As Safir Logo
المصدر:

»بيروت ونهر الخيانات« رواية محمد علي اليوسفي حفل ارتطام المرايا وتكويم الأقنعة

المؤلف: حيدر صفوان التاريخ: 2002-12-03 رقم العدد:9367

ليس في الرواية بطل واحد مركزي تدور حوله الأحداث، بل أربع شخصيات: الأنا الراوية، و»المناضلة المتقاعدة« راوية عمران، وعزوز المرداسي وشروق التونسية. الأربعة من أصول تونسية، واثنان منهم تجولا في أرجاء العالم العربي وفي أوروبا، يلتقون في بيروت وفي تونس فيما يشبه التقاء أربع مرايا عاكسة متقابلة. وتستهل رواية عمران الرماية فيما يشبه المونولوج الداخلي لامرأة تكسر تمثالها على يد الأنا للمؤلف الراوي وتحاول، باصرار فاشل أحياناً، ان تكون المرآة التي تدور حولها أحداث الرواية برمتها. نكتشف في الفصل الثاني ان راوية عمران تواجدت سابقاً في بيروت لأسباب سياسية وانها مرت بتجربة حزبية قاسية وهي لم تترك تنظيمها السياسي بل طُردت منه لأنها اتهمت بقتل رفيق حاول اغتصابها، وكان »مناضلاً« أممياً، جاء من بوليفيا ليلتحق بصفوف »الثورة« منذ بداية الحرب الأهلية اللبنانية، ينكشف أيضاً ان لراوية علاقة مشبوهة بالمنطقة الأخرى من بيروت وبالخارج أيضاً. ويعترف الراوي الذي هو المؤلف انه انجذب الى شخصية راوية عمران الغنية المتناقضة: »كنت وما أزال انجذب الى المرأة الغامضة التي تسكن كثافتها وتترك لظلالها مهمة الحديث عنها كنت أحاول الاقتراب من راوية الأولى، فتدفع بي الى الثانية. أعايش وهم الثانية فتهبط بي أو تعلو الى الثالثة... في بيت راوية مرايا عديدة. تقول راوية مبتسمة: تلك المرايا تعددني. وفي بيتها رأى الكاتب نفسه كثيرين يسعون وراء كثيرات هن راوية الوحدة... »حتى اذا جلست، انفتح ذلك الشق عن نصل فخذها فعددته المرايا«.. والواقع ان كل فصل في الكتاب مرآة للفصل الذي يليه ويبدو من ذلك اتقان اليوسفي للعبة المرايا في الحوارات والأحداث وتركيب الشخصيات.. عزوز المرداسي هو المرآة الثالثة. في الفصل الثالث يتحدث عزوز عن نفسه: »هاجرت الى أوروبا. وتمكنت من امتصاص الصدمة، بل صدمات أن يصير المكان مكانين والزمان زمانين. وحسب المواسم، وسوق العمل، تنقلت بين مهن عديدة، فعملت في البناء والزراعة والكناسة وتمكّنت من الانتساب الى جامعة السربون لبضعة أشهر فقط. وبعد ذلك غادرت فرنسا الى المانيا، قبل أن أبيع الجرائد في النمسا، واصطاد فرص التسكع والعمل في بلدان أخرى، مقاوماً الركود هنا، بالسفر الى هناك، حتى بلغ بي الوهم ان ذهبت للبحث عن فرص أفضل في تركيا والعراق وايران وسوريا..« ويعود المرداسي الى تونس ويتزوج إلا انه لم يصطحب معه زوجته عندما قرر سفراً آخر، تلاه سفر. يطارد عزوز كابوس مشهد الجمجمة التي يركلها أطفال الشارع في وجهه. ويخاف عزوز من الموت ويسافر من بلد الى آخر بحثاً عن نجاة من هذا الكابوس المخيف. ويكرر عزوز ان الوجود نسبي، مجرد حلم نسمّمه بالكوابيس. ولذا لم يطلق عزوز زوجته أحلام سلسلة المعارك بينه وبينها. ونكتشف بعد سلسلة طويلة من التداعيات يخبرنا عزوز ان صديق طفولة وزمالة دراسية للراوي الأنا. وفي الفصل الثالث بعنوان »أنا وعزوز المرداسي«، يعترف الكاتب انه كتب الكثير على لسان عزوز، واستفاد ايما استفادة من حكايات عزوز وأفكاره. ويتميز عزوز بشخصية كاتب وفنان وحكواتي وناقد ومراسل صحفي يجوب العالم. ومع ذلك فهو لا يكتب. بل يترك الكتابة للراوي. ولا يكف عزوز عن الثرثرة عن مغامراته العاطفية في أوروبا، ويسأل عزوز الراوي بعد زيارته له في بيروت عن راوية عمران وكتابها فيدرك الراوي أن راوية تسعى للاقتراب من كل شيء يخص الراوي حتى الاقتراب من صديقه عزوز. يبدو عزوز في الكتاب المرآة الأخرى للراوي، كما تبدو راوية عمران المرآة الأخرى لزوجة عزوز أحلام، كما تبدو راوية عمران في إصدارها لكتاب كتبت فيه سيرة حياتها المرآة الأخرى للراوي نفسه الذي يكتب هذا الكتاب. لعبة المرايا التي يحفل بها هذا الكتاب تجعل من قراءته تعليقاً في فضاء بلا زمن. إذ لا بداية ولا تدرج ولا صعود الى الحبكة في الكتاب، بل يمكننا أن نستبدل فصلاً بفصل أو نقوم بترتيب الفصول وفق تسلسل مغاير، وتبقى متعة القراءة متأتية من اللغة الجميلة التي يحبك بها اليوسفي نصوصه ناسجاً حوارات مدهشة في دلالاتها الشعرية والرؤيوية. وسواء سرد هذه الهواجس والافكار عزوز او راوية عمران او المؤلف الراوي فإنها تبقى محافظة على قيمتها الجمالية. اي ان هذه المونولوجات والحوارات تمزج الشخصيات ببعضها فيما يشبه الاحتفال بعيد البربارة حيث يستبدل الابطال أمتعتهم ويحافظون رغم ذلك على ايقاع حفلة متماسكة من الأقاويل الحكائية الجذابة. ويتضح في الفصل الرابع »أنا وراوية« ان راوية تزوجت في تونس من روائي تونسي واصدرت كتابا يحكي سيرتها. وينهمر علينا في هذا الفصل سيل من رسائل راوية عمران الى الراوي المقيم في بيروت رسائل تعنونها ب »الى العزيز الطالع من المرايا« او »الى الهارب أبداً« او »الى العاشق القديم الذي لا يخون« او »الى الذي لا يكف عن الموت« او »الى البعيد القريب« او أخيراً »الى عزيزي المطمئن دائماً« وفي الرسالة الاخيرة نفهم ان راوية عمران آتية الى بيروت من جديد لتلتقي بالراوي. ويتم اللقاء في منزل الراوي حيث ترتب راوية مع صديقتها شروق التونسية حفلة وثنية صاخبة يأتي اليها عزوز المرداسي ايضا. وفي تلك الحفلة ترتطم المرايا ببعضها وتتكسر التماثيل ويتم استبدال الاقنعة. الرواية المابعد حداثية إنها رواية تاريخ، بل رواية ما بعد حداثية من خلال تحريفها واعادة صياغتها للآراء احيانا، ومن خلال تهكمها على العناصر المستعارة من رماة حداثيين احيانا اخرى. في الرواية تصادم بين الحديث والقديم، الجدي والهازل، المستعار والاصيل، الاخلاقي وغير الاخلاقي، الجمالي وغير الجمالي، السياسي والشعري، وهذا التجاور او الكولاج بين مفارقات عدة، ينسحب على السرد والحوار، وليست بيروت الا إطاراً للوحات سردية سوريالية تتخللها مشاهد ايروتيكية فاضحة واكزوتيكية ناشزة، ومواقف كاذبة بل »اكذوبانية« حسب تعبير راوية عمران. لوحات بلا توقيع ولا تواريخ سوى توقيع اليوسفي لهذا الكتاب الملتبس. ويبدو العمل مختبرا للتناقضات المقلقة للثقافة العربية المابعد حداثية في بداية القرن الواحد والعشرين وبانوراما للتهكم وللسخرية الجارحة من كل العلاقات السياسية الراديكالية التي عصفت ببيروت في السبعينات والثمانينات وصولا الى بداية التسعينات. ويهيمن على الرواية الحديث عن الحرية الجنسية الخالية من اي وشاح للفروسية او للايثارية فإلى اين تستطيع ان تقودنا الحماقات الجنسية والمواقف الجنسية العدمية او العبث بالجنس بوصفه محرّكاً للراوية من اولها الى آخرها. وتنتهي نهاية الكتاب بسؤال واحد: من هي راوية؟ وينسحب هذا السؤال على جميع الشخصيات؟ من هو الراوي؟ من هو عزوز المرداسي؟ من هي شروق؟ هل هم نماذج رمزية للمثقف المابعد حداثي الخارج من أتون الجنس ومن معترك اللعب بكافة الثوابت الانسانية والثقافية؟ هكذا، وعندما يتم خلع القناع قبل الأخير تصبح الراوية كومة من اقنعة متراكمة فوق بعضها البعض. كما لو كان تاريخ بيروت في هذا الكتاب ليس سوى محترف فني تتنقّل في داخله شخصيات نصفها واقعي ونصفها الآخر خيالي. وهكذا تبدو الرواية متخيلة وواقعاً في آن. اي ان الكاتب اليوسفي يرسم الوقائع ومن ثم يشوّهها فيما بعد، ليعيد تشكيلها من جديد؛ يلائمها فيما بينها ثم يعيد اختراعها مثلما يعيد كتابتها. نحن بالتالي أمام رواية مرآتية تنعكس فيها اربع مرايا وما احتفال اللقاء في »بين ليل، ونهار يسكنه ليل« الا ارتطام هذه المرايا ببعضها وتكسرها الى شظايا بلا نهايات. يمزج هذا النص اليوسفي ما بين الانواع الادبية: ينتقل من السرد الواقعي الى اقصى درجات المتخيل، فنجد انفسنا امام مجموعة من التساؤلات: هل نحن امام قصة سردية ام امام احتفال حكواتي؟ هل نحن امام وقائع حية أعاد اليوسفي تشكيلها و»دوزنتها« ام نحن امام تخيلات استيهامية تأخذ عناصرها من قصص واقعية مبثوثة هنا وهناك؟ المهم ان المتعة التي ترافق القارئ لهذه الرواية متعة حقيقية وملموسة، ربما بسبب الرشاقة الاسلوبية التي تتمتع بها الحساسية الشعرية لقلم اليوسفي وهو شاعر قبل ان يكون روائياً. فلقد أصدر محمد علي اليوسفي إضافة لأعماله الروائية ثلاثة دواوين شعرية: حافة الارض، وامرأة سادسة للحواس، وليل الاجداد. وبعيدا عما اذا كان هذا الكتاب سيرة ذاتية للمؤلف اليوسفي اثناء اقامته في بيروت الحرب ام لا، فالارجح ان اليوسفي كتب سيرة في سبيلها لإقصاء ذاته بعيدا عنها، وتحويلها الى شاشة احتفالية والى ممر لأعمال اخرى، تأملية، وتأملات اليوسفي في الكتاب تستحوذ على السرد بل توقفه في إحيان كثيرة. واللافت في هذا الكتاب ما يذكره اليوسفي في فصل بعنوان »ثمار على الضفتين« من هواجس وهلوسات بلا فواصل ولا نقاط كما لو كان هذيانا في طائرة تقترب من مطار بيروت الدولي. إنه مانيفستو هذياني يتوجب على القارئ ان يعيد تنقيطه وصناعة كتابته من جديد، بينما كان من الأجدى لليوسفي ان يهتمّ بأن يجعل لهذا الهذيان، نقاطاً وفواصل وحركات. هذا المأخذ او الخلل أضرّ بالكتاب ولا يشفع الطابع الهذياني للنص بمثل هذا الخلل. ولكن، ما يذكره اليوسفي في المقطع الرابع من حفلة ارتطام المرايا وتشظيها ببعضها، من طرائف المفارقات اللغوية للمفردات الشعبية بين المغرب العربي والمشرق العربي، يضفي رونقا مضحكا ومسليا على الكتاب. والثابت الذي لا يتغير ولا ينزاح ولا يتعرّض لدوامة التحولات في الرواية هو صوت أغاني فيروز الذي خصّه المؤلف بإهداء الكتاب: »عندما سكتت نطقت للأبد/ أي كما لم يغنّ أحد/ صنعت من صمتها في دمي دورة/ طفلة، بعد تقضم لثغتها/ ثم لا تنتهي في زمان الجسد/ الى فيروز.. والعائلة طبعا!/. وفي تناول اليوسفي لكلمات فيروز عبر امتداد الرواية تتفاوت المقاربة لفيروز بين المديح حيناً والسخرية حيناً آخر والندم حيناً ثالثاً، والغفران بحثاً عن شفاعة فيروز حيناً رابعاً، فإذا بهذه المقاربة، يعفي اليوسفي نفسه من مهمة البحث عن مطهر يخرج اليه جحيم الانعكاسات الخيانية العربية اللبنانية مسدّداً فاتورة الوفاء لهذا المطهر الفيروزي الذي خصّ اليوسفي الكتاب بإهدائه.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة