يوم جاك شيراك في لبنان كان حافلا بالإشارات والدلالات، فالرئيس الفرنسي الذي شكّل وصوله ايذانا بانطلاق قمة الفرنكوفونية التي تفتتح رسميا قبل ظهر اليوم، حوّل يوم أمس الى حدث في حد ذاته مستقل عن الفرنكوفونية بتخصيصه للوضع في لبنان بشكل خاص وفي النطقة بشكل عام. ومثّل الخطاب الذي ألقاه في مجلس النواب هذا الحدث السياسي. ووصفه رئيس الحكومة رفيق الحريري ل»السفير« بأنه خطاب واضح في دعمه لبنان اقتصادياً وفي ربطه الوجود السوري بعملية السلام، ذلك انه من موقع »الصداقة« ومن »القلب الى القلب«، وجّه شيراك مجموعة من الرسائل النصائح للدولة كما للمعارضة، فكان خطابه موضع ترحيب من الجانبين، كل لاعتبارات. في خطاب الرسائل النصائح هذا، الذي جرى صوغه بكثير من الاعتدال و»الدبلوماسية« اللذين لم يخفيا أبعاده »النقدية« في هذا الموضوع او ذلك، كانت الرسالة الأولى التي وجهها الرئيس شيراك تتعلق باتفاق الطائف. فقد أعلن ان »بلدكم سلك منذ سنوات عشر النهج العويص للمصالحة الوطنية ولاستعادة سيادته، وأدى اتفاق الطائف دور الإطار لهذه الارادة«. أما النصيحة تبعا لذلك فهي في قوله »يلزمكم المتابعة والانتهاء من تطبيقه وإعادة بناء الدولة بكامل صلاحياتها (...) الدولة المنصفة في خدمة الجميع، دولة القانون محط ثقة المواطنين تبدد مخاوفهم من المستقبل، دولة ذات سيادة كاملة مستقلة (...)«. الثانية تجسّدت في مخاطبة الرئيس الفرنسي المجلس النيابي بالقول »أنتم حراس قيم التسامح والديموقراطية وحقوق الإنسان والحريات التي لا يمكن للبنان ان يكون هو نفسه بدونها«. والاستنتاج من ذلك »لكم دور الحرص على تمثيل مختلف الاتجاهات السياسية والاجتماعية في صرحكم (المجلس)، وعلى امكانية التعبير لأي فرد في بلدكم بكامل الحرية (..)«. الجنوب والوزاني أما الرسالة الثالثة فتتصل بلبنان الإقليمي في إطار الصراع العربي الإسرائيلي. وفي هذا الإطار رأى الرئيس شيراك ان »إعادة سلطة الدولة الى كامل المنطقة المحررة يمثل انفراجا وتشجيعا لسكان عاشوا الاحتلال أكثر من عشرين عاما، ويتيح أيضا لفرنسا والمجموعة الدولية التحرك بنشاط أكبر لإنماء هذا الجزء من الأراضي اللبنانية«. وإذ اعتبر ان »السلطات اللبنانية تعمل على إعادة حضور الدولة«، أكد انه »يلزم المتابعة قدما في هذا المنحى ان كان في المجال الأمني او في مجال الإدارة والخدمات العامة«. وفي السياق نفسه، دعا شيراك الى ما سماه »تفادي الإثارة من الجانبين«، وطالب »جميع الاطراف باحترام الخط الأزرق الذي وضعته الأمم المتحدة كما تعهدوا«. ورأى في ذلك »مصلحة لبنان وجميع اللبنانيين«، وشدد على انه عبر »احترام القانون الدولي أيضا يجب ان تسوّى النزاعات بشأن الموارد المائية«، معربا عن »استعداد فرنسا، إذا شاء لبنان، لأن تقدم مساهمتها لتسوية الأمر«. الرسائل النصائح الثلاث الآنفة، كانت موجهة الى الدولة بشكل رئيسي، كما رأت أوساط سياسية مطلعة. واعتبرت الأوساط ان ما ذكره شيراك مما يتعلق ب»لبنان الاقليمي« ليس جديدا »تماما«، ذلك ان »فرنسا تركّز منذ أكثر من عامين، اي منذ التحرير في أيار 2000، على بسط الدولة سلطتها في المناطق المحررة، وتطالب باستمرار بنشر الجيش والقوى الأمنية في هذه المنطقة تحقيقا لما تعتبره باريس اقفالا للملف الأمني في الجنوب«. وأضافت الأوساط ان »شيراك بخطابه اليوم (أمس) لم يستخدم المفردات نفسها التي دأبت عليها فرنسا، غير انه قصد المعاني نفسها«، وأشارت الى ان »الجديد في كلام شيراك يتعلق بموضوع المياه، إذ يبدو في معرض تكرار تأكيده على القانون الدولي نقديا في حديثه عن تجنب الإثارة من قبل أي طرف«. وفي المجال نفسه (الوزاني) نقلت الأوساط المطلعة نفسها عن الرئيس الفرنسي قوله »بين المزاح والجد« في أحد لقاءاته اللبنانية أمس انه »يستطيع ان يضمن عدم ردة فعل أميركية (وإسرائيلية) في موضوع الوزاني قبل نهار الأحد وليس بعده«، في إشارة على ما يبدو الى ما يقصده ب»النصيحة« الداعية الى احترام الخط الأزرق (في موضوع مزارع شبعا) والقانون الدولي (في موضوع المياه). العلاقات اللبنانية السورية أما بالنسبة الى الرسالة الرابعة، فهي تتصل بالعلاقات اللبنانية السورية. وإذا كان شيراك قد دعا الدولة في الرسائل السابقة الى »تمثيل مختلف الاتجاهات السياسية« والى »احترام الحريات« وغيرها، فإنه في موضوع العلاقات بين لبنان وسوريا قدم مقاربة »فريدة« كما وضفتها الأوساط السياسية السابقة. فقد أكد شيراك ان »السلام (في المنطقة) لن يكون شاملا وعادلا ودائا إلا إذا تضمن لبنان وسوريا وقدم حلا منصفا لقضية اللاجئين الفلسطينيين«. وأضاف ان »التطوّر نحو السلام الذي نتمناه سيتيح للبنان وسوريا موافقة علاقاتهما وانجاز الانسحاب الكامل للقوات السورية من بلدكم طبقاً للطائف«. ورأت الاوساط ان هذه الرسالة كانت ب»رسم المعارضة« التي دأبت منذ فترة على طرح مسألة الوجود السوري في لبنان، واتى شيراك يعطي للوجود السوري بعداً اقليمياً مرتبطاً بالصراع العربي الاسرائيلي. وقد سارعت مصادر رسمية الى ابداء ارتياحها لمضمون خطاب الرئيس الفرنسي »خصوصاً لجهة رؤيته للسلام العادل والشامل في المنطقة، والذي يجب ان يضم لبنان وسوريا بالاضافة الى حل قضية اللاجئين الفلسطينيين«. واشارت المصادر الرسمية الى ان موقف شيراك من العلاقات اللبنانية السورية يتطابق والموقف الرسمي القائم على التعزيز الدائم لتلك العلاقات واعتبار الوجود العسكري السوري ضروري وشرعي ومؤقت، وان توقيت البحث فيه يرتبط بالمصالح الاستراتيجية المشتركة بين البلدين وليس بالضغوط انّى كان مصدرها لا سيما الاسرائيلية منها«. وفيما تجنبت المصادر الرسمية الاشارة الى العناوين الاخرى، تقاطعت مصادر المعارضة المسيحية على اعتبار ان كلام شيراك »معتدل«، وان الرئيس الفرنسي »اعطى تفسيراً للوجود السوري في لبنان يربطه بنهاية الصراع العربي الاسرائيلي«. ولاحظت مصادر المعارضة ان »الدولة عجزت عن اعطاء الوجود السوري اي تفسير، وكانت دائماً تلجأ الى تفسيرات من نوع ان خروج القوات السورية سيؤدي الى اعادة الفتنة الداخلية او ان القوى الامنية اللبنانية لا تزال غير قادرة على الاضطلاع بدورها ذاتياً«. وأضافت ان »تفسير شيراك ينطوي على امر ايجابي، اذ ارتكز الى الطائف واعتبر ان هذا الاتفاق هو ما يضمن تصحيح العلاقات اللبنانية السورية«. ولاحظت المعارضة بإيجابية النقاط الاخرى المتعلقة بالجنوب لجهة تعزيز وجود الدولة واحترام الخط الازرق«. الاقتصاد وتبقى الرسالة النصيحة الخامسة المتعلقة بالشأن الاقتصادي اللبناني. فقد دعا شيراك لبنان الى »التحكم بعجز الموازنة وتخفيضها وتخفيف عبء الديون«، مسجلا ان »المسألة تتجاوز الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية وحدها وتطاول استقرار البلد ذاته واستقرار المنطقة«. واذ شدد على »قرارنا وضع لبنان ضمن دائرة الشركاء الاولى في مجال التعاون الاقتصادي«، اعلن شيراك ان »الجهود تضافرت من اجل عقد اجتماع دولي في الاسابيع المقبلة واتخاذ التدابير التي ستساعد لبنان على مواجهة صعوباته«. ورأت الاوساط المتابعة في كلام شيراك دعوة الى »تصحيح الوضع الاقتصادي«، ودعماً للبنان عبر تأكيد انعقاد مؤتمر باريس 2 قريباً. وكأن رئيس الحكومة رفيق الحريري استبق خطاب شيراك بإعلان ان »تحديد موعد باريس 2 متروك للرئيس شيراك«، مجدداً »الامل في ان يكون قبل نهاية العام«. واضاف الحريري »اعتقد ان كل شيء يسير في الطريق الصحيح وسوف نبلغ الهدف«. وقال في حديث الى محطة »المستقبل« انه »قبل نهاية العام على ما آمل ستدعو فرنسا المشاركين الى اجتماع باريس 2«. وكان الرئيس شيراك، الذي وصل قبل ظهر امس، اجرى مباحثات مع رئيس الجمهورية اميل لحود، وافتتح معه المبنى الجديد للمعهد الوطني للادارة قبل ان يتوجه الى الجلسة الخاصة لمجلس النواب التي ترأسها الرئيس نبيه بري، ثم زار السراي حيث عقد اجتماعاً مع الرئيس الحريري قبل ان يشارك في احتفال في الاونيسكو ل»الاتحاد الدولي للمدن الناطقة جزئياً او كلياً بالفرنسية«. ومساء تناول شيراك العشاء الى مائدة الحريري في دارته في قريطم (تفاصيل ص 3 4 5 6). وعلى هامش الفرنكوفونية، عُلم ان وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دوفيلبان، الذي يرافق الرئيس شيراك، سيلتقي قبل ظهر غد البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير في بكركي.