يئست م. ب من امكانية نجاحها في امتحان الكولوكيوم، وبالتالي الحصول على اذن رسمي ونقابي بممارسة مهنة الطب. لم يأت يأسها نتيجة حالة اكتئاب عارضة، بل توصلت الى ذلك بعد خضوعها للامتحانات سبع دورات متتالية. وهكذا ارتضت بعمل هو أدنى من الشهادة الحاصلة عليها، طرقت ابواب الهجرة اكثر من مرة ولم توفق، مما قاد الى انكفائها ورضاها عما صارت آلية رضا مرغمة بالطبع. عندما تتحدث عن هذا الامتحان تصفه باللعنة وتكيل الاتهامات لمن يضعون الاسئلة الخطية ولاعضاء لجان الامتحانات الشفهية وللذي قرره اصلا وبالاساس. تعيد م. ب امور رسوبها المتكرر الى مستوى لغتها المتراجع. كانت تستغرق وقتا اطول مما يسمح به المقرر للاجابة عن السؤال، وكانت الاسئلة مضللة وأجوبتها مرتبكة. حدث مرتان ان نجحت في الامتحان الخطي، لكنها رسبت بالشفهي.. وبين الشفهي والخطي وتناوبهما عليها اضطرت للاستسلام. لم تستطع م. ب ان تحسن لغتها الفرنسية او الانكليزية خلال تلك الفترة. كانت كلما سقطت في امتحان تعاني من إحباط يعجزها عن الاستيعاب.. وهكذا حتى توصلت إلى قرارها الأخير. حال س. ف مشابهة وان كانت الدورات التي خضع لها اقل. المهم انه غادر طموحه بالحصول على الاذن الرسمي والنقابي بمزاولة المهنة. وهو الآن يمتهن كل ما يستطيع ان يؤمن له دخلاً يقيه العوز.. س. ف الى الآن لم يتزوّج ولا يفكر به، وبات عمره 36 سنة بالتمام والكمال. ما يحصل عليه يكفيه لإنفاقه الشخصي، فيما الأسرة تتكفل بالطعام والشراب وايجار المسكن. قد يصل س. ف قريباً الى مصير مماثل لما توصلت اليه م. ب، وهو يشعر انه يقترب من ذلك حثيثا. فما تعلمه يخسره تباعا، وعندما حاول الحفاظ على معلوماته بالعمل في مستوصف أهلي لم يستطع الصمود لأكثر من عدة اشهر، طالما ان ما يتقاضاه لم يكفه اجور المواصلات. هاتان الشخصيتان هما عينة عن ضحايا الكولوكيوم. والكولوكيوم هو امتحان يخضع له الخريجون من الجامعات الخاصة في لبنان والاجنبية. وكما يقول امين عام جامعة بيروت العربية عصام حوري فان طلاب الجامعة اللبنانية لا يخضعون له. اما طلاب الجامعات الخاصة في لبنان فيخضعون للشفهي منه (المقصود هنا خريجو الجامعات الاميركية واليسوعية والعربية). اما الذين يحملون شهادات من جامعات اجنبية فيخضعون لامتحانين شفهي وخطي. والكولوكيوم هو امتحان لخريجي الطب والصيدلة وطب الاسنان كما هو معلوم. وقد بدأ العمل به منذ الخمسينات على حد ما يقول امين سر لجنة الكولوكيوم فيصل شرارة. اما عضوية اللجنة المشرفة عليه فتجمع بين الجامعات التي تملك كلية طب او طب اسنان او صيدلة او قبالة قانونية، ووزارة التربية والتعليم العالي ووزارة الصحة. ويرى نقيب اطباء لبنان في بيروت د. محمود شقير ان الموضوع ابعد من ان يكون مجرد امتحان، لأنه يرتبط بدراسة الطب وما يحتاجه سوق العمل في هذا المجال. ويدعو عميد كلية الطب في الجامعة اللبنانية د. فيليب شديد الى معالجة للموضوع بدءا من مرحلة البكالوريا، متوافقا في ذلك مع شقير. اما رئيس جمعية خريجي جامعات ومعاهد الاتحاد السوفياتي د. بيار مطر فيتحدث عن دعاية باتت راسخة في الوعي واللاوعي ونوع من انواع الصراع الطبقي. ويبقى الأمر كما يقول رئيس لجنة الصحة النيابية د. عاطف مجدلاني من مسؤولية الدولة، وعليها ايجاد حل لهذه المشكلة. هذا ملامح عامة عن مناخات تتعلق بموضوع امتحانات الكولوكيوم، التي كما ذكرنا لا تقتصر على خريجي الطب وحده، بل تتعداه الى طب الاسنان والصيدلة والقبالة القانونية.. ولكل من الذين ذكرنا وسواهم كلام، وان كان يتناول الاطباء الا انه ينطبق على سواهم. أين النجاح والرسوب؟ من باب التقديم نؤشر الى ان كولوكيوم الطب الذي اعلنت نتائجه في العاشر من شهر كانون الاول الجاري سجل نسبة رسوب كبيرة وصلت الى 83 بالمئة من عدد المتقدمين، بحيث لم ينجح سوى 58 طبيبا من اصل 341 مرشحا. ونسبة 17$ نجاحا تذكر بنسب النجاح في امتحانات البكالوريا القسم الثاني في سنوات ما قبل الحرب، عندما كانت تلك الشهادة بمثابة »غربال« واسع الثقوب لا يتبقى فيه الا متمكّني اللغات الاجنبية. المهم ان الموضوع في حينه كان مثار تحرك سريع من جانب نقابة اطباء لبنان، اذ سارعت الى توجيه رسالة عاجلة الى وزير التربية والتعليم العالي تشرح فيها وجهة نظرها ازاء هذه الامتحانات وضرورة مشاركتها في الامتحانات الخطية والشفهية واللجان. يقول النقيب محمود شقير ل »السفير« ان النقابة ترفض تحول النجاح في امتحان الكولوكيوم الى فيزا، وهي تصر على ان يكون امتحانا جديا ويحكم على جدارة الطبيب. وعليه فلا بد من اعادة صياغة مفهوم هذا الامتحان، ومن لا ينجح فيه يُعاد تأهيله ولا يترك ليواجه قدره. وباستطاعة الجامعات اللبنانية ونقابة الاطباء تولي هذه المهمة بما يساعدهم على تحديث معلوماتهم الطبية والتهيؤ لممارسة المهنة في وطنهم. ويربط شقير بين هذا الاتجاه الذي تلح عليه النقابة ومشروع التثقيف المستمر في النقابة، لا سيما ونحن في عصر لا تقف فيه المعارف الطبية عند حدود، وتطرح تحدياتها على كل الاطباء بمن فيهم اساتذة الطب. من هنا نرى ضرورة تجاوز هذا الامتحان والحصول على شهادات جدارة في مجالات الطب كالتي تمنحها الجمعية اللبنانية للجراحة العامة، وبما يقود الى معايير حقيقية تتجاوز اجتياز الامتحان. ينطلق عميد كلية الطب في الجامعة اللبنانية د. فيليب شديد من اعتبار ان النسبة المئوية للناجحين هذا العام لم تكن الأسوأ، ففي العام الماضي كان نسبة النجاح 16 بالمئة وقبلها 15 بالمئة، مما يعني وبالمقارنة مع خمس سنوات سابقة ان النسبة طبيعية وعادية، وعليه فإن ليس في الامر ما يفاجئ. عنصر المفاجأة هذه المرة قد يكون وصول هذه النسبة الى أسماع الرأي العام وشعوره بالصدمة. يعترف شديد ان هناك خريجين قد تقدّموا مرات عدة ورسبوا ايضا. ويؤكد انه عندما اطلع على النسبة هذه سأل عن اللجنة التي وضعت الاسئلة فتبين له انها هي هي منذ سنوات، وقد افادته اللجنة ان الاسئلة مشابهة لما سبق. ويضيف اننا امام نتائج من هذا النوع ينتابنا شعور متناقض اولهما هو هؤلاء الشباب والفتيات ومصيرهم، وثانيهما الحرص على مستوى الممارسة الطبية. امين سر لجنة الكولوكيوم فيصل شرارة ينفي ان تكون الاسئلة أعلى من مستوى اطباء صحة عامة. اذ انه لا علاقة بالاسئلة المطروحة مع الاختصاص المحدد، وهي مستقاة من البرامج التي يدرسها الطلاب في كليات الطب في الجامعات، وليست خارج او فوق المستوى. اما بنك الاسئلة فقد تمّ وضعه في العام 1994 وهو وسيلة لتوجيه المرشحين، لكنه لا يعني بأي حال من الاحوال حصرية الاسئلة. اذ ان ما يرد منه في الامتحان يتراوح بين 5 و10$ من مجموع الاسئلة المطروحة. وعليه فان حفظه لا يغني عن المعلومات المحصلة في سنوات الدراسة. ويروي شرارة انه خلال تولي محمد يوسف بيضون وزارة التربية ارتفعت نسبة الاسئلة من البنك الى ما معدله حوالي 30 بالمئة، وقد اعتبر ذلك في حينه نوعا من التسهيل. الا ان الاسئلة صارت مستهلكة ولم تجدد، حتى ان اسئلة من البنك صارت مطروحة مرات و مرات. أصل المسألة؟ بالعودة الى المعطيات التي تضمنتها طلبات الترشيح لامتحانات الكولوكيوم، يمكن الانتباه الى وجود مرشحين من 53 دولة وليس 53 جامعة، مما يعني ان عدد الجامعات قد يكون اكبر. وبالعودة الى بعض الارقام للدول مصدر الشهادات، يتبين انه من خلال فرز ثلاثماية طلب ان بينهم 220 خريجا من جامعات في روسيا، رومانيا، بلغاريا، بيلاروسيا، اوكرانيا، و... والنسبة الاكبر من هؤلاء هم الذين يعيدون امتحان الكولوكيوم لمرة وأكثر.. يقول حوري المشكلة ليست في خريجي الجامعات اللبنانية الخاصة. والمقصود هنا الاميركية واليسوعية والعربية، بل في خريجي الجامعات الاجنبية. اذن انه يندر ان يسقط خريج من الجامعات اللبنانية، ليس في مجال الطب فقط، بل في سواه. وعليه فانه لا بد من دراسة هذه المشكلة دراسة متأنية، خصوصا وان الرسوب يقود الى خيبات أمل كبيرة. وغالبا هؤلاء يأتون من دول دراسة الطب فيها غير متقدمة. هذا التصور للمشكلة ينفيه د. بيار مطر مؤكدا ان هناك قسما من الخريجين ضعيف المستوى، سواء جاء من دول شرقية او غربية. ويميز مطر بين نوعين من الجامعات في الدول التي انبثقت عن الاتحاد السوفياتي السابق: الجامعات الحكومية، والجامعات الخاصة المنشأة حديثا. والأخيرة مثلها مثل الجامعات المستحدثة عندنا ضعيفة. اما الاولى فهي عريقة، والا كيف اصبح الاتحاد السوفياتي دولة عظمى وهو لا يملك جراحين ومهندسين مهرة ومتطورين؟ يعيد مطر المشكلة التي تبرز لدى امتحان الكولوكيوم الى اللغة. اذ ان خريجي هذه الجامعات يدرسون الطب باللغة الروسية. ومن يدرس 8 الى 10 سنوات تتراجع لغته الفرنسية والانكليزية والعربية، وعندما يخضع للامتحان لا يستطيع استيعاب ما يطرح عليه، ولذلك فانه يطالب باضافة الروسية الى اللغات الثلاث لأن عدد المرشحين الأكبر يدرس بها تخصصه. يتقارب شرارة مع هذه الرؤية بعض الشيء، فهو يدعو الى النظر للمرشحين انطلاقا من امرين أولهما هو اين درس هؤلاء الطب. والثاني هو وضعية اجادتهم للغات الاجنبية. ويؤكد شرارة ضعف مستواهم بالفرنسية والانكليزية وعجزهم عن مجاراة السرعة في الاجابة على الاسئلة بواقع دقيقة لكل سؤال. ثم انهم لا يعرفون المصطلحات بالعربية ليعتمدوها. وهكذا من لا يفهم السؤال بدقة لا يستطع الاجابة بدقة وضمن الوقت المطلوب. لكن السؤال هو التالي: هل المسألة مسألة لغوية ام ماذا؟ يقول العميد شديد عندما صدرت النتائج طلبت احصاء بمصادر المرشحين، وقد تبين لي غلبة القادمين منهم من دول شرقية، وقد لاحظت ان نسب الرسوب بين المرشحين خريجي فرنسا واميركا وانكلترا هي اقل من سابقاتها. يرفض طبيب القلب د. أمين وهبي بدوره وضع الاسئلة بخمسين لغة ويعتبر أن وضعها كافٍ وباللغات الثلاث المعتمدة هي اللغة الام والفرنسية والانكليزية المعتمدة في مستشفيات اكثر دول العالم. شقير، لا يرى ان إكثار اللغات حل للمشكلة، إذ الحل في مكان آخر. اذ ان العلاج لا يكون بعد التخرج ونيل الشهادة، بل قبلها. وهذا يتطلب اعتماد علامة عالية للدخول الى كليات الطب وليس مجرد النجاح في الثانوية العامة. ويقترح نسبة 12/20 من العلامات، وهي نسبة لا تجحف أحدا، كما دللت على ذلك الدراسات التي اجراها المركز التربوي للبحوث والانماء. فالثانوية الرسمية تعطي نتائج جيدة. وعليه فان القول ان مثل هذه النسبة تحرم طلابها من دخول كليات الطب لا أساس له البتة. هذه هي خطوة اولى. اما الخطوة الثانية فتتمثل باجراء علامة الكفاءة بعد دراسة العلوم الاساسية. تماما كما تفعل الجامعة اللبنانية عبر كلية العلوم. اذ تختار من بين طلاب هذه الكلية سبعين طالبا متفوقا للدخول الى كلية الطب. كما ان اليسوعية تجري امتحانا مماثلا. اما الاميركية فتجري امتحان MCAT وهو المعيار الاميركي للدخول الى كليات الطب. وأظن ان العربية تفعل ذلك. ويدعو شقير ختاما الى تعميم تجربة الجامعة اللبنانية واخضاع الجميع لشروطها سواء الذين يدرسون في لبنان او خارجه، شديد يؤكد على هذه الوجهة، ويرى ان علامة 12/20 لا تظلم احدا. اذ لا بد وان يكون الطالب الذي يتوجه نحو دراسة الطب ذا مستوى عال. لكن ما يحدث لدى الذين يرسبون في الكولوكيوم انهم يخسرون تباعاً معلوماتهم كلما ابتعدوا عن مرحلة الدراسة والممارسة. يؤكد شديد ايضا على امتحان الجدارة، ويدعو نقابة الاطباء الى التدخل منذ البداية قبل الوصول إلى الفشل. الأسئلة والأمر الما! يميز مطر بين نوعين من المرشحين الذين يرسبون. المتخرجون الذين يعانون من ضعف اساسي. وهذا يظهر من معدلات علاماتهم خلال سنوات الدراسة. و»التوك« قد يكون بهم وليس في الجامعات التي درسوا بها. اما النوع الثاني فهو يحمل علامات عالية لكن يرسب. ومعنى سقوطهم ان هناك أمراً ما لا بدّ من التوقف امامه. ما هو هذا الأمر الما؟. يجيب مطر: هناك سياسة عامة تتعمد محاربة كل من يدرس في هذه الدول (الشرقية). مجرد ان يتوجه الطالب نحوها يعطى صبغة سياسية معينة. بينما الذين يتمتعون بأحوال مادية مستقرة يتجهون نحو فرنسا وأميركا. المحاربة هذه لا تقتصر على الكولوكيوم، انها نوع من انواع الصراع الطبقي، لا سيما عندما فتح الاتحاد السوفياتي ابوابه امام الفقراء. ومع هذه الدعاية تراكم في وعي أو لا وعي اللبنانيين تصور بأن هؤلاء قاصرون او ضعيفو المستوى. يعتبر شديد ان الاسئلة التي تطرح هي في مستوى السنة السابعة او الثامنة في كليات الطب. وبهذا المعنى فإن لا عملية تعجيز او تعمّد تصفية بالتأكيد. النقطة الأخيرة يؤكد عليها الاختصاصي في امراض القلب د. امين وهبي: لا تعود النتائج الى الاسئلة التصفوية، بل الى فوضى دراسة الطب. وعندما حاولت النقابة تنظيمها واقترحت معدل 12/20 وهو معدل أرى انه لم يعد كافياً، ارتفعت الاصوات مستنكرة، أرى انه علينا الخروج من هذه الشعبوية التافهة لتبرير الفلتان، مستوى الطب بات عاليا، ويجب ان يرتفع في لبنان اكثر لمجاراة ما هو عليه في الدول المتقدمة. انا مع إنصاف المتخرج الذي امضى 7 سنوات ينحت للوصول الى التخرج، لكن دراسة الطب باتت اشبه ما تكون بمزرعة فالتة. وعليه فاننا نصل الى مجزرة او الى مهنة صارت فيها نسبة البطالة مرتفعة بالقياس الى باقي التخصصات. شقير: الجودة ما تناوله وهبي ووصفه بأنه »مزرعة فالتة« يفتح مباشرة على مسألة جودة العمل الطبي. شرارة يقارن بين امتحانات الكولوكيوم المفتوحة في لبنان والمحددة بعدد من السنوات في سواها (بريطانيا مثلا). إذ انه في لبنان يستطيع متابعة الترشح الى ما شاء الله. أما في بريطانيا فإن العدد لا يتجاوز الاربع دورات، يُحال المرشح في حال عدم النجاح إلى التأهيل مجدداً. النقيب شقير يؤكد ان هدف النقابة من مواقفها هو تحسين الاداء الطبي وضبط الجودة عبر التعليم المستمر. ويسأل شقير من يضبط جودة التعليم في لبنان وسط فوضى التراخيص. ويثني على توصية لجنة التربية النيابية بوقف التراخيص لمؤسسات التعليم العالي، الا انه يدعو للنظر الى المشكلة من منظارها المهني راهناً ومستقبلاً. يقول شقير إن عدد الاطباء الذين يحتاجهم لبنان سنوياً وعلى مدى عشر سنوات لا يزيد عن 100 طبيب اي الف طبيب خلال عقد من الزمن. والسبب ناجم عن التضخم في عدد الاطباء، علما انه يُضخ سنويا في سوق العمل ليس اقل من 400 طبيب. وفي اواسط التسعينات كان المعدل السنوي للمتخرجين 600 طبيب. حتى ان عدد الطبيبات بين 82 و92 ارتفع من 159 طبيبة الى 1700، وارتفع عدد الاطباء خلال تلك السنوات سبعة اضعاف ما كان عليه. يطرح شقير اسئلة حقيقية تطال المجتمع اللبناني وقناعاته وتصنيفه للمهن، إذ ان اللبنانيين يوظفون اعمار ابنائهم وأموالهم وآمالهم.. فيما سوق العمل يعاني من مأزق كبير، ثم ان الطبيب لا يستطيع الا ان يمارس عمله خلاف سواه من اصحاب المهن الحرة. بدوره يدعو حوري الى التشدد في نوعية الطبيب باعتباره يتعامل مع حياة الناس، ولا يجوز له الخطأ. هذا الى جانب سرعة تطور علوم ومجالات الطب. وعليه فإن ما تقترحه النقابة من التأهيل والتثقيف المستمر طبيعي. وهذا ما يعتمده المحاسبون المجازون والاطباء أجدر من سواهم بذلك. ويرى ان النقابة تسير في هذا الاتجاه الصحيح. والمطلوب هو اعتماد هذا المنحى باعتباره المدخل لتعزيز صحة المواطنين والمهنة، كما انه يوفر الكثير من الاموال على الدولة والافراد طبعا. وهبي يلح على عدم التعاطي مع الطبيب المتخرج كخصم، بل لا بد من احتضانه وارساله الى مستشفى جامعي لمدة عام للحصول على التأهيل، بعده يدخل الى امتحان الكولوكيوم. لكن قبلا لا بد من تنظيم الدراسة للمهنة كي لا نكون كمن يضع العربة امام الحصان. فوضى دراسة الطب يعتبر النقيب شقير ان هناك في قطاع الطب ما هو اكبر من مشكلة. معضلة حقيقية وقد ناقشناها مع الرؤساء لحود وبري والحريري ومع لجان الصحة والتربية والادارة والعدل، وفي المؤتمرات والورش. اذ الواقع اننا نعاني من دفق المتخرجين. بعضهم لا يملكون المؤهلات لممارسة مهنة الطب. ثم انه عندنا تنشأ جامعات بمراسيم، وقد وصل عددها الى 42 جامعة والحبل على الجرار. من يضبط جودة تعليم الطب في لبنان وسواه. يرفض شقير مقولة تفوق لبنان بعدد الجامعات. التفوق الفعلي هو في جودة التعليم، في النوعية وليس في الكمية. ثم اننا لا ننتج اطباء للبنان فقط بل ان سوق عمل الاطباء عالمي. خريجو الاميركية يكملون اختصاصهم في اميركا ويحصلون على الجنسية ويمارسون عملهم هناك. ولبنان ما زال مصدرا طبيا للمنطقة العربية. مستوى اطباء اللبنانية يضاهي الجامعات الخاصة وهذا عنصر فخر لنا. ونلح باعتماد المقاييس التي تعتمدها الجامعة اللبنانية لدراسة الطب، وبالتالي الحفاظ على المستوى والنوعية. ولكن ماذا عن تأهيل هؤلاء الذين رسبوا في الكولوكيوم؟ يرى شقير ان ذلك امر بديهي، لكنه يتجاوز ذلك ويوسع مدى التأهيل ليطال كل اطباء لبنان. اذ نحن في عصر باتت المعارف يومية وهذا ما نسميه مشروع التثقيف الدائم. وهناك العديد من الجمعيات التي تعمل في اطار النقابة تعطي شهادة مثل شهادة البورد. هدفنا الوصول الى معايير علمية تتجاوز مجرد الاذن بممارسة المهنة. يشير شرارة الى فكرة تأهيل الراسبين عبر دورات تنظمها الجامعة اللبنانية بعدها يخضعون لامتحان، لكن المشروع يحتاج الى اعتمادات يبدو انها غير متوفرة الى الآن. يوافق شديد على فكرة التأهيل، ويصفها بانها عملية وقابلة للتطبيق، لكنها تتطلب، اعتمادات لا بد وان تتوفر في موازنتي وزارتي الصحة والتربية، خصوصا وان موازنة الجامعة اللبنانية لا تستطيعها اذ تتعرض للتقليص، ومعها يجب ان يوضع حل حقيقي حتى لا تتكرر المشكلة بعد عام او عامين. يقدر شديد عدد المرشحين الراسبين بما بين 200 300 شخص يحتاجون الى برنامج خاص. في حال تم اقرار المشروع، تبرز مشكلة ثانية هي المستشفيات التي يتدربون بها. اذ ان الاطباء المتمرنين من الجامعة اللبنانية والجامعات الخاصة يتقاضون بدلا. لكن هؤلاء من سيدفع لهم، وهل يتدربون مجانا. مع ذلك يقول ان كلية الطب في الجامعة اللبنانية تستطيع ان تتولى الامر، واذا تمكنت من استيعاب مئة في العام الاول يحتاج الانجاز الى ثلاث سنوات، لكننا نبقى في صميم المشكلة من دون الحلول الكاملة. مطر ينفي ان تكون المشكلة الا في النادر في الدولة التي يتخرج منها طالب الطب او سواه. ويؤكد ان الكثيرين قد اثبتوا جدارتهم في سوق العمل، وهم من خريجي الدول التي انبثقت عن الاتحاد السوفياتي. ويستشهد على ذلك بنفسه اولا. فهو يحمل دكتوراه في الهندسة، وقد عمل في احدى الجامعات الخاصة، كما انه الآن في الجامعة اللبنانية كلية الهندسة، ويتولى تدريس مادته بالفرنسية. وهناك 3 4 من خريجي هذه الدول في مجلس الجامعة اللبنانية. وهناك ممثلون للاساتذة في الكليات واربعة اعضاء في المجلس الوطني للبحوث العلمية وحوالي خمسين في الكونسرفاتوار، وفي الجامعات ما مجموعه 150 استاذا. اما المسجلون في النقابات فهم: الفان ومئة مهندس في نقابة بيروت من سائر الاختصاصات و550 مهندسا في نقابة مهندسي طرابلس، و1200 طبيب في نقابة اطباء بيروت و200 في نقابة الشمال و320 صيدلانيا و360 طبيب اسنان.. وهذه احصاءات النقابات.. يؤكد مطر على مشكلة اللغة وضرورة التأكيد على مستوى الطالب المرتفع. رئيس لجنة الصحة النيابية د. عاطف مجدلاني يقول: ان لجنة الصحة اصدرت توصية تدعو لاعتماد علامة 12/20 او الخضوع لسنة تحضيرية قبل الدخول الى كلية الطب على غرار ما تفعله الجامعة اللبنانية. ومثل هذا الامر يجب ان يطبق على من يدرس الطب في لبنان او خارجه. هذا اولا، وثانيا المؤسف ان هذه التوصية ما زالت توصية، فقد رفعت الى مجلس الوزراء ووزارة الصحة، لكنها لم تتحول الى قرار ثانيا. اما ثالثا وهو الأهم فهو ما يتعلق بوضع سوق العمل للاطباء وهذه مسألة بالغة الاهمية ويجب ايضاحها للناس ليعرفوا مدى كلفة خياراتهم على الصعيد المالي والمعنوي. ويضيف: ونحن كلجنة نعتقد ان هناك ضرورة لعقد اجتماع لبحث السبل الكفيلة بايجاد حل لهؤلاء الاشخاص، عن طريق اعادة التأهيل في الجامعات الوطنية. هذا هو رأيي الخاص وقبل ان أتشاور بشأنه مع وزارة الصحة ونقابة الأطباء وكل المعنيين بهذا الشأن. نحن علينا مسؤولية وهي مزدوجة، اولا الا نسمح لاناس غير مؤهلين بالاعتناء بصحة الناس، ومحاولة حل للمشكلة. يختم مجدلاني: هناك مسؤولية على الدولة، لذلك فان واجباتنا ايجاد علاج للمعضلة، والحل لا يكون بالاذن بممارسة المهنة بل برفع مستواهم لتكون هناك ثقة بكفاءاتهم العلمية وللانطلاق لمزاولتها والقيام بواجبهم الانساني. ينهي النقيب شقير بالقول لا بد من ضبط النوعية والجودة. اما الاتهامات التي تخضع النقابة والمهنة لمعايير سياسية وطائفية فنحن نرفضها. لا لزوم لحرق العمر والاموال وسنوات العمر وتكون النتيجة انسانا عاطلا عن العمل او دون المؤهلات المطلوبة.. مشكلة الكولوكيوم تطال اعدادا بالمئات، لكن الوضع يطال سوق العمل ومن فيه، راهنا وفي غضون السنوات المقبلة، كما أنه يطال صحة المواطنين ومقدراتهم وإمكانات الدولة.. لذلك لا بد وان يفتح البحث على المشكلة بتشعباتها وصولا الى صياغة معالجات لاسبابها الفعلية.