1 تمهيد قبل رواية قصة حافلة! بين يومي 18 و 23 يوليه 1952 كان حال مصر أشبه ما يكون بسفينة تمزق شراعها بقوة الريح، وانكسرت دفتها بضرب الموج، وأصبحت بمن فيها: قبطانا وبحارة وركابا لعبة عاجزة في قبضة إعصار هائج. وكانت تلك الأيام الخمسة في الواقع خمس ليال، لأن الهموم تستولي على الجميع بالأرق، يفكرون في ما عساهم فاعلون في الصباح، فإذا طلع الفجر اكتشفوا أن ما رتبوا له فات أوانه، وأنهم الآن عند أفق مختلف لم يستعدوا له وهكذا كل ليلة! والواقع أن أحدا لم يكن في مقدوره تلك الليالي الخمس أن يعتمد على خرائط ملاحية أو أرصاد جوية أو خط سير مرسوم بين ميناء إبحار وميناء مرسى، لأنه حين تتحكم الرياح تتعطل الخرائط، وحين تنقض العواصف هوجاء فإن هَمَّ الجميع يكون بالتعامل مع المفاجآت في مكانها وفي زمانها. وحين تكون مثل هذه الحال ظرفا تاريخيا في حياة أمة، فإنه لا يصبح في مقدور أي طرف أن يزعم رؤية الصورة كاملة، ومعايشة المفاجآت كل ساعة وموقع، وربما من هنا أن الروايات عما جرى تلك الأيام الليالي الخمس الطوال اختلفت باختلاف مواقع الرؤية، وبمسافة القُرب والبُعد عن مسرح الحوادث (وذلك على فرض صدق الرواة ودقة كل منهم في الإحاطة بما كان في مجال نظره). والشاهد أن هذا المدخل تمهيد للطريقة التي يجري بها هذا الحديث، والأسلوب الذي يتبعه في تناول موضوعه وبمعنى: 1 أننى أروي ما عندي في مساحة ما رأيت بعيني أو عرفت عن ثقة أو تابعت إلى آخر الرحلة (وفي ذلك لا أركن إلى ما تستطيع الذاكرة أن تستدعيه، وإنما إلى أوراقي المكتوبة في أوانها، تستعيد الوقائع كما جرت إيقاعا ونبضا وحسا). 2 وبالتوازي فإنني أغطي في السياق نفسه ما غاب أو خفي عني بالعودة للمراجع السرية المسجلة في حينها، سواء من الوثائق البريطانية والأميركية والفرنسية والإسرائيلية، وذلك إلى جانب أوراق وشهادات وأوراق مصرية أستطيع أن أطمئن إليها، متأكدا من أصلها وأصالتها. 3 ثم إنني وبمقدار ما هو ممكن أحاول تحديد الأيام (الليالي)، بحيث تبين لأحداثها المهمة خطوطا وفواصل تعرض لها سياقا جاريا أقرب ما يكون اتصالا بالحقيقة). اليوم الأول الليلة الأولى الجمعة 18 يوليه 1952 سحب عاصفة تتجمع! { في الساعة التاسعة والربع صباح ذلك اليوم في مبنى أخبار اليوم (شارع الصحافة المتفرع من شارع الجلاء على مدخل بولاق) كان هناك اجتماع لهيئة تحرير أخبار اليوم مهمته ترتيب عدد الغد (السبت 19 يوليه). وفرغ الاجتماع بسرعة لأن بعض المشاركين فيه كانوا على موعد آخر مع الأستاذ »أحمد عنان« وهو أيامها رئيس مجلس إدارة شركة مصر للتأمين، وفي الوقت نفسه قائم على مهام عضو مجلس الإدارة المنتدب لأخبار اليوم، ومعه مباشرة يعمل مديرها العام أيامها الأستاذ »عبد العزيز عبد العليم«. وخرجنا من اجتماع هيئة التحرير (وكان في مكتب الأستاذ »مصطفى أمين«) إلى مكتب توأمه الأستاذ »علي أمين« حيث كان في انتظارنا الأستاذ »أحمد عنان« عضو مجلس الإدارة المنتدب. (وكنتُ ذلك الوقت عضو مجلس الإدارة الوحيد بين محرري أخبار اليوم)، وهكذا جلسنا ثلاثة من الصحفيين نسمع الأستاذ »أحمد عنان« يوجه إلينا تحذيرا بأن »جريدة الأخبار« التي صدرت يومية قبل أسابيع تواجه خسائر مالية يستحيل استمرارها، ومع أن أخبار اليوم الأسبوعية تكسب إلا أن خسارة جريدة الأخبار اليومية تبلع أي ربح، وخصوصا أن هذه الجريدة لم تصمد كما كان محسوبا أمام المنافسة في السوق (من جانب الأهرام والمصري)، (ولم يكن لها الحظ كأختها الكبرى (أخبار اليوم) أن تصدر يوم عطلة الأهرام (السبت). وحين كان لكل جريدة يومية عطلة أسبوعية، ووقتها اختار »مصطفى وعلي أمين« بموافقة من صاحب الأهرام »جبرائيل تكلا« (باشا) طبع أخبار اليوم على ماكينات الأهرام (مساء الجمعة) لكي تصدر جريدتهم الجديدة صباح السبت وليس أمامها غير جريدة المصري (وجريدتين حزبيتين لا يُحسب لهما في ذلك الزمن حساب وهما »الأساس« عن حزب السعديين، و»الكتلة« عن حزب الكتلة. وهنا فإن صعود أخبار اليوم تحقق سريعا، لأن السوق كان جاهزا ومهيأ. لكن جريدة »الأخبار« الجديدة لم تكن لها مثل تلك الفرصة. فالجرائد اليومية تخلت عن تقليد يوم العُطلة، ومعنى ذلك أن »الأهرام« في السوق كل يوم، ثم إن جريدة »المصري« (وبسبب سخونة الظروف السياسية والنبرة العالية للخطاب الوطني حققت سبقا)، وهنا فإن جريدة »الأخبار« تراجعت من توزيع مئة وعشرين ألف نسخة يوم صدورها إلى توزيع يقل عن سبعين ألف نسخة (أي قرابة 40$ في ظرف عدة أسابيع، ثم إن الهبوط مستمر وذلك هو الخطر). وبهذا أضاء »أحمد عنان« أمامنا (نحن الثلاثة) مصباحا أحمر للتحذير، ثم تركنا وانصرف يلحق بأسرته التي سبقته إلى مزرعة »عبد المقصود أحمد« (باشا) رئيس مجلس إدارة بنك مصر، وهي على أول طريق القاهرة بلبيس. ورحنا نبحث ما نقدر عليه وبسرعة. وكان »علي أمين« هو الذي طرح فكرة »أن الأزمة السياسية الراهنة وتغطيتها إخباريا بتوسع شديد فرصة متاحة يمكن أن ترتب فيها »الأخبار« مكانها في السوق، ووجهة نظره أن التطورات المتلاحقة من يوم حريق القاهرة 26 يناير 1952 حتى الآن (18 يوليه 1952) هي فترة شهدت سقوط أربع وزارات في خمسة شهور: وزارة »النحاس« وزارة »علي ماهر« وزارة »الهلالي« الأولى ووزارة »حسين سري« (وهي الآن على وشك السقوط) وذلك خلق اهتماما كبيرا بالسياسة، تستطيع الأخبار أن تكسبه لصالحها إذا ركزت عليه. وكان الأستاذ »علي أمين« يعرف أن ذلك رأيي، طرحته دائما ودافعت عنه على أساس »أن الأخبار هي المادة الأولية لأي جريدة يومية، وعلى الباقي أن يدور حولها« وفي ذلك اليوم بالذات لم يكن الأستاذ »مصطفى أمين« على خلاف معنا. وبعد مناقشات، اتفقنا على تقسيم العمل في تغطية الأزمة السياسية الراهنة، التي تدافعت بسرعة على منحدر خطر (بعد قرار الملك »فاروق« بحل مجلس إدارة نادي ضباط الجيش الذي يرأسه اللواء »محمد نجيب« في مناخ كل ما فيه يدعو إلى التوجس). كان واضحا لنا ظهر يوم الجمعة 18 يوليه أن هناك صداما سياسيا (وربما أشد) يكمن على الطريق وأنه خلال أيام (وبصرف النظر عن أية اعتبارات عامة) فإن هذا الصدام يمكن أن يكون قضية حياة أو موت بالنسبة لدار أخبار اليوم لأن خسائر جريدة الأخبار المتصاعدة سوف تلتهم أرباح جريدة أخبار اليوم الأسبوعية. وبهذه التقديرات اتفقنا على توزيع التغطية الإخبارية بيننا: الأستاذ »مصطفى أمين«: يسافر إلى الإسكندرية لأن البلاط الملكي هناك وكذلك الوزارة منذ بدأ موسم الصيف و»مصطفى« مسؤول بصلاته مع القصر (»كريم ثابت«) (باشا)، ومع الأستاذ »محمد هاشم« (صهر »سري« (باشا) ووزير الداخلية) أن يغطي ما يدور بين الطرفين الرسميين في إدارة الأزمة: القصر والوزارة. ومسؤوليتي أن أبقى في القاهرة لمتابعة تداعيات قرار حل مجلس إدارة نادي ضباط الجيش، وذلك بحكم معرفة بكثيرين فيه (نشأت بظروف عملي أثناء تغطية حرب فلسطين) وضمنهم اللواء »محمد نجيب« (وهو رئيس مجلس إدارة نادي الضباط) وبالإضافة إلى ذلك فقد كان الترتيب أن أظل على اتصال برئيس الوزراء المستقيل »نجيب الهلالي« (باشا)، وكنت قريبا منه (صديقا للعائلة). وأما ثالثنا (الأستاذ »علي أمين«) فقد كان عليه أن يظل في القاهرة للتنسيق بين عمل »مصطفى« في الإسكندرية، و»عملي« في القاهرة، وبحيث يشرف على توجيه جهدنا المُرَكَّزْ في جريدة الأخبار يوميا، ويكون في موضع يسمح له بأن يطلب من القاهرة والإسكندرية تكميلات إخبارية يراها لازمة عبر المدينتين. 2 لقاء أقدار في بيت »محمد نجيب«! { في الساعة الخامسة والنصف (بعد ظهر يوم الجمعة 18 يوليه 1952) كانت الطبعة الأولى من عدد »أخبار اليوم« (التي تصدر غدا) قد أصبحت بكامل صفحاتها عُهدة لدى سكرتير التحرير الأستاذ »حسين فريد« وغادرت مبنى »أخبار اليوم« متوجها إلى حي الزيتون حيث بيت اللواء »محمد نجيب«، وتقديري أن »البؤرة الفعلية« لتداعيات قرار حل مجلس إدارة نادي ضباط الجيش موجودة هناك حول رئيس مجلس إدارة النادي (اللواء »محمد نجيب«). وبينما كنت أقود سيارتي (من طراز أوبل كابتين سوداء اللون) متوجها من وسط العاصمة إلى طرفها عند حي الزيتون، كنت أفكر في اللواء »محمد نجيب«. .......................... .......................... { لم يتح لي أن أقابل الرجل أثناء معارك حرب فلسطين، (خصوصا أنني تركت ميدان القتال في أغسطس 1948، لكي ألحق بالدورة غير العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة (في قصر دي شايو) بباريس لأن قضية فلسطين والحرب التي اندلعت في الأرض المقدسة فرضت نفسها على قمة جدول أعمال الجمعية العامة، وأصبحت شاغل مجلس الأمن وبالتالي فإن الجانب الدولى لقضية فلسطين طغى ذلك الخريف على الجانب العسكري. .......................... .......................... { كنت قد تعرفت على اللواء »محمد نجيب« عندما كان قائدا لسلاح الحدود، ثم زادت معرفتي به من خلال معركة مجلس إدارة نادي ضباط الجيش وتوابعها، وزار مكتبي مرات، وزُرت بيته مرات، واحدة منها (كما هو مسجل في أوراقي) عندما أراد اطلاعي على محاضر التحقيق في سقوط طائرة ركاب أميركية شمال غرب القاهرة (وبين ركابها نجمة مشهورة تلك الأيام هي »كاميليا« (كوهين)، وكانت هناك حكايات كثيرة شائعة عن علاقة بينها وبين الملك »فاروق«). وكان الحادث في منطقة اختصاص اللواء »نجيب« كقائد لسلاح الحدود. وكان الرجل في كل مرة لقيته فيها يبدو لي شخصية متميزة في زمن ما بعد حرب فلسطين وحين كان أظهر لواءات الجيش بصفة عامة ثلاثة أنواع: } نوع وراءه في المعارك تجربة وأصحابه لا يملون الحديث عن تجربتهم واعتقادهم أنها وحدها الصواب وغيرها الخطأ (مثل اللواء »فؤاد صادق« واللواء »محمد أحمد المواوي« وكلاهما كان على المعاش بعد ترك القيادة العامة للقوات في العريش). } ونوع سبقت له الدراسة في الخارج من أركانات الحرب وهم على استعداد دائما لإلقاء الدروس في ما كان ينبغي عمله في فلسطين لكن الآخرين لم يعملوه فضاعت الفرص (مثل اللواء »سعد الدين صبور« قائد سلاح الفرسان واللواء »حمدي هيبة« مدير مكتب وزير الحربية). } ونوع ثالث من رجال القصر تشغلهم المناسبات والمراسم تأخذهم بعيدا عن ميدان القتال فعلا أو مباشرة (مثل اللواء »عمر فتحي« قائد الحرس واللواء »عثمان المهدي« رئيس الأركان). ولم يكن »محمد نجيب« من هؤلاء على اختلاف أنواعهم وفي الوقت نفسه فإنه لم يكن من جيل الشباب الذي بدأ يظهر مرموقا بعد حرب فلسطين (مثل »حافظ إسماعيل« في رياسة الأركان، و»رشاد مهنا« في رياسة المدفعية وكذلك كان محمد نجيب حائرا في موقعه بين الأنواع والأجيال. وكان الرجل يبدو لي دائما مرتاحا مع نفسه، وكانت قناعته أظهر ما تكون حين يخرج من جيبه علبة من سيجار التوسكاني الجاف، ويهرس واحدا منها بمطواة في جيبه ثم يحشو بهذا التبغ المهروس غليونه ويشعله بِهِمة، ويشد الدخان منه بسعادة تضوي في عينيه. وكان الرجل قد عرف من أحد أصدقائه في القصر أنه رُشح وزيرا للحربية في وزارة »نجيب الهلالي« (باشا) ثم عرف من اللواء »أحمد شوقي عبد الرحمن« (رئيس قسم الملحقين العسكريين الأجانب في الجيش وقائد المنطقة الشرقية بعد ذلك) أنني صاحب اقتراح ترشيحه، وكان تعليقه أول مرة لقيته بعدها (»وزير حربية مرة واحدة« ثم كان قوله »يتركونني فقط أكمل مدة خدمتي وأخرج بمعاشي كاملا ولا أريد فوق ذلك شيئا)[. .......................... .......................... والآن وفي طريقي إلى بيت اللواء »محمد نجيب« في الزيتون كان سؤالي لنفسي: »كيف يشعر الرجل وكيف يتصرف وقد وضعته المقادير وسط ما لم يكن يتوقعه، وربما لم يكن يريده لو أن الخيار في يده!«. كانت هناك ثماني درجات بالعدد في الفناء الداخلي الضيق لبيت اللواء »نجيب« يصعد عليها الزائر فيجد أمامه بابين، باباً يؤدي إلى صالة من حولها غرف المسكن، وباباً آخر يؤدي إلى غرفة مستقلة هي غرفة الاستقبال يدخل منها الزائر ليجد في صدر هذه الغرفة مكتبا خشبيا متواضعا، وحوله على جوانب الغرفة طاقم صالون مذهب (دمياطي في الغالب) مكون من أربعة »فوتيلات« و»كنبة« واحدة. وحين انفتح الباب ودخلت قاعة الاستقبال ذلك المساء كان أول شخص وقع بصري عليه هو اللواء »محمود صبحي« الذي كان قائدا للكلية الحربية، ثم أُحيل إلى التقاعد قبل شهور. وكان هناك ضابط آخر لم يقدمه أحد ولا هو قدم نفسه، بل ظل جالسا في مكانه لا يتجه إلى ناحيته خطاب وهو من جانبه لا ينطق بكلمة، ولم يكن اللواء »نجيب« في قاعة الاستقبال لأنه خرج في ما يظهر يطلب »قهوة« لضيوفه، ولم يلبث الباب الموصل إلى القاعة من الداخل أن فُتح ودخل »نجيب« وغليونه بين أسنانه، وأقبل يرحب ودودا وحفيا، ويسأل عن آخر الأخبار وقلت: »إن آخر الأخبار لا بد أن تكون هنا«. وقال الرجل بنبرة يشيع فيها الصدق والقلق معا: »أخبار إيه؟« ربنا يجيب العواقب سليمة«. وكان اللواء »محمود صبحي« هو الذي سألني: »ما الذي سوف تنشره أخبار اليوم غدا عن تطورات أزمة حل مجلس إدارة النادي (يقصد نادي الضباط) وقَبْلَ أن أُجيب، سألني اللواء »نجيب«: »همه عاوزين يعملوا إيه؟ مطلوب مني أعمل إيه؟«. ونظرت إليه أستشف ما وراء سؤاله، لأني علمت قبل المجيء إلى بيته أنه على موعد آخر (غدا السبت 19 يوليه) مع الأستاذ »محمد هاشم« وزير الداخلية وصهر رئيس الوزراء، وسألته: »ألم يقل لك أحد شيئا عما يريدونه منك؟« وقال ببراءة لا تترك ثغرة لشك »إنه حائر والآراء حوله موزعة«، (وقلت لنفسي لحظتها: إن الرجل ليس بسيطا إلى الحد الذي أظنه، فهو نائم على سر يحسن إخفاؤه)، وتدخل اللواء »محمود صبحي« فقال »إن رأيه ما زال رفع قضية ضد قرار حل مجلس الإدارة أمام مجلس الدولة، لأنه لا يمكن السكوت على هذا القرار، وحتى إذا أراد »سعادة اللواء« (يقصد »محمد نجيب«) أن يتنازل عن حقه فإن جموع الضباط لن تتنازل«. ورد »محمد نجيب«: »إنه هو أيضا لا يملك أن يتنازل لأنه حق مئات الضباط الذين انتخبوا المجلس لكن المسألة هي ما الذي يمكن عمله؟«. وكان اللواء »محمود صبحي« (كما كنت أعرف قد التحق أثناء الخدمة منتسبا لكلية الحقوق، وتخرج بالفعل فيها، وانضم بعد إحالته للمعاش فورا إلى مكتب محاماة) والآن كانت أول قضية يريد أن يشارك فيها هي الطعن أمام مجلس الدولة في قرار حل مجلس إدارة نادي ضباط الجيش، وتشعب الحديث قُرابة نصف ساعة ثم قطعت الحديث طرقة أو طرقتان على باب غرفة الاستقبال من ناحية السلم، وقام الضابط الساكت بفتح الباب، ودخل شابان كلاهما يرتدي بنطلونا رماديا فوقه قميص أبيض، وتذكرت أحدهما، وأما الثاني فقد كان غريبا، تقع عليه عيناي لأول مرة. كان الأول هو البكباشي »جمال عبد الناصر« وكان الثاني هو الصاغ »عبد الحكيم عامر«. .......................... .......................... كنت قد تقابلت مع »جمال عبد الناصر« ثلاث مرات من قبل، لكنها جميعا مقابلات عابرة: } كانت المرة الأولى في فلسطين، وكنت مرتحلا في سيارة جيب على الطريق الشمالي للنقب، قادما من مقر قيادة »أحمد عبد العزيز« في بيت لحم، قاصدا إلى »المجدل« لملاقاة اللواء »محمد أحمد المواوي« القائد العام للقوات المصرية في فلسطين، وكان »أحمد عبد العزيز« قد أمر أحد ضباطه وهو الصاغ (الرائد) »حسن فهمي عبد المجيد« (الذي أصبح في ما بعد سفيرا لمصر في المغرب) أن يصحبني (ومعنا جندي حراسة بمدفع رشاش) في سيارة جيب تابعة لقيادته، ويذهب بي في الصباح إلى المجدل ويعود معي مساء الغد إلى بيت لحم. لكن سيارتنا توقفت في عراق المنشية لأن معركة كانت تدور بين المواقع المصرية هناك وبين قوات إسرائيلية خرجت من مستعمرة »نجبا«، وكانت »نجبا« مقرا لقيادة البريغادير »ييغال يادين« (الذي أصبح في ما بعد نائبا لرئيس وزراء إسرائيل ووزيرا للخارجية) وتوقفنا عن السير حتى انفتح الطريق، وعرفت من أحد الضباط أن نتيجة المعركة كانت طيبة، وأن المدرعات التي خرجت من »نجبا« لتقطع طريق النقب الشمالي تراجعت إلى المستعمرة في حماية طلقات من قذائف »المورتار« غطت الانسحاب وما زالت تواصل تمشيط المنطقة حتى الآن. وعرفت أن قائد المعركة على الناحية المصرية ضابط شاب برتبة »صاغ« اسمه »جمال عبد الناصر حسين« وطلبت مقابلته، وكان على وشك أن ينام في مقر قيادة الكتيبة السادسة المشاة (وكانت من قبل قسم بوليس بَنَتْهُ سلطة الانتداب البريطانية في فلسطين مع عشرات غيره ضمن خطتها لإقامة سلسلة مواقع حصينة أثناء الحرب العالمية الثانية تحسبا لتقدم الألمان عبر مصر إلى الشام). وحين ذهبت ومعي »حسن فهمي عبد المجيد« إلى حيث كان الصاغ »جمال عبد الناصر حسين« وجدته يرتب لنفسه فراشا ينام عليه في بدروم مركز البوليس القديم، وقد فرش بطانية على الأرض ثم كَوَّر ثانية جعلها شبه وسادة، واضطجع ينام، وعندما قيل له »إننا نريد مقابلته« اعتدل يستقبلنا، وبدا لي الضابط الشاب »نافد الصبر« وعزوت ذلك إلى الجهد الذي بذله في معركة لم ينم فيها ليلة الأمس (كما قيل لي) دقيقة واحدة، وحين خرجنا من قسم البوليس قال الصاغ »حسن فهمي عبد المجيد« في شبه اعتذار »هو معروف بين زملائه الضباط بأنه قليل الكلام«، وعلقت بقولي »من الواضح أنه لم يكن يريد أن يتكلم، وربما أنه لا يعرف كيف يقول ما عنده«! وكذلك كان اللقاء الأول. } وكانت المرة الثانية في مكتبي في أخبار اليوم (سنة 1951) عندما أعطيت موعدا لضابط في الجيش أراد مقابلتي لموضوع رآه مهما، وقد جاء هذا الضابط وهو الصاغ »زكريا محيي الدين« ومعه زميل له في الجيش هو مرة ثانية: الصاغ »جمال عبد الناصر حسين« الذي بدأ وذكرني بلقائنا الأول وكنت تذكرته فور أن رأيته. كان »زكريا محيي الدين« وقتها ضابطا مشغولا بأمن سيناء، وقد اكتشف مسألة وجدها خطيرة، مؤداها أن إسرائيل تمنح »بطاقات مرور« خاصة لبعض »عرب قبائل العزازمة« الذين يقطنون سيناء وهم يتنقلون بهذه البطاقات وراء المرعى عبر خطوط الحدود وبين خطوط الهدنة من سيناء إلى النقب وبالعكس، وهو يشك أن هذه البطاقات تهيئ لضباط الأمن الإسرائيليين في المنطقة الجنوبية سلطة على رعايا مصريين، والصاغ »زكريا محيي الدين« يجد ذلك وضعا غير مقبول، وغير مأمون. وقد حاول لفت نظر رؤسائه، لكنهم لم يفعلوا شيئا، وخطر له أنه إذا نشرت إحدى الجرائد أو المجلات شيئا عن ذلك، فإن السلطات المختصة قد تتنبه. وكان »زكريا محيي الدين« مرتبا في عرضه للموضوع، وقد شرحه أكثر بصور عدد من بطاقات المرور الإسرائيلية التي استوجبت قلقه. وطوال ثلث الساعة كان »جمال عبد الناصر« يتابع الحديث في صمت، ولاحظته أكثر من مرة يطيل النظر إلى رفوف كتب تغطي حائطا من غرفة مكتبي في ذلك الوقت. وانتهز لحظة صمت فقال إنه تابع تحقيقاتي عن الحرب في فلسطين من داخل الحصار في الفالوجة، واهتم بما كتبته عن اجتماعات دورة الجمعية العامة غير العادية للأمم المتحدة في باريس سبتمبر 1948 ثم إنه بعد الحصار فكر أن يجيء ليقابلني، لكنه وجدني أغطي الانقلابات السورية (من حسني الزعيم إلى سامي الحناوي إلى أديب الشيشكلي)، وفي تلك الأوقات كانت لديه أسئلة عما يجري في سوريا »تمنى« لو استطاع توجيهها إليَّ، ورجوته إذا كان يذكر منها شيئا أن يفعل ذلك ولو بأثر رجعي، وسأل عدة أسئلة (لا أذكر تفاصيلها لأنني لم أحرص على تسجيلها). وواصل »جمال عبد الناصر« كلامه فذكر أنه تابع ما نشرته عن ثورة إيران (الدكتور مصدق) وقال »إنه توقف طويلا أمام مشهد »آية الله الكاشاني« الذي خرج بمظاهرة ضد الشاه بعد أن اغتسل وارتدى كفنه مستعدا للقاء ربه«. ثم أبدى ملاحظات انتهى منها إلى أنه »شاهد مع باعة الصحف كتابا يضم ما كتبته عن إيران عنوانه »إيران فوق بركان«، وسألني إذا كان يستطيع استعارة نسخة منه وهو يتعهد بإعادتها، وأضاف »إن الكتاب غالي الثمن يُباع بعشرة قروش، وذلك مبلغ لا يستطيع مواطن عادي أن يخصصه لشراء كتاب، وطلبت نسخة من الكتاب قدمتها هدية له. } ولم تكن المرة الثالثة التي رأيت فيها »جمال عبد الناصر« لقاءً بالمعنى الحقيقي، لأنه وقع مصادفة عابرة لم تستغرق أكثر من دقائق، وكان ذلك في المساء المبكر من يوم حريق القاهرة (26 يناير 1952)، على رصيف (شارع فؤاد الأول 26 يوليه الآن) أمام محلات شيكوريل، وهي لا تزال مشتعلة ببقايا لهب، وكان »جمال عبد الناصر« قادما من ناحية حديقة الأزبكية، وكنت قادما من الاتجاه العكسي، وعلى وهج الحريق لمحت قامته، وبدت لي تقاطيعه شبه نحاسية، وسألني بصوت مشحون بما يعني القلق من هذا الذي نراه أمامنا، ومن المسؤول عنه، ولا أتذكر بم رددت عليه، ولم يكن الظرف يسمح باستفاضة، وكذلك مضى كل منا إلى سبيله!. .......................... .......................... والآن الساعة السادسة والنصف من مساء 18 يوليه 1952 وفي غرفة الاستقبال في بيت اللواء »محمد نجيب«، دخل »جمال عبد الناصر« (ومعه عبد الحكيم عامر) وعندما دخلا كان اللواء »محمود صبحي« لا يزال يشرح ويعيد شرح فكرته عن ضرورة رفع قضية أمام مجلس الدولة في معارضة قرار حل مجلس إدارة نادي الضباط، مؤكدا أن في رأسه الآن نقطا تبلورت لصياغة المذكرة التي تقدم إلى مجلس الدولة في عرض القضية، وهو واثق من إمكانية كسبها. ومضت دقائق وقام »عبد الحكيم عامر« من مقعده ماشيا نحو اللواء »محمد نجيب« ومال عليه يهمس في أذنه بشيء، وقام »نجيب« وتبعهما »جمال عبد الناصر«، واتجه الثلاثة نحو باب الغرفة المؤدي إلى الصالة الرئيسية للبيت وأغلق الباب. ومع أن هذه »الحركة« لفتت نظري فأظنني لم أعلق كثيرا عليها وإنما واصلت »استجواب« اللواء »صبحي« عن النتيجة التي يمكن أن تصل إليها فكرته في رفع قضية أمام مجلس الدولة حتى على فرض أنه كسبها. ومضت فترة ما بين ربع وثلث ساعة ثم انفتح باب الغرفة المؤدي إلى الصالة، وعاد الرجال الثلاثة إلى صالون الاستقبال وجلسوا حيث كانوا من قبل، وقال »جمال عبد الناصر« وهو ينقل بصره بين اللواء »محمود صبحي« وبيني: »هل وصلتم لرأي في موضوع القضية؟«، واستعاد اللواء »صبحي« تدفقه وبان تحفظي. وقال »جمال عبد الناصر« موجها كلامه لي »حضرتك(!) لا تجد فائدة من رفع قضية؟« وسَكَتَ قليلا ثم استطرد »هل تتصور أن الجرائد سوف تكتب عن قضية ضد قرار صادر عن السلطات العليا؟ أقصد هل يمكن أن تصل القضية بالتفاصيل والظروف إلى الرأي العام؟« وأبديت تشككي في أن الرقابة يمكن أن تسمح بالنشر، أو على الأقل بالنشر على نطاق يكفي للتعريف بالتفاصيل والظروف! وعاد »جمال عبد الناصر« يسأل بما مفاده »وإذا لم تكن هناك قضية فما العمل لوقف هذه »الإهانة«؟«. .......................... .......................... استعمل »جمال عبد الناصر« هذا التعبير وقد نسبته إليه عندما سجلت وقائع ذلك اللقاء بعدها بأكثر قليلا من أسبوع، ومن المفارقات أنني لم أسجله يومها مكتفيا بعبارة »الساعة السادسة: عند »محمد نجيب« (اللواء »صبحي« واقتراحه) وعندما تطورت الأمور في ظرف أيام بما لم يخطر على البال في حينه، عُدت فسجلت يوم 27 يوليه ما شاهدته مساء يوم 18 متأخرا تسعة أيام. .......................... .......................... استوقفني لفظ »إهانة« وسألت »جمال عبد الناصر« بما معناه »هل يرى أن حل مجلس إدارة نادي ضباط الجيش فعل »إهانة« أو أنه أكبر؟«، ولم يكن يتوقع السؤال كما بدا لي، على أنه بعد لحظة رد بما معناه »بالطبع إهانة لأن »كرامة« الجيش من كرامة الشعب«، وقلت (كما سجلت بعدها بتسعة أيام) إن الموضوع يتجاوز »الإهانة« ويتجاوز »الكرامة« لأنه يمس شيئا أكبر من العواطف. واستطردت »ومع ذلك ولو قبلت بلفظ الإهانة في وصف ما جرى، فإنني أتساءل«: »ماذا تستطيع القوات المسلحة أن تفعل للرد على الإهانة؟«. ولم أسكت وإنما واصلت : »في ميدان القتال سنة 1948 لم يستطع الجيش أن يدافع عن »كرامة البلد«، والآن وبعد أربع سنوات (من سنة 1948) فإن الجيش ليس مطالبا بالدفاع عن كرامة البلد، وإنما عن كرامته هو نفسه«. وربما أن »جمال عبد الناصر« أحس بالاستفزاز، فقد سألني »ما هو اقتراحك لرد الإهانة؟«. ثم أضاف: »شيئا نستطيع أن نفعله في هذه الأحوال والظروف«. وقلت بسرعة (دون تفكير كاف وتدقيق) »إنني أتصور مظاهرة من ألف ضابط مثلا يتجمعون كما جرى يوم احتفل الملك بتقديم ولي عهده إلى الجيش (في 26 يناير) ثم يسجلون في دفتر التشريفات طلبهم إلى الملك بإلغاء قرار حل مجلس إدارة النادي، ويوقعون عليه بإمضاءاتهم واحدا بعد واحد، وتكون هذه مظاهرة احتجاج بقوة تُعيد بعض العقل إلى بعض الرؤوس«! وسكت »جمال عبد الناصر« وكأنه يفكر في ما قلته، ثم رد بما مؤداه »أن ذلك لو حدث سوف يُعتبر نوعا من أنواع التمرد، وسوف تتصرف »السراي« إزاءه على هذا الأساس، وترد عليه بإجراءات إحالات للتقاعد وتشتيت ومطاردة إن لم يكن اعتقالا«. وبدا منطقه معقولا، وكذلك عاد اللواء »محمود صبحي« يطرح فكرة القضية أمام مجلس الدولة، وذكر اللواء »صبحي« أن كل ما يحتاجه هو رسوم للقضية يقدرها بسبعين جنيها، وراح كل منا يقدم ما يقدر عليه. وساهم »جمال عبد الناصر« في التبرعات بثلاثة جنيهات أخرجها من جيب بنطلونه، ثم تهيأ للخروج ومعه »عبد الحكيم عامر«، وبالفعل خرجا ومعهما اللواء »محمد نجيب« حتى وصلا إلى درجات السلم ونزل الاثنان عليه وعاد هو إلينا، ولعشر دقائق ظل اللواء »صبحي« يتحدث عن القضية، واللواء »محمد نجيب« صامتا يسمع (ولا يشير بهمسة إلى موعد له غدا مع وزير الداخلية وصهر رئيس الوزراء »محمد هاشم« (باشا). وخرجت وما زال في خواطري أن الرجل ليس بسيطا كما ظننت، وإنما هو »رجل ناضج« عَوَّد نفسه أن لا يتكلم كثيرا، وأن يسمع أكثر مما يقول، وأن يمسك بطرف أكثر من خيط ليوازن موقفه. وكان شعوري أن الرجل له العذر، فهو يجد نفسه في موقف تزداد خطورته عما كان يتصور حين دخل انتخابات نادي الضباط. ومن الغريب أن خلوته ب »جمال عبد الناصر« و»عبد الحكيم عامر« لم تترك تلك اللحظة تساؤلا (لَدي) عن دلالتها، ولعله غلب على ظني وقتها »أنها تتعلق بتفاصيل حل مجلس إدارة النادي!«. 3 حوار في الطريق العام { خرجت من بيت اللواء »محمد نجيب« وكانت الساعة السابعة والثلث، وركبت سيارتي وعبرت الطريق الجانبي إلى الشارع الرئيسي المؤدي من الزيتون إلى القبة، وعلى رصيف قريب لمحت »جمال عبد الناصر« و»عبد الحكيم عامر« واقفين ما زالا كما يظهر في انتظار أوتوبيس، واقتربت أسألهما إذا كان في استطاعتي أن آخذهما معي، وقال »جمال عبد الناصر« ما معناه »إنه لا يريد أن يخرجني عن طريقي، وقلت إنني ذاهب إلى وسط البلد (دار أخبار اليوم) فإذا كان ذلك اتجاههما فأنا وحدي في السيارة وأهلا بهما معي«. وقال »جمال عبد الناصر« على الفور »إذا لم يكن في ذلك »تعب« نجيء معك إلى »باب الحديد« (يقصد ميدان المحطة »رمسيس الآن«) وصعد إلى المقعد المجاور لي، وصعد »عبد الحكيم عامر« إلى المقعد الخلفي«. وبدأ »جمال عبد الناصر« بإيضاح لعله وجده مناسبا لفتح حديث عن سبب وقوفه على محطة الأتوبيس قائلا ما معناه »وقفنا هناك ربع ساعة ويظهر أن الناس الذين يركبون السيارات لا يشعرون بحجم أزمة المواصلات العامة« ثم أضاف »سيارتي واستدرك سيارة »أوستن« صغيرة أخذتها صباح اليوم للميكانيكي، وكان مفروضا أن أستَلِمْها منه »على العصر«، وعندما ذهبت في الموعد اكتشفت أنها لن تكون جاهزة قبل صباح الغد«. وسادت فترة سكوت، ثم سمعت صوت »عبد الحكيم عامر« لأول مرة من المقعد الخلفي يسألني بما معناه »هل تعتقد أن فكرة القضية التي يقترحها اللواء »صبحي« يمكن أن تحل...؟« وأكمل »جمال عبد الناصر« بما مؤداه »لا تحل شيئا...« ثم بدا التردد في صوته ولكنه واصل »وإذا سمحت فإن الاقتراح الذي سمعناه من »حضرتك«(!) عن قيام ألف ضابط بتسجيل أسمائهم في دفتر التشريفات اقتراح يصعب تنفيذه!«. ورددت (دون أن أُراجع نفسي) »بأنني لا أرى وجه الصعوبة التي يشير إليها، لأن الظروف تقتضي إجراءً يسمع له دوي!«. ولم يظهر أنه اقتنع، وقال: »إنهم (يقصد السلطة) سوف يبذلون كل جهدهم في محاصرة أي فعل، ويتعاملون مع الحدث باعتباره تمردا، ونكون كمن رقص على السلم، لا هو سكت وقَبِلَ الإهانة، ولا هو احتج وَرَدَّهَا«. وقلت (وبشيء من نفاد الصبر) »لنفرض أنهم اعتبروها تمردا فلست أظنهم قادرين على المخاطرة بإجراءات عنيفة سجلوا موقفا وليكن ما يكون!«. ومرة أخرى ساد صمت، وكانت السيارة تخرج بنا إلى طريق منشية البكري، وبعد قليل عاد »جمال عبد الناصر« إلى الكلام بما معناه »أنتم المدنيين سهل أن تقولوا تمردوا لأنكم مدنيون أمّا في »العسكرية« فإن الموضوع مختلف، وأي مظاهرة سوف تعتبر تمردا!« سكت قليلا ثم استطرد »تعتبر عصيانا أليس ذلك ما حدث من »عرابي« ورفاقه (يقصد الزعيم الوطني أحمد عرابى (باشا)) ثم يتدخل الإنجليز كما تدخلوا سنة 1882، والنتيجة أن الجيش يتحمل على »شرفه« مصيبة احتلال عسكري سافر للبلد مرة أخرى«. وقلت (ولا أعرف ما دعاني لقولها) »إن الإنجليز لن يتدخلوا مهما حدث في القاهرة«. وسألني وفي نبرات صوته استغراب ظاهر قائلا: »كيف أستطيع الجزم بهذه الطريقة القاطعة؟«. ورحت أرد عليه كما لو أني كنت أكتب خبرا أو تحليلا. قلت: أولا: لأن الإنجليز اتخذوا قرارا بعدم التدخل في القاهرة والدلتا قرارهم الآن أن لا تتجاوز قواتهم حدود منطقة القناة، وهم توصلوا لهذا القرار ذات اليوم الذي احترقت فيه القاهرة، بإدراك أنهم إذا تقدموا سوف يواجههم موقف فوضوي معقد لا يريدون لقواتهم أن تتورط فيه. وثانيا: لأن التطورات في منطقة الخليج الفارسي متأزمة بسبب الثورة في إيران، وبعد احتلال الجيش الإيراني لمحطة تكرير النفط الكبرى في منطقة عبدان، فإن القوات البريطانية تم تعزيزها في الكويت، وكانت قوات التعزيز من قاعدة قناة السويس، التي سحبت منها ست كتائب وربما سبع، ولذلك فإن القوات اللازمة لأي تدخل بريطاني ليست هذه اللحظة كافية، وإذا أريد إعادة حجمها إلى ما كان عليه، فذلك يحتاج إلى شهر أو شهرين على الأقل. وثالثا: لأن موسم الصيف »في عِزِّهِ« سواء في لندن أو في القاهرة، وخطوط الاتصال في الصيف شبه معطلة خصوصا من مصر، وأعرف يقينا أن »ونستون تشرشل« رئيس وزراء بريطانيا يستعد لرحلة بحرية في الجزر اليونانية، وأن وزير الخارجية البريطاني »أنتوني إيدن« يستعد للذهاب إلى جزيرة »بربادوس«. ورابعا: وهو دليل آخر على توقعاتهم لهذا الصيف في مصر أن السفير البريطاني السير »رالف ستيفنسون« بدأ إجازة في إسكتلندا، وأن الجنرال »أرسكين« قائد القوات البريطانية في منطقة القناة بدأ إجازة في قبرص، بل إن الملحق العسكري البريطاني في مصر البريغادير »توماس غولبرن« هو الآخر على وشك أن يقوم بالإجازة، وأظنه سافر اليوم. وخامسا: أنه في هذه الأحوال فإن الحكومة البريطانية لن ترد عسكريا لأنها في هذه الحالة تكون مطالبة بحساب موقف الفرقة المصرية الموجودة في العريش وهي خلف قاعدة قناة السويس، وهذه الفرقة يمكن أن تمثل تهديدا إلا إذا ضمنت الحكومة البريطانية تثبيت هذه الفرقة باتفاق مع إسرائيل وهذه مسألة غير مطروحة لدواع تتخطى مصر! وسادسا: ومن ناحية أخرى فظني أن السياسة البريطانية لا تستطيع »أخلاقيا« أن تدافع عن الأوضاع الراهنة بعد كل ما جرى خصوصا في السنين الأخيرة، بل لعلها لا تمانع في إعطاء بعض الناس درسا، خصوصا إذا لم تكن هي التي تتحمل مسؤولية الدرس. وبدا »جمال عبد الناصر« شديد الدهشة (إلى درجة الانبهار!) بما قلته وسألني: »هل هذه كلها معلومات متاحة للصحفيين؟«. وقلت: »لا أعرف ولكن ما قلته صحيح«. (والحقيقة أن المصادفات كانت تلعب دورها في نسيج الحوادث بكفاءة، ذلك أنني قبل أربعة أيام فقط كنت ضيفا على العشاء عند اللواء »أحمد شوقي عبد الرحمن« (قائد المنطقة الشرقية)، وكان العشاء في بيته بشارع الملك في حدائق القبة، وضيف الشرف فيه البريغادير »غولبرن« (الملحق العسكري البريطاني في مصر). وكان »غولبرن« يتطلع بشوق إلى إجازته التي يبدأها بعد أقل من أسبوع، ويقضيها في بيت استأجره لعائلته في مقاطعة »بروفانس« الملاصقة شمالا للريفييرا الفرنسية. وكان سفر السير »رالف ستيفنسون« معروفا لا يحتاج إلى معلومات خاصة، لكن خبر سفر الجنرال »جورج أرسكين« قائد القوات البريطانية جاء مباشرة من خلال الحديث مع البريغادير »غولبرن«. وفي الواقع فإن ذلك العشاء في بيت اللواء »أحمد شوقي عبد الرحمن« كان سهرا طويلا مع أحاديث السياسة وعن الموقف الراهن وكنت في اليوم التالي للسهرة قد استعدت التفاصيل لأسجلها في أوراقي وأضيف إليها ملاحظاتي، وفي ذهني أنني قد أنشر شيئا حولها وكذلك فإن النقاط كانت حاضرة في فكري وجارية على لساني! كنا قد وصلنا إلى قُرب ميدان المحطة، وتوقفت بالسيارة قبل دخول الميدان لتأمين فرصة للنزول قبل احتمال الزحام، وبدا لي أن »جمال عبد الناصر« يتلكأ لكنه مُحرج لا يعرف كيف يتصرف. وبعد تردد سألني بما معناه »إنه لم يستوعب بالكامل ما قلته، ف»حضرتك« تكلمت بسرعة، والكلام مهم لأي ضابط أركان حرب، بصرف النظر عن الأزمة الحالية«. ثم سألني مترددا وعلى نحو ما راغبا بما مؤداه »إذا كنا نستطيع أن نذهب إلى أي مكان نكمل فيه الحديث، على الأقل ونحن جلوس على مقاعد ولسنا »ماشيين« بسيارة في الشوارع«. ودعوته إلى مكتبي وقَبِلَ. وتحركت بالسيارة لكنه لم يلبث حتى بان أن لديه استدراكا، وسألني »مكتبك في أخبار اليوم؟«. قلت »نعم«. قال: »هل نستطيع أن نذهب إلى أي مكان آخر؟«. وأحس (ربما) أنه مدين بإيضاح فقال بصوت يحمل نبرة اعتذار بما معناه »يقول الناس إن أخبار اليوم هي جريدة السراي«، وسألته »إذا كان يحب أن نذهب إلى بيتي«، وأبدى ترحيبا ظاهرا. وعند هذه اللحظة فقط! أحسست بشعور غريب لم أتوقف لتحليله ليلتها، ولكني فعلت ذلك عندما سجلت وقائع المقابلة بعدها بتسعة أيام، فقد كتبت »لماذا أراد أن يستعيد مرة أخرى ما قلته له؟«، ثم »ما هو معنى إشارته إلى أن أخبار اليوم هي جريدة السراي؟«. (لحظتها وبتأثير ذلك الشعور الغريب الذي أحسست به ولم أتوقف لتحليله نظرت ناحية »جمال عبد الناصر« والتقت عيناي بعينيه ومضة، وخيل لي أنني لمحت شعلة تيقظ وتحفز، ولم أجد ذلك مثيرا للشك من ضابط أركان حرب يقول إنه يهتم بالتفكير الاستراتيجي). ................. ................. وكان اعتقادي ولا يزال حتى هذه اللحظة أن ذلك اللقاء كان حاسما في علاقة الصداقة التي تأسست عميقة وراسخة بين »جمال عبد الناصر« وبيني، ذلك أنها وضعت للعلاقة حجر أساس فيه الكثير من الثقة والاحترام وفيه نوع من أُلفة محفوفة بتحفظ الغرباء حين يتعارفون ويتقاربون على فكر وراءه سر (يعلمه هو وقتها ويكتمه)، لكن ثقل السر عليه يدفعه إلى الاستزادة والاقتراب أكثر من رجل يعرف (كما بدا له) عن دخائل الأمور ومعانيها أشياء تغيب عنه. والحقيقة أن الظروف تلك الليلة كانت مواتية لعلاقة من نوع خاص: ففي ذلك اللقاء بيننا (ليلة 18 يوليه) كان الصحفي وليس الضابط هو الطرف الأقوى، وكنت تلك الأيام صحفيا (يظهر اسمه في العناوين الحمراء للصفحة الأولى من أكبر جريدة في الشرق الأوسط يومها وهي أخبار اليوم)، وصحفيا تظهر صورته مع النجوم من مشاهير الزمان (من أول آية الله الكاشاني حتى عصمت أينونو رئيس جمهورية تركيا إلى الملك »عبد الله« الأول مؤسس الأردن حتى الإمبراطور هيلاسلاسي في أديس أبابا) وأما هو فقد كان تلك اللحظة »ضابطا عاديا« في القوات المسلحة، يحتفظ في قلبه بسر كبير، ولكن سره الكبير مخاطرة قد تذهب بحريته وبحياته. وبالتالي فإنه فجر يوم 23 يوليه حين التقينا أول مرة بعد الثورة لم أكن ذلك الصحفي القادم إلى موقع حدث كبير يستطلع أخبارا ويسأل في الظلمات، وإنما كنت رجلا سبق التعرف عليه وسماع رأيه. ومن ناحية ثانية فقد بدا أن ما قلته لجمال عبد الناصر في تحليل الأسباب التي تنفي احتمال تدخل عسكري بريطاني (على نمط ما حدث وقت ثورة عرابي) أجاب دون أن أدري على هاجس ثقيل يلح عليه وقتها (ولم يكن في علمي) وليس أفعل في التأثير بالعمق على النفوس من جواب يجيء لرجل في موضوع يهمه دون أن يخاطر بتوجيه سؤال. وفي تلك الليلة فإن »جمال عبد الناصر« وجدني دون تعمد أو قصد أرد على سؤال عمره قبل أن ينطق به، ولم يكن في مقدوره أن ينطق به، وهنا فإن الشعور بالعرفان يخلق إحساسا حميما نافذا إلى العمق. ثم إن ما قلته في عرض وجهة نظري بأن الإنجليز لن يتدخلوا بدا منطقيا ومعقولا ومؤكدا بما فيه من معلومات وعلى نحو لفت نظره في ما ظهر لي وقد تجلى في نوع من شبه الانبهار بسؤاله: عما إذا كان الصحفيون في العادة يعرفون هذا كله؟! } وكان الأثر واضحا بشدة فجر 23 يوليه 1952 ففي تلك الساعة المبكرة من فجر ثورة يوليو 1952 كان سؤال كل صحفي وصل إلى مقر قيادة الثورة في كوبري القبة هو »كيف جرى ما جرى؟«. وبالنسبة لي (أعترف على استحياء) فإن سؤال »جمال عبد الناصر« على خلفية ما كان بيننا قبل أربعة أيام كان: »ما رأيك في ما فعلنا؟«. والفارق كبير بين السؤالين! 4 ملك في فخ من تدبيره! { يوم الجمعة 18 يوليه سنة 1952 كان القصر الملكي في حالة دوار شديد ومفاجئ. والشاهد أنه من ثقة زائدة بالنفس تَصَنَّعَهَا الملك بعد صفقة بيع وزارة »نجيب الهلالي« (باشا) إلى المليونير »أحمد عبود« (باشا) في مقابل مليون فرنك سويسري (أودعت حساب الملك في جنيف، و250 ألف جنيه تقاسمها أربعة رجال هم »كريم ثابت« و»إلياس أندراوس« و»أنطون بوللي« و»محمود أبو الفتح« في رواية »نجيب الهلالي« للقائم بالأعمال البريطاني »مايكل كرسويل«) راح قناع الثقة الملكي يتشقق يوما بعد يوم. { في البداية وعندما تألفت وزارة »حسين سري« (باشا) وهو المقرب من »عبود« إلى درجة اعتباره »صديقه المخلص ورجله المعتمد« كان الملك يواجه جميع الذين شكوا ثم تيقنوا من وجود صفقة مالية وراء التغيير الوزاري بإشارات حازمة وملامح صارمة، فهو دون تفصيل يوحي للجميع بأن هناك إشاعات ضده، يروج لها الإنجليز بسبب شكوكهم القديمة والجديدة فيه، وأول إيحاءاته لكل من يهمه الأمر أنه رجل غني، يملك من الأموال ما يكفيه دون أن يحتاج لرجل مثل »عبود« (باشا) يأخذ منه مليون فرنك سويسري، حتى ينقذه من وزارة (برئاسة »الهلالي«) تطالبه بمتأخرات ضرائب تزيد على 5 ملايين جنيه. (ولم يكن »فاروق« هنا يدعي الغِنى، فقد كان بالفعل من أغنياء زمانه، وهنا وجه العجب في ما أقدم عليه لأنه لم يكن في حاجة إليه ماليا، ولا كان من الناحية السياسية تحت ضغط يدفعه إلى تغيير وزارة لم يطل عمرها عن أسابيع بعد سلسلة من أربع وزارات تعاقبت في ظرف خمسة شهور). ومع ذلك فإن الملك كما هو ثابت، عقد الصفقة ونفد نصيبه منها، وجاء ب »حسين سري« (باشا) رئيسا للوزارة بعد أن أخذ عليه تعهدا أن وزارته لن تصبح مثل كل مرة جسرا يعود به حزب الوفد إلى الحكم (سواء تحقيقا لمساعي »عبود« (باشا) أو تحقيقا لاقتناع ذاتي عند »سري« (باشا) بأن الوفد هو حزب الأغلبية) وعلى أي حال فإن الملك كان مطمئنا هذه المرة إلى أن »حسين سري« (باشا) غير رأيه في الوفد، لأن الوفد نفسه تغير في السنوات العشر الأخيرة بل إن »سري« (باشا) قال للملك »فاروق«، وكما روى الملك للسفير الأميركي »جيفرسون كافري« (مجموعة وثائق الملف رقم 77400) إن تصرفات حزب الوفد في وزارته الأخيرة من منتصف سنة 1950 حتى أوائل 1952 كانت »مقرفة« Disgusting - ومع ذلك فإن الملك »فاروق« في صميم قلبه كان يخشى من ضعف »حسين سري« أمام ضغط »أحمد عبود. { في الأسبوع الأول من شهر يوليه (والغالب أنه في اليوم الثامن من ذلك الشهر) ظهر أول شرخ على سطح القناع الملكي الصارم، لأن »حسن يوسف« (باشا) وكيل الديوان الذي سافر إلى الولايات المتحدة على عجل في مهمة تتعلق بقضايا مالية تخص الملكة »نازلي« فوجئ وهو في نيويورك بأن وكيل وزارة الخارجية لشؤون الشرق الأوسط »هنري بايرود« يدعوه إلى مقابلته في واشنطن، ويلقاه فعلا يوم 2 يوليه ويقول له (طبقا لمذكرة عن اللقاء في الملف 77402 محفوظات الخارجية الأميركية) ما نصه »إن أطرافا عديدة من أصدقائنا وأصدقائكم طلبوا إلينا أن نتحدث معكم بالحقيقة دون مجاملة في شأن النفوذ الطاغي لعناصر فاسدة في القصر الملكي، وعناصر أخرى فاسدة في حزب الوفد. وحكومة الولايات المتحدة لا ترغب في اقتحام الشأن المصري، لكن حرصها على سمعة الملك »فاروق« ورغبتها في علاقة ودية معه تدعوها إلى لفت النظر بشدة إلى أخبار كثيرة مؤكدة تتردد حول ملابسات سقوط وزارة »نجيب الهلالي« «. وطبقا لرواية »حسن يوسف« (في شهادته المسجلة بصوته) فإنه حين عاد إلى مصر بعد أيام، تشاور مع رئيس الديوان »حافظ عفيفي«، واستقر رأي الاثنين على أن »حسن يوسف« لا يستطيع أن يجلس أمام الملك ويحدثه »بالحقائق الأربع« (les Quatre Verites) (حسب التعبير الفرنسي الشائع)، والأكثر ملاءمة أن يكتب له مذكرة مختصرة بما جرى، ويضعها في مظروف مختوم عليه رجاء أن لا يفتحه أحد غير »حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم«! ويظهر أن الملك اطلع على المذكرة لأنه اتصل ب »حسن يوسف« تليفونيا وبدأه سائلا بالفرنسية »حسن.. ما هذه البلاهات التي كتبتها لي؟«. ورد عليه »حسن يوسف« بأن ذلك ما أبلغه به وكيل الخارجية الأميركية، وكان لزاما عليه أن يضعه تحت نظر »مولانا«. ورد الملك بأن »تلك إشاعات يروج لها الإنجليز، وأنه سوف يشكو السفارة هنا إلى رئيس الوزراء البريطاني نفسه«. ووجد »حسن يوسف« من واجبه أن يقول للملك إنه في طريق عودته من واشنطن توقف ساعات في لندن وقابل (السفير المصري) »عمرو« (باشا) الذي عرف من وزارة الخارجية أن ما نشر في الصحف البريطانية خاصا »بهذه المزاعم« استوجب لفت نظر من رئيس الوزراء »تشرشل« إلى وزير الخارجية »إيدن«، وأنهم لسوء الحظ هناك »يتداولون معلومات فيها ما يسيء إلى »مولانا« «. وثار الملك »فاروق« وبين ما قاله »إن هناك أطرافا معينين يريدون أن يفضحوني في العالم حتى أمام »ترومان« (الرئيس الأميركي)، وأمام »تشرشل« (رئيس الوزراء البريطاني)، وإنه بدأ يشك في الموضوع حين سمع بما نشر في الصحف البريطانية الصفراء عن حكاية بيع وزارة »الهلالي« ل »عبود« وقال »حسن يوسف« مضغوطا (وكان بالفعل محرجا) »إن المشكلة تعقدت حين نشرت جريدة التيمس أيضا« (وهي ليست جريدة صفراء، بل إنها في تلك الأيام كانت تعتبر في مصر أصدق تعبير عن السياسة البريطانية عند مستوى صنع القرار) وزادت ثورة الملك. وقال »إن ذلك كله شغل عناصر في السفارة (البريطانية) هنا تكرهه، وهو كثيرا ما نبه الديوان إلى هذه العناصر، لكن بعضهم في الديوان لم يكن يريد أن يصدق، والآن فإن الدليل ظاهر أمام الكل يؤكد شكوكه من البداية إلى النهاية. وكان »حسن يوسف« يسمع ساكتا وفوجئ بالملك يقول له باللغة العربية وبلهجة حادة »إنت ساكت ليه؟ وإلا صدقت إنت كمان«؟ ورد »حسن يوسف« تلقائيا بقوله »أعوذ بالله«. (وروى »حسن يوسف« (باشا) بصوته في التسجيل أنه لم يكن في ما قال به »منافقا« وإنما كان يعبر في ضميره عن رغبة في إنكار صحة وقائع يعلم لسوء الحظ أنها صحيحة!) لكن الملك »فاروق« في ما بينه وبين نفسه أخذ يشعر بضيق شديد، فقد أحس أن لعبة صغيرة (من نوع ألعاب القمار التي يمارسها في نادي السيارات وغيره) تحولت إلى فضيحة دولية، وتأثر قناع الثقة الزائدة الذى وضعه »فاروق« على وجهه. { ويوم 12 يوليه تلقى الجناح الملكي الخاص (الخدمة الشخصية) »محمد حسن« مذكرة عن نص مكالمة تليفونية جرت بين المستشار »يحيى« (بك) (الذي كان ملحقا بالوفد المصري في الأمم المتحدة ثم ترك الخدمة ونذر نفسه لتحسين العلاقات بين السفارة البريطانية والوفد في محاولة لبعث دور »أمين عثمان« (باشا) )، وفي هذه المحادثة التي تظهر في أوراق »محمد حسن« (وقد نقلت كلها إلى وزارة الداخلية بعد الثورة) ظهر أن »يحيى« (بك) يبلغ المستر »باروز« المستشار في السفارة دعوة من »فؤاد سراج الدين« (باشا) سكرتير حزب الوفد (الذى صدر قرار بالإفراج عنه) إلى الوزير البريطاني المفوض »مايكل كرسويل« كي يلقاه ويقضي نهارا كاملا في عزبته ببلبيس لحديث شخصي وغير رسمي. (وهناك إشارة في الوثائق البريطانية إلى هذا الاتصال (212/ 1019) وهو على شكل مذكرة تفاهم سلمها »يحيى« (بك) إلى المستر »باروز« المستشار في السفارة البريطانية تحتوي على أربع نقاط: 1 إن الوفد على استعداد لفتح صفحة جديدة من الصداقة والتعاون. 2 إن الصحافة الوفدية يمكن أن توقف حملاتها الدعائية ضد بريطانيا بادئة من فترة الانتخابات القادمة. 3 إنه إذا عاد الوفد إلى السلطة فإن اثنين من وزرائه السابقين لن يشتركوا في وزارته الجديدة وهما »محمد صلاح الدين« و»إبراهيم فرج«. 4 أن حكومة الوفد سوف تكون على استعداد لمفاوضات بناءة مع بريطانيا، وسوف يتضمن خطاب العرش الذي يلقى في افتتاح البرلمان الجديد إشارة واضحة إلى هذا العزم. ولم يقرأ الملك »فاروق« بطبيعة الحال هذه الرسالة، لكنه عرف من تسجيل المكالمة التليفونية بين »يحيى« و»باروز« أن السكرتير العام لحزب الوفد يدعو الوزير المفوض في السفارة البريطانية ليوم كامل معه في ريف الشرقية! (ولم يعرف الملك أيضا أن وزارة الخارجية طلبت إلى »كرسويل« أن يعتذر عن تلبية الدعوة). وأصيب قناع الثقة الزائدة الذي وضعه الملك فاروق على وجهه بشرخ آخر إضافي. { يوم 13 يوليه رفع الديوان الملكي إلى »المقام السامي« (حسب التعبير الرسمي) نصوصا لأحاديث صحفية أجراها المستر »والتر كولينز« (مدير وكالة اليونايتد برس في مصر مع »مصطفى النحاس« (باشا) و»فؤاد سراج الدين« (باشا) قبل سفر الاثنين إلى أوربا، إلى جانب حديث ثالث مع »حسين سري« (باشا) رئيس الوزراء. وطبقا لبرقية اليونايتد برس أُذيعت من »ماركوني« في القاهرة عند الساعة الواحدة بعد منتصف ليلة 14 يوليه ورد على لسان »النحاس« (باشا) قوله »إنه واثق أن حكومة »حسين سري« (باشا) سوف تحترم الموعد المقرر لإجراء الانتخابات النيابية في شهر أكتوبر القادم، وأنه شخصيا وكذلك حزب الوفد يثقون في نظافة أي انتخابات يجريها »حسين سري« ويقبلون عن طيب خاطر نتائجها. وأما »فؤاد سراج الدين« (باشا) فقد قال (طبقا للأحاديث الصحفية) مع »والتر كولينز«: »إن زعيم الوفد يعتزم قضاء ثلاثة أسابيع في أوروبا ويعود استعدادا لإعلان برنامج الوفد وأسماء مرشحيه في الانتخابات البرلمانية القادمة«. وبالنسبة ل »حسين سري« (باشا) (رئيس الوزراء)، فقد ورد في رسالة »والتر كولينز« أنه سأله: »هل تنوون سعادتكم إجراء الانتخابات النيابية في المستقبل القريب؟ وهل هناك اتجاه إلى تعديل قانون الانتخابات؟«، ورد »سري« (باشا) قائلا: »أريد تذكيرك بأنني نصير قوي (A Staunch Supporter) للنظام البرلمانى. وإذا بدا لك أن وزارتى الجديدة تركز أكثر على الجوانب الاقتصادية، فإن هذا لا يعني أنني أتجاهل الجانب السياسي في حياتنا الوطنية، وعلى أي حال فنحن نقوم بدراسة الموقف من كافة نواحيه وبكل جدية«. وطبقا لشهادة »حسن يوسف« (باشا) فإن الملك لم يتحدث إليه مباشرة في شأن مجموعة أحاديث »والتر كولينز« وما جاء فيها على لسان »النحاس« و»سراج الدين« و»حسين سري« لكن ما بعث به إلى »المقام السامي« عاد إليه وعلى الهامش علامة استفهام كبيرة وضعها الملك بقلمه! ويستنتج »حسن يوسف« (باشا) أنه ربما من لحظتها بدأ الملك »فاروق« يشك أن هناك طبخة (يقوم بإعدادها أناس يتصورون أنه (أي الملك) في وضع لا يسمح بحرية التصرف كما يريد). وطرأ شرخ آخر على قناع الثقة الزائدة الذى يضعه الملك على وجهه. { كان سفير البرازيل في القاهرة آخر سفير أجنبي قابله الملك قبل هبوب عاصفة يوليه، وكان »فاروق« يريد إبلاغه رسالة إلى الرئيس البرازيلي »دا غارسيا آرانها« (بشأن مشكلة طلبت منه النبيلة »فاطمة طوسون« أن يساعدها على حلها، وتخص الرجل الذى تزوجته، ويظهر أن »فاروق« أراد أن يساعد »فاطمة طوسون« ليثبت لها كرمه وحتى تعرف مدى الخسارة التي لحقت بها حين رفضت عرض زواج منه وآثرت غيره وهو كونت برازيلي من أصل برتغالي). وانتهز سفير البرازيل فرصة لقائه مع ملك مصر في أجواء أزمة حادة، وسأله »كيف يرى صاحب الجلالة تطورات الأزمة الراهنة في مصر؟«. وروى السفير في برقيته (التي اطلع عليها السفير الأميركي في القاهرة »جيفرسون كافري« وأرسل ملخصا لها إلى واشنطن (ملف 77402) أن الملك رد عليه بقوله: »إنه يئس من إيجاد حكومة سياسية في مصر تحكم بكفاءة وأمانة كما هو ضروري لمصلحة البلاد، وعلى أى حال فقد قرر خطة ينتظر الفرصة قريبا لتنفيذها ومقتضاها أن يحكم مباشرة، عن طريق نظام ديكتاتوري مقنع Veiled Dictatorship by Himself) )، وداعيه إلى ذلك شعوره بأن واجبه الأول تجاه بلاده يفرض عليه أن يقودها إلى استقرار يبدأ باتفاق مع الإنجليز ويكون بعده التركيز على الإصلاح الداخلي«. واستطرد السفير البرازيلي في تقريره: »إنني استمعت إلى صاحب الجلالة باهتمام عميق« ثم قلت »إن خطة كتلك التي أشار إليها تقتضي تأييدا كاملا من الجيش، فهل جلالته مطمئن من هذه الناحية، خصوصا بعد كل ما شاع في الأسابيع الأخيرة؟«. ورد الملك بقوله »إنني مستعد لذلك وقد طردت من الخدمة العسكرية عددا من الضباط لم تكن »عندنا« ثقة كافية في ولائهم، والآن فإني ضامن لولاء الجيش بنسبة 100$!«. والراجح أن الملك »فاروق« ساورته وساوس وشكوك في أن »حسين سري« (عميل مزدوج Double Agent) ويمكن أن يورطه في آخر لحظة ويمهد الطريق أمام عودة الوفد (لحساب »عبود«) ثم يجد الملك نفسه أمام أمر واقع لا يستطيع منعه ولا يقدر على التعامل معه! وهنا ذهب تفكيره إلى ما أسماه ديكتاتورية عسكرية، وهي في ظن »حسن يوسف« (باشا) وزارة جديدة برئاسة »مرتضى المراغي« (وزير الداخلية السابق) (رجله القوي الذى أعده مبكرا للموقف الصعب وتكون مهمته تأجيل الانتخابات البرلمانية إلى أجل غير مسمى، والحكم بمراسيم لها قوة القانون لفترة تطول سنتين على أقل تقدير!). ويوم 17 يوليه وبعد تلك الاجتماعات الصاخبة التي شهدها نادي ضباط الجيش (بسبب رغبة الملك في تعيين »حسين سري عامر« عضوا في مجلس الإدارة ممثلا لسلاح الحدود ورفض المجلس لهذه الرغبة الملكية وصدور القرار بحل مجلس إدارة نادي ضباط الجيش) تطورت الأمور بحيث عاد الملك »فاروق« مرة أخرى إلى الإلحاح على تعيين »حسين سري عامر« وزيرا للحربية لإنهاء هذه الفوضى في نادي الضباط، وفوجئ الملك »فاروق« بأن رئيس وزرائه يعرض عليه في المقابل ترشيح »محمد نجيب« وزيرا للحربية والبحرية، ثم إن رئيس الوزراء يلح على قبول هذا الترشيح »لأن ذلك أدعى إلى الأمان والاطمئنان«، مضيفا للتأكيد أن زوج ابنته (وزير الداخلية) سوف يقابل بعد غد (يوم 19 يوليه) اللواء »محمد نجيب« مرة أخرى ليختبر استعداده، وهنا نهض الملك »فاروق« واقفا، إشارة إلى أن مقابلته مع رئيس الوزراء قد انتهت. ويوم 18 يوليه (وهو يوم جمعة) فوجئ »حافظ عفيفي« (باشا) في مزرعته (لؤلؤة الصحراء) على طريق المنصورية بوكيل الديوان »حسن يوسف« (باشا) يتصل به تليفونيا ليقول له »إنه أبلغ على لسان جلالة الملك أن »سري« لم يعد »ينفع«، وأن »مولانا« يفكر في تغيير وزاري سريع«. وتحمس رئيس الديوان وأحس »حسن يوسف« بحماسته، وتعليقه طبق شهادته »إنه استشعر منذ تشكيل وزارة »سري« بعد سقوط وزارة »الهلالي« أن »حافظ عفيفي« يرتب للخروج من القصر، لكنه حائر في الأسلوب الذي ينفذ به رغبته، وأن إحدى قدميه داخل السراي والقدم الثانية خارجها«. لكنه في ذلك اليوم وبعد معرفته بأن الملك قرر التخلص من »حسين سري« راح يتصرف بثقة وكأنه بقدميه الاثنتين داخل السراى و»عنده تدبير«. اليوم الثانى الليلة الثانية السبت 19 يوليه 1952 الأوهام تسبق الحقائق! { عندما وصل »حافظ عفيفي« (باشا) (رئيس الديوان الملكي) إلى مكتبه صباح السبت 19 يوليه 1952 في الساعة العاشرة إلا ربعا، وجد رسالة من »كريم ثابت« (المستشار الصحفي للملك) (الذي دخل وزيرا للدولة في وزارة »حسين سري« التي أصبح الملك »فاروق« مقتنعا بأنها لم تعد »نافعة«) وكانت الرسالة رجاءً من كاتبها إلى رئيس الديوان أن يتصل تليفونيا به فور وصوله، وطلب »كريم ثابت« أن يجيء فورا إلى مكتب »دولة الرئيس« لأن لديه »رسالة ملكية مهمة«. وفوجئ »حافظ عفيفي« (وفق روايته لحسن يوسف ذات اليوم) أن »كريم ثابت« يبلغه »أن هناك إرادة ملكية تعهد إلى دولته (حافظ عفيفي) بتشكيل وزارة جديدة تحل محل وزارة »حسين سري« (التي مضى عليها في الحكم عشرون يوما)، ولم يكن »حافظ عفيفي« جاهزا برد، لكنه أبلغ »كريم ثابت« أنه سوف يحاول أن يتصل »بجلالة الملك« شخصيا ويأمل أن يتمكن من ذلك بسرعة لكي يفهم طلبه ويتأكد من أفكاره، ويعرض »على جلالته« تقديره للموقف. وخرج »كريم ثابت« من مكتب »حافظ عفيفي«، ودخل »حسن يوسف« ليعرف أن الملك الذي اعتزم الاستغناء عن خدمات »حسين سري« قد اختار الآن »حافظ عفيفي« رئيسا لوزارة جديدة، وحين توجه وكيل الديوان إلى رئيسه بسؤال عن رأيه، قال »حافظ عفيفي« »إنه لا يستطيع أن يقول شيئا قبل أن تُتاح له الفرصة للكلام مع جلالة الملك«. ويبدو أن ترشيح »حافظ عفيفي« لرئاسة الوزارة انتشر بسرعة (في الغالب عن طريق »كريم ثابت«)، والشاهد أن القائم بالأعمال البريطاني »مايكل كرسويل« كتب برقية (رقم 198/ 1018) يقول في بند من بنودها (البند الرابع) ما نصه: »هناك تقارير تفيد بأن وزارة »حسين سري« قدمت استقالتها للملك »فاروق«، وأنه قَبِلَها، وكلف »حافظ عفيفي« رئيس الديوان بمهمة تشكيل وزارة جديدة«. ولا يتوقف »كرسويل« عند هذا الحد في برقيته، لكنه يضيف في آخرها بندا (البند الخامس) يقول فيه ما نصه: »إنني آمل أن تكون القيادة العامة للقوات البريطانية (في منطقة القناة) على إحاطة باحتمالات الأزمة السياسية الراهنة، والتي تسببت فيها حماقة الملك (Folly of the King )، فهناك إمكانية أن تتسبب التداعيات المتلاحقة خلال الأيام القليلة القادمة في مشاكل كبيرة، وعلى أي حال فإني أرجو أن أستطيع تقديم تحليل متوازن للموقف حالما تتضح الصورة«. لكن القائم بالأعمال البريطاني »مايكل كرسويل« يعود بعد ساعات لتخفيف تشاؤمه، ويظهر أن ذلك كان من أثر زملاء له في لجنة التنسيق الدبلوماسي بين الحلفاء في القاهرة، وكانت هذه اللجنة (ولا تزال حتى الآن) تضم سفراء دول حلف الأطلنطي يجتمعون مرة كل شهر، مع وجود لجنة فرعية مصغرة من سفراء الدول الثلاث الكبرى: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، تجتمع كل أسبوع للمتابعة، خصوصا في ظروف الأزمات. ويوم 19 يوليه كانت هذه اللجنة المصغرة على موعد، وطبقا لبرقية (ملف 77042) من السفير الأميركي في القاهرة »جيفرسون كافري« إلى »هنري بايرود« مساعد الوزير المكلف بالشرق الأدنى وأفريقيا، فقد قال »كافري«: »أحسست أن زميلي البريطاني مبالغ في تشاؤمه، وتقديره أن الموقف السياسي متأزم، وبالتأكيد فإن الموقف متأزم، لكن وجهة نظري وكذلك هيئة سفارتي لا ترى ما يدل على أن الموقف وصل إلى طريق مسدود«. وأضاف »كافري« أن زميله الفرنسي (السفير »كوف دي مورفيل« لم يحضر هذا الاجتماع لأنه سافر إلى باريس (هو الآخر) وحل محله وزيره المفوض) الذى »يرى أن احتمالات الموقف قبيحة جدا (Very Nasty )، لكنه يرى أن الأمور سائرة نحو عودة الوفد إلى الحكم. »وقد علمنا ونحن في الاجتماع أن »حافظ عفيفي« يقوم الآن بتشكيل وزارة جديدة، ويُحتمل أن ينتهي ذلك اليوم، لأن الظروف لا تحتمل إضاعة الوقت من وجهة نظر القصر«. وفي لندن يكتب رئيس قسم الشرق الأوسط »روجر ألن« مذكرة (رقم 96877/ 371) تحت عنوان الموقف المصري يقول فيها: »دعوت »عمرو« (باشا) (السفير المصري في لندن) إلى الغداء حتى أقوم معه بمحاولة لمراجعة واستكمال الأخبار الواصلة إلينا من مصر. بدا لي أن »عمرو« ليس لديه شيء محدد، ولكن ما لديه عموما يؤكد المعلومات الواصلة إلينا، وبالذات في ما يتعلق بضيق الملك »فاروق« عندما اقترح عليه رئيس الوزراء »حسين سري« اسم اللواء »محمد نجيب« ليكون وزيرا للحربية والبحرية، ولم يكن »عمرو« (باشا) على وجه العموم متشائما جدا في ما يتعلق بحالة السخط السائدة في الجيش بسبب تردي الأحوال السياسية«. وذكر لي »عمرو« أن »حافظ عفيفي« كلف بتشكيل وزارة جديدة، وهو يرى أن »عفيفي« سوف يخطئ كثيرا إذا لم ينتهز فرصة حاجة الملك الماسة إليه حتى يضع شروطه وأهمها: ضرورة تطهير القصر الملكي من رجال مثل »كريم ثابت« و»إلياس أندراوس«، وإذا قَبِلَ »حافظ عفيفي« دون قيد أو شرط، فإنه سوف يسيء إلى نفسه، وسوف يلقى به إلى »مقلب الزبالة« في أول فرصة، وطلب مني »عمرو« أن أعمل على تشجيع »حافظ عفيفي« للوقوف بصلابة، حتى يدرك الملك »فاروق« خطورة الطريق الذى يسير فيه«. وكانت هذه المذكرة في حد ذاتها وبما ورد فيها نقلا عن »سفير الملك« في لندن نذيرا بأن سوء الأحوال بلغ مداه. والمُلاحظ أن هذه المذكرة تلتها في الوثائق البريطانية رسالة إلى الوزير البريطاني المفوض »مايكل كرسويل« تطلب إليه الاتصال بحافظ عفيفي، وقد أُرفق بالبرقية ملخص »عما قال به »عمرو« (باشا) لروجر ألن على غداء بينهما أمس«. وحوالى الظهر اتصل الجناح الخاص (محمد حسن) من قصر المنتزه بالإسكندرية ب »حافظ عفيفي« (باشا) يقول له بسرعة »إن مولانا مع سعادتك«، ثم سمع رئيس الديوان صوت الملك يسأله »جاهز؟«، ومع أن »حافظ عفيفي« كان مُهيأ لاتصال من الملك، فإنه لم يتوقع هذه البداية للتصرف في أزمة سياسية خطيرة. وقال »حافظ عفيفي« أنه »يلتمس« بضع دقائق من وقت الملك، يعرض عليه تقدير الديوان للأوضاع والاحتمالات. ورد الملك بدعوة رئيس الديوان إلى لقائه في قصر المنتزه، وهناك قضى قرابة نصف ساعة مع الملك، ثم عاد متوجها مباشرة إلى مقر الديوان خلف القصر وهو مبنى »السلاملك«. وطبقا لشهادة »حسن يوسف« فإن »حافظ« (باشا) عاد إلى السلاملك وقد بدت عليه »علامات الرِّضا« ولم يدخل في تفاصيل عما جرى في المقابلة مكتفيا بخطوط عامة أفضى بها إليه: 1 إنه بادئ الأمر فكر في قبول التكليف بتشكيل الوزارة لعدة شهور يقوم فيها »نجيب الهلالي« (باشا) بتأليف حزب سياسي جديد (يأخذ أهم العناصر في الوفد، وأهم العناصر بين المستقلين)، ويخوض بهم معركة الانتخابات القادمة، ويصنع من حزبه الجديد قوة سياسية مستقلة »تكون أكثر من مجرد مسكن لمرض مزمن ومؤلم«. 2 لكنه عند الصباح غَيَّر رأيه في »تصوراته الليلية« بتقدير أن مثل هذه التصورات يصعب تحقيقها بخطوة واحدة، لأن هناك »احتقانا« في البلد الآن لا بد من التعامل معه، وتأجيل ذلك حتى أكتوبر مع تعليق الأمل على نجاح »الهلالي« في تشكيل حزب جديد يستطيع (أو لا يستطيع) إثبات وجوده في الانتخابات سابق لأوانه، والأولى الآن تخفيف الاحتقان السياسي وبسرعة. 3 والحل المعقول وذلك ما اقترحه »على جلالة الملك الذي قَبِلَ بعد تردد« هو أن يعود »نجيب الهلالي« (باشا) إلى رئاسة وزارة أقوى من وزارته الأولى، وبحيث يواصل ما بدأه بكفاءة أكثر، ثم يكون من ذلك في الداخل وفي الخارج (ذات الوقت) تكذيب عملي لشائعات مغرضة سمعناها جميعا، وتألم لها جلالة الملك »وهذا رده العملي بتكذيبها«. وفي الغالب فإن تلك الحجة الأخيرة هى التي أقنعت الملك لأنها تجاوبت مع وساوسه إزاء فضيحة لحقت به في عين »تشرشل« و»إيدن« والرئيس الأميركي »هاري ترومان« أيضا!. وتظهر الوثائق البريطانية أن »حافظ عفيفي« (باشا) كان أكثر استفاضة في الحديث مع الوزير البريطاني المفوض عما كان مع »حسن يوسف«. وطبقا لتقرير مُرسل إلى لندن (203/ 1018) فقد كتب »مايكل كرسويل« يقول: »ذهبت لمقابلة رئيس الديوان في بيته (على شاطئ البحر بين منطقتي ستانلي وجليم) مساءً، وبدأت بتهنئته على النتيجة السعيدة التي توصل إليها في معالجة الأزمة السياسية في مصر، وقلت له »إن هذه النتيجة انتصار لصبره ودبلوماسيته الهادئة مع الملك«. وأنكر »حافظ عفيفي« أنه لعب دورا في إقناع الملك بالاستغناء عن وزارة »حسين سري«، لكنه قال إنه الآن أكثر ثقة بالمستقبل مما كان في أي وقت مضى خلال الشهور الستة الماضية. أضاف »حافظ عفيفي« أن »الهلالي« يجيء الآن على شروطه، واعتقاده أن حكومة يرأسها »الهلالي« الآن سوف تتمكن من البقاء في الحكم لفترة معقولة«. وقال لي »حافظ عفيفي« »إن الملك ظن بعد أن أحس بتردده (في تشكيل الوزارة بنفسه) أنه خائف من المسؤولية لا يريد أن يتحملها، وأنه (أي الملك) جرب التفكير في بديل وسمع اقتراحا بترشيح »علي ماهر« مرة أخرى (رجل مواجهة الأزمات واستيعاب الصدمات) ولكنه لا يثق في »علي ماهر«، وأنه إذا كان أمامه خيار بين »نجيب الهلالي« و»علي ماهر« فهو يختار »الهلالي«. قال »حافظ عفيفي« »إنه بدا له من الملك استعداد لإعطاء »نجيب الهلالي« فرصة حقيقية يحكم فيها دون تدخل من الحاشية، وإن الملك أصبح يرى أن »بعض هذه الحاشية« يسيء إليه شخصيا«. وكتب »كرسويل« في برقيته بين قوسين »لدينا معلومات من مصادر مستقلة بأن الملك في إحساسه بحرج موقفه (بعد فضيحة بيع وزارة »الهلالي« الأولى) بدأ يشك أن بعض رجاله مسؤولون عن الإساءة إلى سمعته«. ثم عاد »كرسويل« إلى سياق تقريره: »قال لي »حافظ عفيفي« إن بؤرة التوتر في الجيش سوف تتم تصفيتها في ظرف عشرة أيام على الأكثر، وإن لديهم الآن معلومات كافية عن مُثيري الشغب، والملك داخل بنفسه في عملية واسعة لتأمين الوضع في الجيش، وإنهم في الديوان قضوا بعد الظهر بطوله يرتبون متصلين بالملك طول الوقت وقد رسموا خطة قابلة للتحقيق: سوف يكون »إسماعيل شيرين« صهر الملك (بزواجه من الأميرة الإمبراطورة السابقة فوزية) وزيرا للحربية والبحرية وهو يعرف كل شباب الضباط في الجيش، كما أنه (حافظ عفيفي) واثق أن »إسماعيل شيرين« سوف يكون مقبولا في الجيش، ثم إنه شخصيا يطمئن إلى »إسماعيل شيرين« لأنه يعرفه منذ كان طفلا، وكان هو الذي اقترحه بالفعل على »الهلالي« (باشا) عندما قابله ليعرض عليه تشكيل الوزارة في ظروف جديدة. وقد اتفقوا على أن يُحال »حسين سري عامر« للتقاعد في مقابل إحالة »محمد نجيب« للتقاعد أيضا، و»حافظ« (باشا) بما لديه من معلومات لا يعتقد على الإطلاق أن »محمد نجيب« ضابط كفء، بل إنه رجل يمكن أن يتسبب في مشكلات في أي منصب يكون فيه، وأن الخلاص من الرجلين اللذين ارتبط اسماهما بالأزمة الأخيرة في الجيش أنسب الآن وأفضل، وأن القائد العام للجيش »حيدر« (باشا) سوف يظل في منصبه لأنه يعرف كل دخائل الجيش، على أنه ربما لا يبقى طويلا. أنه يمكن استمالة شباب الضباط بحركة ترقيات سريعة وإرسال بعثات على نطاق واسع إلى الخارج، كما أن هناك جهدا سوف يُبذل في سلاح الطيران بالذات، لأن ضباط الطيران يضايقهم أن يخدموا تحت قيادات من الجيش، ويظنون أن ضباط الجيش لا يعرفون ما فيه الكفاية عن الطيران. وأنه عندما تستقر الأمور في الجيش فإن الأحوال يمكن أن تتحسن، وربما يكتشف »أحمد عبود« وقتها أن كل رهاناته خاسرة وأن رِشاه ضاعت سدى، وعلى أي حال فهو يتوقع عودة الهدوء لأن العادة في مصر أنه عندما يبدأ موسم جني محصول القطن، تتحرك الدورة الاقتصادية. ويختم »كرسويل« تقريره بقوله: »يبدو لي أن هناك فرصة لتحسن الأحوال إذا استطاع الملك أن يبتعد بأصابعه عن »الفطيرة السياسية« If the King is able to) keep his fingers out of the Political Pie». ثم يضيف »كرسويل« كخاتمة لتقريره: »أبلغنى »حافظ عفيفي« أنه يرتب لإجازة في أوربا تبدأ منتصف أغسطس«. وتكتمل دورة التفاؤل برسالة تظهر في وثائق هيئة أركان الحرب الإمبراطورية في لندن وهي مُرسلة من قيادة القوات البريطانية في الإسماعيلية (برقم 1055) وهي تبدأ قائلة: »بالإشارة إلى تقرير الملحق العسكري في القاهرة 47/ 187/ ف/ م.ع) نفيدكم بأن التحركات العسكرية المصرية التي تم رصدها هي تحركات عادية تشمل تغييرا روتينيا لمواقع اللواء الخامس واللواء المصرى«. اليوم الثالث الليلة الثالثة الأحد 20 يوليه 1952 »هل أطلب توقيع الملك على كمبيالة؟!« { صباح يوم الأحد 20 يوليه ومبكرا (الساعة السادسة وعشر دقائق) دق التليفون وكان المتكلم هو الدكتور »محمود محفوظ« (صهر »نجيب الهلالي« (باشا) ووزير الصحة في ما بعد) يقول لي: »إن »نجيب« (باشا) كلف بتشكيل وزارة جديدة وهو يطلبك في الإسكندرية إذا استطعت أن تجيء اليوم«. وسألت »محمود محفوظ« بدهشة »وهل قَبِلَ »نجيب« (باشا)؟ ورد »طبعا.. لديه أسباب جعلته يقتنع وسوف تسمع منه عندما تجيء!«. (كان مفروضا وفقا لترتيب العمل الذي اتفقنا عليه في شأن الفرصة المُتاحة (بالأزمة الراهنة) لزيادة توزيع الأخبار أن أظل في القاهرة، لكنه وبما أن دوري في تغطية الحوادث كان من قسمين: نصف يركز على متابعة ما يجري في الجيش بحكم علاقات من أيام حرب فلسطين وهو ما يقتضي بقائي في القاهرة، ونصف آخر يتعلق بتغطية نشاط »نجيب الهلالي« (باشا). وبما أنه الآن على وشك أن يؤلف الوزارة مرة ثانية إذاً فمن المعقول أن أترك القاهرة إلى الإسكندرية التي أصبحت بؤرة الحوادث الآن). وهكذا اتصلت بالأستاذ »علي أمين« واكتشفت أنه عند منتصف الليل أمس سافر إلى الإسكندرية ليلحق ب »مصطفى« الذي سبق مبكرا، ثم إن »علي أمين« ترك لي رسالة موجودة الآن بخطه على مكتبي. وتوجهت بسرعة إلى مبنى أخبار اليوم أقرأ رسالة »علي أمين« وكانت مختصرة: »لم أستطع أن أمسك أعصابي، وذهبت إلى الإسكندرية«، اتصل بي أو بمصطفى في فندق »سيسيل« مصطفى في الغرفة 212، أما أنا فلا أعرف رقم الغرفة التي حجزوها لي، ما رأيك في تطورات الموقف السياسي، سوف يكون عليك الليلة إعداد الصفحة الأولى من الأخبار! واتصلت بمصطفى في فندق »سيسيل«، ولم يكن في غرفته بل كان في ركن صالة الفندق مع »مرتضى المراغي« (باشا) (الذي شاع أن القصر طلبه وزيرا للداخلية، وكان ذلك متوافقا مع توجه رئيس الوزراء المكلف لأن »مرتضى المراغي« كان يشغل المنصب ذاته في وزارته الأولى ثم إنه امتنع عن دخول وزارة »سري«). بادرني »مصطفى« بالسؤال »إذا كنت عرفت بآخر الأخبار؟« وقلت »إن ذلك ما دعاني للاتصال به، لأن »علي« تركني في القاهرة وذهب عند »نص الليل« إلى الإسكندرية، والآن تلقيت دعوة من »نجيب الهلالي« (باشا) لمقابلته في الإسكندرية«. وأدرك »مصطفى« أن ذهابي إلى الإسكندرية أنفع من بقائي في القاهرة، ولو ليوم واحد، »أقابل فيه »نجيب« (باشا) وأتابع عملية تشكيل وزارته ثم أعود غدا إلى القاهرة« ثم أضاف »وأما بالنسبة لليلة فلا بد أن نلتقي في الساعة التاسعة مساءً هنا في »سيسيل«، ويكتب كل منا ما عنده، ونُعد منه رسالة واحدة نُمليها بالتليفون.« وبدأت أستعد لمغادرة أخبار اليوم منطلقا بسيارتي على الطريق الصحراوي إلى الإسكندرية، ورأيت أن أجري اتصالا مع الدكتور »محمود محفوظ« قبل أن أبدأ رحلة الطريق الصحراوي، وبالفعل تحدثت إليه وإلى »فريد زعلوك« وكانا في بيت »نجيب الهلالي« (باشا) على شاطئ البحر في حي العصافرة بالإسكندرية. وقال لي »محمود محفوظ« إن »نجيب« (باشا) ذاهب إلى مقابلة جلالة الملك في قصر المنتزه في الساعة العاشرة والنصف، وإن عليَّ فور الوصول إلى الإسكندرية أن ألحق بهم على الغداء في بيت »الباشا« بالعصافرة! وحين وضعت سماعة التليفون فوجئت برنين صادر عنه وخطر ببالي بداعي العجلة أن لا أرد، لكنني مع ذلك تناولت السماعة وكانت المكالمة الطارئة مفاجأة! كان المتكلم هو الصاغ »سعد توفيق«، وهو وقتها من ضباط المخابرات العسكرية، وكان يعمل مع اللواء »أحمد شوقي عبد الرحمن«، عندما كان هذا الأخير مديرا لإدارة الملحقين العسكريين في الجيش المصري، وهناك رأيت »سعد توفيق« عدة مرات، كذلك جاء »سعد« إلى مكتبي أكثر من مرة يحمل ملفات شؤون سياسية عسكرية رأى اللواء »عبد الرحمن« أن أطلع عليها. وفي هذه المرة على التليفون كان »سعد توفيق« يتحدث إليَّ بالرموز: قال: »صديقك الذي قابلته أول أمس«. ومع أنني أحسست بالغريزة مقصد إشارته فقد سألته: »أي صديق؟«. قال: »صديقك الذي ركب سيارتك أول أمس.. هل تذكرت؟«. وقلت: »نعم«! فقال: »يريد أن يقابلك الليلة مرة أخرى لأمر هام فهل تستطيع أن تحدد موعدا يكون في بيتك؟«. وقلت: »لسوء الحظ لن أكون في بيتي هذا المساء لأني ذاهب فورا إلى الإسكندرية فهناك وزارة جديدة، ومن الضروري أن أتابع تشكيلها«. سألني بصوت يوحي بأنه فوجئ: »متى تعود؟«. وقلت: »غدا على أبعد تقدير«. وعاد يُلح: »ألا تستطيع الليلة؟«. وقلت: كيف أعود الليلة والظروف كما قلت لك؟ وأضفت »غدا تتصل بي إذا شئت«. وسأل: »متى؟«. وقلت: »أي وقت بعد الظهر«! وصلت إلى بيت »نجيب الهلالي« (باشا) في حي العصافرة في الإسكندرية وكانت الساعة الثانية والنصف بعد الظهر، وكان هناك الدكتور »محمود محفوظ« والأستاذ »فريد زعلوك« والأستاذ »نبيل الهلالي«، لكن »نجيب الهلالي« (باشا) نفسه لم يكن هناك. وقال »محفوظ« إن مقابلة »الرئيس« مع الملك تغير موعدها لتكون في الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر، وأنه الآن في بيت »حافظ عفيفي« (باشا). وقلت للدكتور »محفوظ«: »وماذا نفعل نحن هنا؟ ثم اقترحت أن نلحق بنجيب (باشا) في بيت رئيس الديوان الملكي نراه ولو لدقائق قبل أن يخرج من هناك إلى قصر المنتزه، وتحمس »محمود محفوظ« لأنه كان متلهفا على المتابعة (وأما الأستاذ »نبيل الهلالي« فقد كان أقل تلهُفا، وقرر البقاء في انتظار والده«. ومضينا نجري على طريق الكورنيش نحاول اللحاق بنجيب الهلالي (باشا) قبل أن يتوجه من بيت رئيس الديوان إلى قصر المنتزه، ووصلنا إلى بيت »حافظ عفيفي« (باشا) من بابه المواجه لقصر سموحة، ثم توقفنا أمام المبنى الجديد الذي أقامه »حافظ« (باشا) وأراد تصميمه على شكل سفينة تواجه »البحر«، وجاء ضابط الحرس على الباب يقول لنا »إن »الباشوات« خرجوا قبل خمس دقائق. وعُدنا إلى حيث كنا في بيت »الهلالي« (باشا) على شاطئ العصافرة! ................. ................. { ولا أعرف كيف ولماذا هناك ونحن في انتظار صاحب البيت لمع في فكري خاطر يخص تلك المكالمة التي تلقيتها من الصاغ »سعد توفيق«، وكان ذلك غريبا، فطوال الطريق من القاهرة إلى الإسكندرية أقود سيارتي وحدي لم يخطر على بالي أن أفكر طويلا في تلك المكالمة التي جاءتني على غير انتظار، بل كان على بالي هذه الوزارة الجديدة: رئيسها وتشكيلها؟ وماذا تستطيع عمله؟ ولماذا يعرض الملك الآن رئاسة الوزارة على »نجيب الهلالي«؟ وقد كان في ذلك المنصب فعلا قبل ثلاثة أسابيع ثم جرى بيعه بيعا في سابقة لم تحدث من قبل في السياسة المصرية على كثرة ما رأت هذه السياسة من غرائب؟... ثم لماذا قَبِلَ »نجيب الهلالي« الآن ذلك المنصب الذي اكتشف قبل ثلاثة أسابيع أنه لا يستطيع البقاء فيه بعد أن رآه سلعة في السوق ثم قرر أن عليه بلا خيار آخر أن يقدم استقالة وزارته للملك؟... وبعد ذلك وربما قبله ما الذي يستطيع »الهلالي« أن يفعله الآن، وقد صدر قرار من القائد العام للجيش المصري بحل مجلس إدارة نادي ضباط الجيش؟ وضياع ثقة الملك في وزارة »حسين سري« وقبوله استقالتها رافضا بشدة اقتراحا متجددا من رئيسها باختيار اللواء »محمد نجيب« وزيرا للحربية، لأن الملك يريد اللواء »حسين سري عامر« ورئيس الوزراء يفضل اللواء »محمد نجيب« (الذي تقابل بالفعل قبل ساعات من سقوط وزارة »سري« (باشا) مع صهره وزير الداخلية »محمد هاشم« (باشا)، ثم إن جزءا من اللقاء حضره »كريم ثابت« (باشا). وتداعت أفكاري من اللواء »محمد نجيب« إلى البكباشي »جمال عبد الناصر« الذي التقيته عنده أمس الأول، ثم إلى الصاغ »سعد توفيق« الذي أبلغني رسالة من »جمال عبد الناصر« يسأل عما إذا كان يستطيع أن يلقانى الليلة؟!. ................. ................. في تلك الساعة تقريبا كان الوزير البريطاني المفوض في مصر »مايكل كرسويل« يتلقى وهو في الإسكندرية برقية عاجلة من وزير الخارجية البريطاني (9687/ 371) يقول له فيها: »الأخبار التي تصل إلينا متناقضة ما بين اتجاه ترشيح »حافظ عفيفي« و»نجيب الهلالي« لرئاسة وزارة جديدة«. أنت مكلف بإبلاغ »حافظ عفيفي« باسمي أن رئاسته للوزارة عقيمة إذا لم يكن ينوي الوقوف بحزم أمام الملك، ويواجهه بحد أدنى من الشروط التي لا يصح التنازل عنها، وأولها ضرورة إقصاء كل من »كريم ثابت« و»أندراوس« ليس فقط عن القصر، ولكن عن البلد ولو لفترة الشهور القليلة القادمة. إن التوجيهات نفسها تنطبق أيضا في حالة ما إذا كان »الهلالي« هو الذي سيُعْهَد إليه بتشكيل الوزارة. إن حدا من الجدية والمصداقية لا بد أن يتوافر الآن، وإلا فإن الزمام سوف يفلت. تضيف رسالة »إيدن« سؤالا: »هل تستطيعون إمدادنا بمعلومات تفصيلية عاجلة عن التطورات المحتملة؟«. وقبل أن تمر ساعة يكون »كرسويل« من الإسكندرية يكتب ردا على »إيدن« يقول: من الصعب جدا الحصول في هذه الظروف على معلومات مفصلة يمكن اعتمادها، وما نستطيع الجزم به هو: 1 هناك سخط منتشر في الجيش، ومن المحتمل أن يتبلور هذا السخط في عملية من »نوع ما«، ولذلك فنحن نقترح من هنا تقليل »مدة الإنذار« بالنسبة للخطة »روديو« (تقدم الجيش البريطاني من قاعدة قناة السويس لاحتلال الدلتا والقاهرة)، وذلك تحسبا للطوارئ وحتى لا نفاجأ بما لا نكون مستعدين له. 2 يبدو أن الحزب الاشتراكي نشيط جدا في أوساط الضباط !! رغم أن رئيسه »أحمد حسين« يُحاكم الآن بتهمة تدبير حرائق القاهرة (26 يناير 1952). 3 ليس من المستبعد أن تقع حالة عصيان بين القوات المسلحة تستغلها عناصر متطرفة، مما يؤدي إلى فوضى شديدة. وكان »أنتوني إيدن« وزير الخارجية يتغدى يومها مع رئيس الوزراء في بيته الريفي »تشيكرز«، ورأى رئيس القسم المصري وقتها المستر »بوكر« أن يبعث له برسالة خاصة على جهاز الإرسال الذي يربط مقر رئاسة الوزارة في لندن بالبيت الريفي لرئيس الوزراء »تشيكرز«: آخر التطورات في مصر أفاد »كرسويل« من الإسكندرية بأن الموقف بالغ الخطورة بسبب توتر الأحوال في الجيش المصري، وأنه بعث بآخر ما توافر له من المعلومات إلى رئاسة القوات البريطانية التي تبحث الموقف وفيه توصية من »كرسويل« بتقليل مدة الإنذار اللازمة لتنفيذ الخطة »روديو« من عشرة أيام (كما هي الآن) إلى 48 ساعة. وقد قام »كرسويل« بإخطار السفارة الأميركية، ولكن السفير الأميركي هناك »كافري« يظن أن الأزمة السياسية في مصر الآن تسير نحو الحل«. وتُظهر الإشارة في الوثائق البريطانية وعليها توقيع »أنتوني إيدن« بالحرفين الأولين من اسمه إشارة إلى أنه اطلع عليها. ................. ................. في الساعة الرابعة وخمس وثلاثين دقيقة وصل »نجيب الهلالي« (باشا) عائدا إلى بيته في العصافرة من قصر المنتزه القريب، وكان بعد لقائه بالملك »فاروق« قد توجه إلى السلاملك، وقضى بعض الوقت في مناقشة قائمة ترشيحات وزرائه، وتابعت »نجيب الهلالي« (باشا) وهو يصعد بنشاط درجات السلم من حديقة البيت الصغيرة إلى الشرفة، ولاحظت أن خطوته زادت نشاطا. كان يرتدي بذلة كاملة من التيل الأبيض، ولفت نظري أن البذلة الصيفية من التيل الأبيض كان لها أيضا »صديري« يكسو صدر »نجيب« (باشا) رغم الحر الشديد. ونظر »الهلالي« (باشا) إلينا (فريد زعلوك ومحمود محفوظ ونبيل الهلالي وأنا) وهو يضحك قائلا: »لابد أنكم متّم من الجوع«، وعبر من صالون الاستقبال الكبير واصلا إلى قاعة الطعام التي انفتح بابها أمامه، والتفت »الهلالي« (باشا) نحوي يسألنى متى وصلت من القاهرة؟ وما هي الأخبار هناك؟. وقلت: »إن الأخبار هنا في الإسكندرية« وأضفت »أن الناس جميعا سوف يدهشهم أنه قَبِلَ تأليف الوزارة بعد تلك التجربة التي مر بها قبل ثلاثة أسابيع«. وقال »الهلالي« (باشا) »إن الملك استجاب لشروطي ولم تبق لي عليه حجة«. وسألت (والباقون يتابعون ذلك الحوار بيننا): »وما هي الشروط«؟، ومد »نجيب الهلالي« أصابعه إلى جيب الصديري الذي يرتديه تحت الجاكتة البيضاء، ثم أخرج قطعة صغيرة من الورق فردها ثم قال: »وقف تدخل غير المسؤولين في الشأن السياسي«. وهؤلاء غير المسؤولين هم (عاد يقرأ من الورقة التي أخرجها من جيبه): »كريم ثابت« »إلياس أندراوس« »أنطونيو بوللي«. ثم توقف »نجيب الهلالي« عن قراءة الأسماء قائلا: »أليست هذه كفاية؟ في القائمة آخرون... هناك ستة«! وسألت »الهلالي« (باشا) »وما الذي يضمن؟«. وقال بتؤدة: كلمته. ولم أسكت وإنما واصلت: »وأي ضمان أن يلتزم بها؟«. ورد »الهلالي« (باشا) قائلا: »يعني أطلب من الملك توقيع كمبيالة؟!«. وسَكَتُّ وقد أحسست أنني لا أريد أن أتزيد عليه (ولكن شعورا غريبا راودني تلك اللحظة بأنني لم أكن أريده أن يؤلف الوزارة هذه الساعة لأمر ما لا أستطيع تحديده، لكن ما أحس به غير بعيد عن تلك المكالمة التليفونية التي جاءتني قبل أن أترك مكتبي في القاهرة من الصاغ »سعد توفيق«!) وانهمكت بعد ذلك في حديث الترشيحات للمناصب الوزارية، وكانت مع »نجيب« (باشا) قائمة بأسماء جديدة كلها مقبولة: وبينهم »مريت غالي« وزيرا للشؤون البلدية والقروية، و»علي كامل الشيشيني« وزيرا للزراعة، وآخرون. وكنت ما أزال أخشى أنني أثقلت على »الهلالي«، لكن الرجل (شاء كريما أن يزيل مثل هذا الشعور عندي) فإذا هو يقول »في المرة الماضية سألتك عن مرشح لوزارة الحربية، واقترحت »محمد نجيب« وقد رفضوه، وهذه المرة أجد أننا نسينا وزارة الصحة، فهل عندك مرشح لها؟ وجاء من يدعو »الهلالي« (باشا) إلى التليفون لأن رئيس الديوان يطلبه، وقال »نجيب« (باشا) »فكر خمس دقائق وحاول أن تعثر على مرشح«. وحاولت أن أعصر ذهني لأجد رجلا أعرفه يصلح لوزارة الصحة، ولم تسعفني الذاكرة وخرجت لحظة من غرفة الطعام إلى الشرفة، وقد تجمع عليها عدد من الصحفيين لمحت بينهم زميلي وصديقي الأستاذ »علي حمدي الجمال«، وربما أنه خواء الذاكرة تلك اللحظة أو لعله غرور الشباب ما دعاني لسؤال »علي حمدي الجمال« همسا: »ما إذا كان يتذكر شخصية رجل يصلح لوزارة الصحة«، والغريب أنه رد عليّ بسرعة قائلا »سيد شكري«، وعُدت إلى قاعة الطعام حيث كان »نجيب الهلالي« على وشك العودة بعد انتهاء حديثه مع »حافظ عفيفي«، وقلت: »ما رأيك في الدكتور سيد شكري؟«. وتهلل وجه »نجيب الهلالي«. وقال »نِعْمَ الاختيار«. ثم تذكر أن الدكتور »أحمد حسين« هو وزير الشؤون الاجتماعية على قائمة الترشيحات وأنه متزوج من الدكتورة »عزيزة حسين« ابنة الدكتور »سيد شكري«، وقال ضاحكا: »يعني الرجل وحموه في الوزارة«. وكتب اسم الدكتور »سيد شكري« وطلب من »فريد زعلوك« أن يبلغ الاقتراح بترشيحه على التليفون إلى مكتب وكيل الديوان. وكانت المفاجأة في نهاية المشاورات ترشيح »إسماعيل شيرين« صهر الملك (زوج الأميرة »الإمبراطورة السابقة« فوزية) وزيرا للحربية والبحرية. ................. ................. { وكنت أعرف »إسماعيل شيرين« معرفة شخصية من رئاسته لوفد مفاوضات الهُدنة بين مصر وإسرائيل في »رودس« (يناير 1949) وكان »إسماعيل شيرين« مفاوضا صلبا إذ أصر على استحالة لقاء الوفدين المصري والإسرائيلي رغم وجودهما في فندق واحد، وهو فندق »دي روز«، وكذلك جرت المفاوضات بواسطة ممثل الأمم المتحدة الدكتور »رالف بانش« الذي كان ينتقل بين الدور الخامس الذي ينزل فيه الوفد الإسرائيلي والدور السادس حيث ينزل الوفد المصري حاملا المقترحات والصياغات والتعديلات حتى أمكن التوصل إلى اتفاق. لكنه خطر ببالى أن مصاهرة »إسماعيل شيرين« للملك »فاروق« يمكن أن يكون لها تأثير سلبي على اختياره. ................. ................. وكان لا بد أن أغادر بيت »الهلالي« (باشا) في العصافرة متوجها إلى فندق »سيسيل« في ميدان سعد زغلول لموعدي مع »مصطفى« و»علي أمين« في الساعة التاسعة كي نعد رسالة مشتركة لعدد الأخبار (غدا) قبل أن تمثل الجريدة للطبع. وكذلك حدث، وجلسنا بعده لتناول العشاء وانضم إلينا عدد من الساسة بينهم »مرتضى المراغي« (باشا) و»حفني محمود« (بك) شقيق »محمد محمود« (باشا) رئيس الدستوريين ورئيس الوزراء الأسبق والأستاذ »كامل الشناوي«. وطال السهر حتى الساعة الواحدة والنصف صباحا، وقُمت أبحث عن غرفة أقضي فيها سواد الليل في »سيسيل« على اتفاق مع »مصطفى« و»علي أمين« بأن أعود في الصباح الباكر إلى القاهرة. اليوم الرابع الليلة الرابعة الاثنين 21 يوليه 1952 سباق مع الزمن { في الصباح الباكر يوم 21 يوليه كان الوزير المفوض البريطاني يكتب إلى لندن تقريرا عن وزارة »الهلالي« الثانية رقم (1054) يقول فيه: يقدم الهلالي (باشا) اليوم رسميا إلى الملك »فاروق« أسماء وزرائه الجدد، ويحلفون اليمين الدستورية أمامه. وأعضاء الوزارة الجديدة في معظمهم من وزارة »الهلالي« السابقة، خصوصا وزارات: الخارجية: »عبد الخالق حسونة« والداخلية: »مرتضى المراغي« والمالية: »زكي عبد المتعال«، وكان هناك حديث بأن يتولى »المراغي« وزارة الحربية كما كان في الوزارة السابقة، لكن القصر اقترح مرشحا زكاه »حافظ عفيفي« وهو الكولونيل »إسماعيل شيرين« صهر الملك. وعلمت من مصدر موثوق أن »الهلالي« (باشا) وضع مجموعة شروط استجاب لها الملك: التطهير الذي بدأته وزارته السابقة يستمر. الانتخابات تؤجل إلى موعد غير محدد. الأحكام العُرفية تظل مُطَبَّقَة حتى تتم محاكمة المتهمين في قضية حريق القاهرة. يتوقف تدخل غير المسؤولين من رجال الحاشية الملكية في السياسة. وقد تبين لي الآن أن السبب الرئيسي الذي دعا الملك إلى إخراج وزارة »سري« (باشا) رغبته في احتواء الفضيحة التي جاءت بها الوزارة، وذلك هو السبب نفسه الذي أقنعه بقبول ترشيح »الهلالي«. والسؤال المُلِحُّ الآن هو ما إذا كانت هذه الوزارة قادرة على معالجة الموقف الخطر داخل الجيش! وفي الوقت نفسه كانت قيادة القوات البريطانية في منطقة القناة ترسل إلى هيئة أركان الحرب الإمبراطورية في لندن بتقدير للموقف (رقم 114) يقول: 1 الموقف السياسي في مصر في حالة سيولة خطرة ونتائجه مما يصعب توقعها، ورأى القائم بالأعمال البريطاني في السفارة كما أرسله لنا »إن الوضع خطر وأن الملك »فاروق« قد يرتكب حماقة في أي لحظة تؤدي إلى تدهور مفاجئ«. 2 المعلومات لدينا أن هناك توترا على نطاق واسع في الوحدات العسكرية المصرية، واحتمالات العِصْيان واردة، وقد صدر أمر برفع درجة استعداد القوات لمواجهة أي احتمال. 3 الفارق هذه المرة ونحن نرفع درجة الاستعداد أن المشاكل المحتملة ليست موجهة ضدنا لأول مرة، ولكنها موجهة بالتحديد ضد »فاروق«، وكذلك وبصفة عامة ليست موجهة ضد الأجانب. 4 سوف نبقى على اتصال مستمر حتى تظهر أمامنا علامات انخفاض في درجة التوتر! ................. ................. توجهت من الطريق الصحراوي إلى دار أخبار اليوم مباشرة ودخلت مكتبى حوالى الساعة الثالثة بعد الظهر، ورُحت على الفور أتصل بالإسكندرية أسأل عن آخر ما جرى بعد أن قضيت أكثر من ثلاث ساعات مقطوعا عن الأخبار في الطريق الصحراوي إلى القاهرة. واتصلت ب»نجيب الهلالي« (باشا) أحاول الحصول على أول تصريح له بعد حلف اليمين، وكان رأيه أن أنتظر إلى الغد حتى يعقد أول اجتماع لمجلس وزرائه. واتصلت بالأستاذ »مصطفى أمين« أسأله عما لديه، وكانت لديه حكايات طويلة استغرقت حديثا تليفونيا دخل فيه »علي أمين« وطال أكثر من ساعة، وسألت »علي أمين« متى سيعود إلى القاهرة؟، ووعد بأنه سوف يلحق بي غدا أو بعد غد على أكثر تقدير، وفي كل الأحوال قبل عدد أخبار اليوم القادم. ................. ................. عندما أصبح عدد الأخبار الذي يصدر صباح غد (الثلاثاء 22 يوليه) جاهزا، توجهت إلى بيتى شاعرا بإرهاق شديد، ودخلت لأجد رسالة تقول: »الصاغ »سعد توفيق« اتصل خمس مرات ويطلب الاتصال به الليلة ضروري«. ونظرت في ساعتي وكانت الواحدة والربع صباحا. ولم أجد الوقت مناسبا لرد اتصالاته. اليوم الخامس الليلة الخامسة.. الثلاثاء 22 يوليه 1952 سوف تنقلب الدنيا هذه الليلة { أيقظني تليفون مبكر (الساعة السادسة والنصف) وكان المتحدث هو الأستاذ »فريد زعلوك« يسألني: »هل هناك حسب علمي شيء في الجيش، لأن »نجيب« (باشا) يتلقى أخبارا مزعجة«. وقلت »إنه حتى خروجي من أخبار اليوم بعد منتصف الليل أمس لم أسمع بجديد يزيد عما كان »عندنا« ونحن في الإسكندرية«. ووضعت سماعة التليفون أفكر في ما عساه أن يكون قد وصل من معلومات إلى رئيس الوزراء الجديد خلال ساعات الليل؟ ولم تمض غير نصف ساعة حتى دق التليفون والمتحدث »علي أمين« من فندق »سيسيل« في الإسكندرية، يقول هامسا »هناك عملية اعتقال لعدد من الضباط سوف تتم اليوم، ويُستحسن أن »تأخذ بالك«، مع أنني لا أتوقع أن يكون في مقدورنا نشر شيء عنها إلا إذا صدر بلاغ رسمي أو كان لدينا تصريح خاص، وإذا جرى ما هو متوقع فإن »مصطفى« سوف يحاول أن يحصل على تصريح بالنشر من الديوان، وأنت من ناحيتك حاول مع رئيس الوزراء، ولكن ليس قبل أن يتصل بك »مصطفى« حتى لا يكون من شأن تصرف أحد منا أن يُفشي سرا قبل وقته«. وفي الساعة الثامنة والربع صباحا وكنت لا أزال في بيتي، أفكر إذا كان الوقت مناسبا لأتصل بالصاغ »سعد توفيق«، أرد له مكالماته بالأمس، وأستشعر ما لديه وإذا الصاغ »سعد توفيق« يطلبني، ويبدأ الحديث بسرعة سائلا »إذا كنت عرفت أنه لم يتوقف بالأمس عن طلبي«. وقلت له »عرفت أنك سألت عني خمس مرات«. وقال »سعد توفيق« وقد أخذ صوته نبرة استوقفت سمعي: »كان صاحبك يريد أن يمر عليك أمس، وسوف أتصل بك بعد قليل فأين ستكون؟ وقلت في مكتبي، ووجدته يسكت ثم يسألني: »هل تستطيع أن تنتظر حتى أتصل بك بعد قليل، نصف ساعة على أكثر تقدير لأني لا أريد أن أطلب تليفونات »أخبار اليوم«. وبدا الطلب مشحونا بالغموض، وقلت إنني سوف أبقى نصف الساعة المقترحة هنا في بيتي، وفي عشر دقائق لا أكثر كان »سعد توفيق« يعاود الاتصال سائلا بسرعة »أين ستكون الليلة؟ إذا لم يكن لديك ما يمنع فأنا أريد أن أعرف أين ستكون الليلة حوالى العاشرة مساءً؟«. وطلبت إليه أن ينتظر وراجعت مفكرتي وعدت إليه (وهناك شعور خفي يقود تصرفي) أقول »إنني سوف أكون على العشاء في الخارج في بيت المستشار »ماهر دوس« (ابن »توفيق دوس« (باشا)« (وهذا البيت الآن هو مقر السفير السعودي في القاهرة، بشارع محمد مظهر في الزمالك) وسألني »سعد توفيق« عن رقم تليفون البيت، ووجدتني أمليه عليه. وعندما وصلت إلى بيت »توفيق دوس« (باشا) لعشاء مع ابنه »ماهر دوس«، وجدته جالسا ينتظر ومعه صديق قديم لنا هو الوزير المفوض (وقتها) »محمود محرم حماد«. وأخذت »ماهر دوس« على جانب من الصالون وهمست له »إنني أعطيت رقم تليفونك لرجل قد يتصل بي هنا، فهل تستطيع ترتيب أن »يخطروني« إذا سأل عني أحد؟«. وفي الساعة العاشرة والربع جاء من يقول »إن هناك من يسأل عني« وتوجهت إلى بهو خارجي، وتناولت سماعة التليفون وإذا صوت يقول همسا »أرجوك تتوجه إلى بيتك وسوف أتصل بك هناك لأقول لك شيئا يهمك!«. وأحسست بأجواء قصة بوليسية، لكن شيئا داخلي كان يأخذ المكالمة جدا بأكثر من وقائع قصة بوليسية. واستأذنت لأنصرف قبل العشاء، وأدرك »ماهر دوس« بحسه أن هناك شيئا، وكان آخر ما سمعته منه وهو يودعني على باب بيته أركب سيارتى: »يظهر أن الدنيا سوف تنقلب هذه الليلة«! وكان حدسه صحيحا بأكثر مما خطر له أو خطر لي!