As Safir Logo
المصدر:

مخاوف ومصالح في »بروفيل« منخفض

المؤلف: مرتضى احسان التاريخ: 2002-10-12 رقم العدد:9325

عندما انتصرت الثورة الاسلامية في ايران عام 1979، شعرت اسرائيل بأن زلزالا عنيفا ضرب موازين القوى التي كانت قائمة لمصلحتها، وعلى الفور قادها الرعب والهلع من الاسلام الثائر الرافض لوجودها من اساسه، الى الاستجابة لحسابات استراتيجية جديدة، بإيعاز اميركي مباشر، من ضمنها التصالح مع مصر. ومع الهجوم العراقي الضال على ايران حل التفاؤل محل الخوف واليأس لدى المسؤولين الاسرائيليين والاميركيين، وجاءت كامب ديفيد لتنتزع من امام اسرائيل قلب التحالفات العسكرية العربية، ومنذ ذلك الحين راحت مصر السادات تعلن باستمرار ان السلام مع اسرائيل هو هدف استراتيجي بعيد المدى. وبناء عليه عملت مصر السادات جاهدة لتثبيته وتوسيع حلقته عربيا من خلال شن حملة عداء وتحريض ضد ايران، التي حاربها النظام العراقي لمدة ثماني سنوات متتالية مليئة بالمآسي والتبذير الجنوني في الاموال والطاقات والموارد العربية. وهكذا كسبت اسرائيل من ناحيتين، اذ عزلت مصر وفرضت عليها شروطا مجحفة بحقوقها الوطنية وسيادتها، واستفادت من الحرب ضد ايران حيث وجدت نفسها أمام نافذة فرص لا تعوض في ظل اجواء من انعدام الردع العربي وتبديد الطاقات بلا حدود، فاندفعت لتقصف المفاعل النووي العراقي ولتضم الجولان عام 1981 ولتهاجم لبنان عام 1982 ولتشدد قبضتها العسكرية والاستيطانية في كل من الاراضي الفلسطينية المحتلة وفي الجولان وداخل لبنان حتى العاصمة بيروت، مع ما رافق ذلك من تشريد لمنظمة التحرير الفلسطينية في اربع رياح الارض. وقد استفادت اسرائيل من سنوات الحرب العراقية لتخفض ميزانيتها الدفاعية ولتحول هذه الاموال الى عمليات تحديث وتطوير اسلحتها. بعد توقف الحرب في العام 1988 شعرت اسرائيل بأن الصورة الاستراتيجية بدأت تتغير، وان عقد التسعينيات سيكون اكثر تعقيدا وأبعد عن حرية الحركة والمناورة. وفي حلقة دراسية حول تلك الحرب نظمها مركز يافيه للدراسات الاستراتيجية في جامعة تل ابيب، تبين ان الجميع مجمعون على انها (الحرب) قللت امكانية وقوع حرب ضد اسرائيل الى أدنى مستوى. وبعد ايقاف الحرب تخوفت اسرائيل من ان يتحول فائض الطاقات العسكرية المتجمعة لدى الافرقاء ضدها. وهكذا، منذ مطلع التسعينيات، بدأ يترسخ لدى القادة الاسرائيليين الاعتقاد بأن التطورات العلمية والتكنولوجية النوعية والكمية التي تجري في القوات المسلحة العراقية وقدرة الجيش العراقي على الردع والقتال قد وصلت حدا يشكل خطرا على الاستراتيجية العسكرية الاسرائيلية في المنطقة، وعلى ثوابت الأمن القومي الاسرائيلي. ولربما كانت القراءة الاسرائيلية لهذه اللوحة الامنية، وهذا الارجح، مبالغا فيها، بسبب الهوس والحذر الامني الشديد لدى الاسرائيليين، وتقويم الامور في حدودها القصوى، والرغبة الجامحة في الاحتفاظ بأحادية التفوق واستمرارها. وانطلاقا من هذه الفلسفة والممارسة، راحت اسرائيل تتحدث عن ضرورة ازالة هذا الخطر المزعوم من خلال خيارات عدة منها تطوير وسائلها الدفاعية لإبطال مفعول الصواريخ العراقية. ومن هنا كان مشروع الصاروخ المضاد للصواريخ البالستية من طراز »حتس« او »أرو« (السهم) واطلاق الاقمار التجسسية من طراز »افق«، هذا الى جانب تطوير وسائل الحماية والدفاع المدنية وتطوير صواريخ حديثة من نوع جو أرض وأرض أرض مثل الصاروخ »اريحا«. اما بالنسبة الى الاسلحة النووية الاستراتيجية والتكتيكية فالحديث يطول. بعد دخول العراق الكويت عام 1990 انقلب المشهد الاستراتيجي في المنطقة من جديد بصورة جذرية بحيث اصبح ضرب القدرة الاستراتيجية العراقية، ليس هدفا اسرائيليا وحسب، بل هدف اميركي وأطلسي من الدرجة الاولى، مما فتح امام اسرائيل مجددا نافذة الفرص الانتهازية التي كادت تُغلق في نهاية الثمانينيات، الى حد ان اسحق رابين وصف ما يحصل في الخليج بأنه »معجزة« لأن »الآخرين يقومون بدلا منا بالعمل لمصلحتنا«. وقد ذكرت صحيفة »هآرتس« 24/9/2002 ان البحث الذي أعده قسم التاريخ في الجيش الاسرائيلي توصل الى نتيجة مفادها، ان اتخاذ اسرائيل ذلك الحين موقف »البروفيل المنخفض«، وقرارها عدم الرد على صواريخ سكود العراقية عام 1991 كانا صحيحين. انما مع ذلك يقدر رئيس قسم التاريخ اللواء في الاحتياط الدكتور شاؤول شاي، من خلال البحث، انه كان لقرار الحكومة الاسرائيلية ذاك ثمن. فنتيجة عدم الرد تضررت صورة قدرة الردع الاسرائيلية. حاليا، يكاد المشهد الاسرائيلي يتكرر في العديد من حيثياته وتفاصيله، بحيث ان اسرائيل، مثل دول اخرى، تدخل ما يسمى »نافذة الزمن العراقي« تحت جناح الام اميركا، لكن هذه المرة عبر مدخل »المقاطعة«، حيث يتحصّن الرئيس ياسر عرفات. ففي العام 1991 مكث نائب وزير الخارجية الاميركي لورنس ايفلبرغر شهرا كاملا من اجل الحرص على ألا تقوم اسرائيل بأي شيء غير متوقع. وفي عام 1999 نشرت احدى الصحف البريطانية نبأ عن نية رئيس الحكومة نتنياهو تفجير قنبلة نيترونية فوق سماء بغداد اذا هي وجهت ضربة لاسرائيل. فسارع وزير الدفاع في حينه الجنرال اسحق موردخاي الى ميونيخ للاجتماع سرا بوزير الدفاع الاميركي وليام كوهين على متن طائرة من اجل تقديم وعد صارم ومطمئن بأن هذا النبأ عار عن الصحة. مخطط ما بعد العراق؟ تقدّر مصادر اميركية متابعة ان الاوروبيين والدول العربية ووزارة الخارجية الاميركية، جميعا يتطلعون نحو ما يسمى مخطط »اسرائيل بعد العراق«، وقد أثبتت قضية »المقاطعة« في رام الله ان الرئيس بوش الابن يركز حاليا على العراق ولا يريد السماع بأي شيء عن المواجهة الاسرائيلية الفلسطينية مكتفيا بالمبادئ والرؤى التي وضعها في خطابه بتاريخ 24 حزيران الذي دعا فيه الى استبدال القيادة الفلسطينية واقامة دولة فلسطينية على مراحل في غضون ثلاث سنوات. وشارون يعلم جيدا ان ساعة الحقيقة بالنسبة اليه لا بد واصلة بعد ترتيب العراق، وقد صرح في مقابلات صحافية ان »من المحتمل جدا ان الولايات المتحدة سترغب في اظهار تقدم سياسي ربما بسبب اوضاعها الحالية«، وبث إشارات لمرونة مرحلية محتملة من قبيل موافقته على اقامة »دولة فلسطينية مؤقتة« بعد وقف النار في غضون ثلاث سنوات في انتظار فتح مفاوضات الحل الدائم!! لكن هذه التصريحات برمتها تبدو مجرد تسويق في انتظار اجراء الانتخابات المقبلة في كل من اسرائيل والولايات المتحدة على خلفية رفض شارون منح الفلسطينيين اي مكسب سياسي ورفض بوش تقديم اي تنازل في موضوع العراق. اما على المقلب العربي، فثمة في بعض العواصم ما يمكن وصفه بالتجاوب الخجول مع الرغبة الاميركية الجامحة لاحتلال العراق، بل هناك تسريبات عن تعهد الرياض تحمل نصف تكاليف الحملة على العراق مقابل انهاء الازمة التي نشبت بين البلدين في اعقاب هجمات 11 ايلول، وبالتزامن مع الحملة الاعلانية غير المسبوقة على السعودية والحديث عن خطة اميركية للمس بالتضامن المصري والسعودي بعد تغيير النظام العراقي. في هذه الاثناء، تقوم اسرائيل بكل الاحتياطات والاجراءات اللازمة للاستفادة الى اقصى الحد مما يجري من تدابير اميركية في المنطقة. وفي هذا السياق، عين ارييل شارون مستشاره للأمن القومي افرايم هاليفي، الذي ترك الموساد حديثا، ليمثله في ما يسمى »تنسيق الانشطة« بشأن الموضوع العراقي. وفي هذا السياق تُجري اسرائيل اتصالات مع واشنطن حول ضرورة ان يمثل الاميركيون في بداية العملية العسكرية منطقة جنوب العراق المسماة H2 وبذلك تنخفض امكانية ان يطلق العراق من هناك صواريخ في اتجاه اسرائيل. (*) كاتب في الشؤون الاسرائيلية

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة