تختفي علوية الكاتبة في الصفحة الأولى من الرواية لتتقمص شخصية »قرينتها« مريم الحكواتية التي تروي لها وعنها. ومع اختفاء علوية يختفي الواقع ويتلاشى ليتخذ شكل الحكايا الذكريات. تبدأ الرواية وتنتهي بنفس المشهد. علوية الروائية تفقد روايتها بعدما وقعت وتناثرت اوراقها وتلطخت بالوحل لتنمحي الكلمات وتتداخل، وتنتهي حين تُكتشف اوراق مسرحية الدكتور زهير، الصديق الحميم لعلوية، مبعثرة، ملوثة بالوحل وبدمائه. ويبدو أن ضياع الصفحات وتداخل الكلمات ليسا سوى محاولة لمحو ذاكرة الحرب التي شوّشت ومسخت شخصيات الرواية. وتداخل الكلمات هذا شكل مدخلا لتداخل الأحداث لتصبح الحبكة فضفاضة تتسع لتداعي الأفكار والذكريات دونما تنظيم زمني، بل تشوش زمني يتلاءم وشخصيات الرواية المشوشة المضطربة نتيجة الحرب الأهلية. تحرر الكاتبة او مريم نفسها من السرد القصصي التقليدي وتتعب في ملاحقة الحكايا وتُتعب قارئها في تتبُّع الأحداث المتأرجحة بين الحاضر والماضي، بين الواقع والحكاية وسط زحمة من الشخصيات غير المبررة. تلتقط مريم من الذاكرة »ألبوم« صور قديما، تمسح عنه الغبار، تنظر الى الوجوه الباهتة وتعيد إحياءها عن طريق الحكايا مُغالية في استعمال تقنية ال»فلاش باك« المربكة أحيانا والاستطرادات المطولة. تخيط علوية لشخصياتها أردية من الاحباط تلازمها حتى الموت او الجنون او الهجرة او الجنس او الإدمان او الزواج او الانتحار او التدين والتحجب. كلها نهايات لا تبشر بالخير. فكل من شخصيات الرواية له طريقته في الهروب من واقع فرضته الحرب الأهلية التي صدعت الانسان من داخله ف»انهارت كل القيم، كما تصدعت المدينة بأبنيتها وشوارعها«. عبثا يحاول القارئ البحث في الرواية عن فسحة أمل، عن خيط ضوء ينبلج من اي اتجاه. فالحزن الذي يلف الرواية هو موروث أخذه الأبناء عن الآباء لأن »البكاء على الحسين وعلى آل البيت والأئمة ينفع يوم الحساب، أما الضحك فلا ينفع«. تنقلك علوية صبح في روايتها الى عوالم مختلفة. فالزمن أزمنة، ما قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها، وما قبل الحرب الأهلية وبعدها. والمكان أمكنة، يبدأ من الجنوب نزوحا الى الأشرفية ثم برج حمود ليحط الترحال بشخصياتها في بيروت الغربية ثم رجوعا الى القرى التي قدموا منها. وتلتبس عليك الأزمنة والأمكنة والوجوه كما حصل لعلوية في نهاية القصة، حتى اذا ما انتهيت من قراءة الرواية الحكايا تتلمَّس ذاتك للتأكد من أنك لست في عداد شخصياتها. تروي مريم حكايا جيلين مختلفين: جيل الأجداد والآباء الذي غربته التقاليد عن ذاته وجيل ما قبل وبعد الحرب الأهلية الذي تمركس وحلم وانتظر رياح التغيير التي ستحرر الرجل والمرأة والوطن والعالم وقبل وبعد الفقراء. ورياح التغيير لم تغير شيئا سوى افراد هذا الجيل، فاغتربوا وغُرِّبوا. غربة الماضي وغربة الحاضر تتنقل الكاتبة بين غربة الماضي وغربة الحاضر. فتروي حكايا الجيل القديم الذي نأى عن المدينة وعاش في القرى، خاصة الجنوبية منها، تحت رحمة البيك، وفي زرع الدخان وتربية المواشي، وعانى الأمرين من الفقر والعوز والجوع وقسوة حياة الضيعة. ولكن بالرغم من مرارة العيش، كانت »الدنيا بألف خير«، حسب تعبير أم مريم، »كنا مسلمين ومسيحيين يدا واحدة. كانت للدنيا أم واحدة، الى ان كثرت الأمهات وكثر الأبوات في الحرب...«. تأخذها حياة القرية، فتغوص مريم في تفاصيلها وفي واقعيتها في سياق الحديث عن علاقة أمها بأبيها. حتى اللغة تصبح حسية واقعية تعكس المستوى الفكري الغيبي للقرويين، إيمانهم بالسحر والجن والقرينة، علاقتهم بالحيوانات التي يمارسون معها الجنس أحيانا، زواج الغصيبة والعلاقات الجنسية الحيوانية الغرائزية التي تمارسها بعض نسوة الضيعة مع »أخوت الضيعة« الذي يفضح أمرهن. كأن لا مكان في الرواية للعلاقات الجنسية الصحية الطبيعية. وتدخل مريم عالم المرأة الذي »لم يتعدَّ مساحة القرية وعالم الحصيدة والحقلة والزرع وحمل جرار الماء وحمل الأولاد«. وتكرر دون تحفظ ما كان ينعت به الرجال نساءهم ب»البهيمة« و»البقرة«. وتتمادى في تشبيه جسد المرأة وحليبها بجسد البقرة وحليبها، على لسان والدها أبو احمد. وتصف جارتهم أم يوسف بأنها »كالقطة بين رجلي صاحبها حين تجوع ليطعمها«، وتختصر أم مريم علاقة الرجل بالمرأة قائلة: »إذا حبَّك نجَّسك، وإذا كرهك جرَّسك«. وتنتقل مريم الى الكلام عن المرأة في السبعينيات لتقول إن الثمن الذي يدفعه كل جيل من النساء كان غاليا، وكان الضرب أحد هذه الأثمان. وظنت امرأة السبعينيات أنها بدخولها الأحزاب اليسارية ستحرر، ولكن ما أن حطت الحرب الأهلية أوزارها حتى اكتشفت خيبتها من جديد. فتكتشف ابتسام إحدى الشخصيات المتمركسة أنها »تقاوم قبيلة في رجل واحد«، بعد زواجها من جلال. وتعبّر عن خيبتها وخيبة كل نساء جيلها بالقول: »هل حين ينهزم الانسان ينهزم في السياسة والحب وفي كل الأحلام؟.. هل حصدنا خيبات مضاعفة من خيبات الرجال الذين صدقنا أنهم متحررون..أما الموضوعة الثانية الأساس التي تمحورت حولها الحكايا فهي موضوعة الحرب الأهلية وما خلفته من دمار وإحباط. فاختارت الكاتبة نماذج بشرية مختلفة تشكل جيلا كاملا من اليساريين الذين حاولوا تغيير العالم، فتغيروا هم وبقي العالم على حاله. الإحباط طريقة اخرى للهروب من الاحباط رمزت إليها الشخصية النسائية المتميزة بيساريتها، ابتسام. ابتسام، التي أحبت كريم، الشاب المسيحي اليساري والذي ارتد الى »الشرش« اي الى الطائفة كوسيلة للهروب، تهرب هي الاخرى الى الزواج من جلال، تاجر الدولار، فتتفتت ال»نحن« الثورية عندها الى »الأنا« البورجوازية، وتستبدل صور غيفارا والشيخ إمام ومحمود درويش ولوركا بصورة لزوجها مع زعيم الطائفة، ما أدى بها الى الهلوسة وعتبة الجنون. رمز آخر للإحباط هو الدكتور زهير، الكاتب المسرحي اليساري. ينتهي هو الآخر مجنونا بعدما خذلته شخصيات مسرحيته الشيوعية وتحولت بين ليلة وضحاها الى صيارفة وتجار وأصوليين وبعدما تصور ان المخابرات تلاحقه ليل نهار. وتتشارك مريم وعلوية في إيصال »التيمة« التي تدور حولها الحكايا، فتقول مريم: »انقلبت المدينة والأشياء كلها، وانقلبنا معها رأسا على عقب ونحن نرى صورنا في مرايا وجوهنا انعكاسات مقلوبة«. أما علوية التي تغيب طويلا لتظهر فجأة، تتلو علينا هي الأخرى بطريقة لا تخلو من المباشرة نفس »التيمة« فتقول: »في الحرب كلنا أجهضنا جنينا او حلما او ذكريات. المدينة أجهضت المدينة... والأبنية أجهضت الجدران... والبشر أجهضوا حياتهم... كلنا أجهضنا، حتى أنا، أجهضت على الأقل يدي لكي لا أكتب، لم أعد اعرف شيئا«. وهكذا يبقى الانسان المشوّش المغترب عن ذاته وعن الآخرين النموذج المتكرر في كل الشخصيات، وتبقى الواقعية هي النهج الذي اختارته الكاتبة حتى إنك اذا نظرت الى الوجوه التي حولك ظننتها قد خرجت من الرواية لتتابع حياتها الى جانبك. لقد كتبت علوية صبح روايتها بالحبر الأسود وأطلقت رصاصة الرحمة على الانسان المبدئي. ولكننا نتساءل: ألم يبق في جعبتها لون آخر لل