تحولت فاعليات مؤتمر »مسيحيون ومسلمون معا في مواجهة التحديات الراهنة« الى مناسبة تسعى فيها الشخصيات المشاركة الى تأكيد انحيازها لصالح خيار المواطنية كمرجعية محورية في النظرة الى العرب المنتمين الى طوائف مختلفة. هذا الأمر ترجمه المتكلمون المسيحيون بالتشديد على أن غالبية الجماعة التي ينتمون اليها، في العالمين الاسلامي والعربي عموما وحتى في لبنان لم تراهن على تطورات الحادي عشر من أيلول 2001 لتغيير تعاطيها مع المسائل الوطنية، فيما اعتبر المسلمون، الذين يشكلون غالبية عددية على امتداد الخارطة العربية، أن أي انحراف سلوكي سبب انتقاصا في الحق، لا يشكل القاعدة لتبرير الإنشغال بالخلافات في هذا الوقت. ولعل »قانون الصدفة« قد فرض نفسه على بداية أعمال هذا المؤتمر الذي ينظمه مجلس كنائس الشرق الأوسط والفريق العربي للحوار الاسلامي المسيحي، اثر قرار اتخذه الرئيس المصري محمد حسني مبارك بجعل عيد ميلاد السيد المسيح، الذي يصادف حسب التقويم القبطي الأرثوذكسي في السابع من كانون الثاني من كل سنة، عيد رسمي على امتداد »هبة النيل«. هذا التطور في الموقف الرسمي المصري، الذي لم تشهد البلاد سابقة مماثلة له، ترافق هو الآخر مع اهتمام ملحوظ للاعلام المصري بالمؤتمر، بحيث كان محور ندوة »إيجابية« نظمها التلفزيون الرسمي، وكان لكل هذه المعطيات الإيجابية، التي أضفت هالة على الحوار المسيحي الإسلامي، انعكاساتها على أعمال المؤتمر، بحيث أخرجت، أقله في ثلاث جلسات عمل، كل ما من شأنه تشنيج الأجواء، بالإبتعاد عن قواعد »حوار اللاهوت« والتشبث بأسس »حوار الحياة«. والنتيجة العملية التي يمكن استخلاصها، حتى الآن، تمثلت بتقاطع الجميع، رجال دين مسيحيين ومسلمين ومفكرين مسيحيين وإسلاميين، على وجوب نبذ »الأصولية« الى أي فئة انتمت، على اعتبار أنها نهج يحتكر الحقيقة ويلغي الآخر. واتفاق هؤلاء على عروبة القدس وأحقية القضية الفلسطينية وإدانة الدعم الأميركي »ذات الجذور الدينية للصهيونية الطامحة الى هدم المسجد الأقصى وبناء هيكل سليمان بحجارته«. وفي انتظار كل ما سيقال عن فلسطين والقدس وإسرائيل في الندوة الخاصة المتفرعة عن المؤتمر، فإن كل المؤشرات الداخلية، ليس على المستوى التنظيمي فحسب بل على مستوى تنسيق العلاقات، تبيّن أن هذا النهج الحواري الذي يسهر عليه القس رياض جرجور مع سائر فريق العمل، قد بدأ يشق دربه الى الوجدان النخبوي، ويبدو ان التفاعل مع القواعد لن تتأخر خططه عن الظهور قريبا. على اي حال ماذا حصل في المؤتمر حتى الآن؟ كلمة الافتتاح كانت للأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط القس رياض جرجور، الذي قدم الموجبات التي أملت اختيار عنوان المؤتمر، فأكد »ان اسلامنا ومسيحيتنا يقدمان لنا توجهات لمواجهة التحديات الراهنة«. وإذ دعا الجماعات الدينية التي تعيش »في بلدان تتميز بعيش مشترك سلمي ومتوازن«، الى اتخاذ مسافة نقدية من العولمة، التي »تكشف أن ايمان المتدينين أصبح مهددا بالعطوبية«، تكلم عن ضرورة إنماء لاهوت محلي يكتشف »علامات الأزمنة« والذاتية التاريخية والرسالة الواقعية التي يجب أن تؤدى. بعد جرجور أخذ الكلام القاضي عباس الحلبي، عن الفريق العربي للحوار الاسلامي المسيحي، فلاحظ أنه بعد الحادي عشر من ايلول 2001 برزت دعوات الى المسيحيين العرب لأخذ المبادرة والتصدي والذود عن »اخوانهم في العيش«. واذ اعتبرهم مؤهلين لنقل الصورة الحقيقية وفضح الزيف المتمادي، قال: »لكن لا يغفل عن بالنا ان المسيحيين هم أيضا مستهدفون لمجرد كونهم عربا، لذلك فإن عملية المجابهة لا تلقى على أكتافهم، بل ينبغي ان تحمل على أكتافهم وأكتاف المسلم، في بوتقة واحدة جامعة«. ولكن الحلبي، الذي كان أحد المشاركين في أعمال »السينودس من أجل لبنان«، لفت الانتباه الى أن نجاح هذه المواجهة تتوقف على »ضرورات«، منها تطوير صيغ »العيش المشترك أو العيش الواحد« في بعض البلدان العربية، بما يكفل صون حقوق الأقليات وتطوير التجرية المشتركة وإنمائها«. عضو آخر في الفريق، هو المفكر الإسلامي الدكتور محمد سليم العوا، تكلم في الافتتاح فاعتبر أن »الأمل الوحيد الباقي للأمة العربية هو التدين لدى المسلمين والمسيحيين، لأن المؤمنين هم أهل الثبات على المبدأ الذين يمكنهم في هذه العولمة، الغاسلة للعقول وللقلوب، أن يحافظوا على هويتنا الاصلية«. واعتبر انه: »لا يجوز الانشغال بالخلافات في ما بيننا، لا على عقيدة ولا على شريعة ولا على حق منتقص، لأنها كلها أمور تُستدرك، في حين أن انكسار أمتنا ووحدتنا لا يعوضه شيء«. الكلمة الأخيرة كانت لبطريرك انطاكية وسائر المشرق، الرئيس الأعلى للكنيسة السريانية الأرثوذكسية في العالم البطريرك زكا الأول عيواص، الذي ركز على ما يحصل في فلسطين وما يخطط له بالنسبة الى العراق. ودعا الى مقاومته بقوة وبثبات، والى تشكيل قوة ضغط لفرض التمييز بين الارهاب والمقاومة، وهاجم الولايات المتحدة الأميركية التي »ابتدعت العدو الذي ارادته، وهو خطر التطرف الاسلامي والاصولية الاسلامية، لتستخدمه كحصان طروادة تنزل منه في أي مكان تريده من العالم«. وقبل الانتقال من الافتتاح الى أولى جلسات العمل، اخذ الحلبي منصة الكلام مجددا ليعلن قرار الرئيس حسني مبارك جعل السابع من كانون الثاني عطلة رسمية في مصر بمناسبة عيد الميلاد بحسب التقويم القبطي، فصفق المصريون في القاعة، مسلمين ومسيحيين، فيما بدت علامات الدهشة على وجوه بعض الآتين من لبنان وسوريا. وقد ورد اقتراح يقضي بتوجيه المجتمعين تحية إكبار الى الرئيس مبارك على مبادرته، فتبناها المؤتمر. إلا أن بعض الشخصيات احتجت على تكرار الثناء، على اعتبار أن الخطوة هي حق لفئة من المصريين وليس منحة. بعد ذلك بدأت الندوة الاولى وكانت تحت عنوان »العولمة وانعكاساتها على القيم الروحية«، وترأسها الزميل كميل منسى وتكلم فيها مطران بعلبك للروم الكاثوليك كيرلس بسترس والدكتور فهمي هويدي. قال بسترس بوجوب استيعاب العولمة وتوجيهها نحو قيم جديدة، واعتبر ان المسيحية تتضمن المبادئ الأساسية الكفيلة بتحقيق عولمة لا تفرض سيطرة القوى العظمى، بل تؤمن خصوصية التعاون بين الجميع. ورأى أن المسيحية مدعوة اليوم انطلاقا من مبادئها الى الإسهام في تكوين قاعدة مشتركة يرتكز عليها ترابط المجتمعات، »فمستقبل المسيحية لا يكتمل في تكوين جبهة من ذاتها، بل في توزيع روحانيتها وتقديم وساطتها لحل النزاعات«. أما هويدي فاعتبر ان 11 ايلول ألحق نكسة بمفهوم العولمة نفسها لأنه حولها الى هيمنة اميركية مطلقة على العالم، وقال إن عصرنا يشهد وضعا بالغ الشذوذ، »فنحن في صدد حالة خاصة تراجعت فيها قيم ثلاث: القانون والأخلاق والسيادة«. وإذ شرح وجهة نظره التي تدلل على ذلك، بالإستناد الى ما تقوم به الادارة الاميركية، قال بضرورة عدم إدانة وسائل العولمة بل الى استعمالها، لأن التقنية مفتوحة للجميع، »ولا يجوز التحامل عليها في حال عجزنا عن توظيفها ايجابا«. وتكلم في الندوة الثانية تحت عنوان »الصراعات السياسية الراهنة وانعكاساتها على العلاقات الاسلامية المسيحية«، كل من المستشار المصري طارق البشري والدكتور طارق متري. البشري اعتبر أن الحكومات لم تعد قادرة في هذا الزمن الضاغط على إنجاز أي شيء، وتحول الرهان على الشعب الذي يجب أن يتعاون الجميع لمنع حدوث انشقاقات فيه لدواع دينية، واعتبر ان التشدد الاسلامي كان مخطئا حين مس بالأمن الذي هو اهم من الخبز والماء، ورفض مقولة البعض بتحويل الأقباط الى جسر بين الغرب والشرق، لأن الجميع عرب وهم متحدون كما المعدن في السبائك. ورأى متري أن أخطر ما يواجه العالم المعاصر هو سياسة المزج بين القوة العاتية وارتداء لباس الضحية، كما تفعل اسرائيل دائما وكما فعل نظام التمييز العنصري في جنوب افريقيا، وكما تفعل اليوم الولايات المتحدة الاميركية. وأكد ان أي مسيحي عربي لم يستقو في أي دولة عربية بالهجوم الاميركي الاسرائيلي على اخوانه المسلمين، بل كان هؤلاء المسيحيون اول من حذر من تأثيرات 11 ايلول السلبية ودعوا الى التحصن في وجهها، وقال: »بالرغم مما يشاع، هذا ما فعله أيضا المسيحيون في لبنان، باستثناء حالات شاذة قليلة«. وكان الفريق العربي للحوار الاسلامي المسيحي قد انتخب هيئته الادارية بعدما تم تحويلها الى مؤسسة دائمة، واختار عباس الحلبي رئيسا، القس رياض جرجور نائبا للرئيس، محمد السمّاك أمينا للسر وكميل منسى امينا للصندوق.