As Safir Logo
المصدر:

»ليست نعناعاً.. وربما تؤدي إلى الموت« عمال يدمنون استنشاق مادة »التنر«

المؤلف: علي حازم التاريخ: 2003-01-15 رقم العدد:9398

يفيق شريف عند السادسة من صباح كل يوم، يعد نفسه للخروج ويحضر زاده... ثم يذهب الى خزانته ويأخذ من بين أغراضها زجاجة ضئيلة الحجم يدسها في جيب معطفه. يمشي اربعة كيلومترات تفصل بين عمله كدهان في ورشة موبيليا وبين بيته الذي يقع في أحد الاحياء الفقيرة. بعد ساعتين من مشروعه في العمل يبدو الاضطراب جليا عليه. ينزوي في غرفة ويخرج الزجاجة الصغيرة من الجيب ويروح يشم محتواها: مادة التنر. حين يخرج من الغرفة، يكون حاله قد انقلب من مضطرب الى ما يشبه المخمور غير القادر على أي أداء طبيعي. عندها تبدأ مشاجراته اليومية مع رب عمله ومع رفاقه العمال، الى ان يتركوه وحده حتى يستعيد هدوء أعصابه. هم اعتادوا على أفعاله منذ صار مدمنا شم التنر. حين يشم التنر، يسيطر عليه إحساس غريب بالنشوة والسعادة. يغادر الى عالم آخر يعيش فيه، وحيدا، ويكون »معلما«، وليس »شغيلا«. اضطرت ظروف العائلة الشاب العشريني الى الانقطاع عن دراسته والتوجه صوب حرفة يتعلمها، اختار »دهان الموبيليا« وأتقنها وتسلل إدمان التنر من غرفها المغلقة الى دمه. وصار يحمل الزجاجة معه أنى ذهب بعدما باتت رفيقته الوحيدة. ولا يريد ترك عادته. فهي هروبه الاخير من واقع صعب لا يحبه. نشم نعناعاً يحكي صاحب ورشة دهان سيارات عن ثلاثة فتيان عملوا لديه في احدى عطل الصيف. لم يكونوا بانتظاره حين فاجأهم صباحا وفي يد كل منهم قطنة قربها من أنفه كما لو انها وردة. سألهم عن الذي يشمونه فتفتقت مخيلة أحدهم عن إجابة سريعة: »نعنع«. علم صاحب الورشة بالطبع ان ما يشمونه لم يكن »نعناعا ولا بقدونسا« بل تنر. وأخبر ذويهم بأن »إلحقوا ولادكم... عم يشمو تنر«. يصف الدكتور انطوان قمير، اختصاصي الامراض الدماغية والتنفسية والمدير العام السابق لنقابة الاطباء، ظاهرة استنشاق المواد المتطايرة (بنزين تنر غاز القداحات وغيرها) بالمرعبة: »هذه المواد تؤدي الى إدمان لا يقل خطورة عن إدمان المخدرات، من يستخدمها يتنشِ ويشعر بمطاطية الوقت، لكنها في الحقيقة تؤدي به الى الهلاك. ولكن لهذه المواد انعكاسات سلبية سواء كانت على الفرد أو المجتمع«. ويشير قمير الى ان أغراضها الصحية خطيرة وهي على سبيل المثال لا الحصر: الادمان، نقص المناعة في الجسم، ألم شديد في الرأس، تضخم القلب، وهن العضلات والارتخاء، اضطراب الجهاز التنفسي وإمكانية حدوث شلل فيه، التهاب المعدة، فقدان الذاكرة. وفي مراحل متقدمة يمكن ان يؤدي الى الموت نتيجة دخول أبخرة هذه المواد الى الرئتين والدم وبالتالي حصول اختناق. يضيف ان هذه المواد وخصوصا »التنر« هي مذيبات عضوية وانها تذيب الدهون، ومن المعروف ان حوالى 3/4 الدماغ مكون من الدهينات، فأبخرة »التنر« تذيبها، لتفتك تاليا بأعصاب الدماغ وتؤدي الى هلاك من يتعاطاها. وليس من قانون في لبنان ينظم بيع مثل هذه المواد، وهي متوفرة بأسعار زهيدة ومن السهولة بمكان الوصول اليها. في الولايات المتحدة أصدرت الحكومة أحكاما خاصة باستخدام المواد المتطايرة وحظرت بيعها لمن يبلغ الثامنة عشرة من عمره. وتفرض في دول اخرى عقوبات تصل حد الحكم بالسجن وتغريم المتعاطين مبالغ كبيرة باعتبار المواد المتطايرة نوعا من أنواع المخدرات. أما في لبنان فلا يتجاوز سعر الليتر الواحد منها 1500 ليرة، وهي في متناول الجميع. يصر شريف على إدمانه. الادمان نفسه الذي قاد عاملا شابا آخر الى الانزواء في سيارة أحكم إقفال نوافذها اتقاء للشتاء. كانت الاسفنجة في يده مشبعة بالمادة السامة. وقد جاء في تقرير الطبيب الشرعي ان وفاة استنشاق التنر الذي امتلأت به الرئتان ومنع وصول الاوكسجين إليهما.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة