As Safir Logo
المصدر:

البسط والمقام

المؤلف: الحسيني مصطفى التاريخ: 2003-01-03 رقم العدد:9388

أول التعرّف على البسط والمقام يكون مع إدراك »الكسر الاعتيادي« في دروس الحساب. فكما تعرف، الكسور نوعان ثانيهما العشري وهو الأكثر شيوعا في الحسابات والمعاملات، لسهولته من الأوجه جميعا ويسره على الجمع والطرح والضرب والقسمة، ثم لمطابقته لتقسيمات وحدات الكيل والقياس والعيار والوزن ومضاعفاتها، وهي المبنية على القاعدة المترية، أي اعتماد المئة وحدة من الشيء أساسا للعيار وهي القاعدة الآخذة بالانتشار المطّرد مع ما يتجه إليه العالم من »توحيد قياسي«، لا يقتصر على المقاييس والمكاييل والموازين، بل يشمل الخواص والمواصفات وطرق التعبئة وأنماط التغليف وأشكال التعليب. والآن يزحف حثيثا باتجاه الأفكار. * * * * هكذا نتعرّف على البسط والمقام مع تقدّمنا في معرفة مبادئ علم الحساب وقد لا نعرف أن اسمه الأصلي المتداول بين المشتغلين بتاريخ العلوم هو »الكسر الفرعوني«، نسبة إلى من ابتدعوه. أما نظيره العشري فيعرف أيضا بأنه الكسر الصِفري أو الكسر العربي والأخيرة بدورها نسبة إلى مبتدعيه الذين أبدعوا الصفر. وعندما أبدعوه أطلقوا »ثورة علمية« تناظر ما يشهده العالم المتقدم في هذه الأيام، بدونها ما كانت ثورة اليوم العلمية لتنطلق، خصوصا أن العلوم الرياضية هي العمود المكين لثورة اليوم والتي بدون الصفر لم تكن لتتقدم. لعلها مفارقة سوداء أننا نحن الذين ابتدعنا الكسور، فإن نصيبنا من العالم يصل بالكاد إلى الكسور من أي شيء وكل شيء. أما لماذا، »فتلك قصة أخرى« أخذا بالمهرب اللغوي الشائع. لكن خلاصة القصة قد تكون إما أننا ابتدعنا ما ابتدعنا في أزمنة غبرت، أبدعت حضارات انطوت، مثل حال الفراعنة الذين ابتدعوا الكسر الاعتيادي واستفادوا منه فوائد كبرى في الأعمال الهندسية، ما زلنا نرى الشاهد عليها في ما بقي عنهم من آثار؛ وإما أننا ابتدعنا الأشياء قبل أوانها، مثل حال أسلافنا في الحضارة العربية/ الإسلامية. حققوا تقدمهم العلمي مخطوطا وكما يقول الأكاديميون المعاصرون »لغرض المناقشة«، لكن لم يحتاجوا إلى تطبيقاته لأن احتياجات مجتمعاتهم لم تكن تطرح على العلماء أسئلة ولا متطلبات. والله أعلم. لكن الحديث كان عن البسط والمقام، شرد به الاستطراد، فإليه يعود. * * * * في الكسر الاعتيادي، يكون البسط هو الحصة من الكل منسوبة إلى المقام الذي يعيّن قاعدة التقسيم. فالنصف مثلا بسطه (1) ومقامه (2). والسدس، بسطه (1) ومقامه (6). وهكذا. أما إن تركنا تكسير الكسور، فلن يعود البسط حصة ولا المقام قاعدة تقسيم. أما البسط فقد يكون راحة وقد يكون سرورا أو إضفاءً له، وقد يكون يسرا وسهولة، كما قد يصف الاستواء والامتداد والانفراج. السهل من الأرض بسيط أو بساط أو منبسط. ومنه البساط الذي نفرش أو نبسط على الأرض وعلية ننبسط أو نفرد أبداننا طلبا للاسترخاء والراحة. ومنه أن الأرض، بمعنى هذا الكوكب أو الكرة الأرضية، تسمى البسيطة، فنقول عن شيء يعجبنا أو نزهو به أن لا مثيل له على ظهر البسيطة. وانبسطت أساريره تعني انفرجت تعبيرا عن الفرح أو الرضا أو، اقلّه، زوال الغم. وانبسط وانبسطت وانبسطنا بمعنى الاستمتاع بالألفة أو الصحبة أو دفء النساء للرجال والرجال للنساء، كما يكون الانبساط من متعة الطعام أو الشراب أو الطرب. أو أننا انبسطنا لالتئام الشمل مع من كان غائبا أو مُفارقا. كما تكون لإبلال المريض. ولكل أسباب الفرح والرضى. إلا إذا كان الحديث بلهجة أهل العراق، عندئذ يحسن بالواحد أن لا ينبسط. فالبسط في تلك اللهجة هو الضرب المبرح الذي يبسط المضروب على أديم الأرض سواء بسواء. فمن »ينبسط« باللهجة العراقية إن كان حصيفا، لا يعُدْ له هناك مقام. فهو حصة دون نسبة. ويكون قد ضاع مقامه، أي ما كان له من قدر أو اعتبار أو هيبة. ومن الحصافة أيضا أن يلتمس لنفسه مقاما غير ذاك المقام، أي موضعا آخر للعيش. وما زال الحكام في العراق يبسطون أهله منذ عقود من السنين. ولذلك فرّ من وجد إلى الفرار سبيلا، حتى لو لم يجد طيب المقام حيث ذهب. فهذا أفضل وأكرم من عيش البسط دون مقام. * * * * المقام معنى ومكان وزمان وحال. أما المعنى، فهو القدْر والاعتبار. وعند المصريين هو أيضا ضريح الواحد من »أولياء الله« الصالحين. ولعل القصد هنا هو المكان؛ الذي هو بلغة الشرطة » محل الإقامة«. لك بسطة العيش وطيب المقام. وفي عاميتهم أنهم، قبل أن يلفظوا ما يعني الخَبَث أو الدنيء من الأشياء، مثل الحذاء ومن أسمائه أيضا الوَطا والمدَاس فإنهم، تأدّبا بوجه من يخاطبون، يسبقون ذلك بالقول »اسم الله على مقامك«. كما يستخدم هذا الاستباق نفسه عند ذكر أسماء من يريدون تحقيرهم من الأشخاص. أما في الزمان فالمقام هو المناسبة، مثل قول »لكل مقام مقال«. وقد يكون هذا الذي تقرأه كلاما دون مناسبة، أي دون مقام. لكن غرور كاتبه يوسوس له بأنه حتى لو كان كذلك فهو على الأقل ليس كلاما في غير مقامه. على أن مقام هذا المقال هو مقام التسلية التي قد يكون من دأبها أنها ليست نافعة في كل وقت، لكنها لا تضر. أما مقامات الموسيقى فأدعى إلى المتعة. ومعرفة هذا الكاتب بها هي معرفة العامة، رغم شغفه بالاستماع وحبِّه غير المثقَّف للطرب. فلعل كريما من القرّاء يمنُّ عليه بشيء من فضل زاده. أما الحال فمنه مقام العز المؤيَّد بالنصر والكرامة. ومنه مقام الذل الذي لا خروج منه ولا برء إلا بالتمكن من الرد عن نفسك وعن قومك. ومنه مقام الغنى ومقام الفقر ودونه مقام المسغبة. وفوقه مقام الغنى عن الحاجة. ومنه مقام الصحة، لا أورد الله أحدا مقام السقم. * * * * يطول حديث البسط والمقام، فلينبسط عيشك وليعلُ مقامك، على أن يسمو مرامك. لأن بسطة العيش قد تغري بالقعود وقد يوسوس علو المقام بالغرور. وكلاهما يهبط بالهمة وقد يؤذن بزوال النعمة. ومن أرذل ما قد يهبط إليه المرء من درك أن يكون »بسطا« دون مقام أو »مقاما« دون بسط. في الأولى يكون نسبة إلى لا شيء. وفي الثانية يكون كمَّاً لا يُحمَل عليه شيء. وهو كمُّ ا

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة