(1) قصة جيشين على أرض مصر عندما بدأت تلك السنة الحاسمة في التاريخ المصري الحديث: 1952 كان واقع الحال، وراء كل المظاهر والأشكال، يكشف أنه لم تبق في مصر غير جهتين عندهما فصل الخطاب أو على الأقل حق الكلمة الأخيرة، والسبب أن القوة حلَّ دورها في مواجهة مستعصية، ومعادلة تعقدت عناصرها، حتى لم يعد بد من كسرها: إما لفتح طريق يسمح بالمرور، وإما لفك العُقد التي تشابكت ثم إعادة ترتيبها من جديد وفق قواعد مختلفة، وكانت الجهتان هما: { أولا الجيش البريطاني في منطقة قناة السويس باعتبار أن سلاحه هو الملجأ الأخير للسياسة البريطانية التي وصلت إلى آخر الطريق بتصميمها على مواصلة الاحتلال العسكري لمصر رغم قيام وزارة الوفد بإلغاء معاهدة سنة 1936 (يوم 8 أكتوبر 1951). وفي ذلك الموقف فقد كان الجيش البريطاني في منطقة قناة السويس تشكيلا حربيا مقاتلا يدافع عن مواقع إمبراطورية توشك الشمس أن تغرب عنها، لكن الإمبراطوريات في العادة أشد عنفا أوقات الغروب لأنها حينئذ أكثر ضعفا. { ثانيا الجيش المصري العائد من فلسطين بجرحه إلى شعب موجوع بِعِلَل اقتصادية واجتماعية وسياسية. وبصرف النظر عن الأحوال الصحية، فقد كان ذلك الجيش »المجروح« هو الأداة الوحيدة الباقية في يد السلطة القائمة على الأمر في القاهرة وهي سلطة العرش باعتبارها رمز السيادة، وفي يدها سلطة القرار، بصرف النظر عما تفعله أو لا تفعله أي وزارة تقوم على السلطة التنفيذية في مصر. لكن ظروف كل من الجيشين كانت أشد ما تكون اختلافا، فجيش الإمبراطورية التي لحقها الغروب كانت له أحواله وفي ذات الوقت فإن الجيش المجروح (لشعب موجوع) كانت له أحوال مختلفة! كان الجيش البريطاني في قاعدة قناة السويس لحظتها يتكون من أربع فرق إحداها فرقة مدرعة، وقيادته معقودة للجنرال السير »جورج أرسكين«، وتكليف هذا الجيش أن يحافظ على كفاءة القاعدة البريطانية في منطقة قناة السويس لتؤدي دورها في الشرق الأوسط، مرتكزة على تلك المنطقة الحيوية بين البحرين الأبيض والأحمر. وكان تأمين القاعدة هو المشكلة التي واجهت الجنرال »أرسكين« عندما قامت وزارة الوفد بإلغاء معاهدة سنة 1936، وتبدت بعدها احتمالات مقاومة مصرية يصعب تقدير حجمها لكنها مهما كانت، مصدر تهديد للقاعدة يستدعي التأهب. وكانت تقديرات »أرسكين« لمهمته تطرح خطتين: خطة حد أقصى: هي الخطة »روديو« وهي خطة واسعة المدى يقع تنفيذها في حالة اندلاع نوع من الحرب الشعبية ضد القاعدة يستند إلى العمق المصري، وهنا فإن الخطة »روديو« تتسع إلى حد احتلال الدلتا وفيها القاهرة بما يضمن السيطرة الكاملة على منطقة قناة السويس وعلى العمق وراءها عند العاصمة. وخطة حد أدنى: وهي خطة »القاعدة الصلبة« وهي خطة محدودة يقصد بها مواجهة حالة اضطرابات تقتصر على منطقة القناة، وهدف الخطة عزل هذه المنطقة عن الدلتا والقاهرة، ووضعها تحت حكم عسكرى بريطاني مباشر. وفي الواقع فإن تلك كانت الخطة الأكثر واقعية والأقل ضررا من الناحية الإقليمية والدولية، خصوصا إذا كان مستوى المقاومة التي تهدد القاعدة مما يمكن حصره محليا والسيطرة عليه. ولعدة أيام بعد إعلان إلغاء معاهدة سنة 1936، كان القرار البريطاني يتأرجح بين الخطتين: خطة الحد الأقصى (روديو) وخطة الحد الأدنى (القاعدة الصلبة) ومع منتصف شهر نوفمبر (1951) توصل صانع القرار البريطاني إلى أن خطة »روديو« أكبر مما تستدعيه الضرورة، وكذلك فإن الجنرال »أرسكين« اعتمد خطة »القاعدة الصلبة« دون أن يحدد تاريخا لتنفيذها، وإنما تركها معلقة على إخطار لاحق ترتبط مدته بدرجة حرارة الأحداث. وطبقا لوثائق وزارة الدفاع البريطانية (ملف 96864) فإن مقدمة الخطة كانت بالنص التالى: (سري للغاية إعلان من الليوتنانت جنرال السير »جورج أرسكين« القائد العام لقوات صاحب الجلالة البريطانية في مصر بما أن معاهدة التحالف الموقعة في السادس والعشرين من أغسطس 1936 بين حكومة صاحب الجلالة البريطانية وحكومة ملك مصر والتي تم التصديق عليها في الثاني والعشرين من شهر ديسمبر 1936 تخول لحكومة صاحب الجلالة البريطانية حق الاحتفاظ بقاعدة عسكرية لقواته في منطقة قناة السويس بمقتضى شروط وضمانات متفق عليها في نصوص المعاهدة المذكورة مع حصانات وامتيازات تتمتع بها قوات صاحب الجلالة البريطانية... وبما أن هذه المعاهدة بنصوصها تظل ملزمة لأطرافها حتى يتم تعديلها بموافقة الطرفين المتعاقدين... وبما أن الحكومة الملكية المصرية، بالمخالفة لالتزاماتها بنص المعاهدة قامت بإلغائها دون حق ودون اتفاق ودون إخطار مُسبق لحكومة صاحب الجلالة البريطانية... وبما أن حكومة صاحب الجلالة الإمبراطورية رفضت أن تعترف بأي حق للطرف المصري في النكوص عن التزاماته التي وقَّع عليها... وبما أن هناك عمليات عنف جرت ضد أشخاص ومؤسسات وقوات مشمولة بحماية حكومة صاحب الجلالة البريطانية... وبما أن حكومة صاحب الجلالة المصرية عجزت عن توفير الحماية الضرورية المطلوبة ضد هذه العمليات بمقتضى التزاماتها الدولية... وبما أن هناك تهديدات مُعلنة ضد إمدادات القاعدة البريطانية في منطقتي قناة السويس وخطوط المواصلات إليها... بناءً على ذلك كله، فإنني أنا الجنرال »جورج أرسكين« الفارس الحاصل على وسام الإمبراطورية البريطانية والوسام الرفيع »باث« ورفيق الشرف في مجموعة الخدمة الممتازة، وبمقتضى السلطة المخولة لي كقائد عام لقوات صاحب الجلالة البريطانية في مصر أعلن ما يلي: »أنني المسؤول عن حماية قوات صاحب الجلالة البريطانية في منطقة قناة السويس وإلى جوارها كما أنني مسؤول في هذه الحدود عن منع أي تعرض لعمل القاعدة وسلامتها، وسلامة جنودها والعاملين فيها، وكفاءة وسلاسة الخدمات اللازمة لها حتى تؤدي عملها دون تهديد أو تدخل أو تعرض من أي درجة. وفي سبيل تحقيق ذلك فإني أقرر الإجراءات التالية: 1 كل من يقترف عملا أو يشرع في عمل أو يحرض على عمل من شأنه التأثير على عمل القاعدة وجوارها وسلامة العائلات أو الأفراد المشمولين بحمايتي يُعَرِّض نفسه للاعتقال والمحاكمة والعقاب بمقتضى إجراءات ملحقة بهذا الإعلان. 2 سوف تُشَكَّل محاكم عسكرية بريطانية تتولى مسئولية تنفيذ ما يقتضيه هذا الإعلان والإجراءات المُلحقة به، وسوف تكون لهذه المحاكم العسكرية سلطة الاعتقال والاحتجاز والاستجواب والتفتيش والمصادرة. 3 لا يمتد العمل بهذا الإعلان وإجراءاته على المنطقة الواقعة غرب الخط الواصل من بورسعيد إلى الصالحية إلى العباسية إلى طريق القاهرة السويس. إمضاء جورج أرسكين ليوتنانت جنرال ................. ................. على أن سير الأمور لم يستدع كذلك تنفيذ خطة »الحد الأدنى« لأن جماعات المقاومة الشعبية ضد الاحتلال البريطاني في منطقة قناة السويس وجدت نفسها أمام معركة غير متكافئة، وقدر الجنرال »أرسكين« أنه في حاجة إلى جهد بوليسي أكثر من حاجته لجهد عسكري، وهنا فإن الوثائق البريطانية تكشف أنه استدعى خبير أمن بريطانياً يُدعى »مايكل أورورك« وهو مفتش الأمن البريطاني في خدمة وزارة المستعمرات في كينيا، وكلفه بأن يضع لقيادته تقريرا بما يمكن عمله لضبط الأمن في منطقة قناة السويس. وبالفعل جاء »أوروك« وقضى في منطقة قناة السويس أسبوعا كاملا ثم كتب للجنرال »أرسكين« تقريرا اقترح فيه إنشاء قوة بوليس خاص رشح لقيادتها الضابط »كراكنيل« المكلف بالأمن في »إريتريا«، وكان يزكيه في مهمته المصرية أنه تعلم اللغة العربية في »إريتريا«. (ومن المفارقات أن الحاكم العام البريطاني لإريتريا أبدى أنه لا يستطيع في الوقت الراهن أن يستغني عن خدمات »كراكنيل«، وهكذا بدأ البحث عن بديل له من وزارة المستعمرات). ومع انقضاء شهر نوفمبر 1951 بدا موقف الحكومة المصرية حرجا في وطنها وفي الإقليم وفي العالم، فإلغاء المعاهدة أوقف المفاوضات ولم يقدم حلا. ثم إن عمليات المقاومة سببت إزعاجا، لكن تفاوت القوة وإمكانية عزل منطقة قناة السويس عن مصر أدى إلى حالة من الاضطراب. وقد وجدت الحكومة المصرية لِزاما عليها أن تتصرف خصوصا عندما قامت القوات البريطانية »بأعمال تأمين« في جوار منطقة القاعدة استوجبت إخلاء قرى مصرية وهدم مبانٍ واحتلال مواقع متقدمة (في منطقة كفر عبده)، وهو أمر أدى إلى اشتباك بين أهل القرية والقوات البريطانية، مما دعا إلى إرسال قوات من بلوك النظام (نوع من قوات الأمن المركزي المعروفة الآن) لتعزيز الأمن، لكن هذه القوات لم تستطع أن تقف ساكتة إزاء ما يجرى أمامها، ووقع أن عددا من أفرادها وجدوا أنفسهم بدون أوامر ينضمون إلى سكان »كفر عبده« ضد محاولات إبعادهم عن قريتهم وإخراجهم من بيوتهم! وهنا طلب الجنرال »أرسكين« إلى السفارة البريطانية في القاهرة أن تتصل بوزارة الداخلية في مصر لتسحب قوات بلوك النظام من منطقة القناة كلها، والحجة أن هذه القوات خلافا لقوات البوليس النظامية ليست منضبطة، باعتبار أن هذه القوات (غير المدربة جيدا والمعتبرة من الفرز الثاني والثالث من المطلوبين للخدمة العسكرية) أُرسلت على عجل إلى المنطقة في أجواء متوترة وظروف لا خبرة لهذه القوات بالعمل فيها. ورفض وزير الداخلية »فؤاد سراج الدين« (باشا) هذا الطلب، وكان معه الحق بأن يرفض إلى جانب أنه لم يكن قادرا في ذلك الجو الملتهب على سحب قوات قامت بحماية مواطنين مدنيين تعرضوا لعدوان لا شك فيه! وبدأت الأمور تتدافع، وقامت الحكومة المصرية بمجموعة إجراءات رأتها لازمة ليس فقط لمواجهة الطوارئ في منطقة قناة السويس ولكن أيضا لإعطاء معنى لقرارها بإلغاء معاهدة سنة 1936، وهكذا أصدرت مجموعة من القرارات: { تشجيع عمال القاعدة البريطانية على ترك الخدمة فيها حتى تتعطل مرافقها الحيوية (وأهمها خدمات الموانئ). { الاستيلاء على أرض نادي الجزيرة في الزمالك (وكان حتى تلك اللحظة ملكية بريطانية). { استدعاء السفير المصري في لندن إلى القاهرة احتجاجا على التصرفات البريطانية (في كفر عبده). { إصدار قانون يحظر التعاون مع القاعدة البريطانية، وبمقتضى ذلك القانون جرى القبض على متعهد قبرصي اسمه »بابا استراتيس« في الإسماعيلية كان يورد مؤنا للقوات البريطانية، وأكثر من ذلك نجح الأمن المصري في ترحيله خارج منطقة قناة السويس إلى القاهرة، واحتجت السلطات البريطانية على ذلك واعتبرته عملا من »أعمال القرصنة«. وأدت هذه الإجراءات وغيرها إلى أجواء صدام ينتظر احتكاكا وشرارة ثم لهبا. ووقع حادث إطلاق نار في التل الكبير على إحدى سيارات السفارة البريطانية وكانت قادمة من العاصمة قاصدة إلى القيادة البريطانية في منطقة فايد، وأحد ركابها ملحق في السفارة، ومرة أخرى احتجت السفارة البريطانية لدى وزارة الخارجية تنسب ما وقع إلى التحريض المستمر في صحافة القاهرة. وتلى ذلك أن السلطات البريطانية غرب التل الكبير احتجزت ضابط بوليس مصريا برتبة لواء كما احتجزت معه 120 جنديا من جنود »بلوك النظام«، واتهمت الجميع بأنهم رأوا حادث الاعتداء على سيارة السفارة البريطانية ولم يحركوا ساكنا. وحين احتجت وزارة الداخلية على ما جرى غرب التل الكبير عادت السلطات البريطانية مرة أخرى إلى الإلحاح على ضرورة سحب قوات »بلوك النظام« لأنها قياسا إلى قوات البوليس النظامي أقل انضباطا وأكثر ميلا إلى الانسياق وراء التحريض. (2) واقع الحال داخل الجيش المصري كان قرار البوليس في يد وزير الداخلية بتفويض من رئيس الوزراء لكن قرار الجيش في يد الملك، وذلك يطمئنه ويخيفه في ذات الوقت، وكان يدرك بعض الأسباب بالعقل ويستشعر بعضها الآخر بالغريزة دون تحليل أو تأصيل! كان داعي طمأنينة الملك بالعقل معرفته أن ضباط الجيش يقسمون يمين الولاء له وليس لحزب أو زعيم أو رئيس وزارة. وكان شعار الجيش منذ تحولت مصر من خديوية إلى سلطنة إلى مملكة في بداية عصر والده »فؤاد الأول« هو: الله الوطن الملك. ثم حدث (أكتوبر 1944) وبعد إقالة وزارة الوفد (التي جاء بها إنذار بريطاني جرى التمهيد له بحصار قصر عابدين بالدبابات) أن القائد العام للقوات المسلحة أمر بتغيير الترتيب في شعار الجيش بحيث أصبح: الله الملك الوطن. وكان ذلك بالعقل يدعو للطمأنينة اعتمادا على ظاهر الأحوال، لكن المخاوف كانت ملازمة للطمأنينة (بالعقل أيضا) من عدة اعتبارات: { الأول أن رجال الملك الموثوق بهم (الدكتور يوسف رشاد طبيبه الخاص) استطاعوا وسط الجيش إنشاء جماعة سرية تنفذ رغباته إلى حد قتل أعدائه السياسيين وإذا كان »يوسف رشاد« قد استطاع النفاذ داخل الجيش وإنشاء تنظيم سري في قلبه، فما الذي يضمن أن لا يكون هناك آخرون ينظمون وينظمون سرا والقصر هو البادئ بالشر وبالتالى فهو الأظلم! { والاعتبار الثاني أن الجيش جزء من الشعب، وشعور الجزء يصعب أن يختلف عن شعور الكل، وإذا كان الشعور العام في البلد ناقدا للملك وساخطا، وفي بعض الأحيان إلى درجة العداء إذن فإن بعض ذلك لا بد أن يكون موجودا في الجيش ولو بالتسرب أو بالعدوى. { والاعتبار الثالث أن هناك تيارات سياسية في البلد تدرك الأهمية العملية للجيش في الأوضاع الداخلية (باعتباره قوة الإجبار النهائية لسلطة الدولة)، وقد حاولت هذه التيارات أن تجد منافذ تتسلل منها إلى أفراده: سواء الضباط أو ضباط الصف ومن يعرف مدى النفاذ الذي بلغته هذه التيارات وكيف؟! وراء ذلك كانت هناك أسباب أخرى للتخوف لم يدركها الملك »فاروق« تأصيلا أو تحليلا، لكنها في الغالب لم تكن طلسما على بعض رجال القصر، والحقيقة أن نظرة فاحصة ودارسة على أحوال الجيش وقتها كانت كفيلة بأن تكشف عن كثير من أحوال هذا الجيش الذي كان قراره في يد الملك، وكان عرشه مسنودا إليه في نهاية المطاف. ................. ................. ] والشاهد أن جيوش الدول لا تنشأ بقرارات أو قوانين، وإنما تنشأ وتنمو وتعيش في خدمة وصحبة أحلام ومشروعات، تبدأ من طموح أمير إلى خيال إمبراطور، ومن وحى عقيدة إلى بشرى مصلحة، ثم إن هذه الجيوش تمر بتجارب تاريخية طويلة تتبلور وتتركز خلالها رؤاها لمهامها في خضم صراعات مجتمعاتها، ثم تتحول الرؤى إلى ضرورات وقواعد أمن للأوطان التي تسكنها هذه المجتمعات والأقاليم التي تتصل بها وتتحرك في مجالها، ثم تتعمق تلك الضرورات والقواعد من خلال تجارب التاريخ الطويلة حتى تتجلى في نظريات للأمن القومي تستخلص من معاناة الحروب والمعارك والأعلام المخضبة بالدم تقاليد تترسخ بالخبرة والمعرفة وتتجدد مؤسسيا زمنا بعد زمن وجيلا إثر جيل، ثم يكون على كل زمن أن يساهم بفكره وعلمه، ويكون على كل جيل أن يعرض همته وقدرته، وأن يقدم جنوده وأبطاله، لأن فكرة الحرب لا تقوم إلا مع فكرة الوطن والشعب والتاريخ، وهي تحتاج دائما إلى المعنى والرمز (البطولة) وإلا تنازلت فكرة الحرب إلى عملية قتل مُنَظَّم وهي مختلفة عن مهمة الجيوش! وعلى سبيل المثال فإن تجربة الجيش البريطاني على الناحية الأخرى تكفي لشرح فكرة الجيوش، فهى تجربة تبدأ من وقت بروز أمراء الإقطاع إلى زمن ظهور سيطرة الملوك حتى كان ذلك الاقتتال بين العرش والكنيسة، واستعان كل منهما بجيش ثم استحال الحسم ووقع التراضي، فأصبح الملوك يحملون في أيديهم صُلبانا، وأصبح الكرادلة يضعون على رؤوسهم تيجانا، حتى قامت الدولة الإنجليزية الحديثة فاستوعبت التيجان والصُلبان والجيوش، ثم إن الدولة الإنجليزية وجدت نفسها تنافس غيرها من الدول في القارة الأوروبية على تجارة البحار، حتى جاء السباق الإمبراطوري يسوقها إلى الشرق مع غيرها من الإمبراطوريات الأوروبية، وأخيرا أعادها نفس السباق إلى القارة الأوروبية، لأن الإمبراطوريات (مثل الأفاعي!) تُقتل من رؤوسها لا من ذيولها، وكذلك خاضت إنجلترا والإمبراطورية البريطانية كلها حربا عالمية في أوروبا مرة أولى ومرة ثانية. وعبر هذه التجربة الهائلة وطوالها راكم الجيش البريطاني خبرات وتقاليد، وكتب بالعرق والدم وبالدموع أحيانا تواريخ وأساطير، وعرض أمام العالم بالحق أو بادعائه أبطالا من مستوى »مارلبورو« و»ولنغتون« وحتى »آلان بروك« و»مونتغمري«. وفي الزمن المصري الحديث فإن الجيش المصري لم تكن عنده نظرية أمن استراتيجية ترسم وتحدد أهدافا ضرورية ومطلوبة في صراع المصائر. ولا كانت وراءه تجربة تاريخية ترسخ تقاليد دوره. ولا كان في خياله إلهام بطل تدرس حروبه ومعاركه (فضلا عن نظرياته وخططه). والحقيقة أن تركيبة الجيش المصري الحديث ذاتها كانت وحدها كافية لتبيان واقع الحال. فقد كان ضباط الجيش المصري حتى منتصف الثلاثينيات من القرن العشرين خليطا من أبناء أسر تركية وشركسية مما تخلف بعد انقضاء عهود المماليك، ثم طرأ تغيير في منتصف الثلاثينيات أغرت به نُذُر حرب عالمية ثانية وتمثل في السماح بقيام جيش مصري صغير بسلاح بريطاني محدود يمكن تكليفه بخدمات للإمبراطورية البريطانية في حالة حرب محتملة مع ألمانيا وإيطاليا جنوب البحر الأبيض. وقد تحقق هذا التغيير وهو شديد الأهمية في أجواء توقيع معاهدة الصداقة بين مصر وبريطانيا سنة 1936، وعندها وفي عهد وزارة الوفد التي وَقَّعَت تلك المعاهدة تفتحت أبواب الكلية الحربية المصرية لقبول طلبة من أبناء الطبقة المتوسطة يتخرجون ضباطا في جيش راح يتحسس طريقه ضمن مشروع إقامة دولة مصرية حديثة تبحث عن مكان لنفسها وسط منطقة انكشفت فجأة أمام حقائق عصرها. ................. ................. ]يلحق بذلك أنه لا مفر من الاعتراف بأن التاريخ المصري الحديث لم يمنح فكرة البطل العسكري فرصة للاختبار وسط النار. { كان هناك مشروع نجم طاف بالأفق البعيد هو الفريق »عزيز علي المصري« (باشا) الذي أعجب به في ذلك الوقت عدد من ضباط الجيش الشبان، لكنهم حين اقتربوا منه اكتشفوا أن النجم الذي تصوّروه تقادم في الزمن وغاب بريقه في »ثقب أسود« كما يحدث للنجوم في أواخر حياتها. { وكان هناك مشروع نجم ظهر سريعا في فلسطين وهو القائمقام »أحمد عبد العزيز« قائد قوات الفدائيين العاملة على الخط الشرقي للجبهة (خط العوجة غزة بئر سبع الخليل بيت لحم) (وكان من حظي أنني قدمت »أحمد عبد العزيز« لجمهور واسع بهرته صورته حين رآها لأول مرة على الصفحة الأولى لأخبار اليوم) لكن »أحمد عبد العزيز« لسوء الحظ واجه قدره برصاصة طائشة من موقع مصري لم يكن لديه إخطار مُسبق بأن قائد قوات الفدائيين سوف يمر بسيارة جيب قاصدا من مقر قيادته في بيت لحم إلى مقر القيادة العليا للقوات المصرية في المجدل (شمال غزة)، حتى يسوي مع اللواء »أحمد المواوي« مشاكل تتعلق بالتنسيق بين قوات الفدائيين (على الطريق الشرقي) ومجموعة الجيش الرئيسية (على الطريق الساحلي) وهكذا فإن النجم الذي لمع بسرعة ما لبث أن اختفى فجأة. { وكان مشروع النجم الثالث هو اللواء »فؤاد صادق« القائد العام لقوات الجبهة (بعد عزل اللواء المواوي) (وكنتُ شخصيا ممن أُعجبوا زمنها باللواء صادق ورتبت له أن يكتب بانتظام في أخبار اليوم، كما رتبت نشر مذكراته عن الحرب في آخر ساعة، لكن اللواء »فؤاد صادق« كانت له خطط مختلفة، فقد كان مُناه أن يصبح قائدا عاما للقوات المسلحة بدل الفريق »محمد حيدر« (باشا). وعندما تصور اللواء »صادق« أنه لمح إشارة بوعد فقد اعتذر عن عرض أخبار اليوم لكتابة مذكراته (وأعاد إلى الجريدة مبلغ ألف جنيه تسلمها: »مقدم حقوق«) ثم وقع أن إشارة القصر الملكي اختفت دون أن يتحقق وعدها). وربما أن »عبد المنعم رياض« كان مشروع بطل عسكري قيد الظهور، وكانت هناك شواهد تدل على أن »عبد المنعم رياض« قادر على فهم قضية الحرب، وذلك تجلى من خلال إسهامه المتميز في وضع أسس فكرة خطة »غرانيت« (1) التي تحولت في ما بعد إلى الخطة »بدر« التي نفذتها القوات المصرية في أكتوبر 1973 لكن »عبد المنعم رياض« لسوء الحظ استُشهِد ولم يكن هناك عند جسور العبور! ................. ................. ]فى الحقيقة فإن تجربة الجيش كانت دونها عوائق حقيقية، فالجيش لم يكن بعد في خدمة حلم أو مشروع يقدر على الإلهام، وتجربة ترسخ تقاليد تستوجب الاحترام، ولم تكن لديه نظرية أمن وطني تحدد وتُوجه، لأن الوطن كان ما زال يبحث عن استقلاله من قوى أجنبية تعاقبت على حكمه قرونا ممتدة منذ سقطت آخر أسر الفراعنة أمام غزوة الفرس بقيادة قمبيز. وهكذا فإنه لأكثر من عشرين قرنا ظل الأمن المصري مربوطا باعتبارات في الأمن أكبر وأوسع ترسمها إمبراطورية قديمة أوروبية: إغريقية، رومانية، أو خلافة عربية: أموية، عباسية، أو سلطنة: مملوكية، عثمانية، أو إمبراطورية مستجدة: فرنسية، بريطانية، وهكذا. وداخل هذا المجرى التاريخي المضطرب فإن منطق الأمن القومي المصري غاب، ومع غيابه لم تتخلق بالتجربة التاريخية نظرية له، وفي غياب النظرية لم يقع اختبار الصواب والخطأ، وفي العزلة عن اختبار الصواب والخطأ احتجب معنى النصر، كما احتجب درس الهزيمة، ثم إن نموذج البطل الوطني لم يعد مجاله التاريخ، وإنما أصبح مخبأه الأسطورة![ على أنه بصرف النظر عن كل الاعتبارات وفيها التاريخ والتجربة فإن منطق الضرورة ومقتضى السياسة كان الآن (بداية سنة 1952) يواجه الملك بحقائق لا يستطيع أن يدير بصره عنها: { الحقيقة الأولى أنه هذه اللحظة (من أواخر سنة 1951 وأوائل سنة 1952) ليس أمامه غير أن يترك حكومته تفعل ما بدا لها، بما في ذلك إلغاء المعاهدة بين مصر وبريطانيا (1936) ومع أنه كان واثقا من أن هذا الإلغاء تم لاعتبارات حزبية، وأنه وقع دون استعداد لعواقبه فإنه من جانبه لم يكن يملك غير التصديق على ما قدمته الوزارة إليه، رغم اعتقاده في أعماقه »بأن الوزارة تنتحر وهو لسوء الحظ لا يستطيع أن يمنعها والمهم بالنسبة له أن لا تؤثر محاولة الانتحار عليه وعلى عرشه«. { والحقيقة الثانية أنه من نتيجة إلغاء معاهدة سنة 1936 وتداعياته أن الجيش البريطاني استفرد بمنطقة قناة السويس (ثلاث محافظات) ومضى يحاول إخضاعها لإرادته بأقصى درجة من القمع، وأقل قدر من الخسائر. { والحقيقة الثالثة أن الملك بذل قُصارى جهده حتى لا تتورط قوات الجيش المصري سواء تلك المُرابطة على الحدود شمال سيناء، أو تلك التابعة لقيادة المنطقة الشرقية في الإسماعيلية فيما يقع داخل منطقة القناة. وقد تحقق له ما أراد بشبه معجزة ولولاها لانفلت الزمام ووقع المحظور، وضمن احتمالاته أن تجد القوات المصرية سواء على الحدود في سيناء أو عند مواقع المنطقة الشرقية في الإسماعيلية نفسها محصورة بين قوات بريطانية تحاول نزع سلاحها من جانب ومن الجانب الآخر قوات إسرائيلية تنتهز الفرصة لتصفية وجودها في قطاع غزة وفي رفح والعريش! { والحقيقة الرابعة أنه مع انتقال الأزمة من منطقة قناة السويس إلى القاهرة، فإن الملك: ... بواقع أن الحكومة مطالبة بخطوة في الرد على ما جرى في الإسماعيلية... ... وبحقيقة أن قوات المقاومة الوطنية التي كانت تواجه الإنجليز في منطقة القناة استدارت راجعة إلى القاهرة... ... وباحتمال أن هذه الأجواء المشحونة في العاصمة أصبحت أشبه ببرميل بارود ينتظر عود كبريت... لم يعد وراءه (وأمامه) أكثر من أي وقت مضى إلا سند الجيش. { والحقيقة الخامسة وهي استخلاص منطقي لكل ما سبق أنه والأمر كذلك فإن الملك مسؤول مباشرة عن ضمان تأمين جيشه بنفسه أو بواسطة رجاله الموثوقين بحيث تتأكد له السيطرة على الجيش نظاما وكذلك تنظيما. وكان ذلك الاعتبار بالتحديد هو ما دعا القصر إلى التدخل بشدة في انتخابات مجلس إدارة نادي ضباط القوات المسلحة في ديسمبر سنة 1951. ولم يكن القصر الملكي وحده هو الذي اهتم تلك الساعة الحرجة بانتخابات مجلس إدارة نادي ضباط الجيش، وإنما اتسعت دائرة الاهتمام فوصلت إلى كل حزب سياسي، بل وإلى كل سفارة أجنبية. وكانت وراء ذلك دواعٍ مجملها أن هذه الانتخابات سوف تكون بمثابة مرآة تنعكس عليها ولو بطريق غير مباشر أحوال القوات المسلحة المصرية ومشاعرها التي تبدو عصية على الرصد والمتابعة والاستقراء من خارجها. والحاصل أن الجيش بدا لجميع المراقبين في الداخل والخارج منطقة معرضة لتفاعلات ضرورية بالطبيعة لكن الصورة ظلت غيوما على الأفق: فهناك تداعيات الظروف التي نشأ فيها الجيش وتطور في السنوات القريبة. وهناك تأثيرات المحيط الاستراتيجي والسياسي الذي جاء بعد الحرب العالمية الثانية ووصلت حقائقه إلى الجيش ولو أصداء من بعيد (وفيه حادث 4 فبراير 1944). وهناك العلاقة الملتبسة بين ولاء الجيش بهيئته الكاملة للملك وبين قيام تنظيم داخل الجيش مرتبط به مباشرة ومكلف بتصفية أعدائه (إلى درجة القتل كما حدث لأمين عثمان أو محاولة القتل كما حدث مع »النحاس« (باشا) ). وهناك الانكشاف الفكرى لشباب جيش ينشأ مستجدا في وطن يحاول نيل استقلاله بعد الحرب العالمية الثانية، وهو في محاولته مفتوح لقوى وتيارات فكرية بعضها في قوة العاصفة التي انطلقت من كل قيد (وبعضها واصل ليؤثر داخل الجيش لأن الجيش ليس بوتقة مفرغة من الهواء). وكان واضحا أن بعض المؤثرات وصلت: الإخوان المسلمون، والتنظيمات الشيوعية (بالذات تنظيم »حدتو«)، بل ومن ناحية أخرى حركة »مصر الفتاة«. وأكثر من ذلك فإن بعض الأسر ومنها عائلات »عبد الغفار« و»سراج الدين« وغيرها تذكرت فجأة أن لها أبناءً يخدمون في الجيش ضباطاً وصل بعضهم إلى أعلى الرتب، وهكذا بدأ »الباشوات« يستدعون شبانا من أقاربهم انتظموا في سلك الضباط ليسمعوا منهم وأكثر من ذلك نشط في مجال الاتصالات والحصول على المعلومات بعض ضباط الجيش من أصهار الأسرة المالكة نفسها، وفي تلك الفترة ظهر في نوادي الطبقة الراقية (كما كانوا يسمونها وفيها نادي السيارات ونادى الفروسية ونادى الجزيرة) عدد من الضباط لم يكن لهم سابق تردد عليها، لكنهم في ظروف طارئة وجدوا طلبا عليهم تمتعوا بمباهجه دون أن يسألوا عن حساباته! وكانت هناك تجربة دخول حرب فلسطين وما تبعها وواكبها ولحقها من أحداث جِسام ساقت إليها الفوضى أكثر مما دعت الحكمة، وفي غِمار تلك الفوضى جرى تكليف الجيش بمهام الأمن الداخلي أثناء إضراب البوليس أوائل سنة 1948 ثم صدر الأمر إليه بخوض حرب بلا مقدمات وبغير استعدادات (في مايو 1948)، ثم فوجئ بصراع مسلح داخل عاصمة الوطن التي تملك قرار الحرب وصلاحية توجيهها، فقد وقع اغتيال رئيس الوزراء داخل مبنى وزارة الداخلية ووقع اغتيال مرشد الإخوان المسلمين في أكبر شوارع العاصمة وهنا فإن قيادات التشكيلات في الميدان وصلتها التعليمات باعتقال جنود وضباط في وحداتها، بعدما أظهرت التحقيقات في قضايا الاغتيالات أن لهم صلة بتنظيمات إرهابية (ووصل عدد الذين طلب ترحيلهم ما بين شهر سبتمبر إلى شهر ديسمبر 1948 من ميادين القتال إلى العاصمة تحت القبض والحراسة 2100 عنصرا من المجندين و28 من سلك الضباط). وأسوأ من ذلك فإن الجيش المصري الذي خاض تجربة فلسطين وجد نفسه بعد وقف إطلاق النار موزعا على ستة جيوب: جيب مُحاصر في الفالوجة وجيب وحده في قطاع غزة وجيب محيط بالقيادة العامة في العريش وجيب تابع للقيادة الشرقية في الإسماعيلية وجيب موزَّع حول القيادة المركزية في القاهرة وذلك غير الوحدات العاملة في إطار الحرس الملكي، وفوق الجميع قيادة عامة بهيئاتها وطواقمها يشرف عليها ضباط أطلق عليهم اللواء »فؤاد صادق« (باشا) القائد العام لقوات الجبهة في رفح وصف »حربجية الورق« (يقصد ضباط المكاتب)! وكان مؤدى ذلك ومعناه أن القوة الرئيسية التي يعتمد عليها النظام العرش والجالس عليه معرضة ومكشوفة أمام خطر يصعب تقدير درجته ومداه لكنه الآن وهذه اللحظة (ديسمبر 1951) فإن انتخابات مندوبي أسلحة الجيش المختلفة إلى مجلس إدارة نادي ضباط الجيش سوف تكون أول قياس عملي لما هو خفي داخل الجيش وتحت السطح، وفي نفس الوقت فإن وجود مجلس إدارة منتخب لنادى ضباط الجيش ربما يخلق لأول مرة نوعا من القيادة المعنوية موازيا للقيادة الرسمية. وهكذا فإن السفير البريطاني في القاهرة السير »رالف ستيفنسون« يكتب يوم 6 ديسمبر سنة 1951 إلى وزارة الخارجية البريطانية (529/1/1011) قائلا: »إن الأهمية المعلقة على وقائع الاجتماع الذي يُعقد يوم الاثنين 31 ديسمبر 1951 لاختيار مجلس إدارة نادي ضباط الجيش هي مما لا يخفى على أحد والحقيقة أن انعكاساتها بالغة الأهمية Very Considerable )بنص تعبيره)«. ثم يبين أن السفارة البريطانية في اهتمامها بانتخابات نادي الضباط لا تريد نظرا لأهمية الموضوع أن تعتمد على مصدر واحد، وهنا فإن تقارير السير »رالف ستيفنسون« تشير إلى نشاط ثلاثة مصادر في آن واحد راح يعتمد عليها وفي الغالب دون قصد شرير سواء من جانبه أو من جانب من سعى لمعرفة ما عندهم: كان لديه بالطبع مصدره الرسمى وهو البريغادير »توماس غولبرن« الذي تظهر تقاريره أنه كان على علاقة ود مع كثيرين من كبار الضباط، بينهم اللواء »فؤاد صادق« واللواء »أحمد شوقي عبد الرحمن« (مدير إدارة الملحقين العسكريين الأجانب) واللواء »محمود صبحي« مدير الكلية الحربية (وأحد المرشحين لمجلس إدارة النادي). وكان لديه ابن أخ ل »أحمد عبد الغفار« (باشا) قطب الأحرار الدستوريين المعروف (وهو القائمقام »محب عبد الغفار« وكان متزوجا من السيدة »فاطمة أبو العزيز« وهي وصيفة شرف في القصر الملكي وكلاهما كان من نجوم المجتمع المصري في تلك الأوقات). وكان »أحمد عبد الغفار« (باشا) يسمع من ابن شقيقه ويتحدث مع السفير البريطاني وغيره في الإطار العام لعلاقات اجتماعية مقبولة ومشروعة. وكان لديه أيضا طبقا لتقاريره معلومات يحصل عليها من الدكتور »إبراهيم قدري« وكيل وزارة الزراعة (ومدير حديقة الحيوانات في نفس الوقت) وكان شقيقا للعميد »جلال قدري« الذي رأس جلسة الجمعية العامة لنادي ضباط الجيش مساء يوم 31 ديسمبر 1951). وعلى سبيل المثال يكتب السير »رالف ستيفنسون« بناءً على معلومات من الدكتور »إبراهيم قدري« (وذلك تقريره) ما نصه: »لقد حضر الاجتماع 450 ضابطا وذلك عدد لا يستهان به إذا أخذنا في الحسبان أن معظم ضباط الجيش كانوا في مواقع خدمتهم بالضرورة«. ثم يقول السفير البريطاني: »واللافت إلى آخر حد أن المرشحين الذين كان معروفا أن القصر يريدهم، سقطوا جميعا. فقد رفضت الجمعية العامة اختيار الفريق »محمد حيدر« (باشا) القائد العام للجيش »رئيسا فخريا« للنادى كما كانت رغبة القصر. كذلك سقط أبرز مرشحي الملك وهم »عثمان المهدي« (باشا) (رئيس أركان الحرب وقائد الحرس الملكي قبل ذلك) الذي رشح نفسه لرئاسة النادي، وأهم من ذلك سقط الأميرالاي »حسين سري عامر« قائد سلاح الحدود وهو المعتبر رجل الملك الأهم في الجيش، بل إن الجمعية العامة وهي تختار مندوبي أسلحة الجيش إلى مجلس إدارة النادي أبدت اتجاها معاديا لحسين سري عامر وصل إلى حد تعليق وضع سلاح الحدود بادعاء أن اختصاصه أقرب إلى البوليس منه إلى الجيش«! والأشد من ذلك إحراجا أن اللواء »محمد نجيب« جرى انتخابه رغم أن الملك أقصاه عن قيادة سلاح الحدود وعيّن بدلا منه الأميرالاي »حسين سري عامر« بعد أن رَقَّاهُ إلى رتبة لواء«. (3) العاصمة تلهو في حقل ألغام! كانت نتائج انتخابات مجلس إدارة نادي ضباط القوات المسلحة صدمة عنيفة للقصر الملكي ومن فيه. وكان »حسن يوسف« (باشا) القائم بأعمال رئيس الديوان على اعتقاد لم يتزحزح عنه (طبقا لشهادته المسجلة بصوته) مؤداه أنه »إذا فقد الملك »فاروق« تأييد الجيش فقد سقطت الملكية« لكن مشكلة »حسن يوسف« (باشا) أن شؤون الجيش بعيدة عنه، لأن الفريق »محمد حيدر« (باشا) يتكفل بالجانب الرسمي منها، كما أن الدكتور »يوسف رشاد« يتولى خطوط الاتصال الخفية بين القصر وبين عدد من ضباط القوات المسلحة، وفي تلك الفترة لحق به آخرون غيره، فقد ظهر دور متزايد للواء »محمد حلمي حسين« قائد الجراجات الملكية (وهو في الأصل سائق سيارة الملك)، وكذلك للواء »حسين سري عامر« القائد الجديد لسلاح الحدود. وكانت مشاعر الملك في تلك الأوقات خليطا يتذبذب: ما بين ثقة متزايدة بالنفس بغير مبرر إلى شعور بالإحباط لدرجة اليأس بغير داع وقد تملكه شعور بأنه يقف وحده في مواجهة أزمة ضاقت سُبُلْ حلها وليس هناك من يساعده أو يشير عليه بما يرضيه، وكان توجهه عنيدا نحو ضرورة تغيير الوزارة كخطوة أولى. ومع أن التغيير بدا له مخاطرة، فإن بقاء الأوضاع على حالها بدا له أخطر »مئة مرة«! وفي الأسبوع الأول من شهر ديسمبر 1951 استقبل الملك (دون إعلان) »نجيب الهلالي« (باشا) وعرض عليه رئاسة الوزارة مرة ثانية، وطبقا لنجيب الهلالي (باشا) نفسه فقد كان »منطق الملك حين قابله مرتبا بأكثر من العادة لكنه كان في النهاية سطحيا كما هى العادة!«. قال له الملك »إن الوقت قد حان لتغيير الوزارة لكنه حتى هذه اللحظة لا يريد أن يجعل من التغيير »انقلابا في البلد«، بل يكفيه أن يكون انقلابا في الوفد«، بمعنى أنه يطلب من »الهلالي« (باشا) تشكيل وزارة تجذب إليها كتلا كبيرة من نواب الوفد وأقطابه الغاضبين من »فؤاد سراج الدين« (باشا) وبينهم في تقدير القصر اثنان من الكبار هما: »عبد السلام فهمي جمعة« (باشا) (رئيس مجلس النواب الوفدي الدائم) و»محمود زكي العرابي« (باشا) (رئيس مجلس الشيوخ الوفدي الحالي) ومعلوماته أن وراءهم كثيرين غيرهم، يعرف الملك من مصادره أنهم لا ينتظرون غير إشارة، ثم إذا هم جاهزون لإنقاذ حزب الوفد وتاريخه ووزارته استجابةً لنداء من رجل في حجم »نجيب الهلالي« (باشا). وأحس »نجيب الهلالي« (باشا) (وفق ما روى) أن تلك توصية »حسن يوسف« (باشا) لأن ما طرحه الملك كان »سيناريو سمعه »الهلالي« من قبل واعترض عليه ولا يزال يعترض لنفس الأسباب وأهمها أن مثل ذلك »السيناريو« يحتاج إلى وقت ويحتاج إلى ظروف يمكن فيها ضبط رد فعل »النحاس« (باشا) وحصره، لأنه إذا أحس »النحاس« بأن هناك مؤامرة عليه، فهو قادر على أن »يقلب الدنيا« بما لا يتوقعه أحد«! وفي نفس الأسبوع استدعى الملك لمقابلته »حافظ عفيفي« (باشا) (وهو السياسى المخضرم ورئيس مجلس إدارة بنك مصر وقتها) وفوجئ »حافظ عفيفى« بأن الملك يسأله »كيف يستطيع أن يخدم العرش في الظروف الراهنة ويخدم البلد«؟ وأحس »فاروق« أن »حافظ عفيفي« ليس لديه جواب واضح. وأبدى ضيقه قائلا: »إنه لا يُعقل أن ساسة البلد الكبار يتهربون من المسؤولية خائفين ويتركونه وحده«. وروى »حافظ عفيفي« لنجيب الهلالي (باشا) أنه أحس خلال مناقشة طالت نصف ساعة أن الملك في حالة ضيق، وأنه حاول شد أزره بما معناه »أنه لا يوجد وطني مصري لا يصدع بأمر يراه »جلالة الملك« لازما في هذه الظروف«. وأبدى الملك أن الضرورة أصبحت تفرض تغيير الوزارة، ورد »حافظ عفيفي« بأنه مع »جلالة الملك« في ضرورة تغيير الوزارة، لكنه يرى أن هذا التغيير لا يتم إلا بتمهيد سياسي يتولى »تحضير الأرض له«. وأبدى الملك »أنه يوافق«، لكنه على »حافظ« (باشا) أن يتفضل ويمهد. وفوجئ »حافظ عفيفي« (باشا) بأن الملك يعرض عليه رئاسة الديوان الملكي حتى يكون بجواره ويقوم بالتمهيد، ولم ينتظر الملك وإنما استطرد »إذا كنت تتصور أن ذلك يُضايق »حسن يوسف« فأنا أطمئنك إلى أن »حسن« نفسه أول من يرحب بمجيئك إلى الديوان، لأنه أول من يشعر أن الموقف »صعب« عليه. أضاف الملك »إن حسن يوسف كان هو الذي اقترح عليه تعيين »عبد الفتاح عمرو« مستشارا سياسيا له بعد أن قررت الوزارة سحبه من سفارة لندن احتجاجا على التصرفات البريطانية في منطقة قناة السويس، ومعنى ذلك أن »حسن يوسف« يشعر بحاجة القصر إلى »طاقم سياسي كامل« يتحمل المسؤولية. وأثناء المناقشة وبطريقة عرضية، وفي شأن ما يجري في منطقة قناة السويس، واحتمالات ما يمكن أن يجري سياسيا خارج تلك المنطقة، وَجَّهَ »حافظ عفيفي« سؤالا عن: »إذا كان لدى »مولانا« تقدير موثوق به للأحوال في البوليس؟« ورد الملك وبسرعة قائلا »إنه لا يعرف«. وواصل »حافظ عفيفي« أسئلته، وكان سؤاله التالي »عن الموقف في الجيش« ورد الملك بسرعة أيضا قائلا له: »لا تحمل هَمْ هذه المسألة، فهي »شغلي«، وأنا أتولاه بنفسي«. وفي نهاية اللقاء لم يكن أمام »حافظ عفيفي« (باشا) مفر من القبول، وكان آخر سؤال وجهه إليه الملك هو »عليك يا باشا« أن تفكر في من أستطيع أن أكلفه بتشكيل الوزارة في هذه الأجواء؟ ورد »حافظ عفيفى« (باشا) بأنه سوف يفكر، لكنه يريد توجيها يؤشر إلى حدود الاختيار ومواصفاته في رأي الملك، وقال »فاروق« »إنه عرض الوزارة على »الهلالي« لكن »الهلالي خائف أكثر منك«! ويوم 25 ديسمبر قبل انتخابات نادي ضباط الجيش بأقل من أسبوع، صدر المرسوم الملكي بتعيين »حافظ عفيفي« (باشا) رئيسا للديوان الملكي. وكان القرار مفاجأة لرئيس الوزراء »النحاس« (باشا) وكان القرار أكثر من مفاجأة بالنسبة لوزير الداخلية »سراج الدين« الذى أدرك بحسه أن تلك مقدمات انقلاب وزاري تضيع به فرصة رئاسته للوزارة ربما إلى الأبد. ويوم 12 يناير 1952 كتب السير »سيسيل كامبل« (عميد الجالية البريطانية في مصر، وكان ما زال قائما على الاتصالات السياسية بعدما توترت العلاقات وتعطلت الجسور بين الوزارة والسفارة البريطانية) تقريرا عن مقابلة أجراها مع رئيس الديوان الملكي الجديد (وهو من الأصل صديق حميم له)، وقد سجل السفير البريطاني تقرير عميد الجالية البريطانية تحت تصنيف »سري جدا« (رقم ج 52/5/1011)، وبعث به إلى وزارة الخارجية البريطانية قائلا: »بدأت فسألت حافظ (باشا) عن صحته، وأجاب بأن صحته على ما يرام«. وأضاف »ولكني يا صديقي في ورطة تصل بى إلى حد اليأس«، وهنا تدخلت زوجته (السيدة فردوس هانم (ابنة »أمين باشا سامي«) صاحب »تقويم النيل« وهو واحد من أهم المراجع عن أحوال مصر واقتصادياتها وسياساتها) قائلة لسيسيل كامبل »هو في موقف صعب ولكن لا تصدقه إذا قال لك أنه تعيس، لأن السياسة غرامه، وأنا لم أره في أحوال طيبة كما أراه الآن عندما عاد إلى العمل السياسي قبل أيام زادت على ذلك قولها »حافظ روحه في السياسة«. ويستطرد السير »سيسيل كامبل« في تقريره: »دخل »حافظ عفيفي« في تحليل للموقف فقال إنه عندما قَبِلَ رئاسة الديوان كان يعرف أنه مُقْبِل على مهمة صعبة تقتضي منه تضحيات جسيمة، لكنه عندما درس الموقف وجد أن المسائل أكثر صعوبة مما تصور، وأكثر حساسية، فحكومة الوفد لم تكن مستعدة بخطة لما بعد تعطل المفاوضات، وهي على استعداد لأن تشجع أجواء العنف في البلد إلى درجة تسميم الأجواء والوصول بالموقف إلى درجة يستحيل بعدها على أي حكومة غيرها أن تحل محلها!«. (علق السفير البريطاني على هذه الفقرة في برقية إلى لندن بقوله »إن حكومة الوفد تتصرف باعتقاد أن تأزيم الموقف معنا هو بوليصة التأمين على حياتها في السلطة!). ويستطرد السير »سيسيل كامبل« في تقريره فيقول: »إن حافظ عفيفي ذكر له أن حكومة الوفد مصممة على تصعيد حِدَة الأزمة معنا، وذلك وصل بهم إلى حد أنكم لو عرضتم عليهم تحويل بريطانيا ذاتها إلى محمية مصرية فإنهم سوف يجدون عذرا للرفض«. وطبقا لسيسيل كامبل فقد استطرد »حافظ« (باشا) يقول »المشكلة في الوفد أنه لم يعد فيه الآن مسؤول تستطيع أن تبحث معه مشكلة وتجد عنده مشروع حل أو منطق رد: فالنحاس (باشا) أصبح حالة مستعصية على أي حديث نافع، و»فؤاد سراج الدين« رجل لا يوثق به لأنه »كذاب بشع« A Frightful Liar ، و»محمد صلاح الدين« هو الرجل الوحيد (في المجموعة) الذي يستحق الاحترام لأنه أمين ومخلص، ومن سوء الحظ أن عدم استطاعته التوصل إلى شيء في التفاوض معكم (مع الإنجليز) أحرجه وأصابه بالقنوط!«. يستطرد السير »سيسيل كامبل« في تقريره فيقول »إنني سألت »حافظ« (باشا) مباشرة »ما هي الصعوبة في تغيير الوزارة الحالية؟« ورد قائلا »المشكلة أن إقالة الوزارة لا بد أن يتبعها حل مجلس النواب والدعوة إلى انتخابات عامة في ظرف ثلاثة شهور، ولا بد للملك أن يتحَوَّط لذلك بإعلان الأحكام العُرفية، وهذه تحتاج في فرضها إلى سلطة الدولة، والعُقدة الصعبة أن الملك لا يستطيع أن يراهن على أجهزة هذه السلطة، فلا البوليس يمكن الاعتماد عليه ولا الجيش يمكن الاعتماد عليه«. واستطرد السير »سيسيل كامبل« »في تقدير »حافظ« (باشا) أنه في حالة مواجهة فإن 70$ من قوة البوليس يصعب ضمان أدائهم لواجبهم، وال 30$ الباقين يمكن ضمانهم، وذلك ليس كافيا لقبول المخاطرة. وفي ما يتعلق بالجيش فإن القصر لسوء الحظ كافأ بالرُتَبْ والنياشين والترقيات الاستثنائية ضباطا لا يستحقون، وبالتالي فإن القصر ضَيَّع بعض هيبته أمام ضباط الجيش«. ويزداد إلحاح السير »سيسيل كامبل« على رئيس الديوان الملكي في سؤاله عن تصوره للمخاطر، ويقول »حافظ عفيفي« وينقل عنه السير »سيسيل كامبل« »الذي أخشى منه هو ثورة شاملة تطيح بنا جميعا، وما أركز عليه الآن هو محاولة تدعيم الموقف في الجيش، وهو ما أراه حتى الآن ممكنا، رغم أنني أرى دواعي للشر كثيرة. وبالنسبة للبوليس فإنني أدرس الآن أحواله لأني أريد أن أتأكد ما إذا كان موقفه ميؤوسا منه أو أنه ما زال هناك أمل. يبقى أن الموقف في الجامعات سيئ جدا سواء بين جموع الطلبة أو صفوف هيئات التدريس!«. ويصل السير »سيسيل كامبل« إلى توجيه سؤال محدد لحافظ عفيفي (باشا) عن من هو رئيس الوزراء المُحْتَمل في حالة تغيير وزاري إذا اقتضت الظروف. ويرد »حافظ عفيفي« »أنه يعرف أن الملك عرض على »الهلالي« (باشا) رئاسة الوزارة وأنه اعتذر، وقد قابل »نجيب الهلالي« بعد ذلك وأحس أنه »غير واثق في البوليس« وهو يستطيع أن يفهمه. ومع ذلك فهو يظن أن »نجيب الهلالي« سوف يكون مرشحا جاهزا إذا لم يكن عليه تحمل الصدمة الأولى التالية لإقالة وزارة الوفد، بمعنى أنه لا بد قبله من رئيس وزراء يستطيع مواجهة ظرف الإقالة واستيعابه، وبعدها تكون الأرضية جاهزة لوزارة يرأسها »الهلالي« وترتب لعملية إصلاح داخلي آن أوانه. ويستطرد رئيس الديوان في حديثه مع عميد الجالية البريطانية في مصر ليقول: »إنه شعر أثناء مقابلته للملك أنه كاد في لحظة من اللحظات يعرض عليه رئاسة الوزارة، ولم يكن يريد أن يضع الملك أمام اعتذار آخر بعد اعتذار سبق من »نجيب الهلالي«، وإلا استقر في يقين الملك أن الكل يهرب وأن الجميع خائفون!«. والحقيقة أنه يفكر في سياسي يكون لديه الاستعداد لصدمة ما بعد إقالة وزارة الوفد، وهو بالطبع لا يثق في »حسين سري« (باشا) ولا يراه صالحا لهذه المهمة، فالرجل باع نفسه بالكامل لأحمد عبود (باشا)، وهو »الشرير الأكبر« في مصر الآن، لأنه رجل يريد أن »يشتري« مصالحه ويبيع »كل شيء«!«. واصل »حافظ عفيفي« (باشا) كلامه مؤكدا أن الثلاثي الأكثر خطرا على الملك وعلى البلد الآن هُمْ: »أحمد عبود« (باشا) »إلياس أندراوس« (باشا) و»كريم ثابت« (باشا)، وكان تواطؤ الثلاثة هو ما دفع الملك إلى تصرفات غير مأمونة العواقب في الظروف الحالية. وأضاف »أنه يتمنى لو استطاع إقناع الملك بأن يصم أذنيه عن سماع »إلياس أندراوس« و»كريم ثابت«، وأما »عبود« فمن الممكن الحد من ضرره إذا لم يجد رئيس الوزارة الذي يستطيع أن »يوظفه«!«. وفي ختام المقابلة أشار رئيس الديوان الملكي لعميد الجالية البريطانية بأنه يفكر في اتجاهين: ( اتجاه الجيش وهو ينوي أن يقترح على الملك أهمية التخلص من القائد العام الفريق »محمد حيدر« (باشا)، ومع أن الرجل (حيدر باشا) ليس فاسدا إلا أنه فقد مصداقيته في الجيش وكذلك ينوي اقتراح إنهاء خدمة »عمر فتحي« (باشا) قائد الحرس الملكي، وخدمة »عثمان المهدي« (باشا) رئيس هيئة أركان حرب الجيش المصري. وهو يفكر في ذات الوقت أن يقترح اسم اللواء »فؤاد صادق« (باشا) (قائد قوات الجبهة) لكي يحل محل »حيدر« (باشا) قائدا عاما للجيش المصري. { ثم اتجاه رئاسة الوزارة، وهو في ذلك الصدد يرى (مع ما في الرأي من مجازفة) أن »علي ماهر« (باشا) هو الرجل القادر على مواجهة صدمة ما بعد إقالة »النحاس«، والداعي أن »على ماهر« (باشا) في هذا الشأن »مجرب وله سوابق«! وفي اليوم التالي كان السير »سيسيل كامبل« على موعد مع »أحمد عبد الغفار« (باشا) قطب الأحرار الدستوريين، وقد نقل عنه في تقرير كتبه وسلمه للسير »رالف ستيفنسون« الذى صنفه »سري للغاية« (رقم ج 52/8/1011) وبعث به إلى وزارة الخارجية في لندن: أبلغني »أحمد عبد الغفار« (باشا) بما يلي: أن »حافظ عفيفي« (باشا) طلب منه أن يحصل على كل معلومات يستطيع الحصول عليها عن الأحوال في الجيش من ابن أخيه (القائمقام محب عبد الغفار)، وأن يجعله مصدرا ثابتا للمعلومات ويقنعه بأنها خدمة وطنية، ويضمن كتمانه بقسم على القرآن يلزمه بحفظ السر! علم »أحمد عبد الغفار« أن »حافظ عفيفي« (باشا) يتوجس شرا من البوليس، وكذلك رتب له موعدا مع »إبراهيم عبد الهادي« (باشا) زعيم السعديين الذي أكد له أن لديه صلات في البوليس يستطيع أن يعتمد عليها، وأنه إذا أخطره رئيس الديوان قبل أيام من التغيير الوزاري أن اللحظة حانت، فهو كفيل بضمان طاعة البوليس وولائه. أن »حافظ عفيفي« عندما قابل الملك، واقترح عليه الاستغناء عن خدمات »حيدر وعثمان المهدي وعمر فتحي« لأنهم يسيئون إليه رد عليه الملك بحدة قائلا »هؤلاء أناس مخلصون لي« وأجابه »حافظ عفيفي« »بأنه يظن أن جلالة الملك يحتاج الآن أكثر إلى رجال لديهم ثقة الجيش واحترامه، وأن رجلا مثل اللواء »فؤاد صادق« يستطيع خدمته أفضل منهم«. أن »أحمد عبد الغفار« (باشا) ألح على »حافظ عفيفي« بأن لا يتردد في تولي رئاسة الوزارة إذا عُرضت عليه، لكن »عفيفي« بدا مترددا، و(يظهر أنه ما زال قلقا من ولاء البوليس) وذكر له صراحة »إن المشكلة الأكبر هي إقناع الملك »فاروق« بضبط تصرفاته، فهذه هي النقطة المحورية، ولهذا فهو يظن أن بقاءه في رئاسة الديوان الملكي أكثر فائدة في التأثير على تصرفات الملك، وأما رئاسة الوزارة وتَحَمُّل صدمة ما بعد إقالة وزارة الوفد فإن رجلا مثل »علي ماهر« أكثر استعدادا لها وقدرة عليها. ويكتب السير »سيسيل كامبل« ملحقا يضيفه إلى تقريره فيذكر »إن تقدير »حافظ عفيفي« أن الحكومة البريطانية تستطيع أن تساهم في حل الأزمة إذا هي طرحت مشروع حل للمسألة المصرية أكثر كرما، على أن يظل هذا الحل سريا وموجودا في خزينة السفارة ليقدم كجرعة تقوية لوزارة ما بعد الإقالة، حتى لا يضيع عليها وقت كبير في التردد والانتظار!«. على أن وثائق الخارجية البريطانية تظهر حتى ذلك الوقت أن حكومة الوفد واصلت حركتها وكأنها في وادٍ آخر: وينقل السفير البريطاني السير »رالف ستيفنسون« عن »إلياس أندراوس« (باشا) أن »فؤاد سراج الدين« (باشا) يتصور أن فرصته لرئاسة الوزارة تتحسن لأنه »الوحيد الذى يقدر على ضمان ولاء البوليس!«. وينقل عن رئيس الديوان أن الملك »فاروق« تصرف مع »النحاس« (باشا) بصلف شديد شجعه عليه أن رئيس الوفد لم يتصرف »بالحساسية الواجبة في مثل هذه الظروف«، فقد انتهز فرصة مناسبة رسمية واقترب من الملك »فاروق« يسأله إذا كان يسمح له أن يتقدم إلى جلالة الملك بقائمة إنعامات بألقاب على بعض وزرائه وأعوانه في المناسبة السعيدة لميلاد ولي للعهد. وفقد الملك أعصابه أمام الحاضرين ووجه حديثا غاضبا إلى رئيس وزرائه قائلا له: »هل هذا وقته يا باشا؟ في هذه الظروف التي تعيش فيها البلد تريد »رفعتك« بكوات وباشوات ونياشين توضع على صدور وزرائك وأنصارك وكلهم لا يساوون«. وانعقد لسان »النحاس« (باشا). وفي هذا الصدد يضيف السير »رالف ستيفنسون« نقلا عن السير »سيسيل كامبل« أن »حافظ عفيفى« (باشا) رئيس الديوان قال له »إن الملك يعامل »النحاس« و»فؤاد سراج الدين« معاملة الكلاب As if they were very little dogs كما كتب بالنص! (البرقية رقم ج 52/11/1011)«. وضمن ما يكتبه السير »رالف ستيفنسون« بتاريخ 24 يناير 1952: أن »إلياس أندراوس« أبلغني أن »كريم ثابت« أوقف علاقاته منذ عشرة أيام بفؤاد سراج الدين، وأن وراء ذلك الفتور سببين: الأول أن »فؤاد سراج الدين« لم يرفع مخصصات »كريم ثابت« من المصاريف السرية لوزارة الداخلية، رغم أنه اتفق معه على ذلك. والثاني أنه (كريم ثابت) »موعود« ! بأن يُعَيَّن وزيرا لشؤون القصر في وزارة جديدة يمكن أن تحل محل وزارة الوفد عندما تقع إقالتها. (4) القاهرة تحترق والقصور تحلم! لم تكن الأحوال في منطقة قناة السويس هادئة طوال تلك الأسابيع، تنتظر اختبارات القوة في مناطق الظل، أو ألعاب السياسة في قصور الحكم بل لعل بعض ما كان يجري في القاهرة كان يحدث آثاره ويسحب ذيوله على المناخ المتوتر في منطقة قناة السويس. والذي حدث طوال الأسابيع الثلاثة الأولى من شهر يناير 1952 أن مبررات الاحتكاك بين قوات »بلوك النظام« (وأحيانا قوات البوليس النظامي) وبين القوات البريطانية تحت قيادة الجنرال »جورج أرسكين« زادت معدلاتها لأسباب مختلفة، منها أنه عندما انسحبت عناصر المقاومة الوطنية مرتدة إلى العاصمة أو منسحبة إلى أطراف محافظة الشرقية على حواف منطقة القناة أصبح الاتصال أو الاحتكاك بين قوات حفظ النظام المصرية وقوات الأمن البريطانية وجها لوجه ومباشرة، ومع إصرار الجيش البريطاني على إغلاق محافظات القناة إغلاقا محبوكا، ومع رغبة وزارة الداخلية في إبقاء خطوط مواصلات جنودها مع قواعدهم مفتوحة فإن الاشتباكات تكررت، وفي معظم المرات بدون تخطيط، أي بحركة الفعل ورد الفعل. وصباح يوم 24 يناير 1952 توجه ضابط يمثل القيادة العامة للقوات البريطانية في منطقة قناة السويس إلى محافظ الإسماعيلية يحمل إنذارا بضرورة سحب كافة قوات بلوك النظام الموجودة في المنطقة، لأن عدم انضباطها وقلة خبرتها يجعل أفرادها عُرضة للانفلات في أي لحظة، وجاء الرد من وزارة الداخلية في القاهرة بالرفض! ومساء نفس اليوم حصل الجنرال »جورج أرسكين« على تفويض من لندن (الإشارة 610/89 والبرقية رقم 1250 من ملفات وزارة الدفاع) يخوله اتخاذ الإجراءات التي يراها ضرورية لتأمين قواته بما فيها نزع سلاح قوات بلوك النظام، ولم يرد في التفويض إشارة إلى »قوات البوليس« العادية. وهنا وجه الجنرال »أرسكين« إلى محافظ الإسماعيلية إنذارا مدته 12 ساعة يخرج أثناءها جنود بلوك النظام من المنطقة بدون سلاحهم وإلا فإن قواته سوف تتولى إخراجهم بالقوة، وتنزع الأسلحة الموجودة في يد كل عناصر البوليس وتجردها، ثم تتحفظ على سلاح جنود بلوك النظام وتعيد سلاح جنود البوليس العاديين لكي يتمكنوا من أداء وظيفتهم في حفظ الأمن العام. وأكثر من ذلك فقد وجد الجنرال »أرسكين« ملحقا بالتفويض يقول له »إنك مخول بوضع جنود بلوك النظام تحت الاعتقال عندك، لأن عودتهم إلى القاهرة بعد نزع سلاحهم يمكن أن يكون عامل تحريض لزملائهم في القاهرة. وفي الساعة السادسة والربع من صباح يوم 25 يناير بدأ الجنرال »أرسكين« عملية ضد محافظة الإسماعيلية (وبجوارها قسم مبنى البوليس وكذلك مبنى الحجر الصحي)، وقد استحكم في هذه المجموعة من المبانى ما بين ثمانمئة وتسعمئة من عناصر بلوك النظام وجنود وضباط البوليس العادي. وكان الأمر لدى القوات من مكتب وزير الداخلية »بالمقاومة« إلى آخر رجل وإلى آخر طلقة. وفي الساعة العاشرة والنصف، وعندما بلغ عدد الضحايا من الجنود المصريين نحو عشرين شهيدا اتصل محافظ الإسماعيلية بوزير الداخلية (»فؤاد سراج الدين« (باشا) يعرض عليه »أن المعركة ميؤوس منها«. وجاء رد الوزير »أن أوامره لم تتغير وما زالت هي المقاومة إلى آخر رجل وآخر طلقة«. وفي الساعة الثانية عشرة والربع وكان عدد الضحايا قد وصل إلى 54 شهيدا (مقابل 3 قتلى من البريطانيين) أخذ قائد القوة على عاتقه مسؤولية وقف القتال، وطلبت مكبرات الصوت الموجهة من قوة الحصار البريطانية في اتجاه مبنى المحافظة حيث تستحكم قوات بلوك النظام ومعها قوات البوليس العادية المحاصرة أن يخرج الضباط المُحاصَرون والجنود فُرادى. وبالفعل خرج 790 جنديا وضابطا، معظمهم من عناصر بلوك النظام وقُرابة مئة من جنود البوليس العادي. ولم تكن تلك معركة متكافئة، وإنما كانت درجة من البطولة بلا أمل، وهي وقفة تستحق الاحترام وتستحق التكريم لكن السؤال الذي لم يكن في مقدور أحد أن يطرحه وقتها »ما إذا كان الأمر بمواصلة المقاومة حتى آخر طلقة وآخر رجل قرارا سليما أو أنه جاء ضمن سياق سياسي أفلتت من يده السيطرة على الحوادث أم أن وزير الداخلية كانت لديه اعتبارات أخرى؟! وراح الجنرال »أرسكين« يتابع معركة القوات البريطانية ضد قوة بوليس مصري أقل عددا وسلاحا وعُدة وتدريبا. وعند الساعة الثانية عشرة ظهرا وأثناء الاجتماع الدورى لهيئة قيادته، كان السؤال المطروح هو »ما إذا كان لازما الآن وضع خطة »القاعدة الثابتة« (أي إعلان الحكم العسكري في منطقة قناة السويس) للتنفيذ وقرر الجنرال أن الأمور حتى هذه اللحظة لا تقتضي هذا الإجراء، بل إن قرارات ذلك اليوم شملت إعادة خمسين من الجنود النظاميين الذين وقع احتجازهم مع سلاحهم إلى سلطة محافظ الإسماعيلية كي يقوموا بمهام الأمن الطبيعي، مع استمرار المراقبة والمتابعة، وإخطار القائد البريطاني العام دقيقة بدقيقة بما يستجد. وكان هناك عنصر واحد استدعى يقظة الجنرال »أرسكين« وحذره، وذلك هو الموقف الذي يمكن أن تتخذه قيادة قوات المنطقة الشرقية للجيش المصري. وكيف يكون تصرفها ضباطها وجنودها إزاء ما يجري وسط مدينة الإسماعيلية لضباط وجنود بلوك النظام؟!«. كان الجنرال »أرسكين« قد أُخطر بفحوى مقابلة أجراها البريغادير »توماس غولبرن« (المُلحق العسكرى البريطاني في القاهرة) يوم 23 يناير 1952 مع القائد العام للجيش المصري الفريق »محمد حيدر« (باشا) وكان أهم ما في المقابلة أن القائد العام المصري لم يشر بكلمة واحدة إلى ما يجري في منطقة قناة السويس، واعتبرت هذه علامة طيبة، وقد رأى الجنرال »أرسكين« من باب الاحتياط أن يطلب مجيء البريغادير »غولبرن« إلى الإسماعيلية بنفسه ليكون حلقة اتصال مع قيادة قوات المنطقة الشرقية، خصوصا وهو على معرفة وثيقة بقائدها اللواء »أحمد شوقي عبد الرحمن« (الذي كان مديرا لإدارة الملحقين العسكريين الأجانب في القيادة العامة قبل أن يُعين قائدا لقوات المنطقة الشرقية). وبالفعل فقد وصل البريغادير »غولبرن« إلى الإسماعيلية، وتوجه فور وصوله إلى قيادة المنطقة الشرقية لقوات الجيش المصري، واجتمع باللواء »أحمد شوقي عبد الرحمن«، وكان واضحا له (كما كتب في تقريره) »أن هذه القيادة ليست لديها أوامر متعلقة بما يجري في الإسماعيلية«، باعتبار أن مثل تلك المهام من شؤون الأمن ووزارة الداخلية وليست من اختصاص القوات المسلحة أو قيادتها العامة. على أن ما أمكن حصاره في الإسماعيلية استحال حصره في القاهرة! كان يوم 26 يناير يوما غريبا في حياة القاهرة على كثرة ما شهدته العاصمة المصرية طول تاريخها. { من ناحية كانت أحداث الإسماعيلية طول الأسبوعين الماضيين تستثير أصداء لها في القاهرة على شكل مظاهرات ومنشورات زادت وفاضت حين استدارت عناصر المقاومة الوطنية عائدة من منطقة قناة السويس إلى العاصمة، وظنها أن المشكلة »هناك وليست هنا«! ومع أن بعض المظاهرات خرجت حاشدة وغاضبة (خصوصا مظاهرات يوم 14 يناير) فإن السيطرة عليها ظلت ممكنة، كما أن تعليمات وزارة الداخلية في شأنها استمرت بضرورة الحرص على مسيراتها سليمة وعدم التدخل فيها إلا بقصد »التأمين« وليس »الاعتراض«. على أنه بعد وقوع »مأساة« الإسماعيلية يوم 25 يناير، فقد كان منتظرا أن تكون المظاهرات أوسع نطاقا وأكثر عنفا، وتأكد ذلك فعلا منذ ساعات الفجر حين عُرف أن ثكنات »بلوك النظام« في طرة وفي العباسية لم تهدأ طول الليل، لأن ما جرى في الإسماعيلية من تركيز البريطانيين على أفرادها، أثار هياج الثكنات عندما عرفت تفاصيله وفيها أسماء الشهداء من أفراد جنود »بلوك النظام«! وحين بدأ أول ضوء من صباح يوم 26 يناير، كانت تجمعات من قوات »بلوك النظام« تتجه أفواجا مستنفرة ومستفزة إلى جامعة القاهرة في الجيزة، وكانت تلك حركة عفوية، باعتبار أن شباب الجامعة في تلك الظروف كانوا في مقدمة الصفوف وبؤرة الحيوية الأكثر فورانا. يُضاف إلى ذلك أن الجامعة كانت الساحة التي تركز عليها جهد كل الأحزاب والجماعات وفصائل المقاومة والجهاد، كما اتجه إليها التحريض على الثورة وضد الفساد! وهنا فقد كان منطقيا توقع أن يكون وصول عناصر بلوك النظام الهائجين إلى الجامعة الفوارة بالحيوية والحمية الوطنية لحظة يتطاير فيها الشرر، وحتى إذا لم يكن هناك تحريض إضافي أو استثارة! { ومن ناحية ثانية فإن الملك »فاروق« كان قد حدد هذا اليوم بالذات (26 يناير 1952) وهو اليوم الذي يبلغ فيه ولي عهده يومه الأربعين لكي يقيم احتفالا ضخما في قصر عابدين، يدعو إليه أكبر عدد ممكن من قيادات الجيش وضباطه، وهدفه المُعْلَن »إرادته الملكية بإهداء ولي عهده إلى القوات المسلحة«، تأكيدا للرابطة المقدسة بين »العرش« وبين »الجيش«. لكن الهدف المُعْلَن كان وراءه قصد إضافي، هو أن يكون احتشاد الجيش أمام شُرْفَة قصر عابدين وخروج الملك يحمل ولي عهده (ليهديه للجيش) بمثابة مظاهرة ترد على ما جرى في انتخابات مجلس إدارة نادي ضباط القوات المسلحة. وكان الترتيب أن أكثر من ألفي ضابط من القوات المسلحة سوف يحيطون بالملك في سرادق هائل نُصب في الساحة الداخلية لقصر عابدين، وسوف يجلسون معه على الغداء، وأن بعضهم سوف يدعون تباعا إلى مائدته ويسمعون منه ويأكلون ويشربون صحبةً معه! وحتى الساعة العاشرة والنصف كانت الأحوال في العاصمة مضطربة لكنها ما زالت في إطار المتوقع والمحتمل في مثل تلك الظروف، مع ظهور تصرفات غريبة في جو أزمة تطول كل أطراف السلطة وتضغط عليهم وتولدت هواجس جاءت بها أسباب من سوء الفهم كان يمكن تداركها لو أن هذه الأطراف كان بينها اتصال وانزلق البعض بسوء التقدير إلى أنواع من الغفلة لا يمكن أن يكون لها تفسير مقبول أو معقول! { وعلى سبيل المثال فإن وزارة الداخلية (طبقا لتحقيقات المباحث العامة) تلقت في الساعة التاسعة والنصف معلومات بأن هناك تجمعا حاشدا من الإخوان المسلمين توجه إلى قصر عابدين إظهارا للضيق من تصرفات »الوزارة«، »لأنها فضحت عجزها عن إدارة مصائر البلاد والعِباد«. وفي الإشارة (طبقا للتحقيقات أيضا) »أن مكتب الإرشاد يريد أن تتوافق مسيرة الأخوان إلى القصر مع دعوة الملك لضباط الجيش، وذلك بقصد إحداث أكبر قدر من التأثير«. وكان وزير الداخلية »فؤاد سراج الدين« شديد الارتياب من مظاهرة الإخوان واتجاهها نحو القصر الملكي وقت تجمع الجيش في ساحته (وشكه أن ذلك تدبير مرسوم)! { وفي مثال آخر (وطبقا لشهادة »حسن يوسف« باشا) فإن الملك أُبلغ في الساعة العاشرة والنصف، وبينما هو يستعد لاستقبال قادة القوات المسلحة (بما في ذلك أنه أطل عدة مرات من وراء إحدى النوافذ على حالة الاستقبال الكبرى على الميدان، يرقب وصول مواكب الضباط إلى ساحة القصر) بأن هناك مظاهرات واسعة النطاق تجتاح شوارع القاهرة، وأن أكبر هذه المظاهرات توجهت إلى رئاسة مجلس الوزراء، وأطل عليها »عبد الفتاح حسن« (باشا) من إحدى الشرفات، وألقى خطابا حماسيا ألهب المشاعر، ثم تلقى الملك معلومات بأن هناك عددا من ضباط البوليس يشاركون في المظاهرات، ثم أكد له الدكتور »يوسف رشاد« بناء على رؤية شهود عيان »أن بعض المظاهرات كانت بالفعل تحت قيادة ضباط من البوليس بملابسهم الرسمية وسلاحهم«. (وكان ذلك صحيحا لكن الضباط والجنود المشاركين في المظاهرات كانوا من قوات بلوك النظام). واستمع الملك »فاروق« مندهشا إلى ما نقله إليه الدكتور »يوسف رشاد«، وتوجه مندفعا إلى مكتب رئيس الديوان »حافظ عفيفي« (باشا) الذي كان يتحدث مع »حسن يوسف« (باشا) وطلب من الدكتور »يوسف رشاد« أن يكرر أمام الرجلين ما سبق وأبلغه به. وكان الملك ما زال واقفا والآخرون وقوفا مثله يسمعون، وكان هو أول من تدخل موجها السؤال لحافظ عفيفي (باشا): »هُمه عاوزين إيه؟«، ثم استطرد: »سراج الدين« (يقصد فؤاد سراج الدين) عنده لعبة بيلعبها وهي مكشوفة«!! ولم يكن لدى أحد ممن سمعوا ملاحظته الملكية جواب! { وفي الساعة الحادية عشرة والربع اتصل مدير الأمن العام بوزير الداخلية الذي كان يتابع التطورات من مكتبه (وصل إليه في الساعة العاشرة إلا الربع) ليبلغه أن ميدان الأوبرا يشهد مظاهرة كبيرة تتدفق على الميدان قادمة من اتجاهين: شارع فؤاد (26 يوليو الآن)، وشارع إبراهيم باشا (القادم من ميدان محطة السكة الحديد)، وفي بلاغ مدير الأمن العام لوزير الداخلية »أنه لوحظ ظهور بدايات عنف ضد كازينو بديعة (سينما الأوبرا الآن)«. وكانت تعليمات وزير الداخلية بعد أن استمع إلى التفاصيل من اللواء »محمود طلعت« (مسؤول القلم السياسي) واضحة: متابعة التجمهر وحصره دون اشتباك. عدم الاحتكاك على الإطلاق مع مواكب المظاهرات التى تتدفق في وسط البلد. منع مظاهرات ميدان الأوبرا من دخول شارع الكيخيا (طريق قصر عابدين) وذلك بإقامة ستار عازل وليس بالقوة إلا إذا صدر الأمر منه مباشرة. { ثم ارتأى »فؤاد سراج الدين« (باشا) أن يخطر »مصطفى النحاس« (باشا) أن المظاهرات في القاهرة كبيرة، وأن هناك عناصر تحاول استغلالها لكن الموقف تحت السيطرة. ومن الغريب أن وزير الداخلية لم يستطع إبلاغ معلوماته بنفسه إلى رئيس الوزراء، لأن »رفعة الباشا« كان مع مدام »جورجينا« وهي سيدة أرمنية متخصصة في قص أظافر اليدين والقدمين (مانيكور وبديكور) وكانت تقصد مرة كل عشرة أيام إلى بيت »النحاس« (باشا) تعتني بأظافره، خصوصا أظافر قدميه، وكان أصبعه الأكبر معرضا دائما للغرز في الجلد مما يستوجب عناية خاصة يستحقها رجل في سنه وفي ظروفه الصحية، مبالغ في حرصه طول الوقت. وعلى أي حال فظواهر التصرفات تدل على أن »النحاس« (باشا) لم يشعر بالخطر مما بلغه عن الأحوال في القاهرة. وفي ما بين الساعة الثانية عشرة ظهرا والساعة الثانية بعد الظهر، كان الموقف في العاصمة يتردى بسرعة لا يبدو أن أحدا تنبه لها أو لاحقها بقرار صائب، حازم أو مسؤول. وفي الحادية عشرة والنصف (طبقا لكل التحقيقات والشهادات) بدأ هجوم عنيف بالحجارة على كازينو أوبرا تلته بسرعة عملية اقتحام لشرفة المبنى ومدخله ثم ظهرت من الداخل ألسنة لهب وفي دقائق كانت عدوى العنف تنتشر حول ميدان الأوبرا ومداخله: شارع فؤاد شارع عدلي شارع ثروت شارع قصر النيل، وبدا أن قلب العاصمة كله في خطر. ................. ................. ] وحدث أنني كنت في الساعة الحادية عشرة صباحا داخل مبنى أخبار اليوم وتوجهت إلى اجتماع في مكتب الأستاذ »علي أمين« شارك فيه توأمه الأستاذ »مصطفى أمين«، وبينما نحن نناقش احتمالات ما يجري وكيف تكون تغطيتنا له إخباريا (واليوم يوم سبت وعدد آخر ساعة المُقبل بعد أربعة أيام وعدد أخبار اليوم بعد ستة أيام (ولم تكن جريدة الأخبار اليومية قد صدرت بعد، والحقيقة أن مشروع إصدارها وُلد ذلك اليوم) دق جرس التليفون ورفع »علي أمين« السماعة، ثم قال لي همسا: »هذا أحمد حسين (زعيم مصر الفتاة) يطلب أن يتحدث إليك«، وجاءني صوت الأستاذ »أحمد حسين« بنبرته العالية والمجلجلة معظم الأحيان يقول: »ماذا تفعل في مكتبك حتى الآن، انزل إلى الشارع لترى بقية المناقشة التي لم تقنعك في بلبيس (كان يقصد ما كتبته ناقدا عن كتائب التحرير التي لم أعثر لها على أثر أراه وأتحقق منه غير دائرة بالطباشير الأبيض في وسطها عبارة كتائب التحرير مرت من هنا)«. ولم يترك لي الأستاذ »أحمد حسين« فرصة رد، وإنما استطرد يقول »قرأنا لك تغطي عواصم الدنيا شرقا وغربا فانزل الآن إلى عاصمة مصر و»شوف« بنفسك! وأعدت سماعة التليفون إلى مكانها ورُحت أروي للآخرين ما سمعته من الأستاذ »أحمد حسين« لكن جرس التليفون دق مرة ثانية ومرة ثانية رد الأستاذ »علي أمين«، ومد سماعة التليفون في اتجاهي يقول لي »هذا إدغار جلاد (باشا) يطلبك«. (كان »إدغار جلاد« (باشا) صاحب جريدة الجورنال ديجبت من أبرز رجال القصر الملكي في تلك الأيام، وكانت معرفتي به أنه كان منظم جائزة »فاروق« الأول للصحفيين الشبان (تحت سن الثلاثين سنة)، وكنت قد حصلت على هذه الجائزة ثلاث مرات متوالية (مرة عن تحقيقات وباء الكوليرا في مصر ومرة عن تغطية الحرب الأهلية في البلقان ومرة ثالثة عن تغطية أحداث الشرق الأوسط وفيها حرب فلسطين، والانقلابات التي شهدتها سوريا ما بين 1949 إلى سنة 1951) وكان »جلاد« (باشا) في الأيام الأخيرة قد اتصل بي يطلب مني بلطف أن لا أتقدم للجائزة مرة رابعة لتحقيقات قمت بها في إيران وظهرت سنة 1951 في كتاب بعنوان »إيران فوق بركان«، وكان رأيه أن أترك الفرصة لغيري (وكان ذلك رأيي أيضا). وهكذا فإن اتصال »جلاد« (باشا) لم يكن بلا مقدمات، لكن ذلك الصحفي الكبير وثيق الصلة بالقصر كان لديه الآن ما يريد أن يسألني فيه، وقد بادرني مستفسرا: »هل لديك علم بما يجري في شوارع البلد؟«، وقلت له: »إننا الآن نتابع ويظهر أن هناك بدايات عنف«، وكان تعليقه: »يظهر أن المسألة خطيرة.. خطيرة جدا«. ولم أكن في حاجة إلى تنبيه جديد، وكذلك نزلت ماشيا على قدمي من مبنى أخبار اليوم إلى شارع »فؤاد« ومعي الزميل الصديق الأستاذ »محمد يوسف« المصور الأشهر في ذلك الوقت. وكانت المشاهد التي تنتظرنا مما لا يخطر على بال أو على خيال. كان حريق القاهرة في أوله لكنه راح يندفع مجنونا نحو ذروته! { وفي ما بين الساعة الواحدة والساعة الثانية بعد ظهر يوم 26 يناير كان القرار الأمني في مصر معطلا، لأن »فؤاد سراج الدين« (باشا) وزير الداخلية انشغل بمسألة خاصة لم يرض بتأجيلها لأسباب رآها وأمر بإشعال النور الأحمر على باب مكتبه من ناحية السكرتارية تحذيرا، وكذلك توقف تحويل أية اتصالات تليفونية تطلبه، واختلى الوزير (طبقا لوثيقة مسجلة في الشهر العقاري برقم 2345) بخمسة رجال تجمعوا في مكتبه تلك اللحظات العصيبة وهم طبقا للوثيقة: الأستاذ »أحمد يوسف شلبي« (مأمور توثيق الشهر العقاري بالقاهرة). الأستاذ »تيودور حداد« (ابن المرحوم نقولا حداد) محام ومقيم في رقم 3 ميدان توفيق. الأستاذ »محمد عبد الرحيم سماحة« (بك) (ابن المرحوم عبد الرحيم سماحة) محام مقيم في فارسكور. الخواجة »جورج عريضة« مالك العقار رقم 23 شارع عبد الخالق ثروت. والخامس هو نفسه صاحب المكتب والذي أشير إليه في وثيقة الشهر العقاري بوصف »حضرة صاحب المعالي محمد فؤاد سراج الدين (باشا) وزير الداخلية. كانت وثيقة الشهر العقاري مكونة من أربع صفحات مكتوبة بالآلة الكاتبة هي عقد بيع العمارة رقم 23 شارع عبد الخالق ثروت والتي يملكها »جورج عريضة« إلى »فؤاد سراج الدين« (باشا) بمبلغ إجمالي قدره ثمانون ألف جنيه مصري. وكان الأستاذ »تيودور حداد« هو محامي الخواجة »جورج عريضة« بائع العمارة، وشاهد العقد من جانبه وكان الأستاذ »محمد (بك) عبد الرحيم سماحة« هو الوكيل عن »فؤاد سراج الدين« (باشا) مشتري العمارة الجديدة وشاهد العقد من جانبه. والمدهش أن بداية العقد كانت على النحو التالي: إنه في يوم السبت الموافق 26 يناير سنة 1952 ألف وتسعمئة واثنين وخمسين الساعة 30: 1 مساءً. بمكتب التوثيق بالقاهرة وقد انتقلنا إلى وزارة الداخلية. فإننا نحن »يوسف أحمد شلبي« موثق العقود لدى المكتب المذكور وبحضور كل من: (قائمة الأسماء) وتمضي الوثيقة إلى تلخيص اتفاق بيع »العقار المذكور« بعد الإقرار بالمعاينة وقبول المشتري للعقار بملحقاته ومشتملاته »بحالته الراهنة« إلى بيان حدوده وجيرته من النواحي الأربع تتوالى بنود العقد ستة، حتى تجيء نهاية العقد لتقول: تحرر هذا العقد في اليوم والشهر والسنة المبينة أعلاه بعد تلاوتنا له بمعرفتنا بصوت عال مفهوم، وقد صادق ووقع عليه الحاضران والشاهدان، ونحن موثق العقود بهذا المكتب، وقد صرح معالي المشتري لحضرة »محمد بك عبد الرحيم سماحة« في استلام الصورة التنفيذية. إمضاء: فؤاد سراج الدين إمضاء: جورج عريضة. إمضاء: تيودور حداد إمضاء: محمد عبد الرحيم سماحة. يحتوي هذا العقد على سبعة ملحقات. الموثق إمضاء يوسف أحمد شلبي ................ ................ ] ولم تكن صفقة شراء عمارة الخواجة عريضة هي الصفقة الوحيدة التي أتيحت فرصتها »لُقْطَة« في تلك الظروف، وإنما الحقيقة أنه طول الفترة التي دوى فيها رصاص الاغتيالات في مصر ابتداءً من سنة 1944، وبدأت وتوقفت معارك حرب فلسطين، واندلعت الاضطرابات ضد قوات الاحتلال في منطقة قناة السويس كان أغنياء الأجانب في مصر قافلة هاربة تريد التخلص بأسرع ما يمكن من أملاكها الثابتة، وبالذات عقارات قلب القاهرة والإسكندرية، وكان البيع أفضل ما يكون لأصحاب النفوذ القادرين على تأمين طرق الهرب ومسالكه! ................. ................. والآن وعندما انطفأت اللمبة الحمراء على باب مكتب وزير الداخلية في الساعة الثانية وأربع دقائق كان الوقت قد تأخر كثيرا، كما أن فرصة غالية ضاعت بلا ثمن وبلا تعويض! وفي الساعة الثانية والنصف كان وزير الداخلية قد تبين حجم الكارثة التي حلت بعاصمة البلاد حريقا ودمارا ودماً (أكثر من أربعين قتيلا بينهم ثمانية من البريطانيين في نادي »الترف« Turf Club وحده) ومالاً (قدر يومها بمئة مليون جنيه (بقيمة النقود وقتها) وقد زاد هذا التقدير كثيرا عندما بدأ رفع الأنقاض وجرد المحتويات التي أفلتت من اللهب). ولحظتها اتصل »فؤاد سراج الدين« (باشا) برئيس الوزراء »مصطفى النحاس« (باشا) يبلغه بنفسه خطورة ما آلت إليه الأحوال، ويعرض عليه »أنه لسوء الحظ يجد البوليس غير قادر على ضبط الأمن واستعادة السيطرة، ولذلك فإنه اتصل بوزير الحربية طالبا تدخل الجيش، وأبلغ وكان يعرف ذلك مسبقا أن تدخل الجيش لا يمكن أن يتم إلا بواسطة القائد العام للجيش الذي يلزمه أمر من الملك بوصفه القائد الأعلى للجيش«. وبعد حديثه مع »النحاس« (باشا) ظل »فؤاد سراج الدين« (باشا) يحاول الاتصال بقصر عابدين طالبا »حافظ عفيفي« رئيس الديوان مرة، و»حسن يوسف« وكيل الديوان مرة، والفريق »محمد حيدر« مرة ثالثة لكنه لا ينجح في الوصول إلى أحد منهم. والرد الذي يتلقاه أنهم جميعا »في حضرة صاحب الجلالة الملك يشاركون لقاءاته مع ضباط الجيش« ولم يجد »فؤاد سراج الدين« مفرا من أن يترك مكتبه ويتوجه بنفسه إلى قصر عابدين، وتمكن أخيرا (حوالى الثالثة والربع) من الوصول إلى مكتب التشريفات، طالبا تدخل الجيش ملحا راجيا وفي إحدى اللحظات متوسلا. ولم يكن هناك تفسير للتأخير في الرد عليه وفي الاستجابة إلى طلبه غير شكوك وهواجس ساورت الملك وعددا من رجاله والدواعي ملتبسة بالشك وسوء الظن: { وربما أنه لم تكن لديهم صورة كاملة للموقف في العاصمة. { وربما أن الملك كان ما زال يظن أن وزير الداخلية »عنده لعبة يلعبها«. { وربما أنه (فاروق) كان راغبا في إحراج وزير الداخلية والوزارة إلى أقصى مدى، وبما يسمح له بحرية التصرف. { وربما وهو احتمال وارد أنه لم تكن تحت تصرف قيادة المنطقة المركزية للجيش قوات كافية جاهزة. { وربما وهو افتراض لا يمكن استبعاده بالكامل أن القيادة العسكرية لم تكن واثقة من رد فعل الجيش إذا نزل إلى شوارع العاصمة وفيها بقايا المظاهرات وشراذم السلب والنهب وقد لاح الغروب ولعلعت ألسنة النار وظهر وهجها مع نزول الظلام! وفي الساعة التاسعة مساءً صدر مرسوم ملكي بإعلان حالة الطوارئ وكانت طلائع وحدات الجيش (سرايا من الكتيبة السادسة المشاة) قد وصلت فعلا إلى حديقة الأزبكية ثم أذاع رئيس الوزراء »مصطفى النحاس« (باشا) بيانا بصوته أعلن فيه »أن القاهرة تعرضت لجريمة نكراء«. على أن »النحاس« (باشا) كان قبل إلقاء بيانه وبعد البيان شبه واثق أن خطاب إقالته بدأت كتابته، والأسباب واضحة، والمسؤولية مهما قيل وقال لا يمكن التهرب منها، والثمن فادح وسوف يدفعه الجميع، وهو نفسه أولهم! (وكان شعور »النحاس« (باشا) تلك اللحظة بالخلاف مع آخرين من زعماء الوفد، قدروا أن الملك لا يستطيع أن يستغني عن الوزارة الآن على الأقل لتتحمل تبعات ما جرى وكانوا مخطئين وكان زعيم الوفد العجوز يعرف أكثر). (5) واشنطن تقترب ولندن تبتعد! مساء ذلك اليوم الذي احترقت فيه القاهرة وقع تطور سياسي بالغ الأهمية لم يخطط له أحد، ولم يرتب له طرف لكن حقائق الأشياء فرضته على سياق الحوادث ودخلت به إلى المجرى الرئيسي للتطورات، ففي مساء ذلك اليوم قرر الملك »فاروق« بمشورة من »حافظ عفيفى« (باشا) رئيس الديوان، و»حسن يوسف« (باشا) وكيل الديوان، و»عبد الفتاح عمرو« (باشا) (وهو لحظتها مستشار الملك المكلف بالسياسة الدولية) أن واقع الحال يُحَتِّم عليه إقالة حكومة الوفد، وحتى إذا لم تكن هذه الإقالة رغبة ملكية تلح عليه منذ شهور، فإنها الآن ضرورة سياسية وعقاب عادل. وكان الملك في أعماقه يحس أنه لا يستطيع التصرف حتى في الشأن الداخلى على الأقل منذ 4 فبراير سنة 1944 وحتى الآن 26 يناير 1952 إلا بموافقة الحكومة البريطانية أو الاستئناس برأيها أو استمزاج رغباتها. وهو هذه اللحظة الحرجة يريد إقالة الوزارة لكنه فيالوقت نفسه لا يريد أن يقابل السفير البريطاني السير »رالف ستيفنسون«. وما بين رغبته في استشارة دولية وعدم استعداده لإجرائها مع السفير البريطاني، فإن الملك »فاروق« طلب استدعاء السفير الأميركي »جيفرسون كافري« إلى القصر الملكي، وحاول »عبد الفتاح عمرو« (باشا) أن يرجو الملك في مقابلة السفير البريطاني أيضا، لكن الملك »فاروق« رفض وأصر على الرفض، لأنه »قرفان من الإنجليز«، فهم »مسؤولون عن جزء من المصيبة التي وقعت، لأنهم الذين أصروا دائما على ضرورة وجود »النحاس« في الحكم، وهم الذين تعنتوا في المفاوضات مع »النقراشي« و»صدقي« وحين جاء لهم بحبيبهم »النحاس« لم يعطوه هو الآخر شيئا«. وتدخل »حافظ عفيفي« (باشا) طبقا لرواية »حسن يوسف« (باشا) و»عبد الفتاح عمرو« (باشا) يعرض أنه لا بأس من أن »يرى« جلالة الملك مقابلة السفير الأميركي أولا لكن ذلك لا يمنعه أن يقابل السفير البريطاني ثانيا ومع أنه (عن نفسه) يتفهم مشاعر »جلالته«، فإن هناك حقائق سياسية يصعب لسوء الحظ تجاهلها، وفيها أن هناك اتفاقا على تقسيم الاختصاصات والنفوذ بين الأميركان والإنجليز. وفي هذا الصدد فإن الأميركان أول من يسلم بأن البلدان العربية عموما خصوصا »مصر« و»العراق« في اختصاص ومنطقة نفوذ الشريك البريطاني. وصمم الملك على رأيه، وبالفعل فإنه استقبل »جيفرسون كافري« في قصر عابدين في الساعة العاشرة والنصف مساء يوم 26 يناير وأبلغه: أنه قرر إقالة وزارة »النحاس« (باشا) (وأن ذلك سوف يحدث غدا »27 يناير«). أنه اختار »علي ماهر« (باشا) لرئاسة الوزارة الجديدة لأنه المرشح الوحيد الجاهز والقادر والمستعد لمواجهة ما بعد إقالة »النحاس« (باشا). وهو يعرف أن »أصدقاءكم« الإنجليز لهم رأي في »علي ماهر«، لكن ذلك لا »يؤرقه« الآن بسبب خطورة الظروف، وهو على أي حال يعرف أن اختيار »علي ماهر« لن يكون مفاجئا للإنجليز (لأن هناك اتصالات بينه وبينهم)، لكنه يتوقع من الحكومة الأميركية أن تساعد الآن على »إفهامهم في لندن« أن الظروف لا تسمح لأحد بأن ينتقي الآن على مزاجه، وأنه هو شخصيا في ظروف مختلفة لم يكن ليختار »علي ماهر«، لكن حتى مرشحيه المفضلين لرئاسة الوزارة (حافظ عفيفي ونجيب الهلالي) متحمسون الآن لعلي ماهر رئيسا لوزارة »طوارئ«. أنه يطلب بصفة عاجلة تدخل الحكومة الأميركية مع لندن »لإقناعهم بعدم اتخاذ أية إجراءات مستفزة« في منطقة القناة، فقد أُخطر من »الإسماعيلية« بأن الجنرال »أرسكين« أعطى إنذارا مدته 48 ساعة لتنفيذ خطة بريطانية يقوم الجيش البريطاني بمقتضاها باحتلال الدلتا والقاهرة (يقصد الخطة روديو). أنه (الملك »فاروق«) راضٍ بالكامل عن أداء قوات الجيش التى نزلت إلى القاهرة، فهذه القوات تمكنت في ظرف ثلاث ساعات من السيطرة على قلب العاصمة، وقد قابل الناس نزولها بالتهليل والهتاف »بحياة الملك«! وذلك النجاح الذي تحقق هو بين دواعي الملك إلى طلبه من »الأصدقاء الأميركان« أن يضعوا الفرامل Put the Breaks على أي حماقة بريطانية تغريهم بتدخل عسكري في الدلتا والقاهرة، فذلك لو حدث سوف يحول الجيش إلى عدو دون لزوم على أن الملك يَعِد إذا أحس في أي لحظة بحاجته إلى سند عسكري فهو »يُقسم بشرفه إنه سوف يطلبه بنفسه دون تردد أو حساسية«. أضاف الملك في النهاية أنه الليلة قبل الحريق وبعده قابل في القصر قُرابة ألف ضابط، وتحدث شخصيا إلى عدد كبير منهم، وهو واثق من ولاء الجيش له، وواثق من قدرة الجيش على حماية الأمن، وبالذات أمن الرعايا الأجانب، وهم الحجة التى تتذرع بها الحكومة البريطانية كلما احتاجت إلى تدخل سافر في مصر«. وخرج »جيفرسون كافري« من قصر عابدين إلى سفارته يكتب تقريره إلى واشنطن، ثم يتصل بالسفير البريطاني يطلب منه أن يمر عليه (الساعة الواحدة صباحا) وحين وصل السير »رالف ستيفنسون« عبر الشارع إلى السفارة الأميركية (وكانت في ذلك الوقت مكتبا للسفير فقط وليست مسكنا أيضا كما هي الحال الآن) كان »جيفرسون كافري« ما زال جالسا مع وزيره المفوض »ماكلينتوك« يسترجع بعض النقاط التى يريد لفت النظر إليها في مقابلته مع ملك مصر. وطبقا لخطاب كتبه »جيفرسون كافري« إلى مساعد وكيل الخارجية الأميركية (ماكغي)، فقد لاحظ »أن تلك كانت أول مرة يتلقى فيها الإنجليز معلوماتهم عما يجري في مصر عن طريقنا أي مادة مستعملة Second Hand بنص تعبيره. وكانت هذه نقطة تحول بارزة زاد عليها أن »جيفرسون كافري« اتصل بحافظ عفيفي (باشا) يرجوه إقناع »صاحب الجلالة« بمقابلة السفير البريطاني، لأن ذلك يسهل الكثير من الأمور فيما طلبه منه »جلالة الملك« وأن تلك أيضا رغبة واشنطن، ثم إن الحكومة البريطانية في الظرف الراهن سوف تعاند إذا أحست أن تجاهلها مقصود، بينما هي بحقائق الأمور الآن على استعداد لأن تقبل دور Second Fiddle) أي الوتر الثاني في آلة الكمان، بدلا من الوتر الرئيسي)! ومعنى ذلك أن الطرف المصري (الملك فاروق في هذه الحالة) تصرف تلقائيا ودعا الولايات المتحدة إلى الدور الرئيسي في أزمة شرق أوسطية، وأن واشنطن على مستوى وزارة الخارجية استجابت طبيعيا، وأن الحكومة البريطانية مهما كان ضيقها نزلت على حكم الضرورات. وبصرف النظر عن كل الاعتبارات فإن تغييرا شديد الأهمية طرأ تلك الليلة (26 يناير 1952) على موازين القوى في الشرق الأوسط كلها. والحاصل أن السير »رالف ستيفنسون« لم يكن في وضع يسمح له باعتراض الدخول الأميركي (العلني والرسمي) في الشأن المصري، كما أنه في المقابل لم يكن راضيا عن ترك المجال لهذا الدخول الأميركي يوسع وجوده وحدوده، وكان يأمل وقد لفت نظر لندن إلى ذلك (ببرقية عالية السرية رقم 179) إلى أهمية أن يكون الدور الأميركي مجرد جسر أو سد فجوة عارضة لا ينبغي للحكومة البريطانية أن تتركها تتسع. وفي تلك البرقية قال السير »رالف ستيفنسون«: »إن عبد الفتاح عمرو (باشا) نفسه يبدي القلق من أن بعض الزعماء المصريين يدور في خلدهم »أن الولايات المتحدة لا تؤيد سياساتنا بالكامل وأنها قادرة على ممارسة نفوذ يؤثر على قراراتنا«، وهم يظنون أنهم رأوا في إيران مثالا يمكن الاستفادة منه. وقد أكدت على »عمرو« (باشا) ضرورة أن أقابل الملك »فاروق« بسرعة حتى نستطيع استعادة الزمام بسرعة، وتبديد أية أوهام بشأن إمكانية الالتفاف حولنا باستعمال نفوذ حلفائنا«. وعلى أساس إلحاح تعددت مصادره في الديوان الملكي (حافظ عفيفي وحسن يوسف وعبد الفتاح عمرو) بل ومن السفارة الأميركية نفسها، تم تحديد لقاء للسير »رالف ستيفنسون« مع الملك »فاروق« في الساعة الواحدة بعد ظهر يوم 30 يناير 1952 (متأخرا ثلاثة أيام عن السفير الأميركي). وكتب السفير البريطاني إلى وزارة الخارجية في لندن (203 سري للغاية) يقول: »استقبلني الملك »فاروق« بعد ظهر اليوم، وقد بدا لى أن أحواله تحسنت وأعصابه هدأت عما كانت عليه وِفق الصورة التي نقلها إليّ زميلي الأميركي الذي قابله يوم 26 يناير. قال لي الملك إنه ومصر كلها كانوا في حالة رعب وأسى نتيجة لما جرى في القاهرة 26 يناير، وهو يعتبر تلك ضربة موجعة أصابت بلاده. وأكد الملك أن الشيوعيين كانوا القوة الموجهة لما حدث، وأن الحزب الاشتراكي »أحمد حسين« كانوا مجرد أداة تنفيذية لهم في الشوارع، وأن ما دعا الشيوعيين إلى الاقتصار على التوجيه، أنهم لم يكونوا حاضرين في الشوارع عدديا. وأبدى الملك سعادته لأن الجيش تصرف بكفاءة وبولاء. انتقل الملك ليقول لي: »أنه عرف بأننا كنا نرتب لدخول قوات الجيش البريطاني إلى القاهرة«. وقلت له: »إننى شديد العرفان لأن سيطرة الجيش المصري على الموقف بسرعة تكفلت بإعفائنا من التقدم إليه (إلى الملك) نطلب إذنا ثقيلا علينا كما هو ثقيل عليه لكى يسمح بزحف قواتنا إلى القاهرة«. ورد الملك »بأن أداء الجيش المصري لم يستدع حاجة عنده إلى طلب النجدة منا«، وأضاف: »إننى أتعهد لكم بكل جدية أنني سوف أخطركم إذا أحسست بعدم قدرتي على السيطرة على الموقف وفي هذه الحالة فإنني سوف أقوم بإخطاركم بنفسي«. أضاف الملك: »لعلمك فإنه إذا جاء مثل هذا الظرف فلن أطلب منكم عملا محددا، وإنما سوف أخطركم بأن الموقف خرج من يدي، تاركا لكم أن تتصرفوا على النحو الذي ترونه« زاد الملك فقال: »لو أن الاضطرابات التي وقعت يوم 26 تكررت مرة ثانية يوم 27 يناير، فقد كنت واثقا أنه لم يتبق أمامي غير إبلاغكم أن الأمور خرجت من يدي«. كان السير »رالف ستيفنسون« (السفير البريطاني في مصر) مقتنعا بأن وزارة »علي ماهر« »وزارة استيعاب صدمة« ! وليس أكثر، وأن المسؤولية الآن مركزة في القصر ومرهونة بقراره، وهكذا حرص على مد قنوات اتصاله مع القصر، وبعد عشرة أيام من لقائه مع الملك »فاروق« عاد يُلح في طلب لقاء آخر. وصباح يوم 13 فبراير 1952 كان السفير البريطاني على موعد آخر مع ملك مصر. وكتب »ستيفنسون« تقريرا عن المقابلة رفع درجة سريته بنص في رأس التقرير يقول: »هذه البرقية لها سرية مخصوصة، ولا ينبغي لأحد الاطلاع عليها إلا لمن يصرح له وزير الخارجية، ولا تُنقل البرقية خارج ذلك النطاق«، وأمر مكتبه بأن يكون إرسالها بالشفرة الخاصة المستعملة في إرسال البرقيات الموجهة إلى مكتب الوزير مباشرة أو رئاسة مجلس الوزراء. (ومن الملاحظ أنه أشار إلى أهمية إرسال نسخة منها إلى »واشنطن« وإلى القائد العام للقوات البريطانية في البحر الأبيض). »استقبلني الملك »فاروق« بعد ظهر اليوم بناءً على طلبي وعلى التوجيهات التي وردت منكم تطلب مني: 1 أن أسأله صراحة إذا كان ما زال متأكدا من سيطرته الكاملة على الموقف. 2 أن أقنعه بإنشاء مكتب اتصال عسكري (في البر والجو) للتنسيق بين الجيش البريطاني (في قاعدة قناة السويس) وقيادة الجيش المصري (وزارة الحربية في القاهرة). وقد بدأت فأبلغت الملك أن تأكيداته لنا مباشرة وعن طريق السفير الأميركي بأنه قادر على مواجهة الموقف (حريق القاهرة وتداعياته) هي وحدها التي أقنعتنا بتأخير تقدم قواتنا إلى الدلتا والقاهرة، على أن هناك ضرورة للاحتياط من الآن لاحتمال أن تتعطل الاتصالات في أي وقت، ثم يَجِدَّ طارئ ويتصرف كل طرف في أوضاع خطيرة بدون تشاور مُسبق. أضفت أن هناك ظروفا قد تستدعي تدخلنا عسكريا بالتنسيق معه، وذلك يحتاج إلى الاتفاق على ترتيبات معينة، منها أن تكون الطرق مؤمنة، وأن يتم تشوين بعض المعدات الضرورية على مواقع محددة، وذلك حتى نضمن سرعة تقدم قواتنا وسرعة وصولها إلى أهدافها وقت الحاجة إليها. والنقطة المهمة أن مثل هذه الإجراءات ينبغي أن لا تثير شكوك القوات المصرية، وهذه أهمية إنشاء مكتب اتصال بين الجيشين. أضفت أن الشكوك تؤدي أحيانا إلى تعقيدات يمكن تجنبها، ومن ذلك أن القوات المصرية في العريش أطلقت النار في اتجاه طائرة استكشاف بريطانية كان هدفها في الواقع أن تتأكد من أن الإسرائيليين لن يستغلوا الظروف الطارئة، لكن القوات المصرية بسبب تعطل الاتصالات شكت في الأمر. قال لي الملك »فاروق« إنه يتفهم بالكامل موقفنا ويرغب مثلنا في إقامة نظام للاتصال والتنسيق، واقترح علي اجتماعا بين الملحق العسكري في سفارتي وبين رئيس أركان حرب الجيش المصري، وقال لي إنه سوف يصدر التعليمات اللازمة، على أنه تَحَفَّظَ مستدركا »أنه فيما يتعلق بالتنسيق بين القوات الجوية فقد يكون الأمر صعبا«. ولم يشرح لي الملك سبب الصعوبة، ولاحظ أنني لم ألح عليه، وعقب قائلا: »إن ذلك يمكن ترتيبه فيما بعد«! عاد الملك إلى أحداث يوم 26 و27 يناير الأخيرة، وقال لي إنه في ذلك اليوم أرسل أحد ضباطه الموثوق بهم إلى مواقع الجيش المصري على طريق السويس، وكانت مهمته أن يراقب تنفيذ تعليماته (الملك) بأمانة، وكانت تعليماته إلى القوات: 1 أن تقاوم تدخل قواتنا إذا وقع ذلك دون إذن منه، وهو يعرف أن أي مقاومة تقوم بها قواته يائسة، لكن اعتبارات الكرامة لها أهميتها في هذه الظروف. 2 أن تسهل عملية تدخلنا إذا وصلها عن طريق رسوله أننا حصلنا على إذن منه، لأن الموقف في القاهرة أفلت من سيطرته. قال لي الملك إنه فكر ذلك اليوم في استدعاء بعض قوات الجيش المصري المُرابِطة على حدود فلسطين، لكنه غير رأيه حين وجد أن القوات المتاحة له في القاهرة قادرة على السيطرة، وهو مرتاح لأن الظروف لم تُلجئه إلى هذا الخيار. قلت للملك »فاروق« »إنني سبق أن أرسلت الملحق العسكري في سفارتي للقاء القائد العام للجيش المصري لإخطاره أنكم إذا أردتم استدعاء أي وحدات من القوات المصرية في فلسطين إلى القاهرة، فإننا سوف نساعد على ذلك ونسهل عودة القوات إلى مصر لأداء واجبها، كما نسهل رجوعها مرة أخرى إلى غزة لإعادة احتلال مواقعها! وهذا الاستعداد من جانبنا لا يزال قائما، وقد شكرني الملك »فاروق« وعاد فأكد أن هذه المسائل بالضبط هي ما تستوجب إنشاء مكتب اتصال عسكري بين الجيشين«. ركز الملك كثيرا على ولاء الجيش له، وقال إنه يشعر بالرضى لأن الوفديين رغم كل محاولاتهم لم ينجحوا في إفساد علاقته بضباط الجيش أو بجنوده. ولم ينجح الوفديون إلا في استمالة أحد عشر ضابطا وسوف يصدر أمرا ملكيا بتسريحهم غدا أو بعد غد، وقد عرف أن أحدهم قام بدور فاعل في التظاهرات التي أشعلت الحريق في القاهرة، وأنه تأكد له أن عناصر من البوليس شاركت في تدبيرها«! كان الملحق العسكري البريطاني البريغادير »توماس غولبرن« على اتصال مستمر مع الدكتور »يوسف رشاد« الذي بدا في تلك الأوقات وكأنه ممثل الملك الحقيقي في اتصاله »بالعمق« داخل الجيش المصري، وكان »يوسف رشاد« هو الذي نقل تعليمات الملك إلى رئيس أركان الحرب بشأن التنسيق الضروري بين الجيش المصري والجيش البريطاني طبقا لما وافق عليه الملك أثناء لقائه مع السفير البريطاني ووعد بتحقيقه. ومن الواضح طبقا للوثائق أن العلاقات بين مكتب الملحق العسكري البريطاني وبين الدكتور »يوسف رشاد« كانت متصلة، ويلفت النظر تلك الأيام تقرير من مكتب البريغادير »غولبرن« مرسل إلى لندن عن طريق الحقيبة الدبلوماسية للسفارة (برقم 96873/ 371) وفي التقرير ما نصه: طلب الدكتور »يوسف رشاد« مقابلتي، وتوجهت للقائه في قصر عابدين، ثم اجتمعنا في مكتب الياور الخاص للملك، وأخطرني »يوسف رشاد« بالمعلومات التالية: 1 هناك أدلة متزايدة على تورط عدد من ضباط البوليس في اضطرابات 26 يناير. 2 سوف يتم اعتقال عدد منهم وسوف يطال الاعتقال شخصيات مهمة (التلميح واضح إلى »فؤاد سراج الدين« (باشا) ). 3 هناك حاجة إلى عقوبات رادعة للمسؤولين تكون عبرة لغيرهم. 4 قام بعض ضباط البوليس بمحاولات لتجنيد ضباط شبان في الجيش وقصدهم تلويث ولاء بعضهم للملك ولمصر. 5 هناك إلحاح من ضباط الجيش الشبان على تعيين اللواء »فؤاد صادق« (باشا) قائدا للجيش بدلاً من »حيدر« (باشا)، وسوف يتم ذلك فور إقناع الملك بهذا التغيير. 6 أن الملك »فاروق« ألمح أمامه إلى رغبته في لقائي مباشرة، وأشار عليَّ بأن أتقدم بطلب رسمي، وأبديت استحسانا للفكرة، ووعد بعرض طلبي على »حسني« (باشا) سكرتير الملك الخاص، وقد صعدت مع »يوسف رشاد« إلى طابق أعلى في القصر حيث مكتب سكرتيره الخاص. 7 صحبني »يوسف رشاد« بعد ذلك بسيارته إلى وزارة الداخلية لألتقي مع وزيرها الجديد »أحمد مرتضى المراغي« (بك). ورحب بي »المراغي« (بك) بود، وشرح لي تفاصيل ما جرى في حوادث الاضطراب، وركز هو أيضا على أهمية تطهير البوليس (من رجال فؤاد سراج الدين)، وكذلك ركز على أهمية متابعة أي محاولة هدامة تتسلل إلى الجيش، خصوصا بين شباب الضباط. 8 عندما تكلم »المراغي« (بك) عن رأيه في ضباط البوليس، لفت نظري قوله لي: »إنني في هذه اللحظة لا أستطيع أن أطمئن حتى إلى العناصر التي تقوم على حراسة وزارتي نفسها وزارة الداخلية! 9 طلب مني أن أحتاط لاحتمال عمل إرهابي يوجه ضدي شخصيا ! ونصحني بالحذر! وكان الملك وكل رجال قصره مدنيين وعسكريين على اعتقاد بأن أداة السيطرة الوحيدة الباقية لهم هي الجيش. وكذلك فإن الجيش المصري كان في تلك اللحظة الحرجة من حياة مصر بقوة الأشياء والأحكام وبضغط الحوادث والتداعيات وبكل احتمالات المستقبل وضروراته: ميزان الموقف ومكياله! والسؤال الكبير المُعَلَّق هو: كيف يستطيع الملك ضمان ولاء وطاعة هذا الجيش في يده وفي يده وحده؟!