»كان تقرير التنمية البشرية الأول الذي صدر العام 1990 قد حدد التنمية البشرية على أنها عملية توسيع خيارات الشعوب من خلال تنمية قدراتها لتعيش الحياة التي تطمح إليها، أي حياة مديدة وصحية ويتمتع الأفراد فيها بالعلم والمعرفة وبمستوى معيشي لائق بالإضافة إلى المشاركة في الحياة الاجتماعية«. بهذه الكلمات بدأ الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ايف دوسان كلمته التي قدم فيها لإطلاق التقرير الوطني اللبناني للتنمية البشرية والذي وضع بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع مجلس الإنماء والإعمار. فانطلاقاً من مبدأ أن مواجهة تحديات العولمة ومعالجتها تستدعيان التركيز على الناس، ومن أن الناس، ذكوراً وإناثاُ، هم ثروة لبنان الحقيقية، كما جاء في مقدمة التقرير المذكور، فقد تم التركيز على عدة محاور أساسية هي: لبنان والعولمة والتنمية، التنافسية العالمية وبناء الأسواق، القطاع المالي وأزمة التنمية، تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، التعليم والتنمية، وإصلاحات الحماية الاجتماعية. واعتبر دوسان أن التقرير الجديد وهو بعنوان »العولمة: نحو خطة عمل وطنية« هو تقرير استراتيجي، إذ »تواجه البلاد أكثر فأكثر تحديات الاندماج في عالم تعتمد فيه الدول بعضها على بعض بصورة متنامية. ولا شك في أن هذا التقرير هو الحلقة المركزية لعملية ديناميكية تشمل، إلى جانب التحضير التشاركي، للنشر المكثف والعمل المطلبي والمتابعة الدؤوبة ومراقبة الآثار باعتباره يستأنف الحوار والعمل المطلبي«. يشير التقرير الوطني الى أن لبنان قام بخطوات كبيرة باتجاه التنمية البشرية، مقارنة مع المرحلة السابقة. وبالرغم من أن مؤشر الفقر في لبنان يدل على أن الأغلبية العظمى من السكان يملكون القدرات البشرية لاغتنام الفرص وتحقيق إمكانياتهم، ولكنه ما زال بحاجة إلى جهود كبيرة لردم الهوة بين الفئات، والمناطق، وبين الرجال والنساء. فثلث السكان يعانون من ظروف غير صحية، كما ان القطاع الصحي غير مدعوم من قبل الدولة بطريقة تؤمن فرصا متوازية للطبابة والاستشفاء أو مياه الشفة النظيفة أو الصحة الإنجابية، بحيث إن 8,5 في المئة من السكان لا يستطيعون شرب مياه نظيفة كما أن نسبة كبيرة من الأطفال يلاقون حتفهم بسبب الظروف الصحية السيئة. ولأن الخدمات العامة صارت عبئاً على الدولة، طرحت فكرة الخصخصة. ويشدد التقرير على أن الخصخصة هي مبادرة جيدة للتخلص من هذا العبء بحيث يصبح دور الدولة مرتكزاً على الإشراف على هذه الخدمات ومحاولة تطوير الإطار القانوني لتشجيع الاستثمارات والنشاطات التجارية. إلا أن المشكلة الأساسية التي تواجهها الدولة هنا، وفي ظل الفساد الذي يعم مؤسساتها، هو التأكد من أن خصخصة القطاعات العامة ستتم على أساس قانوني وتقني صحيح. لذلك فإن اعتبارات إنسانية عدة يجب أن تطرح أهمها ضمانة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين. ويشير التقرير أيضاً إلى أن بعض الخبراء يعتقدون بأن خصخصة الهاتف والخدمات الخليوية قد تنتج 5 مليارات دولار أميركي في 53 سنوات من الخصخصة. التعليم والهوة المناطقية أما قطاع التربية والتعليم فيعاني من نقص كبير من جهة ودعم الدولة للمدارس الحكومية أو الجامعة اللبنانية من جهة أخرى. فعدا عن أن معدل الأمية لدى البالغين يصل إلى 6,11 في المئة من مجمل السكان، فإن هناك هوة كبيرة تفصل ما بين العلم في المدارس الخاصة والمكلفة وبين المدارس الحكومية التي تلجأ إليها الفئات الفقيرة أو حتى المتوسطة. لبنان يحتاج، تعليمياً، إلى المزيد من التكامل في عالم يسارع نحو العولمة إلى التفكير في عولمة التعليم ذاته (مثل أخذ المصادر العمالية للتكنولوجيا والمعلومات بالحسبان)، وعولمة التعليم الهادف إلى النمو الاقتصادي والتنافسية (وإدخال المهارات الضرورية الجديدة في المناهج)، إلى جانب عولمة التعليم الهادف إلى التنمية البشرية (زرع مبادئ المساواة بين الجنسين والتمكين، وسبل الإدارة الجديدة، الخ..). علماً أن معدل الأمية في لبنان هو الأدنى في المنطقة، غير أن العدد الباقي من الأميين يشكل عبئاً ثقيلاً، فمن أصل 245 ألف أمي هناك حوالى 32 ألفاً تتراوح أعمارهم بين 10 و24 عاماً (في العام 1996). كما أن معدلات التسجيل في التعليم الأساسي جيدة جداً في لبنان بالمقارنة مع البلدان العربية، »لكنها لا بد أن تصل إلى 100 في المئة لكي تعتبر ناجحة حقاً. ولا بد من تخفيف معدل الرسوب خصوصاً في الصفوف الابتدائية (نسبة الرسوب هي 2,32 في المئة) وفي الصفوف الإعدادية (نسبة الرسوب 4,49 في المئة). أما المساواة بين الرجل والمرأة فهي حقيقة ماثلة في كل مستويات وأنواع التعليم في لبنان، ما عدا التعليم التقني العالي (39 في المئة فقط من الإناث)، بالإضافة إلى التفاوت التعليمي بين الجنسين في المناطق غير المحظية مثل عكار وبعلبك. والجدير بالذكر، أن عمالة الأطفال في لبنان التي بلغت، بحسب التقرير، نسبة 8,2 في المئة، تزداد »وليس هناك من جهود حقيقية لحل هذه المشكلة«. كما أشار التقرير إلى »الهوة الفارغة بين الجنسين، إذ ينقص لبنان عوامل كثيرة لتحقيق المساواة بينهما خصوصاً في ما يتعلق بمشاركة المرأة في الحياة السياسية والاقتصادية وصنع القرار، فتحتل النساء نسبة لا تتعدى 3,2 في المئة من المقاعد في المجلس النيابي، بينما لا تحتل أي مقعد وزاري. كما إن حصة النساء من رواتب الموظفين في المجالات غير الزراعية لا تتعدى 2,14 في المئة«. ويعزو التقرير الوطني الهوة التي تفصل التنمية في بيروت العاصمة ومحافظة جبل لبنان عن باقي المناطق إلى »المركزية الموجودة بشكل خانق في لبنان، بحيث إن معظم فرص العمل والأسواق والمصارف تتمركز في بيروت (مؤشر الفقر فيها هو 3,6)، بالإضافة إلى الجامعات والمؤسسات التربوية والمالية«. والنتيجة أن 51 في المئة من العائلات في النبطية (مؤشر الفقر 8,12)، و44 في المئة في البقاع (مؤشر الفقر 6,11)، و37 في المئة في الجنوب (مؤشر الفقر 4,10) تعيش بأدنى من عتبة الاكتفاء بالحاجات الأساسية، في حين ترتفع النسبة في بعض المناطق النائية مثل بنت جبيل والهرمل وعكار ومرجعيون إلى 6760 في المئة. من جهة أخرى، يخلص واضعو التقرير إلى أن لبنان انخرط بشكل مبكر في أشكال العولمة، وجمع تاريخياً رأس مال اجتماعيا وثقافيا وعلميا كبيرا بسبب انفتاحه وتعدد اللغات فيه. لكنهم اعتبروا، من منظور نقدي، أن ميزان التبادل بين لبنان والعالم يمكن أن يكون سلبياً بسبب »هجرة الأدمغة، والانفتاح على العالم كصمام أمان للتخفيف من وطأة الأزمة الداخلية والتخفيف من الضغوط المطالبة بالإصلاح والتغيير. وقد تفاقمت الهجرة ما بين العامين 1975 و1990 إذ غادر البلد حوالى ثلث سكانه (900 ألف شخص)، واستمرت الهجرة خلال عقد إعادة الإعمار الذي أعقب الحرب، والذي انتهى بركود اقتصادي حاد وبعشرات الألوف من المهاجرين كل سنة معظمهم من الشباب اللبنانيين المؤهلين«. التنافسية وبناء الأسواق تواجه الشركات اللبنانية، بحسب التقرير الوطني، ثلاث مشاكل متداخلة ومترابطة: النفقات التشغيلية المرتفعة، القدرة المحدودة على الوصول إلى الأسواق، والبيئة المحلية التي تخلق تحديات للمؤسسات. ويلحظ أن القطاع العام لم يستطع، حتى اليوم، توفير دعم مستدام للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي يصعب على البلد أن ينمو ويتطور بدونها، ويشدد التقرير على أن حماية هذه الشركات تستدعي جهوداً أكبر للشراكة بين القطاع العام والشركات الصغيرة للاستفادة من دعم التمويل المتعدد، »مما يستدعي أيضاً دعم وزارة الاقتصاد والتجارة وغرفة الصناعة والتجارة«. ويظهر أن هذه الشركات تعاني من إدارات تقليدية لا تخضع للتدريب والتحديث والتكنولوجيا، كما أنها تعتمد على توظيف الأقارب والمعارف الأمر الذي يستبعد أولوية الكفاءة. علماً أن 80 في المئة من الشركات اللبنانية مبنية على أساس عائلي، كما أن حوالى 65 في المئة من هذه الشركات تختفي بعد جيل واحد. وإذا كان أحد التحديات في مواجهة العولمة اليوم هو الانفتاح على الأسواق العالمية من خلال التشديد على عملية التصدير، ففي العام 2000 لم تتعدّ الصادرات اللبنانية نسبة 5 في المئة من الناتج القومي المحلي. وبحسب التقرير، فإن من الضروري إسراع اتفاق لبنان مع منظمة التجارة العالمية لكي يصبح قادراً على دخول الأسواق العالمية مما يتطلب إصلاحات اقتصادية وسياسية وقانونية عدة. إلا أن التقرير يلفت إلى المخاطر التي قد تنتج عن هذه الإجراءات لبناء الأسواق وأهمها إمكانية تجاهل النواحي الاجتماعية والبشرية والركود الاقتصادي، »ولذلك فعلى لبنان أن يعمل على تغيير الوضع من حيث مشاكل البطالة، والأجور المتدنية، والضرائب المرتفعة، والضمان الاجتماعي المتدهور، والتوزيع غير العادل للدخل، لأن هذه العوامل قد تبعد الاستثمارات الخارجية عن لبنان«. علماً أن 5,91 من القوى العاملة في لبنان (إحصاءات العام 1997) هم موظفون، و8,42 منهم يعملون في قطاع الخدمات، مقابل 3,22 في المئة في قطاع التجارة، و7,14 في المئة في قطاع الصناعة. القطاع المالي يعتبر التقرير الوطني عن التنمية البشرية في لبنان أن قطاع المال فيه هو رائد من رواد العولمة، إذ بلغ عدد المصارف التجارية العاملة في لبنان 62 مصرفاً (بينها 11 مصرفاً خاضعاً لإشراف عربي و5 مصارف تحت إشراف أجنبي)، إلى جانب 15 فرعاً لمصارف اجنبية، منها 6 مصارف تابعة لمؤسسات و9 مصارف أجنبية. فيما بلغ مجموع الأصول في المصارف 300 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2000. لكن الخلل في توزيع التسليفات بحسب حجم الشركات، كما جاء في التقرير، يؤكد ضعف الدعم الحكومي للمؤسسات التجارية الصغيرة والمتوسطة الحجم في الماضي. ذلك أن أقل من 1 في المئة من المستدينين يحظون بأكثرمن50 في المئة من إجمالي التسليفات في الاقتصاد، »وعلاوة على كون هذا التمركز غير منصف من الناحية الاجتماعية، فإنه يزيد من المخاطر المرتبطة بالقروض خصوصاً إبان الركود الاقتصادي«. ويقول التقرير أيضاً أن التضييق المالي الناشئ عن الصعوبة المتزايدة التي تواجه الحكومة في توفير الإيرادات والطلب المتزايد على المال يستدعيان تعديل دور المال العام. ففي الفترة ما بين العام 1993 و2000، لم تغطّ إيرادات الدولة سوى 47 في المئة من النفقات الإجمالية، ولذلك بلغ العجز المالي التراكمي أكثر من 20 مليار دولار أميركي. وقد جرى تمويل نصف الإنفاق العام تقريباً في السنوات العشر الأخيرة من طريق اللجوء إلى الاستدانة حيث ذهبت نسبة 80 في المئة من هذا الإنفاق إلى خدمة أعباء الدين العام ورفع الرواتب، مما شكل شللاً وعدم استدامة. إن لبنان، بحسب الخبراء، لا يشكو من نقص الأموال القابلة للاستثمار، ولكن المشكلة هي في توجيه قسط أكبر من هذه الأموال نحو الاستثمار في قطاعات أكثر إنتاجية ومعززة للتنمية في الوقت نفسه. الحماية الاجتماعية يعيش ثلث السكان في لبنان في فقر نسبي، والبطالة التي كانت في الأصل مرتفعة في العام 1997 تزايدت نسبتها في السنوات الأخيرة. هكذا يقول التقرير. ويضيف ان لبنان ينفق جزءاً كبيراً من الدخل الوطني على القطاعات الاجتماعية وخصوصاً العناية الصحية والتعليم اللذين يستهلكان معاً حوالى 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهذه النسبة تعادل ما ينفق في البلدان ذات الدخل المرتفع. ومن جهة أخرى، هناك حوالى 40 في المئة من السكان ليس لديهم تأمين صحي فعلي،ونسبة كبيرة منهم هم من المتقدمين في السن والعاطلين عن العمل وذوي الدخل المنخفض في المناطق الريفية. أما برامج التقاعد في البلد فهي برامج محصورة النطاق وغير شاملة، إذ إنها لا تنطوي في معظمها على معاشات تقاعدية. وهذه البرامج التي يأتي تمويلها بالدرجة الأولى من الاشتراكات العالية الكلفة نسبياً ومن الرسملة وإعادة التوزيع، يتحملها بالدرجة الأولى أرباب العمل »الذين ينظرون إليها كعائق وكعقبة خطيرة تحول دون التوظيف بصفة رسمية«. فنسبة 30 في المئة فقط من السكان مطمئنون نسبياً إلى تقاعدهم، بينما يجهل حوالى 40 في المئة من السكان ما إذا كانوا سيتلقون دخلاً مستمراً وثابتاً بعد التقاعد. أما الثلث الباقي فيعاني من مستويات تعرض عالية أو عالية جداً بالنسبة إلى تقاعدهم في المستقبل، وهذا ما يشكل تهديداً للاستقرار الاجتماعي ويستدعي القيام بتحرك عاجل لإصلاح نظام التأمينات التقاعدية في البلاد. القانون وتجديد الدولة يشير التقرير الوطني إلى أن قضايا التكاليف القضائية والتأخير في بت الدعاوى والنقص في عدد القضاة هي من العوامل التي تحول دون جعل العدالة في متناول جميع المواطنين. وقد أدى التأخير في بت الشكاوى إلى فقدان الثقة بالقضاء بحد ذاته. وأضاف ان ثمة حاجة ماسة إلى زيادة اطلاع وإدراك أعضاء المجلس وغيرهم من المسؤولين في ما يتعلق بالنظام العالمي لحقوق الإنسان الذي شارك فيه لبنان بفاعلية منذ أن وضع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وبالرغم من أن لبنان طرف في أكثر من عشرين ميثاقاً أساسياً لحقوق الإنسان، فإن هناك ثغرات عديدة في عدة قوانين محلية إذا ما قيست بالتزامات لبنان الدولية. من ناحية ثانية، فإن ضعف القدرات البشرية والموارد المالية لدى البلديات المنتخبة، وضعف إمكانات التخطيط للتغيير وتنفيذه على الصعيد المحلي يحد من قدرة هذه البلديات على اتخاذ المبادرات الكبرى وتنفيذها بكفاءة واقتدار. وفي الوقت الحاضر، فإن نسبة 95 في المئة من الإنفاق العام تتم على صعيد وطني بينما لا ينفق سوى 5 في المئة على الصعيد المحلي.