في كتابه الجليل الفريد »عبد الله بن عباس« (دار الهادي بيروت ط1 2001) يجهد أحد أهم المجددين في حوزة النجف (السيد محمد تقي الحليم) (ت 2002) في إماطة اللثام عن التهمة التي وجهت الى حبر الأمة (عبد الله بن عباس) بالاستئثار بالأموال التي تجمعت لديه أثناء ولايته على البصرة من قبل الإمام علي (ع) والتي زاد فيها بعض الرواة بالقول بأن ابن عباس كان ينوي إرسال المال الى معاوية ليقويه على محاربة علي!!! وينفتح الاستاذ الكبير على تاريخ الوضع وأسبابه المختلفة، في التاريخ والحديث، ويعتبر ان ابن عباس كان في طليعة من يوضع عليه لأسباب تتصل بمكانه ومكانته من علي (ع) وطرفه السياسي في مقابل الاطراف الأخرى والطرف الأموي خاصة، توهيناً لعلي من خلال إسقاط أهم أصحابه علما وعملا. وقد لاحظ المؤلف كثرة الوضاع والمنتحلين من أصحاب الحديث وأرباب السير في مختلف العصور ويقول: »فصرنا نقرأ مثلا ان عبد الكريم بن ابي العوجاء وضع أربعة آلاف حديث« وآخر ألفا وثالث اربعمئة و»قد رووا ما ترك من حديث عبّاد بن صهيب البصري بخمسين الفا ومن حديث عمر بن هارون البلخي بسبعين الفا.. وحسبك ان تعلم ان احمد بن حنبل لم يعتمد من أكثر من سبعمئة وخمسين الف حديث كانت لديه، إلا ثلاثين الفا« و».. مسلم لم يحشد في صحيحه أكثر من اربعة آلاف حديث من أصل ثلاثمئة.. والبخاري لم يذكر في الصحيح أكثر من سبعة آلاف حديث انتقاها من ستمئة الف حديث«. ويضيف رحمه الله: »كما صح لأبي حنيفة ان لا يطمئن الى أكثر من سبعة عشر حديثا صحت لديه، ونهاية المبالغات في ذلك كله ما حدَّثوا عن يحيى بن معين انه قال: »كتبنا عن الكذابين وسجّرنا به التنور وأخرجنا به خبزا نضيجا« ولم يسلم القرآن الكريم من الوضع والكذب، وفي هذا الصدد يقول الاستاذ الحكيم: »وقد قيل لأبي عصمة: من اين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضل القرآن سورة سورة؟ فقال إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن اسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة« أي حديث فضل سور القرآن سورة سورة وضعه، أي اختلقه ونسبه الى رسول الله عن طريق عكرمة منتهيا الى ابن عباس في سنده، قربة الى الله تعالى، ما يعني انه حتى أهل الزهد والصلاح! والمبرأون من السياسة كسبب من أسباب الوضع قد شاركوا في الوضع حتى قال يحيى بن سعيد القطان: »لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث« وقال، »ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه فيمن ينسب الى الخير والزهد«. ويختم السيد الحكيم كلامه في هذه المسألة بالقول: »ومن الطريف ان يسأل بعضهم، وقد وضع أحاديث في فضل القرآن وسوره، لم فعلت هذا؟ فقال: »رأيت الناس زهدوا في القرآن فأحببت ان أرغبهم فيه، فقيل فإن النبي »ص« قال: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، فقال: أنا ما كذبت عليه وإنما كذبت له«. ماذا فعل مفسرو القرآن في هذه الروايات؟ في الجواب عن هذا السؤال لا بد من التتبع حيث نلاحظ ان المستوى العلمي لمن تعاطى التفسير هو الذي يتحكم في تعامله مع هذه الروايات، حتى ان الاكثرية منهم قد أهملتها إهمالا تاما، وإن كان هناك من اعتنى بها عناية تامة او نسبية ومنهم صاحب (مجمع البيان في تفسير القرآن) الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي.. المولود في سبعينيات (472 ه) والمتوفى سنة (552ه)، إذن فكتابه (مجمع البيان) هو من نتاج المئة السادسة التي اشتهر فيها بالتفسير (جار الله الزمخشري) صاحب (الكشاف) (وأبو البقاء العكبري وأبو محمد البغوي وابن الدهان) مسبوقين في المئة الخامسة بشيخ الامامية (ابو جعفر محمد بن الحسن الطوسي صاحب كتاب (البيان) ثم (السيد الشريف الرضي الموسوي) صاحب كتاب (حقائق التنزيل ودقائق التأويل) وإمام الحرمين (ابو المعالي الجويني) و(عبد الملك الثعالبي) ويقول المرحوم السيد محسن الأمين عن الكتاب بأن مؤلفه استمده من تبيان الشيخ الطوسي وفي (كشف الظنون) كما يقول السيد الأمين ان الطبرسي اختصر في كتابه الكشاف للزمخشري وسماه »جوامع الجوامع«، هذا مع العلم ان المصدرين اللذين عني بهما المؤلف لم يحفلا بالروايات التي فصلت في فضل السور في حين ان الطبرسي صدر تفسيره كل سورة بروايات مختلفة عن فضلها ومردود قراءتها دينيا ودنيويا. يبدأ المؤلف بفاتحة الكتاب فيروي عن فضلها (مختصرا من قبلي) منتهيا الى رسول الله (ص) ان من قرأ الفاتحة أعطي من الأجر كأنما قرأ ثلث القرآن. أو.. تصدق على كل مؤمن ومؤمنة، أو كأنما قرأ القرآن في طريق آخر، وان الرسول »ص« قال لجابر بن عبد الله الانصاري: »هي شفاء من كل داء الا السام« والسام الموت. وعن الامام الصادق قوله: »من لم يبرئه الحمد (الفاتحة) لم يبرئه شيء«. وعن فضل سورة البقرة روايات عدة منها: ان من قرأها أعطي من الأجر كالمرابط في سبيل الله سنة لا تسكن روعته (أي خوفه). وعن الامام الصادق (ع): »من قرأ البقرة وآل عمران جاء يوم القيامة تظلان رأسه مثل الغمامتين«. أما سورة آل عمران وحدها فإن قرأها أعطي بكل آية منها أمانا على جسر جهنم. ولا تقل في ما يرويه الطبرسي الآثار الدينية والدنيوية في قصار السور عنها في طوالها، ونأخذ من الجزء الثلاثين نماذج لهذا المدعى.. فسورة (عم) فضلها حسب المجمع ان من قرأها سقاه الله برد الشراب يوم القيامة، أو لم يخرج سنته اذا كان يدمنها في كل يوم حتى يزور البيت الحرام... أما (النازعات) فإنها تقصر وقت الحساب الى مقدار صلاة مكتوبة، ومن قرأها لم يمت إلا ريانا ولم يبعثه الله إلا ريانا ولم يدخله الجنة إلا ريانا. ومن قرأ سورة (المطففين) أعطاه الله الأمن يوم القيامة من النار ولا تراه ولا يراها (أي النار) ولا يمر على جسر جهنم ولا يحاسب يوم القيامة. وسورة (والليل) من قرأها أعطاه الله حتى يرضى وعافاه من العسر ويسر له اليسر، ومن قرأ سورة (التين) أعطاه الله اليقين والعافية ما دام في دار الدنيا. ومن قرأ سورة (العلق) ومات في يومه أو ليلته مات شهيدا وبعثه الله شهيدا. ومن قرأ سورة (الهمزة) في فريضة نفت عنه الفقر وجلبت عليه الرزق وتدفع عنه ميتة السوء. أما الذي يقرأ سورة (الفيل) فإن الله يعافيه في الدنيا من المسخ والقذف. والذي يقرأ (يا أيها الكافرون) يبرأ من الشرك ويعافى من الفزع الأكبر، وكان أمثل أصحابه هيئة وأكثرهم زادا، أما اذا قرأ سورة (النصر) في فريضة أو نافلة فإنه ينتصر على جميع أعدائه، وقد قرأ فقير في عهد الرسول »ص« كما في الرواية وبتوجيه وإرشاد منه »ص« سورة الاخلاص (قل هو الله أحد) مرة واحدة في بيته فأفاض الله عليه رزقا حتى أفاض على جيرانه. ومن قرأ (المعوذتين (الفلق والناس) فكأنما قرأ جميع الكتب التي أنزلها الله على الأنبياء.. اقتصرنا على هذا المقدار من السور تجنبا للإطالة ولأن فيها شاهدا تاما لا على ما نريد قوله بل ما نريد تسجيله، واقتصرنا على قدر يسير من الفضائل المروية للسور من دون فرق بين طويلها وقصيرها.. ونقدم ما يثبته المؤلف في فضل سورة الواقعة من الجزء السابع والعشرين كمثال على التفصيل الجامع بين الفضل الدنيوي المحسوس والفضل الأخروي (المغفرة) (والواقعة) فضلها. أبي بن كعب قال قال رسول الله »ص« من قرأ سورة الواقعة كتب ليس من الغافلين، وعن مسروق قال: من أراد ان يعلم نبأ الأولين والآخرين ونبأ أهل الجنة ونبأ أهل النار ونبأ الدنيا ونبأ الآخرة فليقرأ سورة الواقعة. وروي ان عثمان بن عفان دخل على عبد الله بن مسعود يعوده في مرضه الذي مات فيه فقال له ما تشتكي قال ذنوبي قال ما تشتهي قال رحم ربي قال أفلا تدعو الطبيب قال الطبيب أمرضني قال أفلا تأمر بعطائك قال منعتنيه وأنا محتاج اليه وتعطينيه وأن مستغن عنه قال يكون لبناتك قال لا حاجة لهن فيه فقد أمرتهن ان يقرأن سورة الواقعة فإني سمعت رسول الله »ص« يقول من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا. وروى العياشي بالاسناد عن زيد الشحام عن ابي جعفر (ع) قال من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لقي الله وجهه كالقمر ليلة البدر. وعن ابي بصير عن ابي عبد الله (ع) قال من قرأ في كل ليلة جمعة الواقعة أحبه الله وحببه الى الناس أجمعين ولم ير في الدنيا بؤسا أبدا ولا فقرا ولا آفة من آفات الدنيا وكان من رفقاء أمير المؤمنين«. وفي مقدمته لكتابه (الكاشف) في تفسير القرآن (7 مجلدات دار الجواد ط3 1981) يقول الشيخ محمد جواد مغنية من علماء وفقهاء الشيعة الامامية (ت 1980): »نظرت الى القرآن على انه في حقيقته وطبيعته كتاب دين وهداية وإصلاح وتشريع يهدف قبل كل شيء الى ان يحيا الناس جميعا حياة تقوم على أسس سليمة، يسودها الأمن والعدل ويغمرها الخصب والرفاهية، ويورد كلاما لمحيي الدين بن عربي عن القراءة النسبية للنص القرآني نقلا عن الجزء الرابع من الفتوحات المكية باب (حضرة الحكمة) يقول ابن عربي »يتلو المحفوظ من القرآن فيجد في كل تلاوة معنى لم يجده في التلاوة الاولى مع ان الحروف المتلوة هي هي بعينها، وإنما الموطن والحال تجدد، ولا بد من تجدده، فإن زمان التلاوة الاولى غير زمان التلاوة الثانية«. هذا ولم يتعرض الشيخ مغنية لفضائل السور مكتفيا بفضل القرآن العميم