As Safir Logo
المصدر:

قلب الثائر لا يصمد ابداً أمام انكسارات الأمة

المؤلف: باز كمال التاريخ: 2002-11-13 رقم العدد:9352

(الى توفيق حسن في رحيله) قالوا: ما ادهى الكون؟ لقد شحب وجه الشمس في القبة الزرقاء، واربد جبين الشفق في مدارج الفضاء وغزت جحافل الظلام ارجاء السماء، وثكل الحرف وتيتمت الكلمة في سورية ولبنان وبحت أوتار موسيقى فصاحة اللسان وتهدجت نبرات ايقاع الصوت الجهوري وجمالية لفظ مخارج الحروف، وذرف الفكر العربي الدمع سخياً وتأوه جهابذة البيان. قضى الإعلامي الكبير الأستاذ توفيق حسن وانطوى علم خفاق من أعلام البلاغة واغمد سيف قاطع من سيوف الكلمة الحق. وا حرقة قلبي. ماذا أقول فيك أيها الراحل الكبير. وما قالته الدموع بين أهداب الإعلاميين العرب ورجال الفكر ابلغ من فصاحة ألسنتهم. ان تعليقاتك السياسية الفذة ونبرات صوتك الرخيم وجرأتك المهذبة ورأيك السديد وعشق آذان الجماهير العربية اليهم أكثر تعبيرا من قلمي العاجز. فيا أيها المناضل العربي الوحدوي يا رفيق العمر لن يسكت صوتك الداوي في الاذان حتى ولو توقف لسانك عن الكلام. وهل يغيب صدى الصوت المؤمن الذي ارتفع داعيا لوحدة العرب حين غزا الاسرائيليون العنصريون أرض فلسطين مهد كنيسة القيامة وثاني الحرمين الشريفين، موقداً منارة القومية العربية ومشاعل مناقبيتها، مقيما لها محراباً في الضمير العربي داعيا للصلاة الجماعية فيه محذرا من مغبة التهاون وعدم الرد العربي الموحد بالحجم المطلوب. لقد تميزت منذ الطفولة بالوعي والجرأة وحبك لتاريخ امتك المجيدة. انتقلت بصحبة والدك سليمان حسن الذي كان لا يؤمن بفواصل الحدود بين الدول العربية الى دمشق وكان له فيها صولات أثناء الثورة العربية السورية على الاستعمار الفرنسي عام 1925 بقيادة الزعيم البطل سلطان باشا الاطرش. وفي سورية قلب العروبة النابض نشأت وتعلمت وحين انهيت دراستك عينت مذيعاً في اذاعة دمشق ورحت تعزز دراساتك بالثقافة فقرأت كتب أساطين التاريخ وعمالقة الفكر وغصت في لجج بحور الكلمة ليجعل لفظك البليغ من حروفها حرابا لا تخطئ هدفاً. وبالجد والاجتهاد اصبحت مديراً لإذاعة حلب الشهباء، ورائداً فذاً من رواد التعليق السياسي. وحين تمت الوحدة بين سورية ومصر وتحقق أول حلم من أحلام العرب عام 1958 هللت لها وكبرت وأصبحت لسانها الطلق والداعي المتحمس اليها. ولما حدثت ردة الانفصال عام 1961 أعلنت موقفك الصريح ضد ذلك، وكنت من قادة الانتفاضة التي قامت ضد الانفصال ولكنها قمعت بالنار والحديد وحكم الانفصاليون عليك بالموت فاضطررت لمغادرة سورية الحبيبة على قلبك متخفيا الى أرض الكنانة لتضع نفسك بتصرف رائد العروبة جمال عبد الناصر الذي رحب بك مقدرا اقدامك ونضالك وعينك مسؤولاً عن مكتبه الصحافي ومستشارا في دائرة الشؤون العربية لرئاسة الجمهورية ومعلقا سياسيا في اذاعة صوت العرب. وبقيت في مصر حتى قيام الحركة التصحيحية في سورية على يدي المغفور له سيادة الرئيس حافظ الاسد، فرجعت الى دمشق لتعود وتطلق على موجات اثيرها صوتك مرة ثانية في تعليقاتك السياسية المشهود لها من الجميع. لم تكن تسعى للثروة المادية في يوم من الأيام ولم تنل منها إلا ما اورثك إياه والدك في لبنان وتحديدا في بلدتك عترين الشوفية، ذلك لأن ثروتك الأعظم كانت في فكرك المتوقد وعقلك المتوهج وقلبك المؤمن، وفي ابنائك المتفوقين المهندس لؤي والاستاذ المهندس قصي والدكتور في علم الفضاء أبي وكريمتيك ماريا وعفراء وقد ربيتهم جميعاً على ما كنت تؤمن به واورثتهم ظلال شخصيتك المميزة فمن ينظر الى وجوههم يراك في أحداق عيونهم وفي كل حركة عفوية لهم. لقد اصيب قلبك الكبير عام 1978 واجريت له عملية جراحية ناجحة في لندن، ولكنه بقي يئن على ما يواجهه الشعب العربي من مآس في فلسطين المحتلة وما أصاب بعدها العراق الذي جيشت عليه أميركا وقصفته بالمدافع والصواريخ وقنابل الطائرات وكل الأسلحة الفتاكة ثم دفعت اسرائيل ثانية لارتكاب أبشع جرائم التصفية الجماعية للفلسطينيين أطفالاً ونساء وشبابا وكهولاً على مرأى من أعين العالم.. فنكأ هذا جراح قلبك ثانية ولكم رأيتك تضع يدك عليه ثائراً مزمجراً تحبس الرجولة الدمع في عينيك ويرفض كبرياؤك الاقرار بذل الهزيمة. فتوقف قلبك الكبير عن الخفقان وغادرت هذه الدنيا الفانية الى رحاب رضوان الخلود. رحمك الله يا أبا لؤي رحمة واسعة وأسكنك فسيح جناته والهمنا وذويك على فراقك الصبر والسلوان وإنا لله وإن إليه لراجعون.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة