانيال بدراسة الشرق الاوسط، حتى أمسى الأب والابن من النشطاء السياسيين الرئيسيين العاكفين على تطوير آلة المحاججة الايديولوجية التابعة للولايات المتحدة. ريتشارد بايبس لاجئ سياسي يهودي بولندي هاجر الى الولايات المتحدة قبل عام 1929. وقد تعلم اللغة الروسية في القوات الجوية الاميركية. الا انه كان يريد دراسة تاريخ الفن في جامعة هارفرد في فترة ما بعد الحرب، لكن قيل له حينها ان من الافضل دراسة بلد معين، فاختار روسيا لكونه يحسن اللغة. أما خيار دانيال فكان أقل عبثية، غير ان تخصصه قد تركز على حقبة العصر الوسيط في تاريخ الشرق الاوسط وليس حول السجالات الدائرة في المنطقة آنذاك. برزت عند كل من الأب والابن أفكار قوية في أول حياتهما المهنية، واستقطبت هذه الافكار صدى واسعا وأهمية كبرى عند الجمهور. انتظر الأب طويلا حتى جاء اليوم الذي كرم فيه من الذين حاربوا أفكاره، فقد سئل غورباتشوف حين أمّ جامعة هارفرد مؤخرا وجلس على مائدة العشاء بالقرب من ريتشارد بايبس عن أسباب سقوط الاتحاد السوفياتي فأجاب »يجدر بكم طرح السؤال على البروفسور بايبس«. ترجمت كتب ريتشارد بايبس الى الروسية، بما فيها روايته الصغيرة »الشيوعية« التي نشرت عام 2001. كما حاضر أمام سياسيين وصحافيين وجامعيين في روسيا، ويمكن القول ان أثره يبرز أكثر من اي متخصص آخر في الشؤون السوفياتية لجهة سير الحرب الباردة، فقد أسهم أكثر من سواه في تبديل النظرة الى الاتحاد السوفياتي وتكريس الصورة القمعية ورد الأمر الى القيم الاوتوقراطية الما قبل بولشفية. اما دانيال بايبس فهو مقتنع بأن العالم الذي درسه بعيد كل البعد عن الغرب. فالإسلام هو الوحيد »من بين الديانات التوحيدية الثلاث الكبرى في العالم الذي لم يتطور ليصبح عصريا. ومن دون ان اعتقد ان الاسلام ميئوس منه فإني ارى ان المسلمين لا يعرفون أن يواكبوا التطور العالمي«. يدرك دانيال انه لم يعد أكاديميا، هذا في حين لم يفارق والده ريتشارد هذه الصفة ابدا. بيد ان كلاً من الأب والابن نجح في تخطي العتبة الاكاديمية ليصبحا صوتين راجحين لدى الجمهوريين في واشنطن. وقد سبق لريتشارد بايبس ان قدم محاضرة في واشنطن عام 1969 أمام »الجمعية التاريخية الاميركية« وعارض فيها بشدة فكرة التقارب بين الديمقراطية الغربية والاتحاد السوفياتي على صعيد المعاش والاجتماع. وكان دورثي فوسديك، مساعد السيناتور سكوب جاكسون، من بين الحضور، فراح يقنع ريتشارد في ما بعد بالإدلاء بشهادة أمام مجلس الشيوخ حول اولى معاهدات الحد من التسلح، كما أقنعه بأن يصبح مستشارا لجاكسون. ومن المصادفة ان يكون أحد مساعدي جاكسون الشبان في ذلك الوقت هو ريتشارد بيرل، الذي ما زال ديموقراطيا على حد قوله مع انه يشغل اليوم منصب مستشار وزير الدفاع رونالد رامسفيلد ومن صقور مشروع فن الحرب وفرض الديموقراطية على العراق. يجسد كل من بيرل وبايبز خط الاستمرارية من زمن مناهضة الشيوعية الى الحملة الحالية. وبيرل هو ايضا من أشد المدافعين عن فكرة إعادة رسم خارطة العالم الاسلامي من خلال زرع قوى ديموقراطية في داخله. في منتصف السبعينيات، يرأس بايبس بصفته خبيرا في »العقلية« السوفياتية الفريق »ب« وهو مجموعة من المثقفين السياسيين عملوا في ظل الاستخبارات الاميركية وتحت وصاية رئيسها آنذاك جورج بوش (الأب). ووصلت شهرة ريتشارد بايبس الى حد جعلته يعيّن رئيسا للمكتب السوفياتي في مجلس الأمن القومي عام 1987. ويسجل: كان ريغان يميل الى الاعتقاد بأن السوفيات يضمرون الخير للناس في قلوبهم مثلنا، قلت له انهم بالتأكيد يكنون العكس. ثم وصلنا الى وضع صيغة ان تركيبة النظام نفسها توصله الى ضرورة العدوان، ما نتج عنه خطاب امبراطورية الشر. وكان من بين الذين تحمسوا لنظرية ان الاتحاد السوفياتي هو الشر المطلق، باحثة اكاديمية عملت مختصة في الشؤون السوفياتي في ادارة بوش الأب وتدعى كوندوليسا رايس. وهي تتولى اليوم منصب مستشارة الأمن القومي في ادارة جورج بوش الثاني، وتعتبر ان ادخال روسيا الى العالم الديموقراطي يعد من اكبر الانتصارات التي تحققت في العقدين الماضيين. كما انها تؤمن بأنه يجدر برائدة العالم الحر، اي الولايات المتحدة، ان تتمتع بحق الضربة الوقائية كي يبقى العالم حرا وآمنا. سبق لرايس ان حرّمت في مقابلة تلفزيونية لشبكة الاذاعة البريطانية في آب الماضي ان »التاريخ مليء بحالات شلل أدت الى نتائج جسيمة على العالم. علينا ان نعيد النظر في الماضي فكم من الطغاة شكلوا بأعمال بطشهم قطرا شاملا، وقتلوا الآلاف، فيما كان بالامكان ايقافهم عند اول الطريق«. تشاطر رايس بوضوح افكار بايبس الأب، الا ان بايبس الابن يضيق ذرعا من الادارة التي تعمل فيهما، اذ يعتبر ان الحكومة الاميركية تنزع الى التفريق بين الاسلام الجيد والاسلام السيئ. وهذا مجرد دليل على جبنها. حين تطالعك قائمة المطلوبين من مكتب التحقيق الفدرالي تكتشف انهم كلهم عرب تقريبا. علينا التيقظ لهذا الخطر. نحن »اليوم نصف مستيقظين. انظروا لما حدث داخل استراليا بعد انفجارات بالي. لا يمكن الطلب منا ان نتفهم الشر«. مثل ولده، يبدي ريتشارد توترا بسبب رفض زملائه الأخذ بما يراه حقائق اخلاقية صعبة، ويبدي استهجانا من التذنيب الذي يخالج معشر المثقفين الغربيين اليوم. أما دانيال فهو يرى »ان ثمة شعورا بأن ما نملكه في الغير ليس ذا قيمة. ان شعورا بالذنب يسيطر ويدفع الى التشكيك الدائم. يرى الكثير من مثقفي الشرق الاوسط ان بإمكان الاسلام ان يتماشى مع التطور وأن يصبح ديموقراطيا، في حين أرى ان تلك المجتمعات في غاية القمعية«. وينظم »منتدى الشرق الاوسط« الذي يرأسه دانيال ندوات تركز على الاطروحات الاكاديمية الرجعية والمساومة مع التطرف (الاسلاموي) والعداء للسامية. »ان اليسار غير راض عما صنعناه هنا في الغرب، بسبب ما يعانيه من عقدة ذنب. أما اليمين فمقتنع بنا. يميل اليسار الى التنازل بعض الشيء والى تفهم العدو، فيما اليمين مصمم على المواجهة«. واجه هجوم دانيال على هذه الاوساط الاكاديمية معارضة عنيفة الى حد منعه من الكلام في إحدى الكليات... ولسخرية القدر بسبب من »مكارثيته« ومعارضته للخطاب الحر. اما راديك سيروسكي فيرى ان دانيال قد ورث الشعلة عن ابيه بشكل رائع. لكن لا أحد من آل بايبس يحب ان يشبه بالثاني. لقد عارض دانيال بحدة محاولات مقارنته بأبيه مكتفيا بالتعليق »لطالما اعجبت به«. وفي حين اكتملت مهمة ريتشارد مع انهيار النظام القمعي واعتراف آخر قيادييه غورباتشوف بالكثير من القيم الليبرالية التي أراد الشيوعيون إلغاءها من العالم ذات يوم، لا يرى دانيال اي »تسامح« مماثل في الإسلام في المستقبل القريب. »فمعارضو القمع لا تسمع اصواتهم البتة. ولا يوجد من بينهم من هو مهيأ للوقوف والاعتراض. لذا يجدر بحكومة الولايات المتحدة ان تستعد لحمايتهم. صحيح أننا اكتشفنا ألمانياً طيباً في شخص كونار اديناور بعد الحرب العالمية، لكننا كنا قد دمرنا الحكم النازي وأصبحنا قادرين على دعم اديناور في السلطة. نحن بحاجة الى رعاية اشخاص مماثلين في العالم الاسلامي. علينا التعايش مع هذا العالم لكن تبرز الحاجة الى طاقم حاكم جديد ومعتدل، وهذا ما فعلناه سابقا مع الألمان بعد الحكم النازي ومع الروس بعد الحكم الشيوعي«. يظهر دانيال البوم بنفس صورة ابيه المتطرفة والحازمة في فترة السبعينيات والثمانينيات، وهو يشير بحزم الى ضرورة »ادراك حقيقة واضحة، وهي ان الفساد يشغل قلب النظام السعودي، وعلى الولايات المتحدة ان تستيقظ لترى ان السعوديين يشترون قادتها«. طلب مني بايبس ان اقرأ مقال »وجهان للإسلام« الذي نشره الصحافي ستيفن شوارتز العام الماضي. وهو باختصار هجوم مفصل على الوهابية، أي الإسلام المتبع رسميا في السعودية من قبل العائلة المالكة. وقد قال لي شوارتز ان الطبقة السياسية والصحافة والاكاديميين في الولايات المتحدة قد وهبوا أنفسهم جميعا للسعوديين، ومنعوا الآخرين من إلقاء نظرة حقيقية عليهم، الا ان السعودية هي الممولة الأولى للارهاب«. يوافقه دانيال الرأي، فلطالما نادى بأنه »يجدر بنا التركيز لا على من يمارس الارهاب وإنما على من يموله ويرعاه. فللإسلام الراديكالي قدرة مهولة على الهجوم ويحسب نفسه حلا بديلا على مستوى النظام العالمي، وذلك في إطار حرب شاملة ضد الغرب«. وتحية منه الى تجربة والده يضيف دانيال: يرى الاسلام نفسه، تماما مثلما كان يرى النازيون والشيوعيون انفسهم، في معركة دائمة مع عالم معادٍ لهم. لا اعتقد انهم سيربحون. لكن اذا لم نعد الى اصول قيمنا في الحرية، فإنهم سيصبحون اكثر قوة«. نقلاً عن: الفايننشال تايمز. الأحد 19 12 2003 ترجمة ديما صادق