قاد وصول المبعوث الاميركي ويليام بيرنز الاسرائيليين الى العمل على جبهتين متناقضتين: اولاهما تقديم التحفظات على ورقة العمل الاميركية المسماة »خارطة الطرق«، والثانية التظاهر بتقديم التسهيلات للفلسطينيين. وفي اطار الجبهة الثانية عقد طاقم المفاوضات الاسرائيلي، برئاسة شمعون بيريز اجتماعاً مع طاقم المفاوضات الفلسطيني برئاسة صائب عريقات. وحسب كل الاشارات، فان الاجتماع كان مجرد »حوار طرشان«. وفي هذه الاثناء عمدت الولايات المتحدة الى محاولة وضع »خارطة الطرق« في اطار خطة اوسع لانشاء »شرق اوسط جديد وديموقراطي«. وقد اجتمع بيرنز مع المسؤولين الاسرائيليين، وخاصة رئيس الحكومة، ارييل شارون بهدف عرض »خارطة الطرق« الاميركية. وذكرت مصادر سياسية اسرائيلية ان شارون ابدى تحفظات جدية تجاه العديد من البنود المركزية في الخطة. واشار على وجه الخصوص الى رفضه اي صيغة ذات طبيعة ملزمة للجداول الزمنية، ويصر شارون على ان اختبار اي تقدم في المراحل يجب ان يتم على ارضية التنفيذ الميداني وليس حسب جداول زمنية. ويرى شارون ان وقف الارهاب وحل القضية الامنية عن طريق تحديد مهمات للفلسطينيين لتنفيذها يجب ان يشكلا الشرط الاول لاي اهتمام بباقي جوانب »خارطة الطرق«. واوضح شارون ايضاً عن معارضته لان تكون الرباعية الدولية، التي تضم الى جانب الولايات المتحدة كلا من روسيا والاتحاد الاوروبي والامم المتحدة، الجهة صاحبة القول الفصل بشأن تنفيذ المراحل. ويصر شارون على بقاء الولايات المتحدة وحدها صاحبة هذا الحق. ويقول شارون انه من دون اصلاح جذري، امني واقتصادي واداري في السلطة الفلسطينية، ومن دون تغيير قيادة هذه السلطة ليس ثمة مجال لاي تقدم. وكان وزير الدفاع الاسرائيلي، بنيامين بن اليعزر قد اعرب بعد اجتماعه مع بيرنز عن قناعته بان »خارطة الطرق« »ايجابية في جوهرها«. ولكنه شدد على الجانب الامني وقال: »اذا لم يتحقق الامن فلن يتحقق اي تقدم«. وقال بن اليعزر لبيرنز ان اسرائيل لن توافق على اية قيود تفرض على حقها في الدفاع عن النفس، كما انها ترفض مطلقاً فكرة انشاء جهاز مراقبة ميداني تابع للرباعية الدولية. غير ان بن اليعزر، وبخلاف شارون، لا يعارض مشاركة الاوروبيين في تنفيذ الخطة، وهو يشترط هذه المشاركة بعدم تولي صلاحيات ميدانية. ويبرر ذلك بعدم تقييد حرية العمل الامنية لاسرائيل. وفي هذا الشأن يعارض البند الوارد في »خارطة الطرق« والذي يحظر على اسرائيل العمل في مناطق مأهولة. وكان بيرنز قد التقى مع بيريز الذي ابدى هو الاخر تحفظات على »خارطة الطرق« الاميركية، غير انه كان الاقل حدة بين زملائه في ابداء التحفظات. ومعروف ان هيئة خاصة في الجيش واجهزة الامن ووزارة الخارجية الاسرائيلية درست الخطة واظهرت العيوب الاساسية بالنسبة لاسرائيل فيها، ورأت هذه الهيئة، برغم ذلك، وجوب قبول إسرائيل بالخطة من حيث المبدأ، وإبداء التحفظات عليها بعد ذلك. وكان بيرنز، كعادة الدبلوماسيين الأميركيين، قد اجتمع أيضا مع مسؤولين عسكريين وأمنيين إسرائيليين وفلسطينيين. وقد عرض بيرنز أيضا »خارطة الطرق« الأميركية على وفد رسمي فلسطيني. ومن شبه المؤكد أن جولة بيرنز الحالية هي التي ألهمت إسرائيل بالتظاهر بعقد اجتماع مع وفد رسمي فلسطيني، برئاسة صائب عريقات. وقد شارك في هذا اللقاء من الجانب الإسرائيلي، إضافة الى بيريز كل من الوزراء روبي ريفلين وداليا إيتشيك والمديران العامان لوزارتي الخارجية والمالية ورئيس شعبة التخطيط في هيئة الأركان غيورا أيلاند، ونائب منسق الأنشطة الإسرائيلية العميد كميل أبو الركن. وشارك من الجانب الفلسطيني، إضافة الى عريقات الوزيران سلام فياض وماهر المصري واللواء الحاج إسماعيل والعميد ربحي عرفات. وقال الحاج إسماعيل في الاجتماع، حسب صحيفة »هآرتس«، انه »قبل تصفية صلاح شحادة كدنا أن نجلب الشيخ أحمد ياسين لإصدار بيان ضد العنف«. ورد بيريز على ذلك »دوما لديه إعلانات متأخرة«. وتدخل عريقات: »في قضية ياسين لا تتحدث معنا، وإنما مع بنيامين نتنياهو الذي أطلق سراحه«. وطلب الفلسطينيون من الوفد الإسرائيلي السماح لأعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني بالوصول لرام الله. ولكن روبي ريفلين أبلغهم ان ثلاثة عشر من هؤلاء الأعضاء متهمون بالمشاركة في أعمال إرهابية ولذلك لن نسمح لهم بالمرور. وقال عريقات إنه اتفق مع الوفد الإسرائيلي على مواصلة الاتصالات للبحث في انسحاب الجيش الإسرائيلي من المدن الفلسطينية. أما روبي ريفلين فأعلن أنه أبلغ الفلسطينيين أن إسرائيل لن تجري مفاوضات معهم من دون إدخال تغييرات في القيادة الفلسطينية. وطالب بتعيين رئيس حكومة ليتحمل المسؤولية عن الرئيس عرفات. ومن جهة أخرى، ذكرت صحيفة »هآرتس« ان الإدارة الأميركية سوف تعرض خطتها ل»شرق أوسط جديد«. وتقضي هذه الخطة بتشجيع صيرورة الانفتاح الاقتصادي وإشاعة الديموقراطية في الدول العربية. وقالت إن وزير الخارجية الأميركية كولن باول سيعلن هذه الخطة في السادس من الشهر المقبل. وأشارت الصحيفة الى وصول الخطة الى جهات سياسية إسرائيلية. وأبدت هذه الجهات تقديرها بأن الإدارة معنية بإظهار اهتمامها برفاهية شعوب المنطقة، عشية الهجوم على العراق. ولكن باول سيبدي حذره في عدم انتقاد الأنظمة العربية القائمة وسوف يتجنب المطالبة بإنشاء أنظمة ديموقراطية. ولكن باول سوف يتحدث عن الحاجة الى إشاعة الديموقراطية في المؤسسات العربية، وخاصة حقوق المرأة وحرية الصحافة وشفافية السلطة وتكافؤ الفرص الاقتصادية والتعليمية. وسيطالب باول في خطابه بإقامة تعاون اقتصادي بين جميع شعوب المنطقة وسوف يعلن عن »مبادرة الشراكة الاقتصادية« كأساس هام في عقيدة الأمن القومي الجديدة لأميركا. وسوف يقول إن إقامة منطقة تجارية حرة في الشرق الأوسط سوف تساعد في إدخال إصلاحات اقتصادية وتطوير اقتصاديات السوق.