As Safir Logo
المصدر:

هجر السينما منذ 1997 قبل أن يختاره سكورسيزي ل»عصابات نيويورك« دانيال داي لويس الذي جاء الى الشاشة من المسرح والشعر

المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 2003-01-30 رقم العدد:9411

تستمر العروض اللبنانية ل»عصابات نيويورك« لمارتن سكورسيزي، التي بدأت في الثاني من كانون الثاني الجاري، في صالات »كونكورد« (فردان) و»فريواي« (سن الفيل) و»كسليك« و»ستارغايت« (زحلة) و»أبراج« (فرن الشباك). تمثيل دانيال داي لويس وليوناردو دي كابريو وكاميرون دياز. فيلم قاس وعنيف، عن الصراع الدموي بين المهاجرين الإيرلنديين الكاثوليك والمواطنين الأميركيين »الأصليين« البروتستانت، في »بوينت فايف«، أحد الأحياء القذرة والفاسدة والمليئة بالغضب والأحقاد والجريمة، في نيويورك، في منتصف القرن التاسع عشر (راجع »السفير«، في الرابع من كانون الثاني الجاري). في هذا الفيلم، قدّم دانيال داي لويس واحدا من أجمل أدواره الدرامية، بعد خمسة أعوام على مشاركته في بطولة »الملاكم« لجيم شيريدان. المجلة الفرنسية المتخصّصة »بروميير« نشرت، في عددها الأخير (كانون الثاني 2003)، مقالة لتوم روستون عن داي لويس، استعادت تجاربه السينمائية والمسرحية، وعلاقته بسكورسيزي و»عصابات نيويورك«، وكيفية تناوله الشخصيات التي يمثّل. هنا، ترجمة عربية لمقتطفات أساسية من المقالة المذكورة. منذ العام 1997، حين شوهد دانيال داي لويس ممثلا للمرة الأخيرة، وكان ذلك في فيلم »الملاكم« لجيم شيريدان، سرت إشاعات كثيرة مفادها أن هذا الممثل اختار وضع حدّ لمساره المهني، بانتقاله إلى إيطاليا للإقامة فيها مع زوجته ريبيكا ميلر، ابنة الكاتب المسرحي الأميركي آرثر ميلر، وابنهما. وذلك لكي يمارس المهنة النبيلة: أن يكون إسكافيا. ها هو مجدّدا اليوم، في شخصية جزّار في »عصابات نيويورك« لمارتن سكورسيزي، أي المخرج الوحيد، من دون أدنى شكّ، القادر على إخراجه من عزلته، وإعادته إلى السينما. معا، أنجزا »عصر البراءة« في العام 1993، وفرصة العمل مجدّدا مع سكورسيزي بدت جميلة للغاية. دانيال داي لويس قال إنه مرّ وقت طويل لم يحصل، في خلاله، على »دور هو، في الوقت نفسه، مثيرا ومخيفا، كدور بل الجزّار.« يعرف داي لويس، أيضا، أن المخرج ناقش الدور نفسه مع ممثّله المفضّل روبرت دي نيرو، قبل أن يقترحه عليه. »لم يكن دانيال متأكّدا من رغبته في إنجاز الفيلم«، كما قال سكورسيزي، مضيفا أنه »أدرك أن هذا الأمر سيكون طويلا، وأنه ستحدث تغييرات في السيناريو. إذا، حين سألني لماذا فكّرت به، أجبته بأنه إحدى الشخصيات النادرة التي تستطيع فهم طبيعة الغضب المعتمل في ذات بل«. شخصية بل حقيقية بخصوص هذه الشخصية المعروفة باسم بل الجزّار، فإن مؤلّفي سيناريو »عصابات نيويورك« استوحوها من رجل اسمه بل بوول: قطّاع هياكل عظمية، زعيم عصابة مناهضة للمهاجرين، حكم هذا »الأميركي الأصيل« بتسلّط الأحياء السفلى في »فايف بوينتس«، ساحة العجائب النيويوركية في منتصف القرن التاسع عشر. النتيجة، في »عصابات نيويورك«، تبدّت في بل الجزّار، الذي قطع وفصل ومزّق، بلا مبالاة متساوية، لحم الملحمة واللحم البشري. إنه أيضا متأنق دموي، ورجل شرف وإيمان، ورمز مدينة انقسمت إلى عالمين (قديم وجديد)، عنيفة ومصابة بانفصام موزّع بين حق الملكية وحق الدم. قبل مهرجان »كان« (الأخير، في أيار الماضي)، حيث عُرضت عشرون دقيقة فقط من التوليف الأول للفيلم، سرت أقاويل مفادها أن أداء دانيال داي لويس في »عصابات نيويورك« يساوي أداءه في »قدمي اليسرى« و»باسم الأب«. في هذا الإطار، قال داي لويس: »دائما هناك أشياء نتمنّى إنجازها بشكل مختلف. أخشى أن يشعر الجمهور، بمشاهدتي في هذا الفيلم، أن أدائي شخصية بل غير مفهوم«. هذه الشكوك كلّها، اختبرها دانيال داي لويس منذ سبعينيات القرن المنصرم، حين درس المسرح في إنكلترا: »أصلا، في البداية، حين لم أمثّل إلا أدوار حامل الطيور، تساءلت عما إذا كان هذا كلّه يستحق الجهد والتعب، حقيقة. أتذكّر أني طرحت هذا السؤال على نجم فريقنا. أدهشني جوابه: التمثيل فن نبيل. أعترف أن هذا الجواب أصعقني. لم أفكّر فيه بمثل هذه التعابير. بالنسبة إليّ، فإن التمثيل جواب على رغبة لا تقاوَم. القول السابق أثّر فيّ عميقا، حتى ولو لم أقتنع به«. الفن النبيل شعرا وتمثيلا عند عائلة داي لويس، الفن النبيل كامن خصوصا في الشعر. والده سيسيل (توفي حين بلغ دانيال الخامسة عشرة من عمره)، اعتُبر واحدا من أشهر الشعراء في إنكلترا. والدته، الممثلة جيل بالكون، اشتهرت أكثر بإنشادها القصائد في المهرجانات وعبر أثير المحطة الإذاعية »بي بي سي«. قال عنه جيم شيريدان، المخرج الذي بفضله حصل دانيال على جائزة »أوسكار« أفضل ممثل عن دوره في »قدمي اليسرى«، وترشيحا للجائزة نفسها في الفئة نفسها عن دوره في »باسم الأب«، ما يلي: »في دانيال مزيج شاعر وممثل. لكن، أن يكون والد المرء شاعرا كبيرا، فإني أتخيّل أن التمثيل لا يمكنه دعم المقارنة«. بعد أعوام عدّة أمضاها على خشبة المسرح عضوا في فرقة »بريستول أولد فيك«، لوحظ دانيال داي لويس في العام 1986 بأدائه دور لوطي بانكيّ في»My Beautiful Laundrette«. إن بحثه عن الأصالة، وطريقته في توظيف نفسه في حقيقة شخصياته، وفي تغذية نفسه منها، امور مؤثّرة. كي »يرتدي« دور كريستي براون، المُصاب بالشلل في »قدمي اليسرى«، أمضى وقته كلّه، حتى خارج البلاتوه، مسمّرا على كرسيّه النقّال. لتحضير »آخر الموهيكان« لمايكل مان، قضى أسابيع عدّة في مطاردة الحيوانات وتقطيعها. للتنقيب في نفسية سجين سياسي إيرلندي (باسم الأب)، أغلق على نفسه في زنزانة لأيام عدّة. كما أنه وصل قبل شهرين اثنين من موعد بدء تصوير »البوتقة« (The Crucible) إلى البلاتوه، كي يبني بنفسه المنزل الذي تقيم فيه الشخصية التي يؤدّيها. من أجل »عصابات نيويورك«، غاص دانيال داي لويس، مرة أخرى، في أعماق الشخصية، لفهمها بتفاصيلها الأدقّ: »كلّما غطست في شخصية بل، اكتشفت كم أنها ساحرة وفاتنة. جزء من عملي تمثّل في مشاركة بل في يقينه، فالعيش في اليقين أسهل من العيش في الشكّ. يقين بل راسخ. هذه عقلية خطرة جدا، ومستحبّة للغاية، ومسترخية بشكل غريب. لديه إحساس بالشرف مدفوع إلى أقصاه. إنه مثال نفسه، وهذا المثال يدفعه، في الحياة كما في الموت، إلى التساؤل عن قيمته الخاصة«. درس دانيال فن تقطيع اللحم على أيدي جزّارين حقيقيين، وتمرّن بشدّة على رمي السكين: »يصعب عليّ تفسير ذلك. لكني أشعر بودّ إزاء بل. أضلّ طريقه، لكنه عاش بحسب قانون أخلاقي خاص تلاءم مع وحشية عصره وشارعه. وجدت أن شخصيته المليئة بالفكاهة مثيرة للاستكشاف. تسلّيت معه كثيرا«.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة