As Safir Logo
المصدر:

ما يقوله المغنون والمستمعون والأكاديميون وعلم النفس والعلم الديني عن غناء اليوم يحدث توازناً داخلياً لكن المرحلة عبثية يقودها »فسّاق«.. والمستقبل للموسيقى

المؤلف: الخطيب بسمة التاريخ: 2002-10-25 رقم العدد:9336

في المهد تذهب حواس ذي القماط الى مصدر الصوت الملائكي، يهدهده اللحن فينام او يبتسم او يبرأ أو يرقص... وفي كل الأحوال ينمو مع الاغنية. في مركب، وسط البحر مع شباكه ومجذافيه، وفي المروج مع قطيعه ونايه، وفي السوق مناديا على البضائع امام عربته او متجولا بين البيوت بسلاله، على العين متهادية بجرّتها، أمام الرحى والموقد والنول وفي مواسم الحصاد... يبذل الانسان العرق والحب والغناء. غنّى حول النار وفي الهياكل، ثم رتّل في الكنائس، وجوّد في المساجد. في الأعراس والأعياد غنّى إشهارا للزواج والفرح. يغني شاكرا لربّه ومستسقيا وناذرا. يغني في انتظار رزقه وغده. يغني ما يملكه وما يفتقده. يستعين بالغناء على الصبر والنسيان والوحدة، يلجأ إليه باثا أشواقه وشكواه متقرّبا الى ذاته والى الله والى الطبيعة. في اللحد، بعد ان يحتجب العالم عنه تبقى أغاني الندب والرثاء صلته الوحيدة مع دار الفناء. ليست علاقة عادية وعابرة تلك التي تجمع الانسان بالغناء منذ المهد الى اللحد ومنذ الانسان الأول الى الانسان الانترنتي او الألكتروني. فالغناء فن وأكثر، تنفيس عن المكبوت وأكثر. هو حاجة انسانية اجتمعت إليها عوامل وروافد عديدة عهدت اليها بأدوار وظيفية اجتماعية كجلب المتعة والسرور والتعبير عن حب الأقارب وترجمة المشاعر واكتساب قدرات ذهنية او جسمية هي بمثابة صمّام أمان للناس في وقت الضيق، كما شرح الناقد الموسيقي الراحل نزار مروة في احدى مقالاته. اي دور اجتماعي تؤدّي الأغاني اليوم، وأي حاجة نفسية تلبي للمؤدي والمستمع؟ ولماذا تقبل أعداد هائلة من الشباب على خوض تجربة الغناء دون غيره من الفنون؟ وهل حلم الوصول الى النجومية الغنائية حلم مباح للجميع وبالأخص للطبقات الوسطى والمعدمة؟ وما صحة اعتبار الفقهاء المغنين فسّاقا؟ يقال ان ابليس أول من غنّى. ولكنها مقولة اقرب ما تكون الى الأسطورة، وقد تكون أطلقت لتنفير الانسان من الغناء، خاصة بعد ان اقترن بمجالس اللهو والمجون. فإن كان ابليسُ عميدَ المغنّين في نظر هؤلاء الواعظين، فلنا ان نتصوّر النظرة الاجتماعية المتعالية الى أهل الغناء، أكثر من أهل الفنون الأخرى. فالذي يعيش من صوته هو في نظر المجتمع معدم من اي مورد آخر ومحروم بالتالي من الامتيازات الاجتماعية. عباس مكي: الدور الاجتماعي والنفسي يقول الدكتور عباس مكي، استاذ علم النفس في الجامعة اللبنانية، »ان علم النفس يعتبر الكلمة، سواء مكتوبة او مغناة، شكلا من اشكال التعبير والاتصال مع الذات والآخر، وإذا لم يغنّ الانسان تصبح قدرته على التماسك وقبول مصاعب الحياة ضئيلة. أغاني الفلاحين والصيادين فيها الشقاء الذي يقصم ظهورهم والذي يخرج بآهات فيها شكل من أشكال التوازن الداخلي، وفي لحظات الشحن العاطفي او السياسي تكون الأغاني تنفيسا«. وعن واقع الأغنية ودورها في مجتمعنا اليوم يقول مكّي: »الأغنية العصرية السريعة والمنمطة والمعلبة، تركّز على الصورة (الكليب) والضجّة والموسيقى الصاخبة، ليس لشيء سوى أنها فارغة المحتوى، فغالبا لا تقول هذه الأغاني شيئا. جمهور هذه الأغنية هو من الفئات الشبابية (أطفال ومراهقون) المهمشة التي تهرب الى الصورة التلفزيونية في اشارة الى مشكلة خطيرة في الطبقات الشعبية غير الميسورة. ومن هنا نفهم سرّ شعبية »شعبان عبد الرحيم«، فقد وجد الناس انه يشبههم وأنه يدحض كل التنظيرات الفوقية للنخبة، معه وجدت الفئات المأزومة متنفسا لها، فقد نجح في قراءة واقعهم وعبّر عنه بشكل فطري. ولكن عبد الرحيم لم ينجح وحده، هناك من سوّقه، وهذه الجلبة التي أحدثها هي كغيرها من الظواهر المفتعلة لإلهاء الناس عن القضايا الكبرى. عواقب هذا التضليل تدمير الحسّ الفني والاجتماعي. وهكذا نمضي نحو الفوضوية، فالمرجعية على جميع المستويات غائبة. هناك سياق عبثي تسير فيه أمورنا بمختلف عناوينها«. الطامحون الى النجومية لا يجدون أفضل من الغناء وسيلة الى الشهرة السريعة. الأميون والمتواضعو التعليم يجدون في شعبان عبد الرحيم المكوجي، ومحمد فؤاد الميكانيكي، نموذجا يحتذونه، كذلك في معظم المغنين الذين أتوا من طبقة الصناعيين والمهنيين والمعدمين وحقّقوا الثروة والشهرة. فهل احتراف الغناء حلم مشرّع الأبواب؟ »العيوق« العيوق ليس اسمه الحقيقي بل الفني، يعمل حاجب مدرسة. ولكنه لا يقبل إلا ان ينادى »المطرب الكبير العيوق« و»الاستاذ«. تتحلّق مجموعة من شباب الضيعة حوله في كل مكان، يصفقون لغنائه ويضحكون للهاثه، فهو مصاب بالربو، ومع ذلك يصرّ على المواويل. صوّروه بإحدى كاميرات الفيديو، وبثّوا الكليب عبر الساتلايت الذي تشترك فيه بيوت الضيعة. يشبه »العيوق« (48 سنة) الى حدّ بعيد أخوت الضيعة المودرن، ولكنه لا يعاني من إعاقة عقلية، بل مجرد »خفّة عقل« كما يقول أهل ضيعته. هوسه يتفاقم يوما بعد يوم. يوزع الكاسيتات التي سجل عليها أغانيه بسعر رمزي، ويسأل الجميع »شفتوني ع الستلايت؟« يقول العيوق انه يريد ان يصبح مطربا مشهورا ويجني المال ويتزوّج بنت تحت العشرين، »بالبكالوريا او السوكوند«. أما صبي القهوة فيسرع نحوي ليسمعني صوته »شو بدّك بهالأخوت، انا بغني بالأعراس وصوتي حلو. لمين بدك غنيلك؟ عبد الوهاب؟ راغب علامة؟ نيللي مقدسي؟؟ كلو على بعضو؟«. وأكتشف ان قسما كبيرا ممن حولي يأخذون الأمر بجدية، فهم واثقون بموهبتهم، ولكنهم يقولون ان ليس لديهم واسطة في التلفزيون، ولا مال لإنتاج كاسيت، ومع ذلك لا يستسلمون، فهذا الشيء الوحيد الذي يستطيعون الذهاب فيه الى نهايته، لأن الغناء لا يتطلب حيازة شهادة تعليمية ولا مركزا اجتماعيا. ولكن الأمر ليس مقتصرا على هذه الفئة الاجتماعية، فإن كان عدد محدود يستطيع ان يرسم او يمثّل او ينحت، فإن الأغلبية تستطيع ان تغنّي ولو بينها وبين نفسها. تقول نزيهة (37 سنة موظفة): أغني كي يمر الوقت أثناء العمل، فالجلوس خلف المكتب لساعات أمر لا أحتمله بطبيعتي، لذلك أتحايل على الوقت وعلى نفسي. أغني همسا كي لا أزعج أحدا فصوتي ليس جميلا، أعرف هذا، ولكني أحب الدندنة. وليس جميع الأغاني بل تلك التي فيها طرب وسلطنة، أغاني وردة القديمة وليلى مراد وفايزة أحمد. وفي أوقات فراغي أستمع الى الأغاني التي يبثها الراديو. هيثم، 26 سنة، طالب دراسات عليا (فلسطيني) مقيم في لبنان يقول: الأغنية تشاركني حياتي، انا أتفاعل معها وأتعاطف مع المطرب، أحزن لحزنه وأفرح لفرحه. أهلي يقيمون في سوريا وانا أمضي أوقاتا طويلة وحيدا، وألجأ الى الأغاني جليسا وأنيسا. عندي مكتبة موسيقية كبيرة، فأنا أشتري كل الألبومات التي تصدر في السوق، وأحرم نفسي في المقابل من بعض الرفاهيات. ولكني سعيد بهوايتي وبأصدقائي المطربين«. الأغاني اذاً، تساعد هيثم على تحمّل الغربة والتآلف مع المكان والسلام مع النفس. ولكن الأمر بالنسبة الى هشام (28 سنة) موظف ومجاز في ادارة الأعمال، أعقد قليلا، فهو يقول ان الموسيقى والأغاني تأخذه الى عالم آخر وتفصله عن الواقع وتنسيه نفسه. وهشام من النوع الذي لا يعرف الاستماع الى الموسيقى إلا اذا كان مؤشر الصوت على أعلى درجة. احتجت الى سدّ أذني وأنا أقترب من سيارته المجهّزة بسبيكرات خاصة، كما شرح لي: »هذه سبيكرات ستيريو نقلتها الى السيارة لأن الأغاني المرتفعة الصوت هي وسيلتي للهروب من هذا العالم، إنها كالمخدّرات تجعلني خفيفا، تطيّرني في السماء«. ونترك هشام في السماء لنعود الى الأرض، حيث تهرول آلاف الأرجل نحو عالم الاحتراف الغنائي. أعداد هائلة تقبل على برامج الهواة التلفزيونية، وأعداد أخرى تبقى مترددة وتفضل تقديم موهبتها في الحفلات الصغيرة والمطاعم المتواضعة، ولكن القلائل يختارون معاهد الموسيقى لصقل موهبتهم. عن تجربته في احد برامج الهواة (كأس النجوم) يقول جميل (25 سنة) انه أقدم على هذه التجربة ليمتحن نفسه وليشتهر، فكل المشاركين يريدون الشهرة والوصول بسرعة، وهذه البرامج تشبه المصعد الكهربائي الذي ينقلك بسرعة الى القمة، كما حصل مع وائل كفوري. جميع الشباب اللبنانيين يريدون ان يكونوا وائل كفوري«. ولكن جميل يعترف بأن البقاء على القمة هو الأصعب. وان تجربة كفوري لم تتكرر في ما بعد برغم الدعم المالي والاعلامي لبعض النجوم. ونتذكر معاً اسماء عدة نالت جوائز ذهبية وكؤوساً وميداليات وارتفع اسمها عاليا ثم خبا بسرعة. محمود (44 سنة) دكتور في القانون الدولي ولديه صوت جميل كما يجمع معارفه، يقول: منذ الصغر عرفت اني أملك صوتا مقبولا وكنت أغني لرفاقي وما زلت أغني للأهل والأصحاب في جلسات عائلية او مناسبات خاصة، ولكني لم أفكر يوما في الاحتراف وحتى قبل ان أتخصص في الحقوق وأنال الدكتوراه. انا أغني لمتعتي الخاصة ولإمتاع من أحبهم«. هبة القواس: نهضة موسيقية في الكونسرفاتوار الوطني قسم لتدريس الغناء الشرقي و الغربي (الأوبرالي...) يتعلم تلاميذ الكونسرفاتوار عدة مواد، فدراسة الغناء الشرقي كأية دراسة فيها مواد تكمّل ثقافة الاختصاص، مثل السولفيج الشرقي والغربي (قراءة النوتة وغناؤها)، التجويد اي علم النطق الصحيح ومخارج الحروف، عود، نظريات موسيقية ونظريات شرقية، ثقافة وتاريخ الموسيقى، كورال (غناء جماعي)، سولو (غناء منفرد)... المغنية الأوبرالية والمؤلفة الموسيقية »هبة القوّاس« نفت بشدة ان تكون الدراسة الأكاديمية الموسيقية في لبنان والعالم العربي مهملة »هناك نهضة موسيقية، ولكن للأسف الإعلام لا يسلط الضوء عليها، نعاني من تقصير إعلامي من حيث التغطية والدعم، ولكن في الحقيقة هناك حفلات مهمة وإنجازات موسيقية، وصار لدينا فئة متعلمة ومثقفة موسيقيا«. الموهبة والدراسة صنوان لا يفترقان في نظر القوّاس، صحيح ان الدراسة وحدها لا تصنع مطربا او موسيقيا، ولكن الموهبة وحدها لا بدّ من ان تنضب يوما. عن لحظة الغناء قالت »القوّاس«: ان الغناء هو بمثابة تفريغ لطاقة داخلية مما يولد راحة نفسية، ومن ناحية ثانية يُكسب الجسمَ حالة إيقاعية ويُحدث توازنا داخليا. كذلك فإن لحظة الوقوف على المسرح امام الجمهور مختلفة عن الغناء من دون جمهور، فالطاقة الموجودة في القاعة الآتية من الجمهور والطاقة الداخلية وكذلك موسيقى الأوركسترا، جميعها تتفاعل مع وتتمازج في دورة تشبه دورة الحياة«. كمؤلفة موسيقية تبرر »القواس« عدم دخول المرأة الى هذا المجال بالتضييق الاجتماعي، وبأن الابداع يحتاج الى ذكاء مباشر بينما المرأة تعتمد على ذكائها غير المباشر، الموارب، وأخيرا بعاطفة الأمومة التي تنحي الرغبة في التأليف جانبا«. سحر طه: الإيقاع الحزين في الكونسرفاتوار التقينا بفداء سبيتي (25 سنة) احدى التلميذات، وقد أوضحت لنا ان دراستها (غناء شرقي وعود) هي لصقل موهبتها، وانها لا تنوي الاحتراف والارتزاق من الأغاني، لأن هذا يفقد الفن قيمته. وعن لحظات الغناء تقول: عندما أغني أشعر بأنني أمام لوحة غامضة وعبثية أريد اكتشافها، وبعد ان أبحر فيها وفي نفسي وأكتشفها وأحلّ لغزها أشعر بسعادة لا تضاهيها سعادة النجاح او الحب... عندما أكون مرهقة وصوتي متعباً أبكي لأنني لا أستطيع ان أغني، لأنني أخذل صوتي وهو يخذلني. كما عندما نبتعد عن شخص نحبه من دون إرادتنا نشعر بالوحشة والغصّة«. المغنية وعازفة العود العراقية سحر طه تصف الغناء بأنه تعويض عن أشياء نفتقدها، وبما انها تمضي ساعات طويلة في العمل فإنها في ذروة الارهاق تقفل على نفسها الغرفة تأخذ العود وتغني مواويل ومقامات عراقية حزينة في مجملها. »عندما اغني أترك النغمة تأخذني. انا أرتجل الغناء، وكل يوم أغني القصيدة ذاتها بشكل مختلف. وعن الإيقاع الحزين الذي يرافق الغناء العراقي قالت طه انه يرافق حتى أغاني الأفراح ويعود السبب الى الأحداث المأسوية التي رافقت التاريخ العراقي«. وليد غلمية: الغناء العربي خطابة منغّمة ونختم جولتنا الأكاديمية مع مدير الكونسرفاتوار اللبناني، وليد غلمية، الذي يشكو بدوره من من وظيفة الإعلام المضللة والمخربة للذوق العام، ويصف برنامج »استديو الفن« بالبرنامج الحسن النية والذي يوجه أصحاب المواهب ويأخذ بأيديهم.. ولكن بعد الحلقة الأخيرة من البرنامج لا يعود لغلمية اي دور. لا يملك الا ان ينصحهم بالدراسة. ويقرأ غلمية الوضع الغنائي العام كالتالي: نحن نمرّ بمرحلة فنية انتقالية ونتحول من مستمعي أغانٍ الى مستمعي موسيقى، من صوت غنائي »بيشدّ ويقد« ليؤدي اللحن الى غناء أوسع وأشمل... الصوت البشري آلة موسيقية متفوقة، والغناء العربي خطابةٌ منغّمة، ولكن الوضع يتغير اليوم وهناك جيل يتجه أكثر نحو الموسيقى، لذلك فالآلة ستكون في المستقبل النجم المنفرد«. »واقع الأغنية متردٍ، أغاني اليوم إفساد للذوق العام، انها أغان متأمركة ومتأوربة، تعيش الأغنية أزمة وانحدارا والفضائيات تساهم في هذا، الأغاني هابطة ومؤدوها أشباه مغنين...« عبارات وعبارات تقرأها وتسمعها في كل مكان، فإن بحثت عن اسباب هذا الانحطاط، تجد التبريرات السياسية (نكسة 67 والصدمة الجماهيرية، الحروب الأهلية...) والاسباب الاجتماعية (حالات الاحباط واليأس والتخلّف والكبت وارتباط الغناء بالتجارة وبالعرض والطلب وهشاشة وضياع المجتمع العربي...). ويبقى هذا الكلام في اطار التنظير دون ان يغيّر الواقع، فتظلّ الأغنيات ذات الكلمات المسطّحة والمعاني الفارغة من الخطاب الهادف سائدة ومنتشرة. تعتبر هذه الأغاني الفارغة نوعا من إفراغ للوجدان، وخاصة بالنسبة الى من يعملون في مجالات جدية ويرزحون تحت ضغوط الحياة الخانقة. وكمثال نذكّر بأغنية »كماننا«، التي رقص عليها وغناها الملايين في العالم العربي، من دون ان يعرفوا ما معناها، لأنها بالأساس لا معنى لها إلا في ذهن مخترعها. ولكن في ما بعد صارت من مصطلحات القاموس الشبابي و»الشوارعي«. في »كماننا« نعثر على مجموعة من أحلام الشباب المخذولين، اذ تقول الأغنية: نفسك في ايه؟ انا نفسي ألقى نفسي واد حبيب وبيه، ومعايا فلوس كتير ستين تلاف جنيه، وأشرب أزوزة في العجوزة مع استاكوزا (أفخر الانواع البحرية)... واجيب لي دشّ (صحن فضائي) ومعاه موبيل (هاتف نقال) وحتة كوبيه (سيارة coupee)...يا دنيا ليه معاندة معانا؟ عمرك ما جيتي على هوانا...). »شعبولا« ماذا يقول »شعبولا« في أغانيه؟ »انا بكره اسرائيل.. وأحب عمرو موسى.. حاحب بنت حلوة واطلبها للجواز عليها العفش كله وعلي انا الجهاز..) ويؤخذ اعجاب الشباب بهذه الأغاني على انه تمرّد على النخبة وعلى ذوق الأجيال السابقة التي تدعي لنفسها احتكار الجمال والأصالة والابداع. ولعل دليل هذا اقبال الجمهور على الشكل الجديد الذي قدم فيه »اللمبي« الشخصية السينمائية الأكثر شهرة اليوم في مصر، أغنية انت فين والحب فين لأم كلثوم ففي الأغنية: انت فين والحب فين... امشي يا ديك، الفرخة دي مش ليك«! ولكن ليست امثال هذه الأغاني هي وحدها الرائجة، فما زالت أغاني العمالقة (ام كلثوم، عبد الوهاب عبد الحليم...) على مكانتها. هؤلاء الذين ضبطوا الساحة الابداعية لعقود، احدثوا بغيابهم فراغا كبيرا، وبعد هدنة قصيرة انفجرت فوهة البركان المتحفّز وسادت الفوضى، ولم يستطع أصحاب المواهب الأصيلة ضبطها، رغم محاولاتهم المستمرة حتى اليوم، والتي ستستمر في المستقبل. وإن كنا لا نستطيع ان نتكهن بمستقبل الأغنية اللبنانية والعربية الا اننا لا نستطيع تجاهل الأعمال الجادّة والملتزمة التي تمشي ضد التيار الاستهلاكي وإن كانت بمعظمها تعتمد على مسيرة الفنان ورصيده لدى الجمهور والتزامه واحترامه لأصول هذا الفن، وليس على المال والتهريج والخلاعة، كأعمال السيدة فيروز ومرسيل خليفة ووديع الصافي وماجدة الرومي... هاني فحص: وضعوا الناس خارج الفتوى الحديث عن الغناء لا يمرّ من دون الاطلالة على وجهة النظر الدينية الاسلامية من الغناء وتحليله وتحريمه، التي يلخّصها السيد هاني فحص بالتالي: المسألة خلافية ليس بين الشيعة والسنّة فحسب بل في المذهب الواحد، وإن كان المتتبع يلمس فسحة في الفقه السني أوسع منها في الفقه الشيعي. وهنا نتكلم عن مستويين في الفقه الشيعي، مستوى الفتوى ومستوى البحث الفقهي، حيث المسألة اشكالية وخلافية. أما على مستوى الفتوى فهي تعكس الخلاف لكن عموما الأكثر تداولا في فتاوى الفقهاء الشيعة هو الحرمة. ومفهوم هذه الحرمة غير ثابت في حدود مساحته سعة وضيقا. عدد من الفقهاء ركز على الحرمة بلحاظ ما يرافق الغناء في مجالس الغناء والسلوك المصاحب لها. بعض الفقهاء الشيعة يفرّقون بين نص ونص، ويشترطون قيوداً أخلاقية تعكس حرصهم على ألا يكون الغناء مثيرا للشهوات والغرائز لحناً وكلمات. انا أرى ان هناك حاجة فطرية للتعبير الفني لدى الانسان، ولا بد من البحث عن معايير أخرى في التحريم، قد تكون معايير الحقّ والباطل والجمال والضوابط الاخلاقية، وهذه الأخيرة في رأيي تشعل الفن وتكثّفه وليس العكس. الغناء كأية ظاهرة تبدأ بسيطة وتتعقّد بتعقّد الحياة، وككل ممارسة انسانية ليس هناك جهة واحدة تحدّد المقبول وغير المقبول في الفنّ. دور الفن الأساسي على مستويين: الاول مستوى الفرد وتطابقه وانسجامه مع الطبيعة والحياة، والثاني ان يكون رابطا مع الوعي العام يوفق بين الفردية والغيرية، وكل محاولة لتغليب جانب على آخر تبوء بالفشل. ان ذوق الناس يتكوّن خارج الفتوى، الفقهاء في تشديدهم على التحريم وعدم قدرتهم على المنع يضعون الناس الملتزمين في خطر الوقوع في الحرام او الحرمان«. يرد في كتاب فقه السنة للسيد »سابق« التالي: الغناء في مواضعه جائز والذي يقصد به فائدة مباحة حلال وسماعه مباح... ومثال الغناء الحلال: تغني الامهات لأطفالهن وتغني أصحاب العمل والمهن أثناء العمل للتخفيف عن متاعبهم.. التغنّي في الفرح والأعياد والتغني للتنشيط والجهاد... فإذا عرض له ما يخرجه عن دائرة الحلال كأن يهيج الشهوة او يدعو الى فسق او ينبه الى الشر او اتخذ ملهاة عن الطاعات، كان هذا غير حلال. وعن حكم المغنين المرتزقين من الغناء يقول السيد فحص: يبدو انهم غير متقيّدين بما يريده الفقهاء من مسلكيات لذلك فهم يصنفون عمليا بمخالفة الشرع حتى لا أستعمل تعبير »فسّاق« الذي قد يكون جارحا، والفسق هو مخالفة الشرع«. في كل عصر يترافق الاسفاف والابداع، الحق والباطل، مع غلبة واحد على الآخر، »من الطشت قللي الى حبيبي بيحب التش، الى الاش اش واش واش... وكان هناك الأطلال والليل يا ليلى وأعطني الناي وغنّ... وكما توازن الطبيعة نفسها بنفسها كذلك يفعل المجتمع، وأكثر من هذا هو ايضا يغربل التجارب ويصفيها، وأكبر دليل ان أحدا منا لا يذكر صرعة علي حميدة وأغنيته لولاكي رغم الضجة التي حققتها حينها، لكننا، من جميع الأجيال، نحفظ أغنية »سيرة الحب« وإن كانت سيرة الحب لا تنتهي فكذلك سيرة الأغاني، التي ستبقى تثير الجدل وتواكب العصر في أزماته وانكساراته وانتصاراته.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة