As Safir Logo
المصدر:

أشراف الحجاز والمصائر الفاجعة انتحار واغتيال وجنون

الملك فيصل الأ
المؤلف: ابو فخر صقر التاريخ: 2002-11-29 رقم العدد:9364

ربما لم يعرف التاريخ العربي المعاصر عائلة عربية واحدة، مثل العائلة الهاشمية الحجازية، كانت مرصودة لصنع التاريخ وللمصائر الفاجعة معا؛ فقد حاقت بها المصائب، واحاطت بها الويلات حتى صارت هي نفسها تاريخا يكاد لا يماثله أي تاريخ آخر. وفي واحدة من اكثر اللحظات الوجدانية بوحا وحرقة وارتجافا، يقول الملك فيصل الاول، في ما يشبه النبوءة: »يحيّرني أمر نفسي التي لا تعرف الفرح، كأنني محكوم بالحزن. لقد حذروني من العراق وعشائره وطوائفه وأقوامه التي لم تعتد يوما طاعة ملك او رضوخا لدولة. وتوجست خشية مما سأواجهه عند وصولي الى بغداد. وسرعان ما كبر الخوف في نفسي، وانتابتني الهواجس. ماذا لو عاملني العراقيون كما عاملوا جدي الامام الحسين من قبل؟ ماذا لو قتلوا أولادي من بعدي؟«. إنه استشعار المتوحد إذن. أو ربما لحظة الكشف عند العابد المتصوف؛ بل النبوءة الفاجعة التي كانت تنبثق في العصور القديمة في صورة تراجيديا قدرية. وها هي المصادفة التاريخية تتخذ مجددا، في العصر الحديث، شكل النبوءات، ولكن بلا أنبياء البتة. وهذه العائلة طالما ترنح افرادها، في البدايات الاولى، بين الحلم والواقع؛ فإذا بالموت يتخطفهم تباعا في معمعان السياسة ومرارة الخذلان. غير انهم، ظلوا، في جميع الاحوال، وعلى الرغم من رياح الانكسار، يحلمون كالشعراء. وفي ما بعد سار الكثير من الهاشميين الى مصائرهم مثل الشعراء تماما: بعضهم انتحر، وبعضهم قتل، وبعضهم حاقت به اللعنة فتشرد في المنافي طويلا. عرفت الحياة السياسية العربية بعض حوادث الانتحار ومحاولات الانتحار التي قام بها سياسيون من مشارب شتى، ولأسباب شتى، بعضها جلي، وبعضها ظل غامضا حتى الآن. وعلى سبيل المثال، في سنة 1917، حينما كان شكري القوتلي سجينا في خان الباشا بدمشق ابان الاعتقالات العرفية التركية وفي غمرة الخوف من التعذيب الرهيب، أغرى حارسه بعشر ليرات ذهبية ليجلب له موسى. وسارع القوتلي الى قطع شرايين يده. لكن الطبيب احمد قدري الذي كان معتقلا معه في السجن، تمكن من انقاذه. وانقذت هذه الحادثة القوتلي نفسه من التحقيق والتعذيب، ولم يلبث ان خرج بريئا في 28/1/1917. وفي 13/11/1929 انتحر رئيس وزراء العراق عبد المحسن السعدون. وفي 2/7/1956 انتحر ايضا توفيق ابو الهدى احد رؤساء الحكومات الاردنية. ويذكر معظم الناس حادثة انتحار المشير عبد الحكيم عامر في 14/9/1967 جراء الهزيمة، ويتذكرون ايضا انتحار اللواء عبد الكريم الجندي في دمشق في 1/3/1969، وكذلك »انتحار« الجنرال محمد أوفقير في 16/8/1972 بعد فشل العملية التي دبرها لاغتيال الملك الحسن الثاني. وختم رئيس الوزراء السوري محمود الزعبي حياته بانتحاره في 12/5/2000 بعدما طاولته تهمة الفساد. وفي 16/8/2002 انتحر في بغداد، وفي ظروف غامضة، صبري البنا (أبو نضال). اضطراب وموت وخيبة في ما عدا الشريف حسين وابنه الملك فيصل وابنه الآخر الملك علي الذين قضوا كمدا خلال اربع سنوات فقط بين 1931 و1935، مات عدد وافر من افراد هذه العائلة اما قتلا او جنونا او انتحارا او يأسا. ان الشريف حسين نفسه كان بداية المأساة الهاشمية المعاصرة، فقد عاش خيبة كبرى منذ ان أجبره البريطانيون على الرحيل عن الحجاز في سنة 1924. وحينما رغب في الاقامة في العقبة قريبا من الحجاز، أنذره البريطانيون بضرورة الاسراع في الرحيل مرة ثانية، فاضطر الى الانتقال على متن بارجة بريطانية الى قبرص. وهناك أقام منفيا ست سنوات كاملة. وعندما ساءت صحته كثيرا سمحوا له بمغادرة الجزيرة الى عمان. وفيها توفي مقهورا في 4/6/1931 ودفن في المسجد الاقصى في القدس. أما الملك فيصل الاول، ابن الشريف حسين، فكانت حياته صورة مصغرة عن المأساة بجميع جوانبها. فهو لم يرتح في اي يوم من حياته التي بدأت في سنة 1883. فقد توفيت والدته وهو طفل صغير، وتربى في احضان جدته بعيدا عن والده الذي كان منصرفا الى السياسة، فلم يمنحه اي اهتمام او اي قدر من العناية او الثقة. وعندما صار شابا أرغمه والده على الزواج من حزيمة بنت الشريف ناصر بن علي، فكانت حياته الزوجية مليئة بالمشكلات والمنغصات. وفي ما بعد، فجعته فرنسا في عرش سورية، وألجأه الجنرال غورو الى مغادرة دمشق بعد معركة ميسلون في سنة 1920، ولم يهنأ قط بعرش العراق الذي ساقه إليه والده وعشائر العراق في 11/7/1921، وعانى الكثير جراء الاضطرابات والقلاقل في هذا البلد المثقل بالانقسامات والصراعات، فتحطمت روحه، وسقم جسده حتى مات في سويسرا في 8/9/1933. ولعل موته المبكر خلصه من عذابات الفجائع الباقية؛ فقد ماتت ابنته المعوّقة »رفيعة« في سنة 1934، وقتل ابنه الوحيد »غازي« في سنة 1939، وهربت ابنته »عزة« مع خادم يوناني، فسببت لعائلتها جرحا لم يندمل حتى موتها في سنة 1960. كان الملك عبد الله، أمير شرق الاردن ثم ملك الاردن لاحقا، اول قتيل بين ابناء الشريف حسين واحفاده. ولعل هذا الملك كان اكثر اخوته حنكة وذكاء؛ فقد طمح الى عرش سورية، وعمل في سبيل ذلك بدهاء وحذر، وسلك في هذا الشأن شتى المسالك والسبل، وذهب في طموحه كل مذهب. ومع ذلك، عاش حياة مضطربة، فتزوج ثلاث مرات: الاولى، مصباح بنت الشريف ناصر بن علي. والثانية امرأة تتارية اسمها »سزديل«. ثم قيل انه تزوج جارية سوداء اسمها نهدة، غير ان ذلك لم يثبت بصورة قطعية. ومهما يكن الامر، فقد كان الملك عبد الله شديد الطموح، لكنه مات خائب الرجاء، وظل يحلم بعرش سورية حتى مصرعه في القدس في 20/7/1951، فتسلم ابنه طلال عرش الاردن بعده. لكن طلال كان يعاني ضغوطا نفسية شديدة، وطالما اعتقد ان والده يكرهه، ويتكلم عليه في مجالسه بالسوء. وربما أورثه هذا الاعتقاد نوعا من الاضطراب النفسي، فعزل عن العرش في 11/5/1952. كان الملك غازي بن فيصل أول ملك من العائلة الهاشمية يموت صريعا بصورة مأسوية. فهذا الملك الذي كان معاديا للبريطانيين، وشديد التمسك بالعروبة، وطالما قرب اليه العناصر القومية العربية التي رأت فيه صورة عن والده، كان، في الوقت نفسه، عصبيا وحاد المزاج وكحوليا ومتهورا معا. وبدلا من أن ينصرف الى شؤون الحكم، انصرف الى اقتناء السيارات والطائرات وألعاب اللاسلكي، وترك شؤون السلطة الى خاله الأمير عبد الإله. وفي 4/4/1939، بينما كان يقود سيارته مخمورا بسرعة كبيرة، اصطدم بعمود كهربائي ادى الى مصرعه على الفور وهو في ذروة الشباب. في حياة العائلة الهاشمية في العراق حادثتان مأسويتان بامتياز هما: فرار الاميرة عزة بنت الملك فيصل مع احد صائدي النساء اليونانيين، وجنون الاميرة جليلة بنت الملك علي ثم انتحارها. فقد ولدت الاميرة عزة في اسطمبول في سنة 1905، وعاشت مدللة في احضان جدة ابيها التركية »بزميجيهان«، ونشأت انانية الى حد كبير. اما والدتها الملكة حزيمة فكانت كثيرة التساهل معها. وبسبب رغبتها في العيش الحر والانطلاق نحو عوالم رحبة من البهجة والتحرر، ولما لم يكن في امكانها القيام بذلك وهي سليلة العائلة المالكة التي تحصي عليها حركاتها وسكناتها، فقد تفتق ذهنها عن حيلة ماكرة، فتمارضت ثم راحت تبصق سائلا احمر تبين، لاحقا، انه نوع من العلكة الحمراء. وتمكنت من اقناع اخيها الملك غازي بمرضها، فأرسلها الى اليونان للاصطياف والاستجمام. وفي جزيرة رودس تعرفت الى احد العاملين في مطعم سياحي يدعى »انستازيو هارالمبيدس«، فأقامت معه علاقة غرامية، ثم هربت وإياه بعدما قررت عدم العودة الى بغداد والى حياتها الرتيبة. وبعد ان عاشا معا فترة من الزمن تزوجا في 27/5/1936، واتخذت لنفسها اسما جديدا هو »أنستازيا«. ولم يطل الامر كثيرا حتى تخلى عنها عشيقها اليوناني بعدما استولى على اموالها ومجوهراتها وتركها في صقيع أوروبا. لم تتمكن الاميرة عزة من العودة الى بغداد بعد هذه الحادثة بالطبع، خوفا من عائلتها، فتشردت في اوروبا ذليلة مهانة، وعاشت على صدقات بعض الايطاليين والبريطانيين الذين تعرفوا إليها ورقّوا لحالها. وفي سنة 1946 علمت ان الامير عبد الإله موجود في بريطانيا، فجاءت تزوره باكية نادمة. فأرسلها الى القدس وخصها براتب دائم شرط ألا تبوح بأي شيء، ولا تفصح عمن هي، ولا تتصل بالعائلة المالكة، فوافقت وعاشت في القدس وحيدة، الى ان التقت ابن عمها الامير نايف ابن الملك عبد الله فتوسلته ان يسعى لدى الملك عبد الله كي يعفو عنها. وبالفعل، تكلم الامير نايف مع والده في شأنها فوافق على انتقالها من القدس لتقيم في عمان. وفي عمان عاشت منبوذة حتى سنة 1958 حينما اصيبت بالسرطان في لسانها، فأرسلتها عائلتها الى لندن للعلاج، وتوفيت في سنة 1960. أما الاميرة جليلة بنت الملك علي التي ولدت في الحجاز في سنة 1922 فقد اكرهت على الزواج من الشريف حازم بن سالم بن عبد الإله الذي يكبرها بنحو ست عشرة سنة. وعاشت معه غير سعيدة بتاتا، بعد ان حجر عليها ومنعها من ممارسة هواياتها، وقضى على البهجة في حياتها ولا سيما عندما اصيبت بالتهاب في الرحم، فأجريت لها عملية جراحية منعتها من الانجاب. وهنا دبت الكآبة في حياتها، وبدأت حالتها النفسية تتدهور، وراحت تتخيل وساوس واصواتا تناديها، ثم وقعت فريسة الشيزوفرينيا، وتبلدت حواسها حتى انها لم تشعر بأي ألم عند وفاة اختها الملكة عالية زوجة الملك غازي التي ماتت بالسرطان في سنة 1950. وفي احد ايام 1955 عمدت الى الانتحار بإحراق نفسها في منزلها بشارع الأميرات في بغداد، وكانت تردد قبيل موتها ان هناك من اشار عليها بهذا الامر. مصارع الملوك والأمراء صبيحة الرابع عشر من تموز 1958 صحا العالم كله ليتابع، بدهشة كبيرة، انباء المجزرة المروِّعة التي وقعت في قصر الرحاب في بغداد. ففي هذا اليوم بالتحديد تحرك الجيش العراقي بقيادة اللواء عبد الكريم قاسم والعقيد عبد السلام عارف ليقضوا على النظام الملكي، ويضعوا النهاية الفاجعة للحكم الهاشمي الذي دام سبعا وثلاثين سنة. لكنهم، في خضم هذا الحدث المثير، ارتكبوا مجزرة بشعة قتل فيها الملك فيصل الثاني، آخر الملوك الهاشميين في العراق، وافراد من عائلته امثال خاله الامير عبد الإله وخالته الاميرة عابدية وجدته الاميرة نفيسة، وآخرون أمثال نوري السعيد. ولعل الحياة المضطربة للامير عبد الإله ومصيره المأسوي يشيران، بقوة، الى رياح الانكسار التي هبت على هذه العائلة الملتاعة. فقد مر عبد الإله بهذه الدنيا مرورا شديد التأرجح، وعاش في قلق وتوتر دائمين، ثم مات مسحولا. ومن علامات اضطرابه عدم الاستقرار في حياته الخاصة، فهو تزوج المصرية ملك فيضي في سنة 1936 في الاسكندرية، ولم تلبث ان ملّت حياة الرتابة في بغداد، فانفصلا بالطلاق في سنة 1940. ثم تزوج فائزة الطرابلسي في أيلول 1948، لكنهما تطلقا ايضا في سنة 1950. ثم تزوج هيام الحبيب ابنة محمد الحبيب أمير ربيعة التي ظلت معه حتى 14/7/1958، ونجت من القتل في مجزرة قصر الرحاب، مع انها اصيبت في ساقها وعولجت. اما عبد الإله فبعد مقتله التاعس في 14/7/1958 نقلت جثته مع جثة الملك فيصل وجثة نوري السعيد في سيارة شحن عسكرية الى وزارة الدفاع، غير ان الرعاع اعترضوا السيارة وسحبت منها الجثة، وجرى التمثيل بها، ثم علقت على مدخل وزارة الدفاع في المكان نفسه الذي علق فيه جثمان العقيد صلاح الدين الصباغ في سنة 1945. وفي النهاية، لم يبق من الجثة، بعد التقطيع والتمثيل، إلا اجزاء بسيطة فاحرقت. ولم يوفر القتلة حتى الاميرة نفيسة أم الامير عبد الإله التي كانت في الواحدة والسبعين، والاميرة عابدية بنت الملك علي التي لم تعرف من حياة الملوك ما يبهج نفسها، فظلت عازبة، وكرّست حياتها لتربية الملك فيصل الثاني بعد وفاة أمه الملكة عالية. النهايات المريرة لم تقتصر الفواجع والمآسي على العائلة الهاشمية فقط، بل طاولت الكثيرين أيضا ممن عاشوا الى جانب هذه العائلة. والغريب ان الفواجع لم توفر حتى الذين تسببوا في المصائر المروعة لهذه العائلة المنكوبة، كأن الموت ما انفك حائما فوق رؤوس جميع الطغاة الوالغين بدماء البشر ليذكرهم بمهانة أنفسهم وانحطاطها. فقد انتحر النقيب عبد الستار العبوسي، في ما بعد. وهذا النقيب هو الذي أطلق النار على العائلة المالكة في قصر الرحاب صبيحة الرابع عشر من تموز 1958. وفي 9/2/1963 عُلِّق عبد الكريم قاسم في أحد شوارع بغداد، وهو كان المسؤول الأول عن مقتل العائلة المالكة، وقتل معه ابن خالته فاضل عباس المهداوي الذي ارتبط اسمه بالمحاكمات الهزلية المعروفة. أما عبد السلام عارف فمات محترقا بانفجار طائرته في الجو في 13/4/1966. ويومئذ قال العراقيون: »صعد لحم ونزل فحم«. ومن غرائب المصادفات ان عالمة الآثار، والمرأة النشطة في الاستخبارات البريطانية، غيرترود بيل، والتي كان لها الفضل الكبير في اقناع البريطانيين باختيار فيصل الأول ملكا على العراق، والتي قيل الكثير عن علاقتها الخاصة به، عاشت في أواخر أيامها مهملة ورثة، وماتت في تموز 1926 في لندن جراء جرعة زائدة من المهدئات، ويعتقد انها انتحرت.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة