As Safir Logo
المصدر:

على تخوم زنار البؤس حول سوليدير .. النوادي الليلية على الأرصفة والسهر حتى ساعات الفجر الأولى شارع مونو المختبئ خلف الأنقاض .. حياته ليله وطقوسه شللية يومية هاذية

المؤلف: فياض رهيف التاريخ: 2002-11-01 رقم العدد:9342

لم أنس بعد، المتعة، التي كانت تغمرني عندما كنت أتردد الى شارع سورية، ذي الصلة التاريخية بقلب العاصمة. فالشارع، الذي لا يتعدى طوله الثمانمئة متر، من أعلاه في منطقة البسطة التحتا، حتى أسفله عند »التياترو الكبير«، مستقيم، منحدر بلطف، مظلل، دائم البرودة. تراه من أعلاه، ممتداً أمامك بكامله. وترى في أسفله، مبنى العازارية، يحدد مع »التياترو الكبير« بوابته الشمالية. الشارع صاخب في أسفله، هادئ في أعلاه، تتفرع منه شوارع عدة الى الغرب، والى الشرق. كان الشارع أنيقا، نظيفا، في منتصف الخمسينيات وأوائل الستينيات. كان راقيا، كما يرى البعض. تصطف مبانيه على جانبيه منتظمة، متوازية، متينة، مطلية أو مبنية بالحجر، شرفاتها مظللة وأسقفها عالية، تنبت من الرصيف، وتصنع منظور الشارع. وفي الطابق الأرضي بموازاة الرصيف، بعض الدكاكين، وقليل من النوافذ، تكشف للمارة دفء البيوت. ليس في ذاكرتي شيء مماثل عن شارع مونو، الممتد قبالة شارع سورية في الجزء الشرقي من العاصمة، وعلى مسافة واحدة من طريق الشام. فالشارع ضيق، منحدر بقسوة، من شارع عبد الوهاب الإنكليزي، حتى ساحة الدباس، متعرج بخجل، لا مفاجآت بصرية فيه ولا طابع له. لا منظور ممتدا فيه، ولا رؤية شاملة. لا شيء في عمارته يثير المشاعر ويولد المتعة كما في شارع سورية، فيدعوك لتتجول فيه، لتتنزه. ما كان يميزه هو تواضعه، وعزلته وهدوءه. وربما أراح كل ذلك ساكنيه القلائل. »أحزمة البؤس« لم أسترسل في سردي هذا، واصفا الشارعين، كما كانا عليه منذ أربعة عقود، لأدغدغ حنيني الى تلك الحقبة من حياة العاصمة. بل لأضيف بمرارة أن المنطقة بين الشارعين، الممتدة بموازاة »أملاك سوليدير« من مقبرة الباشورة غربا، حتى شارع لبنان شرقا، مرورا بشارع بشارة الخوري، وطريق الشام، وشارم مونو ومتفرعاته، والمحصورة بين جادة فؤاد شهاب شمالا، وشارع الاستقلال جنوبا، إن هذه المنطقة قد ابتدأت بالتدهور عمرانيا مع استحداث جادة فواد شهاب، التي قطعت الاتصال التاريخي، بين شارع سورية وساحة رياض الصلح من جهة، وبين شارع مونو وساحة الدباس من جهة أخرى. وربما رأى البعض، ان التدهور بدأ فيها مع انتفاضة العام 1958. إلا أن الجميع متفقون، بأن الحرب الطويلة، قد عممت التدهور في هذه المنطقة، وأن إعادة إعمارها، هو مفصل محوري في إعمار المدينة. وتدل الوقائع على الأرض الى انقطاع فج، بين تطور المنطقة عمرانيا قبل الجادة وقبل الحرب، وبين ما نشاهده فيها اليوم من تأهيل وترميم، يضيع وسط الإهمال. ولا يسمح المشهد العمراني العام، في المدينة العاصمة، أن نضع في سلة واحدة كما يفعل البعض، الحركة العمرانية الطبيعية التي نشاهدها في شارع فردان، والتنمية العقارية »لأملاك سوليدير«، مستعيرا صيغا لا أحبها، وتلك النتف من أعمال التأهيل، المبعثرة في مناطق لا تزال بمجملها مدمرة، عند بوابة شارع عبد الوهاب الإنكليزي، وفي شارع مونو، وفي متفرعاته. فالمشهد العمراني، في واجهة المنطقة، التي تزنر جادة فؤاد شهاب و»أملاك سوليدير«، مأساوي. إنه خليط نافر، من المباني المهجورة ومن المباني المهدمة، من المباني المؤهلة على عجل ومن الأراضي الفارغة، ومن الركام، حيث نبتت بكثافة الأشجار السبَّاقة، التي تعشق الأنقاض. أما في الداخل، على جانبي شارع سورية، وفي الشوارع الفرعية الموصلة الى شارع بشارة الخوري، فالتدهور المعمم يتجلى في مشهد سوريالي، عجيب. مبان مهجورة، مبقورة الواجهات، وأخرى بجانبها مسكونة بكثافة. مكاتب مصدعة، تكدست في داخلها العائلات، وتدلى الغسيل المزركش من النوافذ. أنقاض، قام فوقها ملعب لكرة القدم، ودرج حجري فسيح بين دارتين جميلتين، صار مدرجاً. جلست نسوة فوق المدرج، حول ركوة قهوة تنشر بخارا وعطراً. على الجدار، رتل كبير من صور الشهداء وأسماء كثيرة. دار لبنانية أنيقة تحطم قرميدها، وأطلت من نوافذها رؤوس، لفتيان وفتيات. ناس، يسكنون بيوتهم ولا يستطيعون ترميمها. وآخرون، مهجرون أو نازحون، سكنوا بيروت غيرهم، ينتظرون عملاً ينتشلهم من بؤسهم. وغيرهم محتلون، رفعوا أعلامهم، وانتظروا تعويضاً دسماً. في الشوارع، فتيان فقراء المظهر، واخرون بأزياء معولمة، وفتيات محجبات، ونساء بلباس الحداد، وصبايا يتخايلن باناقة العصر. دكاكين تفلش بضاعتها على الأرصفة، حدَّاد، ومكتبة، وفوّال، وكنيسة رائعة انهار سقفها، وبقيت جدرانها شامخة، مزينة، جميلة. ملحمة ومصبغة، وأراض فارغة، وبناء حديث. ركام، وقمامة، وسيارات عتيقة متروكة، وشجر معمّر عتيق. سكنت الحرب، واجهة شارع بشارة الخوري الغربية، سكنتها، بعد ان وسعت المدافع النوافذ، وفتحت الجدران، فتعددت طرق القنابل الى احشاء البيوت. طرز الرصاص الجدران، وبدت الثقوب المتعددة القياسات كالوشم في جسد المباني. تمشي على الرصيف، فترافقك الحرب. تسير الى جانبك، تسكن فوقك، وأمامك، وقبالتك، وبعيدا عنك على جانبي طريق الشام. في أسفل الطريق وفي تفرعاته، تنبعث اليوم حياة جديدة، تمتد أحياناً الى وسطه. أما أعلاه، فهو شبه مدمّر ومهجور. والمجال خلفه فارغ، تحده أرصفته الاسمنتية الجديدة. »سوليدير« وشارع فردان ليس في الامكان إذا، المقارنة، بين التحولات التي تجريها »سوليدير« في قلب بيروت، وبين التحولات المستمرة في شارع فردان، وبين نتف التأهيل المختبئة في شارع مونو، وفي متفرعاته. التحولات في شارع فردان، بدأت منذ مدة طويلة، وهي ناتج طبيعي للوضع الاقتصادي الاجتماعي في البلد، وفي العاصمة. انها من صنع »السوق«، كما يقول المختصون. فقد أصبحت المدينة، تفتقر الى مجال تجاري ترفيهي، ملائم لحاجات الفئات الميسورة فيها، ولتطلعاتهم. الفئات الثرية من زمان، أو تلك التي اثرت في الحرب، أو تلك التي اثرت في المقاولات والتجارة والأعمال المصرفية والعقارية، التي ازدهرت بعد صمت المدافع. لقد تدهور شارع الحمراء قبل الحرب تدهوراً ملحوظاً. واستمر تدهوره خلالها، وبعدها. ولم يعد يفي بتطلعات الميسورين عندنا. ويشكل شارع فردان مدينياً، بديلاً ملائماً. نصل الى الشارع عبر شارع الاستقلال، وعبر كورنيش المزرعة، وعبر نفق سليم سلام، وعبر شارع القنطاري، وكلها شرايين مريحة، تسهّل الانتقال بين مختلف ارجاء العاصمة. وتوجد في الشارع مراكز تجارية عريقة، مثل مجمع الكونكورد، وسنتر عساف، وسنتر الاونيسكو. وفي اول الشارع »الماندرين«، وهو سوبر ماركت فخم ومطاعم متعددة. وفي وسط الشارع سوبر ماركت »غوديز« الاكثر فخامة. وبني في الشارع خلال الحرب، مجمع »فردان بلازا«. متاجر، ومطاعم، وشقق مفروشة. ثم بني بجانبه »شقيقه«، مجمع فردان بلازا الثاني. فلا بأس اذاً ان يشيّد في طرف الشارع الجنوبي، مجمع تجاري، يضم فندقاً فخماً ومتاجر، ومطعم، ومكتبات، ودوراً للسينما. لا بأس ان يبنى هذا المجمع الجديد في موقع فيلا الكثبان، (Villa Des Dunes) وان يحمل الفندق فيه ومعظم المتاجر، اسماء عالمية معروفة. ولا بأس ان يشيّد مجمّع تجاري فخم آخر في وسط الشارع، على العقار (730). ويسمى بسرعة، »مجمع فردان 730 التجاري«، على نمط التسميات الشهيرة في نيويورك. ويتبع ذلك مباشرة، بناء مجمع فخم ثان، على العقار (732)، ويسمى بسرعة مماثلة »مجمع فردان 732 التجاري«. متبعاً نمط التسمية ذاته. فيدغدغ هذا المد العمراني، تطلعات الفئات الميسورة، بانحياز واضح الى ايديولوجيتها وعولمتها، مستضيفاً مقهى اميركياً له اسم ساحر، هو »ستاربكس كافيه«، يزداد رواده، كلما ازدادت الدعوة الى مقاطعته. ثم يستضيف قبالته مقهى آخراً، اختير له اسم مخملي دافئ هو »اموريه« "AMORE". واختير للمتاجر، كل ما يحلم به اثرياؤنا، من اسماء عالمية. ولا أنسى ملصقات المقهى »أموريه« التي ملأ المدينة، وروجت مفهوماً للحب، مستوحى بامانة لافتة، من الكتاب البورنوغرافي، »قصة أو« (HISTOIRED'O) النموذجي في نمطه. وماذا عن شارع مونو!؟ وعن نتف التأهيل المبعثرة فيه!؟ ماذا عن محيطه؟ عن متفرعاته؟ لا زالت الحرب، تسكن الواجهة الشرقية لطريق الشام كما اشرنا. ويذكر معظمنا، السجال حول الحفاظ على المبنى الاصفر الجميل، القائم في الزاوية، في اعلى الطريق. المبنى هو شبه مهدم اليوم، والحرب تتمسك به بعناد. الا انه لا يزال صامداً. وبوابة شارع عبد الوهاب الانكليزي لا تزال على حالها، مهدمة جزئياً، ومهجورة. ولا تغيّر كثيراً في المشهد العام هناك، تلك الاسطوانة الفولاذية التي شيدت قبالة مركز اشمون التجاري. احتلت الاسطوانة زاوية شارع انطون اده الموصل الى شارع مونو. واختبأ في داخلها مصعد كبير، هو المدخل الوحيد، وقاعة الاستقبال الوحيدة، وقاعة الانتظار المتنقلة صعوداً وهبوطاً، لمطعم اسمه »ياباني«، متخصص بالمأكولات اليابانية، يدل عليه اسمه. ثمة حياة جديدة، اكرر، تولد في اسفل طريق الشام. الا ان السائد، هو مناخات »خطوط التماس« كما عرفناها. وكل المداخل، من طريق الشام الى شارع مونو، هي معتمة، مهملة، وغير مضيافة. اما خلف طريق الشام الواجهة، اما في الداخل، على جانبي شارع مونو وفي متفرعاته، فلا اثر للبؤس الذي نراه في شارع سورية، وفي متفرعاته. بالمنطقة هي بالاساس منطقة جامعة عريقة جامعة القديس يوسف. وفيها ايضاً كنيسة مار يوسف، ودير مار يوسف للاباء اليسوعيين، وكنيسة للروم الارثوذكس وفيها كنيسة المخلص، للروم الكاثوليك. الا ن الحرب حاضرة رغم كل ذلك، كما في شارع سورية. فالكثير من الحدائق صارت مجالات فارغة. الى الغرب معظم المباني مهجورة. والمباني التي هدمت صارت ركاماً، غطته الاشجار البرية السباقة، كما في شارع سورية تماماً. ولا نشاهد في شارع مونو ومتفرعاته، تحولات عمرانية حاسمة، كتلك التي نراها في شارع فردان، او تلك الجارية في قلب بيروت. لا بناء جديدا، ولا ازالة منهجية لحالات التصدع المستشرية، ولا اعمال ترميم مبرمجة، تهدف الى اعادة المنطقة بعد صمت المدافع. لا شيء من كل ذلك. وكل ما نشاهده، هو اعمال تأهيل انتقائية سريعة ومبعثرة، تهدف الى استضافة وظيفة واحدة، مطعم، او ما يشبه علبة ليل مرتجلة، او الوظيفتين معا. ربما اتت بعض اعمال التأهيل موفقة، واستعمالاتها الجديدة ناجحة، إلا اننا بالتأكيد لسنا امام مشهد عمراني يتكامل، يستمر، ويتميز. مونو بيروت ليلا يختبئ داخل المنطقة، عنيت شارع مونو وبعض متفرعاته، ما يزيد على ستين مطعما، او علبة ليلية. فالشارع لا يزيد طوله على اربع مئة وخمسين مترا. ولم يتمرد على قاعدة الاختباء الصارمة هذه، سوى ثلاثة مطاعم حانات. المطعم الحانة، »كوبا ليبره«، عند اسفل طريق الشام، وقد اختزل اسم المطعم حرية كوبا، بحرية السهر والرقص في المطعم الحانة. ومطعم السوشي »ياباني«، في وسط طريق الشام، مع اسطوانته الفولاذية الغريبة. »وبياتزا«، المطعم الاشبه بمحطة السكك الحديد، في أعلى الطريق، قبالة الحيز المثلث الفارغ. تمشي على الرصيف، جنوب شارع انطون اده، فترى مطعم »لوس« الشهير، يعلن عن نفسه بيافطة كبيرة، ثم يدير ظهره الى طريق الشام، ويختبئ خلف جدارين مقفلين كبيرين، مزينين بالرسوم وبالالوان. ثم ترى يافطة كبيرة اخرى، تعلن عن مطعم »سكرية«. تنظر، فلا ترى المطعم. ثم تكتشفه يتوارى بعيدا داخل شارع ضيق، مستقرا فوق منصة عالية، تصله بدرج مهيب، فيبدو فوق منصته، وكأنه كاتدرائية قوطية دهرية الوجود هناك، تلاصق الدمار. ثم تطل على شارع عبد الوهاب الانكليزي، فلا ترى المطاعم المنتشرة على جانبيه. تجتاز بوابته المهجورة، فتجد المطاعم مختبئة خلفها على جانبي الشارع عبد الوهاب، وبابيلون... وبعيدا عنه، ألدنته... من جهة، وتريبيكا، والانتروكوت... في الجهة المقابلة. تهبط شارع مونو الضيّق، فترى المباني على جانبيه عادية، متعددة الارتفاعات. تكثر في الواجهة الغربية المحلات التجارية الفارغة. اما الواجهة الشرقية ومعظمها مجالات واسعة فارغة، فقد اصبحت مواقف للسيارات. اقفلت معظم واجهات الدكاكين على الشارع، وزينت او طليت، واستحدثت فيها ابواب صغيرة، يحرسها شبان اقوياء. كتبت فوق الابواب، اسماء النوادي والحانات. بوغي ووغي، ملروز رستورانت، سيركوس. وسيركوس، هو مبنى جميل، لونه وردي، امامه ساحة واسعة وشجرة كبيرة، وخلفه حديقة رائعة. بونغوز »باب« قبالة سيركوس، تيتانيوم، كوك تيل، كلينيك، ليتل تشاينا، مونو غريل، كوان مونو، مونودوز، ذي فيغ لايف. وتتغلغل النوادي والمطاعم الحانات، في الزواريب وفي متفرعات الشارع، شرقا وغربا. هيكسيس، بي زار، ريد، باراكودا، تشلي، تشيه، مع صورة كبيرة »للكومادانته«. مسكين رمز الثورة، وقد ارادوه اسما لمرقص. مع الاقرار بجمال الرقص، وبلذة السهر. واهم هذه الزواريب، هو الزاروب الذي يقع في اسفل الشارع، على مقربة من تقاطعه مع شارع مار يوسف، احدى بوابات المنطقة التي تربطها بطريق الشام. لا ترى الزاروب وانت تهبط الشارع المنحدر بقسوة. فهو مختبئ، مفاجئ، مصنوع من ضلعين متعامدين على شكل (L)، طول الضلع ثلاثين مترا. يختبئ الضلع العمودي على شارع مونو بين المباني الصغيرة، التي حولت على عجل الى استعمالات جديدة. ويضيع الضلع الداخلي بكامله، في الابنية المهجورة المطلة على طريق الشام. عرض الزاروب في كل من ضلعيه ستة امتار تماما. تقتطع الارصفة المتقابلة نصفها، وتبقي النصف الاخر، ممرا. تحتشد في هذا الزاروب الحانة، الذي يعلن رغبة شديدة بالاختباء، اكبر مجموعة من النوادي الليلية، ومن الحانات. عشرون منها في اقل تقدير. »راي« المميز يقال، على الزاوية. وتتدلى في وسط الرصيف المقابل يافطة ضوئية تحمل اسم »بابالو«. وتتلاحق الأسماء بما لا نستطيع تعداده. وتكتظ الوظائف ذاتها، متكررة، متراصة، متلاصقة، في الطابق الأرضي وفي الطوابق السفلية وصمد بعض السكان في الطوابق العلوية فوق الحانات. تدل على ذلك يافطة ثبتت وسط الزاروب الممر الحانة، تدعو باللغة الانكليزية بالتأكيد، الى عدم ازعاج الجيران. عرفنا مقهى الرصيف، ومطعم الرصيف عرفنا منتزه الرصيف، في الجادات العريضة، وفي الشوارع الرومنسية العتيقة، إلا اننا لم نعرف قبل استنباط هذا الزاروب، بار الرصيف، وحانة الرصيف، والنادي الليلي على الرصيف. وقد عرفناها دائا خلف أبواب مغلقة، منذ ان كانت. إلا ان أصحاب الحانات وروادها، أصحاب البارات وزبائنهم، استنبطوا عندنا في شارع مونو، صيغة تستحق التنويه، وهي صيغة الزاروب الملتوي المختبئ، يصبح بكامله، حانة، وبارا، وناديا ليليا. وكما يجلس الروّاد متجاورين ومتقابلين، حول البارات، في الحانات المتراتبة الفخامة، فهم يجلسون حول كؤوسهم هنا، متجاورين ومتقابلين، يفصل الزاروب الممر الحانة، بينهم، او يتجمعوا وقوفا، وسطه، والكؤوس تملأ الأيدي. إذ تبدو الحراسة مشددة، في موضوع الدخول الى النوادي المصنفة في درجة »رقيها«، مثل »راي«، و»المنت«، و»سيركوس«، وان بدت أقل تشددا في الجوار. حياة شارع مونو إذا ليله. تُضيء عتمة طريق الشام، مصابيح السيارات المتلاحقة. تراها تدخل الزواريب المؤدية الى الشارع، او تخرج منه، في حركة لا تهدأ. فالمشاة نادرون في الظلمة، ووسط البنيان المهجور. هم قلة تعدهم على أصابع يديك، تجنبوا الزحمة التي تخنق الشارع الرئيس. فالسيارات متلاحقة، متلاصقة في شارع مونو، معظمها كبيرة، داكنة الزجاج، معتمة الداخل، »تراك فور دبليو دي«، كما تقتضي موضة العصر عندنا. وبعضها ملونة، مكشوفة، وفق موضة عصر مضى. إلا ان ايقاعا صاخبا واحدا، ينطلق منها كلها، فيعيد الى الشارع الحانة، النظام العام الذي بدا لوهلة، وكأنه خُرق. لا مشاة في الشارع الحانة. فهو غير مهيأ لذلك. انه ضيق، زادته السيارات المكتظة فيه ضيقا على ضيق. وهو صاعد بقسوة غير مألوفة، لم تعتد أرجل الصبايا شبه العارية، شظف السير في ظروف مماثلة. يتعذر السير إذاً، في ليالي شارع مونو. إلا ان »الجنَّات« فيه، ملأى بناسها، والتجمع الحاشد، هو سيد الأماكن. ففي ساحة النادي »سيركوس«، يتجمع الرواد. باب النادي عريض، مهيب الارتفاع، مرحب. تدخله، فترى المجال فيه مريحا، جميلا. انه كحلبة السيرك فعلا. يستقبلك، عند اجتيازك البوابة بار دائري، يحتل كل الواجهة أمامك، حوله حيز مختصر دائري، وفوقه مصابيح وبروجكتورات تتحرك آليا، ثبتت على هيكل معدني، دائري أيضا. كل ما في التأليف المجالي، المدخل والبار والفسحة بجانبه، والأدراج والمجالات الشرفات، كل ما في التأليف المجالي، يوحي بأن مشهدا ما سيحتل الحلبة، وسيتمتع به كل الجالسين. إلا ان مفاجأة المكان، هي ان لا مشهد مميز فيه يتزلق فوق الحلبة، وكل المشاهد متشابهة، وان اختلفت ايحاءات المجالات، او اختلف دورها في التأليف. تجلس، تسهر، تشرب، تأكل، تصمت، وسط صخب موسيقى موحدة الايقاع. تحاول ان تسمع، فلا يصلك من الصخب، سوى دافع قوي الى الحركة، الحركة وقوفا، او الحركة على مقعدك. إلا انك بعد كل هذا الجهد تتساءل لماذا اتيت!؟ ولماذا يأتي الناس!؟ الى هذه الأمكنة!؟ الشباب منهم وهم شباب ناضج مستقر، بعمر متقدم نسبيا، والباقون، وهم كثر، من الذين أصبحوا عمريا، في المنحدر الآخر. ليرقصوا...!؟ تتساءل...!؟ لا مكان مخصص للرقص، فالرقص في كل الأمكنة، عند البار، حول البار، على الأدراج، حول الطاولات، بين الطاولات، على أبواب المراحيض...! ولا رقص أيضا، إذ ان كل هذه العجقة، لا علاقة لها بالرقص. فلا حركة ايقاعية تعكس نشوة، ولا اتقان في الإداء ولا جهد للوصول الى ذلك. تشعر، وكأن معظم الراقصين لا يُحسّون بالايقاع، ولا يربطون بينه وبين حركات أجسادهم. انها حركات واحدة، في المكان ذاته، وان تنوعت الايقاعات. ليتواصلوا...!؟ تتساءل، مرة اخرى، محاولا ان تفهم احدى مفردات لغة العصر؟ ليوسعوا دائرة صداقاتهم... تواصل التساؤل!؟ تلاحظ بعد هذه التساؤلات، ان لا افراد في المكان، بل مجموعات، بل ادق من ذلك، شلل. الشلة تأتي، والشلة تذهب. وغالبا ما تبقى الشلة مقفلة على ذاتها، ونادرا ما يخترقها احد من الشلة المجاورة. تتجاور الشلل في صخب المكان... فاين التواصل المنشود اذا!؟ ليخرجوا من رتابة الحياة اليومية...!؟ ليتسلوا...!؟ ليجددوا طاقاتهم...!؟ فهم عائدون لا شك الى اعمالهم...!؟ تستمر هكذا متسائلا، مجيبا. ولكن المكان راق، مكلف، تستدرك، يفترض من رواده ان يكونوا من الميسورين، او من ذوي الدخل المرتفع. فتقبل ان يكون للميسورين اماكن مخصصة ليرفهوا، وليجددوا نشاطهم، فيرتادونها مرة، او مرتين، ولنقل ثلاث مرات في الشهر. ولكن كل يوم!؟ تصر على التساؤل في الزيارة الثالثة للمكان، لانك تشعر، وانت جالس الى طاولة العشاء، بأن معظم الرواد هم من الزبائن، من المداومين. تشعر بان »الشلة« التي حافظت على حدودها، تعرف اعضاء الشلة المجاورة، دون ان تفتح ابوابها لتسلل متبادل. اذ تبقى الشلل محمية الحدود. وتشعر ايضا، بان السهر حتى ساعات الفجر الاولى كل يوم، او في معظم ايام الاسبوع، اصبح نمط حياة لاعضاء الشلة، يتكرر بايقاع الحياة اليومية ذاته. يتكرر الملل فيها، كما يتكرر الضجر من الجهد والعمل. إلا انك تشعر بنمط الحياة هذا، فاقعا، فجا، عندما تصل الى الزاروب الحانة ذي الضلعين. ففي النادي »راي« ترى نمط الحياة هذا، وقد اصبح هذيانا جماعيا منظما. فانت لا تستطيع ان تسمع شيئا داخله. وفي المكان صخب موسيقى، بطبقات صوتية هائلة الارتفاع، لا تتلاءم مع المجال. المجال مصغر، والموسيقى مضخمة. المجال مقفل، والموسيقى اعدت لمجالات فسيحة ممتدة. ينعكس الصخب والضجيج على الجدران، ويرتد اليك تموجات تخالها ستسحق قفصك الصدري. وستطحن قلبك، ورئتيك، وتفجر احشاءك. تشعر بنبضات قلبك تتسارع، وكأنها تريد ان تنهي عملها. تحس بثقل الضجيج يمعسك، وما قصدت المكان، الا لترفه... كما يقولون. تنظر، اذ انك لم تفقد بصرك بعد، فلا ترى إلا هذيانا جماعيا. لا اماكن يستطيع الساهرون ان يتوهموا الرقص فيها. فترى الكل يترنح، ويتموج، واقفا في موقعه، في كل الامكنة. على الكراسي وفوقها، في الممرات، حول الطاولات وفوقها، امام البار، عند الباب، امام المراحيض، على الدرج الآتي من الزاروب الحانة. لا احد يسمع احدا، ولا احد يتكلم. لا وقت لمثل هذه البلاهات »الانسانية«. الوقت... كل الوقت حتى الفجر والى ما بعد طلوع الشمس، الوقت... هو للتموج، للترنح. الوقت... هو للهذيان... للغيبوبة، للسكر الجاف، الخالي من النشوة. الوقت... هو للغناء الذي لا مشاعر فيه. الوقت... هو للانسلاخ الكلي عن الوجود... الوقت هو للاندفاع نحو عدمية هاذية. اما في الخارج امام الابواب، فالزاروب المغلق، هو مركز الثقل، ومجال التجمع الاساس في الشارع النادي البار الحانة، وفي متفرعاته. فالحضور فيه كثيف. والشلل متعددة. انها شلل ذكورية بامتياز، اذ ان للصبايا قدرات خاصة، تساعدهن في الدخول الى الجنات المختبئة، في الطوابق السفلية. نقرأ في الصحف العالمية، عن شباب يسهرون في بعض احياء مدريد، مساء كل سبت، يشربون، ويضجون ليلا، فطاردتهم الشرطة بطلب من السكان. ونشاهد على شاشات التلفزة، الشبان والصبايا الالمان، يحتفلون بعيد البيرة السنوي، فيملأون الشوارع، والساحات، وفي ايديهم اكواب ضخمة من البيرة الشقراء، رمز العيد وموضوعه. اما عندنا، في الزاروب الملتوي المقفل، في اسفل شارع مونو، فالاحتفال كل يوم، وان بدون عيد، والتجمع الساهر كل ليلة، وان بدون مناسبة. لم نعرف قبل الحرب طقوسا جماعية من هذا الطراز تمارس في الشوارع، كالتي نراها اليوم. تأتي الشلل، فتحتل الارصفة المتقابلة، وتتناوب حول الطاولات، وتتغير اوجه المتحلقين في الممر، إلا ان المشهد العام، لا يتغير، بل يعيد انتاج طبعات معدلة، من الصور ذاتها. لماذا شارع مونو!؟ شارع مونو الذي يسهر الليل بكامله، ينام نهاراً. فلا سيارات، ولا مشاة فيه، وفي الطرق المؤدية اليه، ولا أحد يعبره أيضا. لأن من يعبره، سيصطدم بالسد الذي اقامته جادة فؤاد شهاب عند طرفه الشمالي، فينحرف مرغما الى الغرب، ليعبر من بوابة طريق الشام. كل الحانات وكل النوادي تقفل في النهار، ومعظم المطاعم أيضا. والمواقف المرتجلة، تصبح في النهار، مجالات فارغة مخيفة. والدكاكين الصغيرة، التي تضيق بزبائنها ليلاً، تقفل هي الأخرى النهار بكامله، لأنها تعمل كملحق بحياة الشارع ليلاً. لا شيء في الشارع اليوم، يدل على علاقة بالشارع الذي عرفناه قبل الحرب. فالشارع الذي يجاور ديراً، وعدة كنائس، وجامعة عريقة، الشارع الذي يقع في اطراف منطقة سكنية مزدحمة، الشارع الذي ميزه قربه من قلب العاصمة، واتصاله بساحة الدباس المعروفة، فبدا طيلة عقود شارعا سكنيا هادئاً، وسوقاً متواضعة للتجارة والحرف، ان هذا الشارع يبدو اليوم في النهار، وكأنه غير مسكون. يبدو الشارع ساكناً، صامتا. فحركة الساكنين فيه قليلة، أو غير ملحوظة. لقد توقف ضخ الحياة فيه مع موت ساحة الدباس وتأخر الاعمار. فلا ترى الناس في الشارع إلا عند المساء، وكأنه قد تخصص بالسهر. ازعم ان بيروت لم تعرف أماكن عاشت في الليل فقط، رغم شهرتها بحياة الليل، فمنطقة الزيتونة التي احتضنت في مرحلة أهم النوادي الليلية، كانت تعيش في النهار أيضا، نظرا لتعدد النشاطات فيها. وشارع فينيسيا الشهير، الذي احتضن النوادي الليلية في مرحلة لاحقة، ممتدا حتى البحر، كان يعج بالحياة ليلاً نهاراً. حتى الأسواق العمومية شرقي ساحة البرج، فانها كانت تعيش ليل نهار. وعندما امتدت النوادي الليلية الى رأس بيروت، في شارع الحمراء وشارع المقدسي وشارع المكحول، فهي لم تحتكر شوارع واحياء تسهر ليلا، وتنام نهارا. بل كانت النوادي في هذه الأمكنة، جزءا من الحياة فيها، ومكونا مميزا في نسيج الشوارع. تسهر حين ينام الآخرون، فنشعر بتتابع أوقات الحياة، لا باستبدالها. إلا اننا نجد في عالم اليوم، كما كنا نجد في عالم الأمس، أماكن كثيرة، تتخصص بحياة الليل. تنام في النهار، ولا تستيقظ إلا مساء. »لاندزدوان ستريت« في بوسطن، و»بيغال« في باريس، رغم انتشار النوادي الليليلة في الشأن زيليزيه في ساحة الاوبرا وفي ساحة الباستيل، و»سكاندينفيان ستريت« في رودوس...، مكتفياً ببعض النماذج. ان يتخصص اذا، شارع ما عندنا، شارع مونو او غيره، بحياة الليل، فهذا امر عادي في عالم اليوم، معولمين كنا أو لا. الا ان اللافت في الأمر، هو ان شارع مونو لم يكن مؤهلا لذلك، ولم يكن في استعمالات الشارع ما يدفعه باتجاه هذا الأشغال الواحد، ولم يشهد الشارع بعد صمت المدافع، تحولات عمرانية غيرت طبيعته، وجعلته مؤهلا لمثل هذا الأشغال. فالشارع ضيق، شديد الانحدار اكرر، عمارته صغيرة المساحات، صعبة التحويل الى وظائف تستقبل روادا كثرا. ومن المنطقي عندنا، كما عند غيرنا، ان تتجاور المطاعم، وان تتلاصق النوادي الليلية. ومن المنطقي، وربما من الطبيعي ايضا، ان نتكلم عن سوق الحانات والنوادي الليلية، كما نتكلم عن سوق الخياطين، وسوق النحاسين، وسوق الصاغة. ان كل ذلك رغم كونه طبيعيا، ومألوفا، فهو لا يلغي السؤال الأساس لماذا...!؟ شارع مونو!؟ ولماذا... !؟ يحتضن هذا الشارع حياة الليل فقط...!؟ هل لأن الشارع، مختبئ بين الأنقاض!؟ وتحجبه عن الاحياء السكنية الكائنة في شرقه، جامعة، ودير، وكنائس!؟ هل لأن الشارع، مختبئ في الوقت ذاته عن الاحياء السكنية البعيدة الكائنة في غربه؟ اذ يفصله عنها، شارع بشارة الخوري، وطريق الشام، بالواجهات المدمرة، والمباني المهجورة!؟ أو لأن الهكتارات الخمسة، من الشوارع والأحياء المهملة والمسكونة في آن واحد، والتي تمتد بين شارع سورية وشارع بشارة الخوري، تضيف كل حضورها السوريالي الى الأمكنة، فتبالغ في حجب الشارع عن الأحياء السكنية البعيدة الى الغرب!؟ يبدو أن المستثمرين النابهين، وهم كثر عندنا، اختاروا شارع مونو لاختبائه عن جواره، في الشرق وفي الغرب. فقصده الرواد في مخبئه، لعلهم يجدون فيه خفرا، يعتقدونه ضروريا في حياة الليل، التي ينشدونها. لا إعمار فعليا في شارع مونو اليوم، بالعودة الى مقياس واحد، يقيس به البعض، العمران هنا وهناك في العاصمة. ولا جديد فيه، وهو غارق وسط المباني المهجورة والمجالات الفارغة. وتشير معظم أعمال التأهيل، الى طابع مستعجل مؤقت، رغم بعض الاستعمالات الحالية الناجحة. هل هي الخشية؟ من أوضاع راهنة لا يراها المستثمرون المعنيون مستقرة؟ أم أنه انتظار مدروس؟ قبل الإقدام على تشييد ما يصنع تحولات عمرانية، مكلفة، تدوم؟ في الشارع وفي محيطه!؟ هل لأن المؤقت، والسريع والمرتجل، في التأهيل وإعادة الاستعمال، هو سهل التنفيذ، قليل الكلفة، وفير الأرباح، بفعل هذا الإقبال الصاخب على حياة الليل؟ محدود الخسائر، عند مغادرة الأماكن، حين تدق ساعة الإعمار الحقيقي، كما في شارع فردان اليوم. والساعة آتية لا محالة. لماذا شارع مونو!؟ أكرر السؤال ختاما. قد يكون الجواب، في كل ما ذكرت، أو في جزء منه. إلا ان السبب الرئيس، يكمن في كون الشارع يطلق باتجاه ناس المدينة، إشارات، تجعله في موقع ملتبس. يقع الشارع في المنطقة الشرقية جغرافيا، وفق مفردات نتمنى نسيانها. وهو يصلح في هذا الموقع، كما يعتقد المستثمرون والرواد، لإقامة منشآت حياة الليل فيه. إلا أن الشارع، يقع في الوقت ذاته، خارج المنطقة الشرقية. فهو يجاور جامعة مختلطة، ويفصله عن الأحياء السكنية الشرقية، شارع مبني، مكتظ، بواجهتيه. ويقع الشارع أيضا، في المنطقة الغربية، لأن »خطوط التماس«، وفق المفردات ذاتها، لم تعمّر بعد. إلا أنه في الوقت ذاته، يقع خارجها. إذ تفصله عن الأحياء السكنية الغربية، هكتارات من الشوارع والأحياء، شبه المدمرة، وشبه المهجورة. موقع الشارع الملتبس، ساعده كي يصبح مكان لقاء نادر، لناس يقصدونه من المنطقتين. والنسيج العمراني المهمل والمهجور، والذي يحوطه من كل صوب، ساعده كي يختبئ. فصار مكانا، للقاء شباب الأسر الميسورة من المنطقتين، في حياة الليل. إذ تريد الأعراف عندنا، لحياة الليل، أن تكون محجوبة، مختبئة، خفرة. والمؤلم المأساوي في ذلك، هو في ما يمكن لهذه الاستنتاجات أن تحمله من دلالات، على هشاشة ما بنيناه من »عيش مشترك« خلال ثلاثة عشر عاما. فمتى سنتخطى مفهوم »العيش المشترك«، لنبني حياة وطنية واحدة، على أرض وطنية واحدة؟ فنهدم السواتر، ونهدم المؤقت، ونرمم التراثي الجميل، ونعمّر الجديد الذي يد

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة