دلال المفتي فنانة عراقية ولها مكانتها في الوسط الثقافي والفني، لكن مناسبة هذا الحديث تتعداها، فهي زوجة الشاعر بلند الحيدري ورفيقة عمره. والجلسة التي جمعتنا كانت في ذكرى بلند واستحضاره عن طريق كلام دلال وذكرياتها. فلنتحدث عن البدايات، كيف تعرفت على بلند وأين؟ { كان ذلك عام 1952 في بغداد، وعن طريق السيدة أفسر الحيدري أخت بلند التي كانت صديقتي في كلية البنات البيروتية، يومها دعتني أفسر لتناول الشاي في بيت خالها داوود الحيدري، وزير العدل آنذاك، وبلند كان حاضرا، اذ ثمة شيء جذبني اليه، ربما موهبته الشعرية بالدرجة الأولى. هل كان معروفا في ذلك الوقت؟ { كان قد أصدر ديوانه الثاني »أغاني المدينة الميتة« فأهدانيه بفرح ارتسم على وجهه وهو يقدمه إليّ، حين تصفحته في تلك الجلسة، علقت عليه قائلة: إن أشعارك تشبه الى حد ما أشعار تي أس إليوت. لماذا كان يسكن بلند في بيت خاله؟ { نتيجة تمرده باكرا على القيم الاجتماعية، وبالذات عائلته المتمثلة بسطوة الأب الذي لم يكن يتفهم بلند كثيرا، وعائلته بالأساس عائلة محافظة، فجد بلند لأمه كان رجل دين معروفا وهو ابراهيم أفندي الملقب بشيخ الإسلام، وأم بلند جاءت من تركيا ولكنها من العائلة الحيدرية ذاتها، ويقال إن الحيدرية تتحدر من السلالة الصفوية التي توطنت في العراق قبل أربعمئة عام. ووالد بلند ماذا كان؟ { والد بلند كان ضابطا في الجيش العراقي، وهو من عائلة كبيرة أغلبها كان يقطن في شمال العراق ما بين أربيل وسلسلة جبال السليمانية، ومن هذه العائلة برز أيضاً جمال الحيدري الزعيم الشيوعي المعروف والذي قتل في انقلاب الثامن من شباط عام 1963 مع أخيه مهيب الحيدري، وهناك الى جانب بلند الأخ الأكبر صفاء الحيدري وهو شاعر بدأ كتابة الشعر بالطبع قبل بلند وله دواوين شعرية عديدة مطبوعة في العراق، وصفاء هذا كان يتصف بنزعة وجودية متمردة، ذهبت به للقيام بنصب خيمة سوداء في بساتين بعقوبة لغرض السكنى فيها، وهناك في بعقوبة تعرف على الشاعر الوجودي المشرد حسين مردان الذي بدوره عرّفه على بلند، كانت بين الأخوين بلند وصفاء منافسة واضحة، فعندما كان صفاء على سبيل المثال ملاكما كان بلند ملاكما أيضا، وعندما برز اسم صفاء الحيدري في ساحة الشعر العراقي ظهر اسم بلند ليتجاوزه وينال حظوة وشهرة في العراق والعالم العربي. وبعد ذلك ماذا حدث لعلاقتكما أنت وبلند؟ { تمّ الزواج بيننا، لقد أحببت بلند فهربت معه، خارجة بذلك على تقاليد العائلة، فقاطعني أبي والعائلة. لماذا الوالد لم يكن موافقا؟ { لعائلتي مقاييس ومفاهيم مختلفة عني، فهم يريدون من الشخص الذي ينوي الارتباط بي أن تكون له وظيفة مرموقة أو منصب كبير، غير أن بلند كان لحظة تعرّفي عليه شخصاً بوهيمياً متسكعا بلا نقود ولا مأوى. وبعد ذلك؟ { بعدها وجد له وظيفة بسيطة وهي محاسب في شركة المنصور لسباق الخيول، ثم تدرج في وظائف أخرى منها نائب المدير العام لمعرض بغداد الدولي، وفي أعقاب الخمسينيات عمل مديرا للمركز الثقافي السوفياتي. والسكن كيف تدبرتموه؟ { زواجنا كان عام 1953، وبعد عملي وعمل بلند سكنّا في شارع طه، والسكن كان عبارة عن كاراج للسيارات، أي مشتمل ملحق ببيت كبير، ولي في هذا البيت ذكريات لا تنسى، فسقف المسكن كان باستمرار، وخصوصا في أيام الشتاء، ينز ماء، فكنا نضع الطست لنجمع فيه القطرات ونضع المناشف أيضا، صاحب السكن كان مدير معهد الفنون الجميلة عزيز سامي، وكنا ندفع إيجار هذا السكن من دخلنا الشهري المتكون من ستين دينارا. الأصدقاء ماذا كنت تعملين؟ { كنت أعمل مدرسة في ثانوية الأعظمية للبنات. ما الذكرى العالقة في ذهنك عن جواد سليم وجماعة الوقت الضائع؟ { الفنان النحات جواد سليم، كان من أعز أصدقاء بلند، وقد أثّر فيه كثيرا، فانعكست ثقافة جواد وما اكتسبه من معارف على بلند بشكل كبير، خصوصا عندما عاد جواد من لندن، فجواد كان يحب الموسيقى ويرسم وينحت، كل ذلك انعكس في ما بعد على رؤية بلند، فسرعان ما وظفت موهبة بلند هذه المعارف لصالح شعره وثقافته التشكيلية، إضافة الى ذلك فجواد كان أستاذي حيث درسني في معهد الفنون الجميلة، وأتذكر يومها أهدانا لوحة »الذبيحة«، وهي لوحة جميلة ولكننا اضطررنا الى بيعها الى المعماري المعروف رفعت الجادرجي، عندما غادرنا العراق الى بيروت ابان انقلاب 8 شباط، وبعنا ايضا لناس آخرين لوحة للنحات خالد الرحال. هل التقيت بالشاعر حسين مردان، صديق بلند العتيد؟ { بلند حدثني طويلا عن حسين مردان، وذات يوم طرق حسين مردان دارنا، كان خارجا لتوه من السجن، وقتذاك كنت قد طبخت أكلة باذنجان وصادف الأكلة وقد طبخت من دون لحم، غير ان حسين لم يمرر هذا الأمر بسهولة، فراح يردد في المقهى قائلاً: إن زوجة بلند ذات الأصول الارستقراطية طبخت الطعام من دون لحم حين كنا ضيوفها في المنزل. ومن كان من أصدقاء بلند في تلك الفترة؟ أتذكر الفنان حافظ الدروبي والشاعر أكرم الوتري وعدنان رؤوف وفايق حسن، وأذكر ان بعض الشعراء، فضلا عن بلند، أصدروا مجلة وأسسوا تجمعاً سمي »المرفأ«، وعلى ما أظن ضم الشعراء سعدي يوسف ورشدي العامل وربما محمد سعيد الصكار. السجون والرحيل دلال المفتي، أأنت عراقية؟ أنا عراقية الروح والقلب، ولا أرضى أن أكون غير ذلك، أما من ناحية الأصول، فإني أتحدر من أرومة سورية، أمي من بيت العوا، وجدتي من بيت »عرق سوس« وجدة جدتي جذرها تركي، أما جدي لأبي فهو مفتي ديار الشام وأستاذ الملك فيصل الأول، ومدير لخرينة الدولة، في العراق، وأبي كان طبيبا. لماذا تركتم العراق في عام 1963؟ { تركنا العراق حين حدثت تلك الجمعة المشؤومة، في انقلاب الثامن من شباط، فثالث يوم الانقلاب سجن بلند لمدة أربعة شهور بتهمة الشيوعية، ثم اعتقلت أنا في اليوم السابع للانقلاب وبقيت لمدة شهرين في سجن النساء، في بغداد، وبلند كان في سجن »خلف السدة« المشهور، ولسجن بلند قصة، لقد أخذ بلند من بيت أحد الأصدقاء في المنصور، حيث دعينا لعيد ميلاد وبتنا عندهم، لكن قبل ان يهل الصبح جاء »زوار الفجر« الى هذا البيت في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، ليعتقلوا بلند، وكان هؤلاء مدججين بالأسلحة والرشاشات، في اليوم التالي اشتريت برتقالا وذهبت الى السجن، كان بلند في حالة يرثى لها وحزينا وأحسسته عندها في غاية البد عني، ثمة جدار عازل كان بيننا، لأنه قد بلّغ بالإعدام الذي سيتم في مبنى الاذاعة، كانت تجري حفلات إعدام كثيرة في تلك الأيام، ولأنهم كانوا مشغولين بأمور كثيرة، وناس آخرين، قاموا فقط بمهمة التعذيب، أحد جلادي بلند كان صديقا له، وبلند ساعده في يوم ما وأسدى خدمة له بتشغيله في شركة سباق المنصور لسباق الخيول، جزاء هذا الاحسان تلقى بلند إطفاء السجائر في جسده، وحين عاتبه بلند على ذلك قال له هذا الجلاد: هذه المرة سأطفئها في عينيك! بعدها أخذه ووضعه في زنزانة انفرادية عبارة عن مرحاض. وأنت يا أم عمر ماذا حدث لك؟ { أنا أخذت من ثانوية الوثبة، في منطقة الكرخ، حيث كنت أدرّس اللغة الانكليزية للصفوف الأخيرة، حين جاءوا قلت لهم: دعوني أكمل الدرس وسوف آتي معكم، بعدها أخذوني الى معتقل »كرادة مريم« ومن ثم نقلوني الى دائرة الأمن العامة في بارك السعدون، مبنى الأمن العام مجاور لبيت الأهلي، لأن هذا المكان كان في السابق بيت داوود الحيدري، خال بلند، وهو نفس البيت الذي عاش فيه بلند إبان تعرفي عليه في مطلع الخمسينيات. اذن الاتجاه كان الى بيروت؟ { نعم، ذهبنا في »النيرن« تلك النقليات الطويلة والكبيرة، في »النيرن« رأينا الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد، كان خارجا حديثا من السجن، وحالته النفسية يرثى لها، لقد حكى لنا عبد الرزاق طرائق التعذيب التي تعرض لها، كان وقع حديثه عليّ مؤلما، هو يتحدث وأنا أبكي لما لاقاه من ظروف لا إنسانية أجبروه فيها ان يغطس رأسه في غائط السجناء. وصلنا الى بيروت، كان الجو ماطرا رغم اننا كنا في فصل الصيف، آنها نزلنا في فندق البريستول الكبير، بعدها عمل بلند مصححا في إحدى الصحف اللبنانية، لمدة شهرين لم يدفع له خلالها، الى ان عمل في ثانوية »برمانا« مدرّسا العربية ثم مديرا لها في ما بعد، احتضنه الأدباء اللبنانيون حال وصوله مثل عمر أبو ريشة وأحمد أبو سعد وعلي شلق وفؤاد الخشن وأدونيس. هل استمر في التدريس؟ { لا طبعا، لأن لبلند همومه الصحافية والأدبية، إذ سرعان ما عرضت عليه مجلة »العلوم« عملا، وهو تحرير الصفحات الثقافية، في المجلة كان يزوره الأدباء والفنانون العراقيون المتواجدون في بيروت، ابراهيم زاير، ابراهيم الحريري، عارف علوان، شريف الربيعي وآخرون، وعمل كذلك في جريدة »الكفاح« لصاحبها رياض طه، وفي »بيروت المساء«. كيف كانت الحياة في بيروت آنذاك؟ { بيروت مدينة جميلة، والمرحلة كانت مرحلة انفتاح، أحزاب وتيارات وصحف، وثقافة ليبرالية، وسط هذا المناخ أصدر بلند أهم أعماله الشعرية، مثل »خطوات في الغربة« و»جئتم مع الفجر« و»رحلة الحروف الصفر« و»أغاني الحارس المتعب«، وكتب هناك ديوانه الشعري »حوار عبر الأبعاد الثلاثة« وحسب رأي النقاد يعد نقلة في تجربته الشعرية. وحياتكم أنتم كيف كانت وسط هذا المناخ؟ { الحقيقة في البديات كنا نفكر كثيرا في العودة، دائما كان لدينا أمل أن يحدث تحول ما ونعود الى العراق، ولهذا حتى منفضة السجائر كنا نؤجل شراءها، فأثاث البيت على سبيل المثال أهدانا إياه الشاعر فؤاد الخشن الذي افتتح محلا للموبليات »الموند الغانتي«، لكننا رغم ذلك كنا مرتاحين وكان لنا أصدقاء وعلاقات ودودة وجميلة مع حسين مروة وجورج غانم ومريم مروة ومحمد دكروب، إضافة الى صحبة أدونيس وخالدة سعيد وسلمى الخضراء الجيوسي وغيرهم. ألم تكن هنالك منغصات على صعيد التفاصيل اليومية؟ { بالطبع كانت لنا مشاكل جدية على صعيد تجديد الإقامة السنوية، مرة ذهب بلند وولدي الوحيد عمر الى الأمن العام، وكان ذلك عام 1977، ولكنهما تأخرا كثيرا، وقتها قيل لنا ان الكتائب اللبنانية قد أخذته، وهناك استجوبته الكتائب عن الإقامة ووضعه وعن أحواله في لبنان، وفي إحدى المرات كتبت صحيفة »العمل« الكتائبية موضوعا أساسيا تتهم فيه بلند كونه السبب الرئيسي في توتر العلاقة بين لبنان والسعودية، مفاد التهمة ان بلند الحيدري مسؤول عن تنظيم خلية شيوعية سعودية في لبنان، طبعا التهمة باطلة وكاذبة، لفقها شخص أراد ان يوقع ببلند ويضع في طريقه العراقيل، لكن الزمن أثبت بطلان هذه التهمة، لأن صاحب هذه الاساءة نفسه جاء الى بغداد يوما لاجئاً، هارباً من جحيم الحرب اللبنانية عندما تصاعد أوجها، والتقى بلند ليعتذر منه عن تلك الفعلة الشنيعة، فما كان منه الا ان استقبله في بيتنا في المنصور وأكرمه على الطريقة العراقية. من جهة أخرى كان أيضا لنا الوجه الجميل في الحياة هناك، يومها كان لنا بيت بحري في منطقة الحلوة في »بيبلوس« المعروفة بجبيل، وأنا كنت أعمل في السفارة الهندية، وعملي كان هو تلخيص ما تنشره الصحافة اللبنانية عن الأوضاع في الهند، كنا نعيش الى حد ما في بحبوحة، نسافر مرة في السنة خارج لبنان، وفي بيروت نرتاد المعارض التشكيلية والمسارح ودور الأدباء والسياسيين والصحافيين كمنح الصلح ورياض طه وفريد الأطرش وعبد السلام النابلسي، وأدونيس وعماد حمدي وأكرم الحوراني، وكانت هناك أيضا مقهى »الهورس شو« الشهيرة التي يرتادها نفر آخر من الأدباء. في البيت البحري كان بلند يجلس في الشرفة البحرية ليكتب مقالته الاسبوعية لمجلة »بيروت المساء« وغيرها من المجلات التي كان يعمل فيها، ولهذا البيت كان يأتي الأصدقاء ليسهروا ويناموا عندنا، وكان البيت يتسع لأكثر من عشرة أشخاص من الضيوف. قال لي مرة بلند انه في وارد استعادة بيته في لبنان، أصحيح ذلك؟ { هذا البيت الذي تتحدث عنه هو سكننا الأخير في بيروت، وهو عبارة عن شقة تقع في منطقة »ساقية الجنزير« الذي تركناه أثناء الحرب اللبنانية عام 76، ليحتل من قبل جماعات مسلحة، وحاول بلند عندما ذهب الى بيروت في العام 91 أثناء انعقاد مؤتمر المعارضة العراقية، أن يستعيده، فحصل على وعود بذلك، ثم أعطى وكالة لأحدهم لمتابعة الأمر، ولكن المسألة لم تأت بنتيجة، وفي البيت كتب ولوحات ثمينة وأغراض وأثاث وملابس وأشياء أخرى. من خلال كلامك يتبين أن لبيروت مكانة خاصة عندكم؟ { أجل بالتأكيد، لقد كانت لنا علاقات كثيرة مع اللبنانيين، وكان لنا علاقة مميزة مع الرحابنة وفيروز، وأذكر في بيت غادة السمان تعرفنا على فيروز، ومن الرسامين كنا نلتقي البصابصة وعارف الريس، وهنا أتذكر بيت أدونيس في قرية »بيت الديك« على طريق ضهور الشوير، والأيام الجميلة التي كانت تجمعنا بيوسف الخال وخليل حاوي وديزي الأمير وسونيا البيروتي مقدمة البرامج التلفزيونية، وليلى الحر من الوجوه الصحافية، وأحلى أيام بلند كانت تلك التي عمل فيها مديرا في »الدار العصرية« حيث طبع كتبا للدكتور المخزومي وعلي جواد الطاهر وللشاعر حسين مردان وسعدي يوسف وطراد الكبيسي ومذكرات كامل الجادرجي، وغير عمل الدار، فلقد أسس مع أدونيس مجلة »مواقف« لكن بعد صدور بعض أعدادها اختلف بلند مع ادونيس من ناحية التوجه الأدبي والفكري للمجلة فاستقال بلند في رسالة لطيفة تعبر عن مدى العلاقة التي بينهما، لكن الاختلاف في الآراء يبقى واردا بين الاصدقاء وقد حمل أحد أعداد مواقف هذه الرسالة. هل تحنين الى بيروت؟ { بالطبع أحن الى بيروت والى تلك التفاصيل في جسدها الجميل الذي يجمع البحر والجبل، ولكن بعد دخول الاسرائيليين واحتلال بيتنا بدأ الحنين يخفت. العودة سمعت انكم قد توجهتم الى اليونان أيام اشتداد فتيل الحرب، أليس كذلك؟ في الحقيقة، ذهبنا الى تركيا أولا، وهنا أردنا ان نسجل عمر في إحدى جامعاتها، لكن عمر لم يرغب في أن يقيم في تركيا، فغادرناها الى اليونان، في اليونان أقمنا لمدة شهر، آنها قد قيل لنا ان الأمور قد هدأت، فعدنا الى دمشق ثم اللاذقية وعبر البحر مخرنا الى بيروت، لكن الأمور لم تكن على ما يرام، اذ سرعان ما تصاعدت المواقف بين الأطراف اللبنانية المتنازعة، فقضينا أغلب أوقاتنا آنذاك في الملاجئ، فالقصف كان يأتينا من بناية الكارلتون تجاه بنايتنا التي نصبت فوقها المدافع، وهنا عدنا مرة أخرى الى اليونان، فمكثنا هناك قرابة الثلاثة شهور، أنفقنا خلالها كل ما نملك، وقتها أغلق مطار بيروت، وكذلك أغلقت في وجوهنا كل الطرق والاتجاهات، لم يكن أمامنا هنا سوى العودة الى العراق، فعدنا صيف عام 1977. وهل كانت الأمور في بغداد على ما يرام؟ { في بغداد عمل بلند في مجلة »آفاق عربية« من خلال رئيس تحريرها آنذاك الشاعر شفيق الكمالي، كان مبنى المجلة مضرب المثل لفخامته من قبل العرب، وكان تصميمه العمراني جذابا وباعثا للمتعة، لكن هذا كان كثيرا على مجلة يمكن ان تدار من خلال مكان متواضع. كيف كانت المشاعر وانتم تعودون الى بغداد بعد غربة طويلة؟ { حين عدنا الى بغداد كنا نتوقع اننا لن نستمر طويلا في البقاء، فالوضع السياسي كان مضطربا، وشاهدنا آنذاك تغييرات كثيرة قد حصلت في بنية الحياة الاجتماعية، بغداد أيام زمان كانت تختفي لتحل محلها أخرى مصنعة وغريبة لكثرة المساحيق التي اصطبغت بها، غابت الروح والأعماق وظهر السطح فاقع الألوان. هل عملت في بغداد؟ نعم عينت مدرّسة في ثانوية الكاظمية، ثم انتقلت للعمل في مدرسة الموسيقى والباليه، كنت أتصور أن هذه المدرسة مفتوحة للجميع، إذ كانت تؤمها مختلف طبقات الشعب العراقي، لكن بعد الحرب العراقية الايرانية بدأت تتغير أجواؤها، حيث طردت المديرة سهيلة داوود سلمان وهي مثقفة وقاصة معروفة من عملها، ليدخل هذه المدرسة الشفافة رجال مسلحون، أما من ناحية الاقامة فلقد سكنا في حي المنصور الذي كان يسكن فيه وبالقرب منا المخرج المصري توفيق صالح وجبرا ابراهيم جبرا وأصدقاء آخرون. ما هي الأشياء التي لفتت نظرك في حياتكم البغدادية الجديدة؟ { ما لفت نظري آنذاك هو المصالحة الوطنية، كنا نتصور ان أحقاد 8 شباط 1963، قد انطوت الى غير رجعة، لكن الأوضاع لم تش بذلك، اذ سرعان ما سمي بالجبهة الوطنية والتحالف القائم بين الأطراف السياسية قد انهار وراحت تطفو على السطح مخاوف الماضي، من جهة بلند اختلف في تلك الأثناء مع الحزب الشيوعي، ولكنه احتفظ بصداقاته القديمة مع اليسار. هذا على الصعيد السياسي، ماذا على الصعيد الاجتماعي؟ { كان الوضع الاقتصادي يبدو جيدا، ثمة شوارع جديدة وحدائق وساحات ومتنزهات كبيرة، وكانت هناك سلع وملابس والناس تبدو في مظهر لائق، لكن الى جانب هذا كانت الناس تبحث عن البيض والطعام، ورأينا أيضاً ظاهرة الطوابير الكبيرة في الدوائر الرسمية، فالناس كانت، وهذا قبل الحرب الايرانية، كأنها في حالة استنفار دائم للبحث عن النفط لغرض التدفئة، والحليب والسلع الغذائية الأخرى. هل هنالك شيء عن بلند وبغداد تحبين إضافته؟ { أذكر في بغداد، وكان ذلك عام 1979، أعلن بلند قراره الخطير في تخليه عن الشعر والتوقف عن الكتابة الابداعية، ولكنه حال تركه العراق مرة أخرى سرعان ما عاد للكتابة الشعرية باندفاع وقوة، وقد تبين ذلك في ما بعد عبر إصداراته الجديدة. جئتم اذن الى لندن لغرض العمل؟ { جئنا الى لندن عندما أصدر بلند مجلة »فنون عربية« وكانت مجلة راقية في الشكل والمضمون، وصدورها شكل صدمة فنية للثقافة التشكيلية آنذاك، وأقطابها إضافة الى بلند كانوا جبرا ابراهيم جبرا وضياء العزاوي، وضمت بين متونها أهم الأسماء في عالم الأدب والرسم والنحت والتصوير الفوتوغرافي، صدر منها سبعة أعداد وبعد ذلك توقفت بتاريخ 1982، في تلك الأثناء لم يجد بلند عملا، وبقي لمدة عامين عاطلا عن العمل الى ان جاء الصحافي العربي المعروف عثمان العمير وعيّنه في »مجلة المجلة«، في البدء استلم الصفحات الثقافية، ثم تحول الى كتابة العمود الصحافي فيها الى ان توفاه الأجل. أكان بلند يسافر كثيرا؟ { كان لبلند محبون كثيرون في كل الأقطار العربية، وحين كانت تقام المهرجانات الثقافية والشعرية، كان يدعى اليها، فسافر الى مصر والمغرب والسعودية والاردن واليمن وتونس ولبنان، وقد كثرت سفراته لمصر بسبب اختياره في الهيئة الاستشارية لدار سعاد الصباح، هذه الدار التي لم يقيض لها أن تستمر لأنها نهبت على عجل وكان رأسمالها يقدر باثني عشر مليون دولار، وصدر لبلند عن الدار الطبعة الثانية من أعماله الشعرية. كان كما أعلم يختار للجان الجوائز الأدبية، أليس كذلك؟ { أجل هذا صحيح، لقد اختير بلند ليكون عضوا في لجان جوائز شعرية كثيرة، بدءاً بدار »رياض الريس« وجائزتها المعروفة بجائزة يوسف الخال، وكان أيضا عضوا في جائزة سلطان العويس الثقافية الكبيرة وجائزة البابطين في الكويت، بينما هو لم يحصل على أية جائزة سوى جائزة رمزية من اتحاد الكتاب اللبنانيين في أواسط السبعينيات. ماذا عن بلند والنقد التشكيلي؟ { بدأ اهتمام بلند بالنقد التشكيلي عندما تشكلت جماعة بغداد للفن الحديث، كتب الكثير في الكثير من المقالات النقدية عن هذه الجماعة، وما ان حط الرحال في بيروت، كان قد اتخذها مهنة له، وخصوصا إبان عمله في جريدة »بيروت المساء«، وكان بعض الفنانين من الاصدقاء يضيق ذرعا بما يكتبه بلند بآراء صريحة وجريئة سببت له مشاكل كثيرة، لكن بمرور الأيام أمسى بلند يجامل بعض أصدقائه من الفنانين، وكتب بلند أيضا دراسات عن العمران والريادة الاسلامية وزخرفة المساجد والدور الشهيرة، وقد ظهرت أغلب هذه الدراسات في كتابيه »زمن لكل الأزمنة« و»نظرات وآراء في الفن«. والتصوير الفوتوغرافي؟ { كان بلند يمارس هذا الفن كهواية، وله ألبومات عدة فيها صور أصدقاء ولقطات لأماكن وحالات ومواقف إنسانية، وكان يحب ان يقيم لهذه الجمهرة الكبيرة من الصور معرضاً فنياً فوتوغرافياً، ومما أعرفه عنه في هذا المجال هو معرفته بأنواع العدسات وقياساتها، فضلاً عن معرفته بأسماء وأنواع الكاميرات العالمية. أكانت له هوايات أخرى؟ { كان بلند يحب اقتناء اللوحات والتحفيات والنصب الصغيرة، إضافة الى ذلك كانت له هواية تسجيل الأغاني والموسيقى، وتوثيق صوته عبر تسجيله في أشرطة وهو ينشد الشعر ويلقيه، أم كلثوم كانت مطربته المفضلة، ناهيك عن الهواية الأثيرة والأساسية فيه وهي شراء الكتب وتجميعها والحصول عليها مهما غلا ثمنها، وكان يقول لي مازحاً في هذا الاتجاه: إني سأموت ميتة الجاحظ ولسوف تدفنني الكلمات.