لم تنزو سلوى فارس الحاج الحداد، أم ملحم، منذ وفاة زوجها أبي ملحم في العام 1986. انزويا معا قبلها عندما بدأ برنامجهما يذوي على شاشة تلفزيون لبنان. كان ذلك مع اندلاع الحرب الأهلية في البلد، حيث لم يعد كلام »المصالحة« أو المسامحة واردا. كانت لغة المدافع هي السائدة. راحت تغور في حمى المعارك لغة التدخلات الأهلية التي »تضبط« المشكلة عند حدود لا تتعداها، عبر شخصية أبي ملحم، القادرة أبدا على وضع الأمور في نصابها، قبل أن تصل الى المحاكم أو القضاء. صار الحكم حينها للسلاح، للمدفعية الثقيلة و»التطهير« بالمعنى اللبناني، فلم يعد لأبي ملحم وزوجته محل. لم يبق أبو ملحم وأم ملحم في بيتهما الحجري الصغير في الحي الغربي لعاليه. بيتهما كما بيوت آخرين أكلته النيران، نار عاليه من جهة ونار عين الرمانة الملاصقة لها في أسفل الوادي من جهة ثانية. لم يعد الثنائي يظهر على الشاشة الفضية. يومها لم تكن سوى شاشة تلفزيون لبنان بقنواتها المتعددة. غابت شخصيتاهما في طي الذاكرة. كانت أم ملحم شريكة أديب حداد وزوجته في الوقت ذاته نقيض شخصه التمثيلي تماما. كان أبو ملحم رجل التسويات والمعالجات الهادئة، وكانت أم ملحم تحضر صينية القهوة على عادة نساء القرى، وفي الوقت نفسه تطلق للسانها العنان في إدانة هذا المنحى، رافضة التعدي على نحو صارخ، فالأمور بالنسبة إليها، كانت تشبه لونين فقط، أحدهما أبيض والآخر أسود. بهذا المعنى لم يكن بمستطاع موقف على هذا النحو الدخول من مدخل البحث عن حل للمشكلة. كانت دوما تنحاز لطرف، وبديهي أن يكون انحيازها لللطرف الذي ترى أنه قد تعرض للإجحاف. موقف من هذا النوع يفتح على مشكلة وليس على حل. لم يكن أبو ملحم موافقا لها، لكنه لم ينهرها. يعتمد النفس الطويل، وتبيان الحقائق تمهيدا لإعادة الجاني المتهم المعتدي الى جادة الصواب. وكان الشخص الذي يلعب مثل هذا الدور دوما هو إيلي صنيفر. ودوما كانت المعالجة تنجح. كان يومها عصر التلفزيون الجميل. عندما لم تكن هناك فضائيات، ولم يكن هناك أيضا ما يشبه »الكباريهات« داخل الأستوديوهات. كانت القيم بسيطة، ربما »ضيعوية« أيضا. لذلك عندما كان يحيك أبو ملحم شخصيات مسلسله المعروف »يسعد مساكم« كان يغرف من محيطه في عاليه وجوارها وأي قرية. لم يستطع أن يقارب حياة المدن بصخبها السياسي والاجتماعي والاقتصادي وصراعاتها وتناقضاتها. كانت حكاياه بسيطة الى حدود ضيقة، وهو أمر لم يخرج عنه الرحابنة أيضا في الكثير من أعمالهم، التي ظلت مشدودة الى اعتبارات تقليدية في رؤية الكيان اللبناني. كيان نشأ على قاعدة القرى. كأن المدن لا وجود لها، باعتبارها مجتمعا كبيرا لا يمكن الإحاطة به، أو مقاربته مسرحيا أو تمثيليا. لم تنبع شراكة أم ملحم مع أبي ملحم من مسلسل تلفزيوني أو حلقة إذاعية، بل من الحياة نفسها، الحياة التي عاشاها وربيا عليها. فقد درست سلوى حداد في الجامعة الوطنية في عاليه، التي اشتهرت من صيت الناقد الكبير مارون عبود، وهناك تعرفت على أديب حداد الذي تولى التدريس في تلك »الجامعة«، وعندما تخرجت منها أصبحت مدرّسة فيها، مثلها مثل أديب حداد ابن عاليه، ثم تزوجا في العام 1943 أو 1941 كما يذكر. كانت كل العوامل الخاصة والعامة تدفع نحن القيم التي عبرا عنها معا عبر 718 حلقة تلفزيونية. فأديب حداد جاء من ثقافة شعبية بالمعنى الفعلي للكلمة، كان ينشر الأشعار الزجلية ويقولها، وعندما نشأت الإذاعات والتلفزة عمل بهما، كما مثلت زوجته أم ملحم منفردة في فيلمين لفيروز. كان النص الذي يكتبه أبو ملحم للحلقة، أي حلقة هو من صناعته دون سواه، وبعض عالمه الذي ربي عليه. عاشا معاً قلباً وقالباً. لذلك لم يكن هذا الثنائي في حياته التي تبدو على الشاشة متنافرة رغم حدود الخلافات بين الشخصيتين. كانت »الحكمة« البلدية تنتصر دوماً على »النزق«، لذلك تجد المشكلات حلاً لها ومصالحة على فنجان قهوة. كان لبنان الذي عبرا عنه، متماثلاً الى حدود الدهشة مع مثالية لا يحملها سوى المغتربين، الذين يرحلون، أو يبتعدون ليصبح كل ما حملوه في الذاكرة عبارة عن أغنية وموال وحفلة زجل وحياة هانئة، سرعان ما تعود إلى سيرتها بعد تعكر عارض. أم ملحم تغادر اليوم، (أمس)، بعد ان غادرنا أبو ملحم في العام 1986، أي قبلها بستة عشر عاماً. رعيل من ابطال الشاشة الفضية قضى بين رحيلين.. لم يعد للبنان القديم صورة، كذلك لا صورة للبنان الجديد أيضاً. كأن هذا الوطن عندما خسر ممثليه فقد ركائزه، لأنه لم يستطع ان يطور شخصياته التراثية، يقولبها مع حداثة عاصفة، تهب عليه من حيث يدري ولا يدري.. ابو ملحم، ام ملحم، ومصالحة ومسامحة تذوي على الشاشة كما على أرض الواقع.. وأرض لا تجد سوى »كسر العظم«. كأن الحكمة غادرت بوطن البخور والعسل.. أو كأن هذا المكان غادرها، تاركاً المجال متاحاً وواسعاً لصراعات لا تنتهي ولا تجد حلاً لها.. فقط تراكم.. تراكما »يبشر« بانفجار، كالذي اودى بالمستقر الذي كان فيه الثنائيان أبو ملحم وأم ملحم.. الحي الغربي في عاليه.. الحي الشرقي لعين الرمانة وسوق الغرب.. حياة تذوي.. كما في الميثولوجيات القديمة، حيث التطهر لا يتم الا بالماء والدم والنار فقط.. وما يتبقى ليس سوى قوافل من الراحلين وذاكرة تلاحق صمت الموت للناس والأمكنة والقيم المتواضعة.