رياض عصمت معاون وزيرة الثقافة، ومدير المعهد العالي للفنون المسرحية في سورية، مؤلف ومخرج مسرحي. هذا الحوار معه محاولة لرصد صورة المسرح السوري اليوم والسجال حول أزمته وافتقاره الى المقومات التي تسمح له بالخروج منها. يقول عصمت انه ليس ميالا للحديث عن الأزمات ومع ذلك فإن المبتغى من الحديث معه البحث عن اجوبة لأسئلة معلقة في فضاء الخشبة منذ ابي خليل القباني الى ما هو راهن مسرحا وابداعا، خاصة وأن ضيفنا هو ابن زواج شرعي بين الثقافتين العربية والغربية. ماذا عن المسرح السوري؟ وما هو المطلوب للارتقاء به، خاصة وأنه منذ الرعيل الأول الذي يبدأ بمارون النقاش وأبي خليل القباني، والأدب المسرحي لدينا يحاول بمرارة واضحة تثبيت موقع له على خريطة الإبداع؟ { أعتقد ان حركة التأليف المسرحي السوري تطورت تطورا كبيرا منذ جيل الرواد، وربما وصلت الى أوجها في السبعينيات، وهو أمر متواز مع مصر. لكن التأليف المسرحي ضمر وتضاءل وانحسر، نظرا لقلة انتاج المسرحيات بشكل محترف من قبل الفرق، وتوجه عديد من الكتاب المخضرمين الى الكتابة للتلفزيون او الى الاقتباس والاعداد. من ناحية أخرى، بدأت هيمنة المخرج/ المؤلف او الممثل/ المؤلف او التأليف الجماعي تظهر، لتسحب البساط من تحت قدمي المؤلفين المسرحيين المحترفين، وهي غير صحية، قد تنجب عروضا مبهرة، لكنها لا تلبث ان تذوي وتنسى بعد حين. التجريب يصيب او يخيب قيل إن ازمة المسرح هي تحصيل حاصل لأزمة الثقافة في سورية والوطن العربي، بماذا تعقب عل ذلك؟ { لست ميالا للحديث عن الأزمات، بل للعمل، والعمل الدؤوب وحده. لا شك ان الثقافة العربية عموما مرت بمصاعب، أعزو بعضها الى التضخيم المالي الذي جعل معظم الناس يلهثون وراء لقمة العيش، او الى الترف الاقتصادي الذي جعل معظم الناس في اقطار اخرى ينشدون التسلية المحضة المنسجمة مع الحياة الاستهلاكية. لكننا يجب ان نجد لأنفسنا سبيلا بين حجري الرحى هذين، كي لا يطحن المسرح وغيره من الإبداعات، وكي تظل حاجة انسانية تسهم في بناء وتطوير المجتمع ككل. الفن بحث دائم الى ما لا نهاية، فاليوم لا يشبه الأمس، وغدا لا يشبه اليوم. على صعيد المسرح، هناك دائما الجديد، أهدافا وبحثا. والسؤال: ما هو الجديد الذي تقدمه الحركة المسرحية في سورية هذه الأيام؟ { لعل السمة الأهم هي التنوع والتعددية في الرؤية والطرح الجمالي بصيغ متباينة. ثم يأتي العنصر الثاني المهم، وهو بداية الانفتاح على الجمهور العريض، بعد مرور زمن انغلق فيه المسرح على فئة قليلة متخصصة، كانت الخصم والحكم. التجريب قديم في المسرح قدم هذا الفن نفسه، ولكننا يجب ألا نعتبر التجريب في حد ذاته قيمة، بل نحاول استقراء نتائجه من خلال ادراك أهدافه سلفا، فيبقى بعد ذاك التلقي والحظ الحسن، وقد يصيب التجريب او يخيب، لكن يبقى شرف المحاولة. أين هو النص المسرحي السوري الذي يسطع بشموسه، وينفذ الى قلوب الناس بسهولة ويسر، منيرا عوالمهم الداخلية، ومرتقيا بسلوكهم وأفعالهم، ناشرا قناديله في كل بيت وشارع، مبتعدا عن المباشرة والتقريرية والخطابية، يستلهم الواقع ويبحر في ثناياه، كما يستلهم التراث والموروث وما فيهما من عبر ودروس يسقطها على أيامنا هذه وصولا الى فائدة مشتركة ونفع عميم؟ { أنا ممن يعتقدون ان التأليف المسرحي السوري كان في وضع جيد جدا في حقبة السبعينيات لكنه لم يستطع الحفاظ على مكانته لأسباب عديدة. انه جيل سعد الله ونوس، وليد اخلاصي، ممدوح عدوان، محمد الماغوط، فرحان بلبل، مصطفى الحلاج، علي عقلة عرسان، وشخصي المتواضع. بعد هذا الجيل، ظهر كاتبان او ثلاثة فقط، ولكن اعمالهم ظلت حبيسة الكتب. اخذ بعض النقاد على التأليف المسرحي السوري المباشرة حينا، والوعظية حينا آخر، أما أنا فأعتقد ان هاتين سمتان تتعلقان بطبيعة الزمان والمكان والقضايا التي تمحورت حولها المسرحيات السورية في حقبتي الستينيات والسبعينيات. واستطاع المؤلفون السوريون، مثل اقرانهم المصريين، استلهام التراث والتاريخ والأسطورة بغرض الاسقاط السياسي المعاصر، وغالبا ما نجحوا في ذلك. تبقى المشكلة الأساسية التي أدت الى تراجع التأليف المسرحي متمثلة بندرة انتاج المسرحيات السورية بشكل محترف ولائق، واتجاه الكتاب الى الدراما التلفزيونية التي تضمن شهرة وربحا أكبر. مهام المسرحيين الى أي مدى استطاع الفنان السوري ان يعيش التزامه بمجتمعه، مع ملاحظة ارتفاع نسبة الانتاج المسرحي الراهن عما كان الأمر عليه في نهايات القرن العشرين؟ { ربما كان الفنان السوري من اكثر فناني العالم التزاما، ليس فقط بقضايا التحرر في العالم، انه ضد العنصرية والاستغلال والقمع أينما كانت. وقد عبر المخرجون خاصة عن هذا الموقف من خلال اختياراتهم لنصوص كتاب عالميين او من العرب المخضرمين، مثل برتولد برشت، أرييل دورفمان، ألفريد فرج، محمود دياب وممدوح عدوان، على سبيل المثال لا الحصر. هل حقا يعتبر المسرح طارئا على الذاكرة العربية، في وقت أطاحت فيه الفضائيات بالثقافي العميق وسرقت من المسرح جمهوره؟ ما هي المهام الملقاة على عاتق المسرحيين لمجابهة ذلك؟ { لا فائدة من التوقف عند هذا السؤال الذي شغل المسرحيين العرب طويلا في الستينيات، فلدينا الآن مسرح يحظى بقدر معين من الجماهيرية. ولكنني أحب ان أنوه الى أنه في الوقت الذي أثر التلفزيون والفيديو سلبا على إقبال الناس على المسرح في عقد الثمانينيات خاصة، كان لكثافة البث الفضائي أثر ايجابي بطريقة غريبة نوعا ما، إذ أتخم الناس وصاروا يعودون الى المسرح لينشدوا طرازا آخر من الجرأة في الطرح الاجتماعي، لا توفره الرقابات العربية عبر التلفزيونات كافة. أما بشأن مهمات المسرحيين، فهي تتلخص في التنوع والإمتاع، بحيث يتوفر لكل فئة من الجمهور مسرحيات تجذبها. لذلك، فعدم النضج، والإبهام، وتحري الغرابة لمجرد لفت نظر النخبة، أمور ليست في صالح المسرح والحركة المسرحية. ويفترض في التجارب الجديدة ان تركز على تطوير التعبير بقصد تأثير مختلف، قد يكون بصريا او نفسيا، لإيصال المضمون بأفضل صورة تهز المشاعر والضمائر. قدمت كثيرا من الأعمال المسرحية الغربية، وإن كنت منحتها هوية ونكهة عربيتين ترتبط بهمومنا. رغم ذلك، هل يمكننا ان نقول انك ابن المسرح الغربي تماما؟ { لا، أنا ابن زواج شرعي بين الثقافتين العربية والغربية. لقد استلهمت بعض مسرحياتي من »ألف ليلة وليلة«، واستنبطت أساليب لتدريب الممثلين على شغل الحكواتي، وابتدعت نمطا للبناء الدرامي يقوم على حكايات متوالدة فيها قدر من السجع في الحوار... تشبه المقامات. ولكن المسرح الذي نمارسه في وطننا العربي، وفي جميع ارجاء الأرض، هو عموما شكل المسرح الغربي المتطور من الإغريق الى شكسبير الى برشت الى بيكيت من الناحية الأدبية، والذي يستلهم ستانسلافكي وغيره من المجربين من الناحية الإبداعية. تركز الأعمال المسرحية الآن على التعبير الجسدي والحركة، وتمنح دورا مهما للسينوغرافيا. كيف تحضر هذه التيمات في أعمالك المسرحية؟ { ثمة مغالطة كبيرة شائعة حول التعبير الجسدي، اكتشفتها فقط من خلال تدربي وممارستي للإيماء خلال فترة من حياتي، ألا وهي ان لغة الجسد هي الاسراف في الحركة، بينما تعني البلاغة والاقتصاد المعبرين والموحيين بدلالات رمزية واضحة تشي بحقيقة الفعل الدرامي الذي قد تخونه الكلمات. أعتقد أنني وظفت لغة الجسد والحركة كثيرا في مسرحياتي بالصورة التي ذكرتها، فأنا أتبع منهج ستانسلافكي المطور، ومفاده تحليل النص عبر الافعال الجسدية. كيف لنا ان ننهض بعمل المؤسسات الفنية المسرحية من اجل أن تخرج كوادر مؤهلة وذات كفاءة تقدر على إحداث التغيير المطلوب في جسد المسرح السوري وترسيخ مكانته، انطلاقا من موقعك ككاتب ومخرج وناقد وعميد للمعهد العالي للفنون المسرحية؟ { أعتقد بضرورة منح المؤسسات الفنية عموما قدرا أكبر بكثير من الاستقلال الذاتي، بحيث يكون المدير الفني فيها صاحب صلاحية واسعة على اتخاذ القرارات الانتاجية والتمويلية دون الرجوع الى أحد سوى مجلس ادارته. وأعتقد ايضا بوجوب خصوصية التأهيل الفني من قبل مختصين محترفين، بحيث يمنحون أجورا عالية واستثنائية للتدريس والتدريب، تتجاوز الحدود الضيقة لرواتب المدرسين في الجامعة. المسرح السوري يتقدم، دون شك، ولكن العالم المتقدم سبقنا بكثير، وعلينا أن نلحقه بسرعة الصاروخ، وليس بسرعة دراجة هوائية. عبث تجارب الشباب يقول بعض المعنيين بالمسرح: إننا نضع أنفسنا امام اشكالية كبيرة حين نلجأ الى التجريد او الترميز، مما يسبب الغموض وعدم التواصل مع المتفرج، الذي يجهد بحثا عن الفكرة، ويصعب عليه تلقي الخطاب المسرحي. كيف السبيل للخروج من هذا المأزق؟ { المسرح ليس دائما عويصا ومستغلقا على الفهم. تلك أنماط مسرحية ضرورية لترفد التيار العريض للمسرح، وتدفعه عبر التجريب والطليعية، لكنها ليست الأساس والقاعدة. شخصيا، أميل حاليا كمخرج الى المسرح الشعبي، كما سبق ان كتبت مسرحيات تنتمي اليه استوحيتها من اجواء »ألف ليلة وليلة«. لكنني كتبت ايضا مسرحيات من طراز اللامعقول، الذي كانت موضته سائدة في السبعينيات، وهي مسرحيات فيها غموض فني وقابلية للتفسير المتنوع، لكنها ليست مملة، وليست مبهمة، كما أشاهد أحيانا في الوقت الراهن عبر بعض تجارب الشباب، التي أجد فيها عبثا لا طائل وراءه وإضاعة الوقت والمال. إنني أؤمن ان التجديد والحداثة يجب ان يترافقا مع تقدير كامل للجمهور والزمان والمكان، وهو ما سعيت اليه حين أخرجت مسرحية شكسبير »حكاية الشتاء« للمسرح القومي بدمشق، ونجحت نجاحا فائقا. كانت التقنية دوما حاضرة في المسرح، وكان التقدم العلمي ينعكس على الخشبة والوسائل التعبيرية. كيف لنا ان نستفيد من التقنيات الحديثة والمتطورة مما يوفر جاذبية أعلى واستقطابا أكبر لشرائح أوسع؟ { معك حق، فالتقنية المتطورة ستجذب دون شك قطاعات أوسع من الجمهور، وتبهره جماليا. ولكن، هذا تيار فقط من تيارات المسرح. وسأكتفي بذكر تيار آخر، هو المسرح »المتقشف« او »الزاهد« او »الفقير«، وهو ليس اقل مسرحية من الأول، وإن كان لجمهور خاص اكثر وعيا والتصاقا بالمسرح. في أميركا هناك فنان يدعى جو كوتس، يقدم مسرحا متقدما في التقنية الى حد مذهل، ولكن هذا لم يلغ تأثير بروك وغروتوفسكي وتشيكن وشاينا وغيرهم من المجربين الرواد. باختصار، أقول: يجب ان نجود بالموجود، ونؤمن بالتعددية والتنوع في المسرح. لدينا نحن ايضا مسرحيون عرب لهم فضل لا ينسى، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: رفيق الصبان وأسعد فضة وفواز الساجر (سورية)، سعد أردش وكرم مطاوع وأحمد زكي (مصر)، ابراهيم جلال وسامي عبد الحميد وقاسم محمد (العراق)، ريمون جبارة وأنطون ولطيفة ملتقى وروجيه عساف ونضال الأشقر ومنير أبو الدبس ويعقوب الشدراوي وصبري الشريف (لبنان)، المنصف السويسي والفاضل الجعايبي والفاضل الجزيري ومحمد ادريس (تونس)، الطيب الصديقي وعبد الكريم برشيد (المغرب). وماذا عن تفرغ الكاتب المسرحي السوري، او شبه تفرغه، لمعالجة مشكلات انسانية والغوص في جوهر القضايا الملتهبة، ولكي يولد نصه بعيدا عن استنزاف لقمة العيش ومواجهة أعباء الحياة القاسية؟ { المؤلف المسرحي السوري اتجه غالبا الى كتابة السيناريو التلفزيوني لتحسين وضعه الاقتصادي، خاصة وأن فرصة انتاج النصوص المحلية بالشكل اللائق نادرة. استطيع القول بثقة: ان النصوص المسرحية التي ظهرت منذ منتصف الستينيات حتى أواخر السبعينيات لجميع المؤلفين المسرحيين السوريين كانت وما تزال نصوصا جيدة، حتى على المستويين العربي والعالمي. اعتقد ان امكانية التفرغ، او حتى شبه التفرغ، معدومة حاليا، وليست في الأفق المنظور. لكن ذلك ليس اساسيا لدفع حركة التأليف. الحل هو في مضاعفة اجر النص المسرحي عدة اضعاف، لينافس أجر التلفزيون. كذلك، لا بد ان تتاح فرص أكبر لانتاج هذه النصوص من قبل الفرق القومية. ماذا عن النقد المسرحي، والذي يغيب عن الصفحات الثقافية في الصحف السورية ويقتصر على انطباعات صحفية سريعة قلما تغوص الى عمق العرض المسرحي. هل ينسحب ذلك على الصحف العربية الاخرى، وما تتناوله الاقلام فيها من نشاط مسرحي؟ { أخالفك الرأي من ناحية، من حيث الكم الذي ينشر عن المسرح، فالمشكلة التي نواجهها هي كثرة ما ينشر من مقالات في صحفنا السورية عن كل عرض، وتضارب الآراء العنيف احيانا بسبب الشللية والمزاج الشخصي. وبالتالي، فأنا أتفق معك في الشق الثاني، وهو رداءة معظم ما يكتب في عجالة، ومن قبل اشخاص من انصاف المثقفين. الواقع، ان معظم ما تنشره بعض الصحف العربية من تغطية للعروض هو أسوأ، لأنه من كتابة مراسلين دخلوا المهنة بالصدفة، سعيا وراء الربح السهل، دون ان يملك معظمهم مقومات الناقد. اعتقد ان النقد المسرحي عندنا في حاجة الى محو أمية، أما النشر فيفترض أن يخضع لغربلة، بحيث لا يصبح »جدار الفن منخفضا« دون غيره بحيث يقفز فوقه المتسلقون. (دمشق)