هل يؤدي تغيير المناهج الى سد منافذ التطرف والإرهاب؟ هذا سؤال للاستدراك وليس للاستفهام. بمعنى انه من قبيل الاسئلة التي تطرح بعد ان تشهر الإجابة، وتثار الشكوك حول صحتها، الامر الذي يحرك الدعوة الى مراجعتها وتصويبها. ذلك ان العمل جار الآن بهمة لتعديل المناهج الدراسية في بعض الأقطار العربية، لكني أجادل في ان لا يمثل ذلك مدخلا صحيحا لحل الأشكال. (1) في بداية شهر يناير الحالي، قدم أحد أعضاء مجلس الامة الكويتي، الدكتور وليد طباطبائي، سؤالا الى وزير التعليم حول طبيعة المهمة التي تقوم بها لجان فنية شكلت داخل الوزارة لمراجعة منهجي اللغة العربية والتربية الاسلامية. وقيل في هذا الصدد ان عملية المراجعة ستشمل أمورا عدة بعضها يتعلق بفكرة او مصطلح »الجهاد« (الذي رشحت كلمة »التضحية« بديلا عنه) وببعض العناوين الاخرى التي شابها الالتباس واللغط. وفي حوار صحفي لاحق ذكر وزير التعليم الكويتي الدكتور مساعد الهارون ان هناك »خطة شاملة لتطوير المناهج العلمية والادبية والدينية، وذلك لتعزيز القيم الدينية السليمة التي يدعو اليها ديننا الاسلامي الحنيف، مثل قيم التسامح ونبذ العنف واحترام الأديان السماوية والسلام« (الشرق الاوسط 7/1). الكلام ليس جديدا، وربما كان الاعلان عنه هو الجديد، لان موضوع التعليم الديني بوجه أخص سلطت عليه الاضواء بقوة بعد أحداث 11 سبتمبر. وقد تابعنا جميعا ما جرى في باكستان، حين طلبت الولايات المتحدة وضع المدارس الدينية تحت الاشراف الحكومي (حركة طالبان، بقياداتها وكوادرها كانوا من متخرجي تلك المدارس، واسم الحركة منسوب الى طلاب المدارس الدينية). ولعل الجميع يذكرون تصريح الرئيس اليمني علي عبد الله صالح الذي قال فيه ان بلاده كان يمكن ان تتعرض لقصف مماثل لما أصاب أفغانستان، اذا لم تضم المعاهد العلمية (مدارس دينية مستقلة) الى مدارس الدولة وتخضع للإشراف الحكومي. على صعيد آخر، فقد تداولت الاوساط السياسية معلومات عن مذكرة أميركية قدمت الى بعض الدول العربية، طلبت اجراء تعديلات في مناهج التربية الدينية، مع »اقتراح« تقليص ساعات تدريس تلك المناهج. (2) استأذن هنا في إيراد ثلاث ملاحظات هي: أنني أتمنى ألا نستدرج الى جدل عقيم حول ما اذا كنا يجب ان نطور المناهج أم لا. فالمبدأ محسوم لصالح المواكبة والتطوير لا ريب، ولكن ما يعنينا في الامر هو سياق التطوير وجدواه ومقاصده. ان الذين يضغطون من الخارج مطالبين بتعديل مناهج التربية الدينية وتنقيتها من مظان التطرف والارهاب يركزون على العرب والمسلمين وحدهم، لكن أحدا لم يشر بكلمة الى »التعاليم المليئة بالحقد التي تنشرها مدارس اليشيفا والكوليل (الدينية) في اسرائيل والضفة الغربية وخارجهما« وهذه الملاحظة ليست من عندي، لكني استقيتها من مقالة كتبتها السيدة هيلينا كوبان، الكاتبة البريطانية المتخصصة في شؤون الشرق الاوسط. ان ثمة اتجاهين في الادارة الاميركية بخصوص التعامل مع الاسلام والمسلمين، أحدهما يعبر عن احترام الاسلام والاشادة برسالته وحضارته، ويرى ان تصحيح بعض المفاهيم المنسوبة اليه هو المطلوب. وينحاز الرئيس بوش الى ذلك الاتجاه، وقد عبر عنه في مناسبات مختلفة. ولكن هناك اتجاها آخر يقوده الاصوليون المحافظون يرى ان الاسلام ذاته دين شرير، وان العدو الحقيقي للولايات المتحدة والغرب ليس الارهاب، ولكنه »الاسلام المقاتل«. وقد كتب اليوت كوهين أحد مستشاري وزارة الدفاع مقالة بهذا المعنى في صحيفة »وول ستريت جورنال«. كما ان ممثلي ذلك التيار انتقدوا موقف الرئيس بوش، حتى ان أحدهم (اسمه وليام لند من عناصر المحافظين الأحرار) كتب مقالة قال فيها ان كلام بوش عن التصالح مع الاسلام والمسلمين، أشبه بالاحتفاء الاميركي بعقيدة »الشينتو« اليابانية، بعد هجمات اليابانيين على الاسطول الاميركي في »بيرل هاربور« إبان الحرب العالمية الثانية. (3) فكرة تعديل المناهج وتنقيحها تستحق المناقشة على مستويين، من حيث منهجه، ومن حيث مبدئه كمدخل لعلاج مشكلة التطرف والإرهاب. في المنهج، لنا ان نتساءل: أيهما أجدى، ان يتم التنقيح عن طريق إسقاط المصطلحات واستبعاد العناوين والموضوعات من المقررات الدراسية، أم يكون بالإبقاء على المصطلحات والعناوين كما هي، اذا كان لها أصلها الشرعي، والعمل على وضعها في إطارها السليم الذي ينفي عنها التشوه والمسخ؟ سآخذ مصطلح »الجهاد« الذي أصبح يؤرق الجميع ويستفزهم، وأقول ان أمامنا أحد طريقين أحدهما ان يلغى المصطلح ويختفي من المقررات الدراسية، ويستعاض عنه بمصطلح آخر، مثل التضحية او الحرب المقدسة او الفداء. وفي هذه الحالة فان مثل هذه المحاولات سوف تستفز الضمير الديني، حيث لن يستسيغ المتدينون إسقاط مصطلح يمثل في الخطاب الشرعي عنوانا جليلا له مكانته المحتفى بها في القرآن، في حين تصفه الأحاديث النبوية بأنه »ذروة سنام الاسلام«. وفي الوقت ذاته فان أولئك المتدينين لن يعدموا وسيلة لتتبع المصطلح في مظانه الاخرى، أعني انهم سيلقون بما تعلموه في الكتب المدرسية جانبا، وسيبحثون عن كتب اخرى تراثية او معاصرة، لإشباع رغبتهم في المعرفة. وهو مسلك لن يستبعد احتمال الوقوع في محظور التفسيرات او الاجتهادات المغلوطة، التي أريد تجنبها من البداية. في الوقت ذاته فان عملية الاستبعاد ستتحول الى نقطة لصالح منظري التطرف والارهاب، الذين يخاصمون المجتمع ويطعنون في صدق التزام أنظمته بالاسلام ووفائها له، باعتبار ان خطوة من ذلك القبيل ستفسر بحسبانها انتقاصا من الدين وتحللا من تعاليمه وتكاليفه. الطريق الثاني يستبعد الحذف، لكنه يبقي على المصطلح ويركز على مضمونه الحقيقي في الكتاب والسنّة. حيث الجهاد في مفهومه الشرعي واللغوي هو بذل الجهد والطاقة، وله مجالات ودرجات، أوصلها ابن القيم الجوزية الى أربع مراتب هي جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار والمنافقين، وجهاد أرباب الظلم والبدع. وفي كل مجال درجات عدة، مجموعها في المجالات الاربع 13 درجة، يمثل القتال واحدة منها فقط. الامر الذي يعني ان هناك 12 بابا آخر للجهاد كلها بالطرق السلمية. (4) في القرن التاسع عشر كان الاعتقاد الشائع بين المثقفين الاوروبيين ان الكاثوليكية والديمقراطية لا يجتمعان، أغلب الظن لأن محاكم التفتيش الاوروبية خرجت من عباءة الكنيسة في القرن الذي سبقه. وتبين لاحقا خطأ ذلك الاعتقاد، لأن الديمقراطية الغربية التي تعايشت لاحقا مع الكاثوليكية على النحو الذي يلمسه الجميع. وفي اوائل القرن الماضي (العشرين) أشاع بعض الاقتصاديين ان النجاح الذي حققته دول شمال أوروبا راجع الى الدور المؤثر للأخلاق البروتستانتية، في حين تنبأوا بأن الجنوب الكاثوليكي سيظل فقيرا. لكن ما ان انتصف القرن حتى تبين خطأ ذلك الادعاء. حيث نمت إيطاليا وفرنسا في الجنوب بوتيرة أوسع من أوروبا البروتستانتية. وفي السنوات الاخيرة أرجع بعض الباحثين الازدهار الذي عاشت في ظله دول جنوب شرق أسيا، الى كون »الكونفوشية« تساعد على الحيوية الاقتصادية، لكن الأزمات التي واجهتها بعض تلك الدول دعت زعماء تلك الدول الى القول بأن القيم الآسيوية تنطوي على خصائص سلبية. بوسعنا والأمر كذلك ان نضيف ان المجتمعات الاسلامية التي تعاني من التخلف وربما التعصب الآن هي ذاتها التي عاشت في ظل نهضة عظيمة في طور سابق كان التسامح من أبرز سماتها. الامر الذي يبرئ ساحة التعاليم من المسؤولية عن الاوضاع البائسة التي يعيش في ظلها العالم العربي الاسلامي. لقد استشهد كاتب اسرائيلي ببعض المعلومات التي ذكرتها توا لكي يدحض المقولة التي يروج لها البعض عن تعذر اجتماع الديمقراطية مع الاسلام. وكان الكاتب، شلومو افنيري أستاذ العلوم السياسية بالجامعة العبرية يعلق بما كتب على نتائج الانتخابات التركية الاخيرة التي نجح فيها حزب العدالة والتنمية ذو الجذور الاسلامية. وخلص في مقالته المنشورة بصحيفة لوس انجيليس تايمز (عدد 22/12) الى ان المشكلة ليست في الاسلام ولكنها في غيبة الديمقراطية، التي ان توفرت فان الاسلام سوف يتعايش معها، كما تعايشت أوروبا مع الديمقراطية. (5) اننا اذا أردنا ان نتعامل بشكل جاد مع ملف التطرف والارهاب، يرقى الى مسؤولية التصدي للخطر الذي يمثله كل منهما، فيتعين علينا ألا نلجأ الى التبسيط الذي يتعامل مع المسألة من خلال »الإجراءات«. فتشكل لجان تنظر التقارير، وتقرر الحذف هنا والاضافة هناك، وكأننا بصدد مشكلة يمكن حلها من خلال تعبئة »الاستمارة« الخاصة بها. ذلك اننا اذا تتبعنا الجذور فسنجد ان المسألة أكبر من أن تعالج بالاجراءات، وانما يتعين ان يكون التصدي لها على نحو أكثر تركيبا، يتمثل في إصلاح السياسات، التي هي بمثابة الريح التي تدفع الأشرعة في هذا الاتجاه او ذاك. أدري ان تغيير المقررات أسهل وأهون كثيرا من تغيير السياسات، لكننا بإزاء مشهد نتطلع فيه الى الأنفع والأجدى وليس الأسهل. ان شئت فقل ان الفرق بين النهجين أقرب الى الفرق بين الحل ووهم الحل.#