من كان يتوقع في أوائل الخمسينات ان يهبط الإنسان على القمر ويصبح السفر في الفضاء أمرا مألوفا؟ لعل من كان يتابع قصص الخيال العلمي ينظر الى بعض ما حدث على انه تحقيق لنبوءات قرأ عنها في الماضي. فبعض ما ترسمه قصص الخيال العلمي يصبح في وقت من الأوقات موضوعا يبحثه الفيزيائيون ويحاولون ايجاد النظريات والمعادلات الرياضية الخاصة به. وتعرف قصص الخيال العلمي على انها ضرب من الرواية الذي يعرض لقيادات التغيير في العلم والمجتمع فهو يهتم بنقد النماذج العلمية الثابتة وتوسيع نطاقها وإعادة النظر فيها من زاوية أكثر »ثورية«. ولقصص الخيال العلمي قواعدها الخاصة بها، ولما كانت تعنى بتلمس آفاق جديدة للعلم، فهي تعد بمثابة مرآة تعكس أحدث الانجازات في هذا المجال، بل انها تستطيع في بعض الأحيان ان تزود العلم بأفكار يستثمرها ويحيلها الى ابتكارات واكتشافات جديدة. ذلك ان أدب الخيال العلمي لا يقتصر هدفه على تسلية القارئ او الترويح عنه، بل يتعداه الى التبشير والتنبؤ بالتطورات العلمية والتقنية، والدعوة اليها والحث على تحقيقها. وأدب الخيال العلمي قديم قدم البشرية، وهو يستقي مادته شأنه شأن الأساطير من حلم الإنسان بالسيطرة على الطبيعة. وفي عملية ابتكار الأدوات والأساليب التقنية أيا كانت درجة بساطتها يختلط الحلم بالعقل والخيال بالحساب الدقيق، وليس من السهل دائما التمييز بين هذا وذاك. الخيال العلمي والتقدم التكنولوجي في قصة »جسر القطب الشمالي« التي نشرت في العام 1941 ذكر كاتبها الكسندر كازانتشيف النفق العائم، وعلى الرغم من انه لا يوجد في الوقت الحاضر نفق يمر عبر القطب الشمالي، فإن المهندسين اليابانيين يحاولون بناء هذا النفق لربط جزيرتي »هونشو« و»هوكايدو«، كما ان مشروع بناء نفق تحت مياه بحر المانش قد انتهى. وفي قصة »الجزيرة المشتعلة« التي نشرت في العام 1939 للكاتب نفسه جاءت فكرة استخدام المواد فائقة التوصيل (Superconductors) في خزن الطاقة. أما كاتب الخيال العلمي سيرانودو بيرجراك فقد وضع تصميما لمصابيح على شكل بالونات مضيئة تنبئ بظهور المصابيح الكهربائية بعد ذلك بزمن طويل. وكذلك وصف عميد أدب الخيال العلمي الأميركي »هوغو جيرنزياك« في رواياته طريقة عمل جهاز تلفزيوني في وقت لم يكن فيه هذا الاختراع قد خطر على بال أحد بعد. وهذا لا يعني ان كل تنبؤات الخيال العلمي قد تحققت، ولا انها سوف تتحقق بالضرورة يوما ما. فلا ينبغي لنا ان نخلط بين هذه التنبؤات وبين التوقعات العلمية التي تستند الى قوانين دقيقة، كتوقعات »مندليف« (1834 1907) مثلا بشأن وجود عناصر كيمياوية مجهولة، او اكتشاف »كلايد تومر« لكوكب بلوتو عام 1930 الذي كان قد توقع وجوده وموقعه قبل ذلك بخمس عشرة سنة تقريبا عالم الفلك الأميركي لوريل (1855 1916). وقد أثبت تاريخ التقدم التكنولوجي ان الخيال إذا ما دعمته المعارف العلمية لا يكف عن بذر بذور الأفكار الجديدة والتصورات المبدعة الأصلية. واتضح من الدراسات انه لصنع أية آلة يراد لها أن تلقى رواجا تجاريا، لا بد من ان يدرس مسبقا ما بين خمسين وستين فكرة جديدة على الأقل. ذلك هو المجال الذي يستطيع فيه أدب الخيال العلمي ان ينهض بدور حاسم في الابداع التكنولوجي، دور لا يتمثل في تقديم أفكار دقيقة او حلول علمية يتمخض عنها خيال الكاتب بقدر ما يتمثل في حث الباحثين والمهندسين على ايجاد حلول جديدة بحق. تكنولوجيا العصر تتجاوز الخيال ويبلغ التقدم العلمي والتكنولوجي من السرعة أحيانا ما يجعل الخيال العلمي عاجزا عن التنبؤ بالثورات التكنولوجية بل وعن متابعتها. تلك هي الحال في مضمار المعالجة الالكترونية للمعلومات، التي قلما يستغل مؤلفو الخيال العلمي موضوعاتها في الوقت الذي تسخر فيه لخدمة العلم والتكنولوجيا على نطاق واسع. وعندما لا يسمح مستوى التطور التكنولوجي الذي بلغته حضارة ما بإنجاز مشروعات معينة، فإننا نعتبر تلك المشروعات وليدة الخيال العلمي. فقبل ظهور الطائرات بأربعة قرون كان ليوناردو دافنشي قد صمم أول نموذج لآلة طائرة، ولم يكن مشروعه في نظر عارضيه إلا »يوتوبيا« تكنولوجية، إذ لم يكن باستطاعة أحد ان يشرح كيف يمكن ان تدار مروحة طائرة بالنظر الى ان المحركات لم تخترع إلا بعد ذلك بزمن طويل. وكانت تلك هي حال الرحلات الفضائية منذ ما لا يزيد عن بضع عشرات من السنين. فلما لم يكن التطور التكنولوجي قد بلغ الحد الذي بلغه اليوم، كان من المحال ان تصنع صواريخ تملك من قوة الدفع ما يكفي للوصول الى الفضاء. غير ان أدب الخيال العلمي كان قد تنبأ بالدور الحاسم للصاروخ، ويشهد على ذلك ما عمد اليه جول فيرون (أحد رواد الخيال العلمي) من تزويد مركبته القمرية بعدة صواريخ مساعدة. الرحلات الفضائية من الخيال إلى الواقع أما الفضاء الخارجي الذي كان مجالا مفضلا من مجالات نشاط الخيال العلمي، فنحن نقيم فيه اليوم معامل ومراكز أبحاث، بل وورشا ت قنية، ولم يعد رواد الفضاء شخصيات في قصص الخيال العلمي، وإنما هم باحثون ومهندسون يعملون في مضمار تقنيات الفضاء الجديدة. وكان أحد أساتذة الفيزياء قد اقترح على تلامذته المبتدئين ان يصمموا مشروعا لمستوطنة فضائية فجاءت النتائج الأولية لهذه المحاولة في مجال الخيال العلمي مشجعة الى درجة ان الأستاذ شرع في إجراء حسابات جدية بشأنها. وترتب على ذلك ان علماء الفضاء يعرفون الآن الخبرة والدراية والمواد الخام اللازمة لبناء مستوطنة فضائية، وربما يشكل نجاح الروس في بناء محطات فضائية، وتوصل الأميركيين الى صنع مركبة الفضاء المكوكية، الخطوة الأولى في اتجاه بناء أول مستوطنة فضائية صورها الكاتب البريطاني آرثر سي كلارك في روايته »موعد مع راما« (Rendez Vous with Rama). وعرض كلارك في أحد أعماله التي كتبها بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة لفكرة وضع قمر صناعي يدور بسرعة دوران الأرض، في مدار يقع على ارتفاع ثلاثين ألف كيلومتر من الأرض لغرض استخدامه في الاتصالات اللاسلكية، وفي إعادة بث برامج الراديو والتلفزيون. وكانت قصة قسطنطين تسيولكوفسكي بعنوان (خارج الكرة الأرضية) التي نشرت في بداية القرن المنصرم، تتضمن من الأفكار العلمية الصحيحة ما جعلها تصلح أساسا لعلوم الملاحة الفضائية. وكتب دي بيرجراك (1619 1655) قصتين هما: التاريخ الفكاهي لدول وامبراطوريات القمر (Histore comique des Etats et Empires de la Lune) والتاريخ الفكاهي لدول وامبراطوريات الشمس (Histore comique des Etats et Empeirs du Soleil) واعتبرت القصتان ضربا من الجنون وتخيلات الأطفال في ذلك الوقت، ففيهما حديث عن الصواريخ متعددة المراحل التي تتخذ وسيلة للنقل بين الكواكب، فضلا عن انعدام الوزن والهبوط بالمظلات، والقول بأن جسم الإنسان مكون من خلايا. الروبوت والخيال العلمي تعود كلمة »روبوت« الى لفظة تشيكية Robota ومعناها »عمل« وقد صاغها الكاتب الروائي التشيكي كاريل تشابيك (19381890) في احدى رواياته (Rossums Universal Robots) التي نشرت العام 1921. وتقع احداث الرواية في المستقبل على جزيرة يجري فيها انتاج الروبوتات وبيعها كعمال او خدم او جنود. ثم اطلقت اللفظة بعد ذلك على اي جهاز قادر على ممارسة قسط محدود من »التفكير«، ويستطيع ان يؤدي اعمالا تكرارية بسيطة كان اداؤها وقفا على الانسان من قبل. وفي البداية كانت طريقة تناول كتاب الخيال العلمي لموضوع الروبوتات تعكس قلق المجتمع، ان لم يكن خوفه من التطورات التكنولوجية السريعة، فكثيرا ما كانت الروبوتات الاولى تصور على انها مسوخ مروعة تنزع الى التمرد على مخترعيها، وتعبث في الارض فسادا وسفكا للدماء. غير انه مع تعود المجتمع على التقدم التكنولوجي. وألفته اياه، بدأت الروبوتات تصور بمزيد من التفهم والتعاطف، وقد تجلى هذا التحول في كتاب ذاع صيته للكاتب الاميركي »اسحق عظيموف« عنوانه (Three Laws of Robotics) حيث يحدد القوانين الثلاثة التي تحكم عمل الروبوت وهي: لا يصح لروبوت ان يلحق الاذى بانسان، او ان يتسبب له في ضرر لامتناعه عن اتيان عمل ما. يجب على الروبوت ان يخضع للاوامر التي يصدرها اليه الانسان ما لم يكن في ذلك تعارض مع القانون الاول. يجب على الروبوت ان يتولى بنفسه امر المحافظة على »حياته« ما دام ذلك لا يتعارض مع القانون الاول والثاني. اما في عالم الواقع فقد اصبحت الروبوتات على درجة من الدقة والتعقيد لا يكاد يصدقها العقل. وقد رفعت عن كاهل الانسان عددا كبيرا من الاعمال التكرارية الرتيبة، او تتسم بالخطر او التلوث. وفي قصص الخيال العلمي الحديث، يتيح موضوع الروبوتات للكتاب فرصة امعان النظر في المحتويات العلمية والفلسفية والاخلاقية للذكاء الصناعي (Artificial Intelligence: AI)، حتى انه في احدى قصص الخيال العلمي ينهمك روبوتان تركا على الرف بعد توقفهما عن العمل في مناقشة فلسفية تنتهي بهما الى ان اسم »الانسان« ينطبق على الروبوت اكثر من انطباقه على الانسان نفسه. وشكلت اشعة الليزر احد الموضوعات الابرز في ادب الخيال العلمي. وقد تنبأ بقدراتها احد الكتّاب السوفيات وهي اصبحت اليوم تستخدم في تقطيع الفولاذ وتلحيم السبائك الصلبة كما تستخدم في مجالات عدة في الطب والمواصلات السلكية واللاسلكية. الخيال العلمي والطب لم يكن الطب ايضا بعيدا عن الخيال العلمي فقد تحدث دي بيرجراك عن وجود الميكروبات في الدم، ومقاومة الاجسام المضادة لها، وذلك قبل التوصل الى انتاج اول مجهر بعشرات السنين، وقبل اكثر من قرنين من تحقيق كل من باستور ومتنيكوف تلك الاكتشافات التي نهض عليها علم الميكروبيولوجيا. وتدور قصة الكاتب السوفياتي الكسندر بيليايف (رأس البروفسور دوويل) التي نشرت في العام 1925 حول امكانية زرع الاعضاء البشرية. وقد اصبحت عملية زرع الاعضاء امرا مألوفا يكاد يحدث كل يوم بعد ان وقف العالم مشدوها امام عمليات زرع القلب التي اجراها الدكتور كرستيان برنارد. وتناول الكاتب السوفياتي في قصته (بين الحياة والموت) عام 1926 مسألة ادامة الحياة بوسائط طبية (Anabiosis)، وكان كاتب سوفياتي آخر هو يوري ولجوشن اول من عرض لامكانية »اعادة الحياة« لمن هم في نزع الموت في قصته »مولد المعجزات« في العام 1939. وإليهما يعود فضل التنبؤ بتقنيات الانعاش. تخاطر الأفكار إن كتب الخيال العلمي الجادة تدور حول نظريات علمية واقعية، وتحاول التكهن بتأثيرها على المجتمع في المستقبل بابراز هذه الآراء بشكل واقعي مقبول من الناحية النفسية على الاقل، وان لم يكن من الناحية المنطقية. لكن هناك جانبا آخر من القصص لا ترتكز على اساس علمي معروف كظاهرة تخاطر الافكار بين شخصين (Telepathy) لكنها اصبحت في ذهن الناس حقيقة علمية لكثرة ما ابرزت في كتب القصص. وجهود العلم في ما يتعلق باستكشاف قدرات العقل ولا تبتعد جهود العلم في ما يتعلق باكتشاف قدرات العقل عن مواكبة تحديات الخيال العلمي. ففي منتصف سبعينات القرن الماضي عمد اثنان من علماء الفيزياء في معهد ستانفورد للبحوث الى اجراء تجارب دقيقة حول تلاقي الخواطر (Telepathy) حيث يطلب من احد الوسطاء ان يرسم صورة لموقع بعيد »يراه« من خلال عيني وسيط آخر موجود في ذلك الموقع. ولم يكن اي من الوسيطين يعرف سلفا الموقع الذي ستتم زيارته، اذ ان الحاسب الالكتروني هو الذي اختار هذه المواقع. ولضمان موضوعية النتائج، عهد بمضاهاة الرسوم الى محكمين لا يعرفون اي من الرسمين قصد به هذا الموقع او ذاك، وقد اعيد اجراء هذه التجربة بنجاح في عشرات المعامل المستقلة حيث تولى جهاز حاسب مهمة مضاهاة الرسوم. وربما تكون بعض البحوث الحديثة التي تجري على الوعي البشري هي حقا البحث العلمي في القرن القادم في مجال تلاقي الخواطر. لقد اصبح من الواضح اليوم ضرورة ربط حركة الواقع بتطورات العلم من جانب، وتنبؤات الخيال العلمي من جانب آخر فالارتقاء الى مستوى مهام القرن الحادي والعشرين وتحدياته يتطلب اسهام الفنون والعلوم على السواء. ويعرض كتّاب الخيال العلمي لدراسة عدد من مشكلات المستقبل مثل الاكتظاظ السكاني، وذكاء العقول الالكترونية، والفناء النووي بدرجة من العمق ودقة التفاصيل تجعلها جديرة بثناء المختصين في اجراء البحوث المستقبلية وتكريمهم. ويمكن الاستفادة من طابع التأثير الشخصي المباشر الذي هو سمة من سمات ادب الخيال العلمي في تركيز الانتباه اليوم على آفاق المستقبل. فعالم الغد كما يتصوره كتّاب الخيال العلمي المعاصر هو عالم اصبحت فيه رحلات الفضاء امرا مألوفا، ويتخاطب منه الناس بتلاقي الخواطر دون وساطة من اشارات حسية، فهل يمكن اعتبار هذه التصورات تحديات مشروعة للعلم، ام هي مجرد اوهام وتخيلات؟.