لم تر مريم سبباً للخوف الذي بدا في عيون تلميذتها ولحركة يديها العفوية التي حاولت عبرها رد الخطر عن وجهها، وخصوصاً ان المدرّسة كانت قد مدت يدها لتقلب في صفحات كتاب رنا، التلميذة في صف الثالث ابتدائي. على الفور، اعتقدت رنا ان معلمتها بصدد صفعها، وبحوار صغير اعترفت الصغيرة انها تتلقى الكثير من الصفعات واللكمات وشتى انواع العقاب الجسدي من اهلها ومن بعض المدرسين، وإن الحال هذه قد اوصلتها الى حالة من الخوف المستمر وتوقع الضرب من اي كان، بمن فيهم اترابها على مقاعد الدراسة. عندما تشير الأرقام الإحصائية الى ان 91 في المئة من الطلاب الجامعيين الذكور و86 في المئة من الإناث في الهند قد تعرضوا للعقاب الجسدي في طفولتهم، فإننا نجد في ارقامهم ما يشبه ارقامنا او يكاد يطابقها، ولكن عندما تؤكد الأرقام عينها ان ثمة ستة الى سبعة اطفال يموتون اسبوعياً في فرنسا، وثلاثة الى خمسة اطفال في بريطانيا، نتيجة تعرضهم للضرب المبرح من قبل قريب او شخص مقرب من العائلة، تتخطى مشكلة العقاب الجسدي قضية اسلوب وموروث في التربية لتصل الى اقصى حدود انتهاكات حقوق الطفل بدءاً من حقه البديهي في الحياة. الحق في الحياة لم يضمنه احد لألف طفل اميركي ماتوا في العام 1999 جراء تعرضهم للإساءة. هذه الوقائع عرضتها مستشارة التدريب في مؤسسة »غوث الأطفال« السويدية مالي نيلسون، في اطار عرضها للحملة الدولية التي نظمها »الإتحاد العالمي لغوث ألأطفال«، لإلغاء العقاب الجسدي والنفسي الذي يتعرض له اطفال العالم . وشكلت محاضرة نيلسون جزءاً من ورشة العمل التي نظمتها »ورشة الموارد العربية« في لارنكا (قبرص) اخيراً، بالتعاون مع »غوث الأطفال« السويدية حول »المناداة بحقوق الطفل في العالم العربي«، بمشاركة جمعيات اهلية ومنظمات غير حكومية من مصر واليمن وفلسطين والأردن ولبنان. وتشترك المجتمعات على اختلاف موروثاتها الثقافية في تبرير اللجوء للعقاب الجسدي بذريعة ان الأطفال بحاجة لأن يتعلموا احترام الكبار، والصواب من الخطأ، وطاعة الأوامر والعمل بجهد. وتعتبر معظم المجتمعات ان اسلوب تربية الأطفال امر خاص بالعائلة وليس بالدولة. واعتبرت نيلسون ان المبررات عينها تستعمل كثيراً للإبقاء على العنف المنزلي وضرب الزوجات، في مقابل عائلات كثيرة اختارت طرقاً بديلة تعتمد على تبني نظام قيم قوي ومتين، وبرهنت انه يمكن تربية الأطفال بأمان من دون اللجوء الى ضربهم او إهانتهم. ثمة عشر دول في العالم فقط منعت ضرب الأطفال من قبل اهلهم ومعلميهم (النمسا، السويد، كرواتيا، قبرص، الدانمارك، فنلندا، المانيا، لاتفيا والنروج)، فيما تجيز قوانين الدول الأخرى للأهل وألأساتذة والمعنيين الآخرين اللجوء الى عقاب جسدي »معقول«. وأكدت نيلسون ان الأطفال والحكومات والجمعيات يعلمون ان التخلص من العقاب الجسدي ليس مهمة سهلة، وان ثمة حاجة لإستراتيجيات مختلفة في سبيل ذلك، وان الأسباب التي يجري قبولها علناً لمنع العقاب الجسدي في المدرسة تبدو غير مقبولة عند اقتراح منعه في المنزل. وتشير تحاليل عالمية الى ان الغاء العقاب الجسدي يزيد من فرص التمتع بحق التعلم بطريقة شاملة عبر رفع نسبة الإلتحاق بالمدرسة وتكيف التربية وحقوق الإنسان ضمن نظام التعليم. ويؤدي منع العقاب الجسدي الى تعزيز وضع الأطفال كأصحاب حق متساو مع حقوق سائر افراد العائلة والمدرسة والمجتمع المحلي. كذلك يدعم حقهم في الاستماع اليهم، والأهم انه يشكل خطوة اساسية في المضي بإستراتيجية طويلة الأمد لإيقاف دائرة العنف في المجتمع.