مئة وخمس برك ترابية جعلت العاقورة قرية نموذجية، كونها تحتضن اكثر من نصف البرك الموزعة في لبنان (200 بركة)، أنشئت بجهود المشروع الاخضر وبإلحاح من المزارعين، وهو مشروع انطلق سنة 1966، أي بعد ثلاث سنوات على إنشاء »المشروع الاخضر«. وأنشئت اولى البرك في منطقتي فالوغا وكفرسلوان سنة 1967، قبل ان تنتشر في مناطق مختلفة من سلسلة الجبال الغربية. »من اولى العوامل لإنشاء هذه البرك« يقول عضو اللجنة الادارية لتنفيذ »المشروع الاخضر« المهندس غازي الاسعد »توفير مصدر للمياه، من الامطار او سيول الثلوج او الينابيع، وان تكون المنطقة جبلية تتصف بتربة غير مسربة للمياه. لذلك تم إنشاء معظم البحيرات على علو 1500 متر وما فوق. غير ان التطور وإمكانية تغليف التربة بطبقة عازلة من البلاستيك غير مسربة للمياه، جعلنا نسمح بإنشاء البرك فوق أنواع اخرى من الأتربة«. مع هذا تفرض شروط عديدة لدى حفر أي بركة، أهمها، حسب الاسعد: »إنشاء قواعد للبركة لا يقل عرضها عن مترين لكل متر ارتفاع، حفر انحدار داخلي بمعدل 30 في المئة، فلش الحفريات على الجوانب الداخلية للخزان على دفعات بسماكة لا تقل عن 3 سنتيمترات ورصها بالجرار مرتين على الاقل؛ ويجب حفر الخزان بعيدا من أي نبع للماء او خفض أرضه بحيث يكون مصدر المياه أعلى من مستوى سطح الخزان. الى ذلك، يجب على المزارع تأمين قساطل الصرف الفائض من المياه في ارض ثابتة وعلى بعد مترين على الاقل من آخر الردميات، منعا لفيضان محتواه وانجراف الجوانب وانهيارها. مع التنبيه الى ضرورة وجود المزارع في موقع البركة عند تعبئتها لتفادي الفيضان او الانهيار، من هنا يوصي بتعبئتها في اوائل الربيع. الى هذا يمنع إنشاء البرك في الاراضي التي يزيد انحدارها عن 30 في المئة«. فور تأمين هذه الشروط يقدم المشروع الاخضر 10 ملايين ليرة لكل مزارع لإنشاء بركة ترابية، يمكن توفير سبعة آلاف متر مكعب من خلالها، »غير ان عددا من المزارعين يدفعون فوق العشرة ملايين ليرة وينشئون بحيرة اكبر، او يتشارك أكثر من مزارع في إنشاء واحدة«، يؤكد الاسعد. ولهذه البحيرات ايجابيات وفوائد كثيرة، اذ هي، إضافة الى توفير المياه التي لا يستفيد لبنان الا من 10 في المئة منها (من أصل أكثر من 8 مليارات متر مكعب)، تساعد في تحسين البيئة المحيطة بها، وبزيادة الانتاج الزراعي، مما يرفع من مستوى معيشة المزارع. »كما لا تشكل أي خطورة في حال أنشئت بحسب الشروط وتمت مراقبتها وإعادة تأهيلها من المزارعين«. أما في ما يخص مساهمتها في الخسفة الاخيرة في العاقورة فيؤكد الاسعد ان »الارض تخسف في منطقة معينة من القرية منذ مئة سنة، أي عندما لم تكن البرك موجودة بعد«. 7 برك بقرض من »البنك الدولي« من خلال قرض بقيمة خمسة ملايين دولار، مقدم من »البنك الدولي« سنة 1994، تعمل وزارة الزراعة والمشروع الاخضر ومجلس الانماء والاعمار، بالتعاون مع الصندوق الدولي للتنمية الزراعية وبمساعدة تقنية من المنظمة العربية للتنمية الزراعية، على إنشاء سبع بحيرات كبيرة، سعة الواحدة منها حوالى 75 ألف متر مكعب، وذلك ضمن برنامج شامل لخزن المياه وحفظها. وبعد اختيار سبعة أماكن توزعت بين البقاع والشمال، بدأ التنفيذ في عام 1998، وقد انتهى تنفيذ بحيرة عين بقرة في بلدة بان قضاء بشري، فيما العمل جار لاستكمال البحيرات الست المتبقية في كفرمشكي (75 ألف متر مكعب)، الهرمل (104 آلاف متر مكعب)، مشمش (75 ألف متر مكعب)، بقاعصفرين (75 ألف متر مكعب)، دير الاحمر (56 ألف متر مكعب) ويقوفا (75 ألف متر مكعب). وستتولى لجان اختصاصية ادارة هذه البحيرات لناحية توزيع المياه وصيانتها. برك العاقورة النموذجية »تشكل تجربة العاقورة في اعتماد البرك الترابية للري نموذجا«، حسب التقرير السنوي للعام 2001 الذي أصدره المشروع الاخضر. وتضم العاقورة 105 برك يراوح عمقها بين 6,14 مترا، يستوعب 80 في المئة منها ما بين 20 و25 ألف متر مكعب من المياه، و20 في المئة منها بين 5,12 ألف متر مكعب، كما أنشئت برك تستوعب أكثر من 50 ألف متر مكعب. وقد »ساهمت البرك الزراعية في منطقة العاقورة في زيادة مساحات البساتين المزروعة وخصوصا بساتين التفاح التي تشكل مصدر رزق أساسي للاهالي الذين هم في أغلبيتهم من الملاكين الزراعيين، فيما المردود المالي يفوق اربعة ملايين دولار«. تفاح وأصحاب اختصاص يروي المهندس خالد الهاشم، وهو أحد أبناء العاقورة، ان »زراعة التفاح دخلت العاقورة ومنطقتي المجدل والمنيطرة مع بداية القرن، وكانت تزرع الاشجار بكميات محدودة، اذ كان المزارع يعتمد على الري من مياه الينابيع الموجودة اصلا. على الرغم من هذا لم تلاق فكرة إنشاء البحيرات الترابية استحسان المزارعين في القرية، الى ان اقمنا اثنتين على سبيل التجربة. ثبت من خلالهما إمكانية إنشاء عدد من البحيرات، خصوصا ان المشروع الاخضر يمول حوالى 80 في المئة من مشروع إنشائها الى جانب استصلاح الاراضي وبناء جدران وتقديم النصوب المختلفة«. مع إنشاء البرك تحولت القرية ورشة عمل وبدأت تكبر زراعة التفاح وتزدهر حتى أصبحت المصدر الاساسي لرزق العاقوريين »مما خلق مجتمعا زراعيا، خلق بدوره مجتمعا آخر من أصحاب الاختصاص مبني على رأسمال، مرتبط ارتباطا وثيقا بإنتاج التفاح«، يؤكد الهاشم. »وتختزن برك العاقورة حوالى مليوني متر مكعب من المياه، تستعمل في ري 3 ملايين متر مربع من الاراضي المغروسة بشجر التفاح، لإنتاج حوالى 350 ألف صندوق سنويا«. قنوات الري وبسبب ازدهار إنتاج التفاح وزيادة حوالى ألف غرسة كل سنة الى المئة ألف الموجودة أصلا، بدأت العاقورة تتطلب مياها أكثر فأكثر، لهذا حصلت على مليون ومئتي ألف دولار من خلال قرض قدمه »البنك الدولي«، »لمد شبكة ري حديثة تعتمد على قساطل وقنوات من الباطون بطول 50 كيلومترا بهدف توفير 30 في المئة من هدر المياه التي كانت تتسرب في القنوات الترابية وأوكار الفئران«، حسبما يروي المزارع جليل الهاشم، »ويساهم هذا المشروع بتقديم حوافز جديدة للمزارعين لاستصلاح أراضيهم وزيادة المساحات المروية، إضافة الى جمع مياه الينابيع وإنشاء محاقن وخزانات لتخزينها حسب المواصفات التي يعتمدها مجلس الانماء والاعمار«.