As Safir Logo
المصدر:

على غرار

المؤلف: الحسيني مصطفى التاريخ: 2002-12-20 رقم العدد:9380

ثمة غرارة وغرار. ليسا أنثى وذكرها ولا هما المؤنث ومذكّره. ليس النوع وحده هو المختلف، إنما المعنى أيضا، حتى مع اتحاد الجذر الذي هو: غرر، بدون علامة الشدّ على الراء الأولى. الغرارة، بكسر الغين، لا كسر الله لأحد عينا، نعرفها كلنا، حتى لو حسب بعضنا أنه لا يعرفها. هي وعاء من الخيش أو الصوف أو ما قام مقامهما من صنف القماش السميك المتين، أو في عصرنا الحديث هذا تصنع من البلاستيك أو غيره من منسوجات الألياف الصناعية. تستخدم لاحتواء ما هو قابل للانفراط من الحبوب أو المطحونات المسحوقات، ما يؤكل مثل طحين الحبوب مادة للخبز وغيره وما لا يؤكل مثل ترابة البناء وما هو بين بين مثل سماد الزرع، تحتويه الغرارة لجمعه حتى يسهل حمله ونقله وحفظه. قد يظن بعضنا أنه لا يعرف ما الغرارة لأننا في لهجاتنا المتداولة نسميها كيسا ونسميها شيكارة ونسميها شوالا أو نتفاصح فنكتبها جوالا ونسميها زمبيلا أو ما لا أدري خلاف ذلك. أما الغرارة بفتح الغين، فتح الله على عباده وفتح أعينهم بنوره حتى ينجيهم من الغرارة (بالعين المفتوحة). الغرارة التي هي الغرر وأقلّه سهو العين عن النظر. وأوسطه السذاجة ومثلها فقر التجربة أو فلنقل هي البراءة. ومنها الغر بكسر الغين وهو الصغير الذي تفترض فيه السذاجة أو البراءة، فإذا قيلت في وصف العاقل الرشيد فهي طعن على عقله أو تجربته، أو هي استهانة به وإهانة. أما الأشد فهو الغرور، الذي هو تقدير النفس بما يفوق قدرها، فإن بلغ مبلغا كثرت صفاته؛ منها الادّعاء ومنها العنجهية ومنها الصلف. وكلها مكروه. وقانا الله ووقى القارئين. وأما الأخبث مشتقا منها فهو التغرير، تتعدد معانيه فتعني الخداع باستغلال الغرر أي قلّة التجربة أو نقص المعرفة أو ضعة الهمّة. وتعني إدخال الغرور إلى نفس هيّئت له. وكلها من موارد التهلكة المعنوية. وفي الأقلّ أنها من منافذ الخداع والغش. أما في البريء منها فهي من مجالب السخرية. والمعاني إلى ذلك كثيرة يشوبها كثير من قلة التوافق، مثل قولك: أنا غريرك، تعني أنّك كفيله. على لأي من قولك: أنا غريرك من فلان التي تعني تحذيرك إياه منه. وفيها ظل من معنى الكفالة. *** تكثر اشتقاقات »غرر«. فهناك الغرر ذاته والذي يعني الخطر. ومنها الغرّة، التي يقول صاحب »لسان العرب« انها البياض في الجبهة، أما غرّة النساء فهي خصلة الشعر تسترخي بغنج ودلال على طرف الجبهة لتحجب من العين طرفا يشي بالحور. مع أن شرط تسمية الفرس »غرّاء« أن يفوق بياض جبهتها حتى يلفت العين دون أن يصيب أيا من العينين، ربما لكون الحور في أعين الأفراس إناث الجياد أجمل مما يصطنعه إرخاء الغرّة. والغرّة هي المطلع أو الابتداء، مثل غرّة الشهر، أي أوّله. وغير هذا في معانيها كثير، من فرط إغرائه أو تغريره أن يلزم كبح نزعة الاستطراد فيه. وهناك الأغر، قيلت عن صخرة جبل طارق التي سمّيت الطرف الأغرّ، كونها طرفا مشرفا على المضيق الواصل والحاكم بين البحر المحيط الأطلسي وبين بحر الروم الأبيض المتوسط وعلى بلاد الأندلس في الشمال. وتقال في الفتى، تعني أنه ميمون الطالع أو أنه معقد لآمال أهله وذويه. ثم إن هناك الغرار الذي يقول صاحب »لسان العرب« أيضا، أنه »حد الرمح والسيف والسهم«. لكننا نعيش في زمان انقضت منه الرماح والسيوف والسهام، إلا في الساذج الغرير من أفلام سينما »الغرب« الأميركية، حيث يقاتل »الهنود الحمر« برماح وسهام مسمومة، كناية عن لؤمهم وخستهم، بينما يقاتل »اليانكي« البيض بالبنادق التي تضع »الرجل« أمام خصمه، عينا لعين، إعلانا لشجاعته وشهامته. إن لم يكن للغرار معنى غير أنه حد السيف والرمح والسهم لانقرضت الكلمة منذ زمان غير يسير. لكن اللغة أودعتها معاني أخرى؛ منها توالي النوع دون انقطاع. ومنها قلة النوم لا أرقا ولا سهدا، إنما توفيقا بين حاجة البدن إلى الراحة وحاجة العقل إلى التنبّه. ومنها غرار الشيء، أي القليل منه أو نقصانه، أي التطفيف فيه كما في الكيل والميزان. والغرار هو أيضا تتابع النوع لا يقطع سياقه أو يداخله نوع آخر. لكن الكلمة بقيت بفضل معان أخرى، أظهرها وأروجها في التداول أن »الغرار« هو »المثال«. ومنه قولنا »على غرار«، نعني على مثال وعلى شبه. *** قد نلاحظ أن »أولي الأمر« فينا يكثرون من قول »على غرار«. يعنون التشبه واتخاذ المثل. فهم مثلا طلبوا أن نقيم سوقا عربية مشتركة »على غرار« السوق الأوروبية المشتركة. ثم لم يفعلوا ولم نفعل شيئا سوى التمسّك بالحواجز الجمركية والقيود. فلما تطورت السوق الأوروبية من مشتركة إلى موحدة، سارعوا إلى طلب سوق عربية موحدة »على غرارها«. ثم لما أنتجت السوق الأوروبية الموحدة اتحادا أوروبيا، تخلى »أولو الأمر« فينا عن التطلع إلى »على غرار«. ليس لأن الرحمن دخل إلى قلوبهم ينهاهم عن الزيف والزيغ والغرور، إنما لفرط غيرتهم على السيادة الوطنية التي هي »سياداتهم وجلالاتهم وعظماتهم«. ولأن الاتحاد العربي كلمة محظورة. ليس لخطرها المحتمل على مراكز »السيادات والجلالات والعظمات« فحسب، إنما أيضا من أبواب الحيطة والحذر، أو فلنقل ان كلا منهم »غرير« من الاتحاد، حتى وإن بقي واردا أن يكون الاتحاد بينهم لا بيننا. فمن ستكون له فيه الرئاسة ومن لن يبقى له إلا السقاية والهشامة؟ لكن واحدا منهم تنكب الدرب ولم يصبر على فراق »على غرار« ووجد مناه وطلبته في ماعون غير ماعون العرب وإن كان لبعضهم فيه قسط أو سهم. رأى »الأخ« طريدته فلم يوفّرها. قرر أن تتطور »منظمة الوحدة الأفريقية« إلى »الاتحاد الأفريقي« »على غرار« الاتحاد الأوروبي. كأن اسم المنظمة الأصلي ليس أضخم من محتواها ومغزاها. اللهم خلّصنا من »على غرار«. اللهم ألبس الناطقين بها غرارة على أفواههم مثل الغرارة التي تحجب عنهم عقولهم وأفئدتهم. لعلنا نستطيع ذات يوم أن نبتدع شيئا »على غرارنا« لا »على غرار« غيرنا ولا »على غرارهم«. آمين.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة