أعاد مجلس بلدية بيروت الاعتبار الى قراره السابق منع سير الدراجات النارية في شوارع العاصمة؛ لكنه وسع من دائرة الاستثناءات التي نص عليها قراره السابق (رقم 583 تاريخ 13 8 2002) وتجنب نقاطا قوبلت في »النسخة الاولى« باعتراضات واسعة من جهات قانونية وإجرائية؛ الا انه لم يوفق؛ حسب آراء اخرى؛ في تجنب »مطبات« ستكون مدخلا يثير من خلاله البعض زوابع في وجه المجلس البلدي؛ على الرغم من ان القرار الحالي؛ لجهة المضمون؛ »مدروس وهادئ ويضع ضوابط مشروعة لحركة سير الدراجات في شوارع بيروت« وفق آراء لجهات عدة مهتمة ومتابعة. القرار وينص القرار الجديد (رقم 626 تاريخ 17 9 2002) في مادته الاولى على »منع استعمال الدراجات النارية نهائيا في شوارع العاصمة ابتداءً من أول تشرين الاول 2002. وتستثنى من احكام هذه المادة الحالات الواردة في المواد التالية من هذا القرار«. في حين انه يسمح في مادته الثانية للمؤسسات والشركات والافراد باستعمالها شرط حصولها على ترخيص من رئيس السلطة التنفيذية في بلدية بيروت (محافظ بيروت). وبعد ذلك يضع ضوابط وشروطا لسير الدراجة ولأهلية سائقها وعمليات بيعها وشرائها وطلبات الترخيص لاستعمالها. ليخلص الى الطلب الى رئيس السلطة التنفيذية في البلدية (المحافظ) »تنفيذ مضمون القرار واتخاذ الاجراءات الضرورية لتنفيذه في الموعد المحدد«. ملاحظات وعلى الرغم من الضوابط التي يضعها القرار لحركة سير الدراجات النارية؛ فإن القرار الجديد وقع في اشكاليات الصلاحية التي تعتبر مشكلة مزمنة في علاقة المجلس البلدي لبيروت بمحافظ العاصمة. وأول هذه الاشكاليات؛ تقول المصادر المتابعة للموضوع؛ تجاهل المجلس البلدي قراره السابق بتشكيل لجنة برئاسة محافظ مدينة بيروت يعقوب الصراف وعدد كبير من اعضاء المجلس البلدي وممثلين عن هيئة شؤون السير؛ وإناطته بها تقديم مشروع قرار لتنظيم سير الدراجات؛ فإذا بالقرار الجديد يصدر في معزل عن اللجنة المشار إليها. وإذا كان من حق المجلس البلدي؛ ان يمارس دوره بالاصالة بدلا من اللجنة التي سبق ان شكلها بنفسه؛ فإنه لا يستطيع تجاهل اشكاليات علاقته بالمحافظ. وهذه الاشكالية تطل على اشكالية اخرى؛ هي اهلية المجلس البلدي؛ قانونا؛ لإصدار مثل هذا القرار؛ لأن القوانين تعطي الصلاحية لرؤساء البلديات في ضبط اوضاع السير (المادة 302 من قانون السير)؛ نظرا الى ان صلاحيات رئيس البلدية في بيروت مناطة بمحافظ المدينة. ثانية الاشكاليات التي يثيرها هذا القرار؛ بحسب المصادر نفسها؛ هي إصراره على شكلية القرار اكثر منه على المضمون. فهو يصر على قرار »المنع النهائي« بدلا من القول بالضبط وتنفيذ القوانين. وهذا »المنع« يثير جدلا واعتراضات عدة. دراسة قانونية ويقول المحامي عصام اسماعيل في دراسة مسهبة له حول جواز منع سير الدراجات في بيروت من قبل المجلس البلدي: ان »انظمة الضبط التي تتخذها البلدية لا يمكنها ان تمس بالحريات الفردية الا بالقدر الذي تبيحه ضرورات النظام العام. وهذه الضرورات يجب ان تكون وقتية ومرتبطة بظروف الزمان والمكان؛ وإذا عدنا الى قرار منع الدراجات النارية عن السير في العاصمة نجد ان هدفه المحافظة على السلامة العامة والسكينة العامة وتأمين راحة المواطنين اضافة الى حماية الامن العام عبر الحد من الحركة الجرمية التي تتخذ من الدراجات النارية وسيلتها الفعلية؛ وما من شك في ان هذه التدابير تدخل في صلب وظيفة الضابطة الادارية الممنوحة للمجلس البلدي. ولكن هل يبرر النظام العام بعناصره الثلاثة: الامن والسلامة والسكينة العامة؛ اتخاذ قرار بوقف سير الدراجات النارية بصورة كاملة؟«. يضيف: ان قرار منع الدراجات النارية عن السير في العاصمة لا يرتبط بسلطات الضبط بأي رابطة؛ بل هو صورة من صور اغتصاب السلطة؛ ووجه من وجوه الإخفاق والتهرب من المسؤولية: فهو صورة لاغتصاب السلطة؛ لأن تنظيم استعمال الطرق يدخل ضمن اختصاص السلطة الاشتراعية باعتباره مس بصورة مباشرة بحقوق الافراد وحرياتهم وفي طليعتها حرية التنقل المكفولة دستوريا؛ وبما ان القانون قد أجاز للحكومة ان تنظم استعمال الطرق بمراسيم تصدر عن مجلس الوزراء؛ فيكون المجلس البلدي باتخاذه قرارا بمنع الدراجات النارية عن السير؛ متعديا على اختصاص السلطة الاشتراعية؛ مما يجعل هذا القرار مشوبا بعيب اغتصاب السلطة؛ وبالتالي عدم الوجود كأنه لم يكن. كما انه وجه من وجوه الاخفاق في ادارة مرفق عام؛ وهو مرفق السير؛ اذ ان سلطات الضبط والتنظيم التي تتمتع بها الادارة بمختلف فروعها لكن هدفها حسن سير هذا المرفق؛ ومتابعة استمراريته وديمومته؛ وإزالة الشوائب التي تعتريه وتحسين قدرته على تلبية حاجات المواطنين؛ ولا تستطيع هذه الادارة وقف مرفق عام بسبب عجزها عن ضبطه وتنظيمه؛ بل يكون من واجب الادارة العاجزة ان تستقيل لا ان تشل مرفق سير الدراجات الآلية الذي له اهميته الكبرى على صعيد تسريع وتيرة العمل وسهولة التنقل والوفرة الاقتصادية في البلاد. المحافظ وتنطبق وجهة النظر القانونية المذكورة مع وجهة نظر محافظ مدينة بيروت المهندس يعقوب الصراف الذي رأى ردا على سؤالنا له؛ ان تنظيم سير الدراجات في العاصمة يحتاج الى قانون؛ لأنه يطال أكثر من نطاق جغرافي ويعد مشكلة عامة في البلاد كلها ويتخطى بالتالي حدود صلاحيات المحافظ والبلدية معاً. ويستغرب المحافظ الصراف إصرار المجلس البلدي على استعمال لهجة المنع بما يعني التأكيد على القرار السابق الذي لم يصدره المجلس البلدي بشكل رسمي؛ ويرى ان من الخطأ اتخاذ قرار بالمنع كلما واجهنا مشكلة. ويسأل هل نقوم بمنع البناء لأننا نواجه مخالفات بناء؛ أم نضع ضوابط ونسعى لتنفيذ القوانين؟ ويقترح الصراف درس الموضوع بروية وتقديم اقتراح قانون من جانب المجلس البلدي ورفعه الى وزير الداخلية والبلديات ومنه الى مجلس الوزراء والمجلس النيابي لاستصدار قانون يضبط وضع الدراجات. كما يرى وجوب التنسيق مع البلديات الأخرى المجاورة للعاصمة؛ »هذا إذا سلمنا جدلا بأن الأمر من صلاحيات البلدية«. ويشدد المحافظ الصراف على مبدأ الوصول الى حل بعيدا من شكليات الجهة التي تصدر القرار؛ شرط التنسيق مع الجهات المعنية. وسأل: هل يعني قرار المجلس البلدي ان شرطة بيروت والمؤسسات العسكرية ستطلب اذونات من المحافظ لتسيير دراجاتها في شوارع العاصمة؟ ويضيف: أنا مع التنظيم؛ لكني مع التنسيق مع كل الجهات المعنية. عن دور اللجنة التي شكلها المجلس البلدي برئاسة المحافظ سابقا؛ يقول المحافظ الصراف انه لا يحق للمجلس البلدي تشكيل لجنة من خارج البلدية. وبالتالي لا يحق للمجلس تشكيل لجنة برئاسة المحافظ فهو من جهة عضو في البلدية كرئيس للسلطة التنفيذية فيها؛ لكنه كذلك بوصفه مديرا عاما في وزارة الداخلية والبلديات يحتاج الى اذن من الوزير ليكون عضوا في لجنة تشكلها البلدية. يتابع: كذلك الأمر بالنسبة الى وزير الداخلية والبلديات. فهو من يشكل لجنة ويدعو البلدية الى ارسال من يمثلها فيها؛ ولا يحق للبلدية تشكيل لجنة وطلب مشاركة مندوب في وزارة الداخلية فيها. وللخروج من هذه الدائرة يقترح المحافظ الصراف تشكيل لجنة من قبل وزير الداخلية والبلديات تشارك فيها البلدية بممثلين عنها؛ للوصول الى اقتراح حلول ورفعها الى الجهات صاحبة القرار قانونا. ويوضح الصراف ان مجلس بلدية بيروت اتخذ قرارا بتشكيل لجنة لصوغ مشروع قرار حول الدراجات؛ الا انه لم يشكل هذه اللجنة. ويرى ان المهم هو الاهتمام بحل المشكلة وليس اضاعة الوقت في الشكليات مذكرا بأن قانون السير النافذ كافٍ لحل مشكلة الدراجات إذا احسن تطبيقه. وهو متقدم في بنوده على الضوابط التي ينص عليها قرار المجلس البلدي. ويخلص الصراف الى التأكيد أنه مع المجلس البلدي لحل هذه المشكلة بشكل جذري وجدي. وينصح المجلس بتطويع شرطة سير بلدية تتحمل البلدية مسؤوليتها الإدارية والمالية؛ حتى لو اقتضى الأمر تعديل بعض القوانين المعمول بها. البلدية مصدر في مجلس بلدية بيروت أوضح ان المجلس عمد الى اصدار القرار الجديد؛ بعدما تأخر المحافظ في دعوة اللجنة التي شكلها المجلس برئاسة المحافظ؛ فكان ان »عمد الاصيل الى الحلول مكان المكلّف«. ويرى المصدر »ان تنفيذ القرار منوط بشرطة بيروت. ويناشد المحافظ ويطلب منه تولي الأمر بكل حزم وتكليف الشرطة تنفيذ القرار«. ويعترف المصدر بأن »ليس لديه أي ضمان لتنفيذ قرار المجلس البلدي؛ لأن التنفيذ ليس من صلاحيته او مسؤوليته«. ويشير الى أنه سيتابع مع المعنيين تنفيذ القرار؛ وإذا احتاج الأمر الى زيارات للمسؤولين المعنيين او اجراءات من جانب المجلس لحسن التنفيذ؛ فإن المجلس حاضر للقيام بذلك.