وجدت نفسي مندفعا لمشاهدة معرض آت من العراق، في هذه الظروف التي نشعر فيها بالذنب لأننا لا نقدم شيئا فعليا لدعم شعب يتعرض لأقسى درجات العدوان والقهر. سندس الخالدي تعرض في صالة جمعية الفنانين للرسم والنحت، ببيروت مجموعة من أعمالها الجديدة التي تشكل معرضا فرديا خامسا في مسيرتها الفنية، وقد اختارت رمز الحصان لتحمل، عبره، الى المشاهد أفكارها واحساسها وتطلعاتها نحو الحرية والتحرر ووصفها لما يعتمل داخلها ويجري حولها من توتر واحباط.. وجموح. وقد عملت على تقديم شكل الحصان بأسلوب ارتكز الى تعبيرية تتسع للكثير من الاشعاعات المعنوية بدلا من رمزيته التي ربما تكون محدودة. فلم يحضر الحصان بجمالياته الجسمانية، وإنما بتأويلات حركته، من خلال توسيع المساحة التجريدية التي تسمح أحيانا بغياب الحصان كشكل، وحضوره من خلال عربته او حركته او ألوانه. مع الفنانة هذا الحوار: ألا تعتقدين ان اختيارك لموضوع الحصان هو اختيار لموضوع بات مستهلكا في الفن التشكيلي العربي، يتوقاه فنانون عديدون؟ { بالنسبة إليّ، هذه المفردة، التي هي الحصان، كأنما تظهر الآن لأول مرة. فأنا لم أصور الحصان بالشكل المستهلك الذي تتحدث عنه، ولا بالشكل الواقعي الكلاسيكي. كان همي كيف أجرد الحصان بشكل مرن، فأظهره خاصا وكأنما يشاهد للمرة الأولى. لا يمكن ان يُستنفد الحصان كعنوان، فهو مادة فيزيولوجية مهمة يمكن توظيفها في اتجاهات مختلفة. حاولت ان أدرس شكل الحصان لأظهره غير مألوف لعين المتلقي، آخذة بعين الاعتبار ان المتلقي مختلف وليس واحدا. اعتبر انني نجحت، لأنني رأيت المشاهدين يتطلعون الى الحصان وكأنهم يرونه للمرة الأولى. في أي حال، لوحتي ليست لوحة حصان بالمعنى التقليدي، فأنت تكتشف في اللوحة أمورا كثيرة، من خلال علاقة شكل الحصان بطبيعة الخلفية اللونية التي أقدمها، ومن خلال الطرح الجديد الذي تراه. الحصان أنا ماذا تصورين من خلال الحصان؟ ماذا تقصدين به بالضبط؟ { أنا أصور نفسي في الحصان. قد يفاجئك هذا الكلام. لكن هذه هي حالتي كفتاة في مجتمع شرقي، فأنا وجدت صعوبة في دراسة الفن، كوني لست من أسرة فنية، وكون الأهل لا يكونون ايجابيين حيال فكرة ان تكون ابنتهم فنانة، لها حريتها في الاختلاط والسفر والانفتاح على عالم الفنانين. واجهت صعوبة من هذا النوع، مما اضطرني انجاز اختصاص في المحاسبة، قبل انتقالي الى دراسة الفن، ونجاحي بعد معاناة، وبعد تجربة دامت 18 عاما جعلتني أشتغل بجهد كبير لأكرس نفسي كإسم تشكيلي معروف. نعم أرى نفسي في مفردة الحصان التي أستخدمها، فالحصان الذي أصوره هو الحرية والتمسك بها، وهو الثورة والجموح أمام أي ذل وانحناء. ونحن أحوج اليوم الى صرخة مدوية في صميم ذواتنا لننطلق ونعانق الحدث. تركزين على الحدث، فهو موجود أيضا في عنوان معرضك »صهيل الحصان يحتضن الحدث«، فما الحدث الذي تتطلعين اليه؟ { انطلقت، في البداية، من حالة وجدانية خاصة أشرت اليها في ما سبق، ثم وجدت ان الحصار الذي أعانيه شخصيا يشبه حالة المجتمع الذي أعيش فيه. فنحن نعيش حصارا بكل ما تحمل الكلمة من معنى. ومع ذلك، لا يمكن حصار ريشة فنان او فكر او قلم، فهناك جوانب ايجابية تكمن خلف الحصار، وخلف ما يهيئه من انفجارات ابداعية تعود بالخدمة على المجتمع المحاصر. فرغم كل ما نعانيه من عدوان هناك عدم رضوخ وتحد كبير ورفض للاستسلام. معالجة خاصة معالجتك للموضوع متنوعة. فكيف فكّرت في ان تكوني جديدة، لا تكررين تجارب سابقة؟ { أستاذي الفنان مخلّد المختار، وهو فنان مهم، وله فضل كبير عليّ. تتلمذت على يديه وواكب تجربتي، حتى معرضي الأول. وبالفعل كان معرضي الأول يشبهه أكثر مما يشبهني، بدوت فيه متأثرة به، ولأنني اكتسبت الجرأة منه في الأساس، استطعت ان أتخذ قرارا بسلخ تجربتي عن تجربته، وان بقيت مستفيدة من تعاليمه وأخلاقياته. وهكذا صرت مهتمة بتقديم معالجتي الخاصة للموضوعات التي أتطرق لها. المسؤولية التي وضعت نفسي فيها جعلتني أجرّب البحث عن تمييزي. وهذا أحوجني الى اجراء بحوث كثيرة في التجريد والهارموني والشغل على جمالية الخط واللون والاخراج وتحريك العمل، حتى انني بت لا أسمي ما أقدمه هنا معرضا خامسا بل تجربة خامسة. فالتجريب هو منحاي الخاص وأسلوبي في اكتشاف تكنيك جديد وتوظيف مواد جديدة. التجريب هو الذي أخذك إذاً الى استخدام تكنيك مختلف بين لوحة وأخرى في المعرض؟ { لماذا لا أستخدم أي مادة او تكنيك يخدم عملي. أنا ضد التقيد او التأطر في أسلوب معين. وصحيح انه لا بد من الحفاظ على توقيع الفنان، لكنني ضد القولبة. كيف تختصرين معاناة الفنان العراقي اليوم، في ظل الحصار والتهديد المستمر والمخاطر المحدقة بالبلاد والعباد؟ وهل لا تزال مشكلة الحصول على المواد الأولية في الفن قائمة؟ { لا مشكلة في الحصول على المواد اللونية، فالأسواق مفتوحة مع سورية ولبنان والأردن. هناك مواد المانية وأوروبية غالية الثمن نستطيع ألا نستخدمها حاليا، ونستخدم نوعية معقولة من المواد السورية والأردنية، عندنا حاليا معمل لصناعة المواد اللونية، ونحن نسعى دائما الى استخدام مادة تدوم أكثر. أين تكمن مشكلة الفنان العراقي اليوم برأيك؟ { تكمن في الحصار الذي يحد من تسويق اللوحة، والفنان في حاجة الى بيع أعماله كي يعيش، وهذا ما يضطره أحيانا لبيع لوحته بسعر بخس، او البحث عن أسواق صعبة في الخارج. مع ذلك فهذا لا يؤثر كثيرا في الحركة التشكيلية العراقية. فهي في أوج ازدهارها اليوم، والحصار زاد الحركة اشتعالا وبات الفنانون يتسابقون للتعبير عن الثورة والعنفوان. وكذلك جعلنا الحصار نكتشف مواد لونية نباتية وأشياء كثيرة جديدة لم تكن من قبل. وماذا عن حركة الصالات؟ { صارت أعداد الصالات اليوم أضعاف ما كانته قبل الحصار، فبدءا من العام 1995، ومع انتعاش السوق مع الخارج ،صار عدد الغاليريات في بغداد، مثلا، حوالى خمسة وعشرين، في حين كانت خمسة فقط قبل الحصار. €#€#ے