الدولة ما تزال على موقفها الرافض دفع المستحقات التي عليها لصندوق الضمان الاجتماعي. لم ينف رئيس الحكومة رفيق الحريري ذلك. فقط أوضح أنه لم يقصد في أي وقت من الأوقات إعفاء أصحاب العمل المتخلفين عن دفع اشتراكات الضمان عن أجرائهم من متوجباتهم للصندوق. وفي خلال لقاء الحريري مع المجلس الجديد لنقابة المحررين ظهرت »مشكلة« أخرى في قضية الضمان. الحريري وصفها بأنها مشكلة. قال إن »هناك تبايناً في تفسير المادة 73 من قانون الضمان«. وأكد أن »القانون يقول بضرورة توازن موارد ومداخيل صناديق الضمان«. الدولة يمكن أن تساهم في سد العجز إذا حصل، كما قال، »لكن الصناديق فيها فائض مالي، وبالتالي الدولة ليست مضطرة إلى سداد النسبة الواردة في المادة 73 وهي نسبة 25 في المئة من قيمة التقديمات«. لم تنته »رؤية« الحريري القانونية هنا. بل أكد، خلال اللقاء نفسه، أنه سيتم العمل على تعديل المادة 73 ومواد أخرى في القانون. واستمر الحريري في عرضه للمادة 73 التي انطلق منها ليقول إن قانون الضمان »ينص على أنه عندما يتحقق التوازن فلا موجب على الدولة أن تسدد شيئا«. وتابع أن الدولة تدفع عن غير القادرين لكنها ليست مستعدة أن تدفع قرشاً واحداً عن القادرين »وهذا موقفنا. الدولة ملزمة بالدفع عن أجرائها وموظفيها وتعويض نهاية الخدمة وأقول لجميع اللبنانيين أن هذا خط أحمر بالنسبة إلينا، وهو أمر لا يمس به ولا ينال منه أحد«.. إذاً فالخط الأحمر، بحسب الحريري، هو التزام الدولة بالدفع عن ولأجرائها كرب عمل. أما التزامها بدفع نسبة 25 في المئة من قيمة التعويضات لصندوق المرض والأمومة عن جميع المضمونين اللبنانيين فهو خط بلون آخر.. وربما يكون بلا لون. حوالى سبع سنوات مضت والدولة لا تسدد ما عليها للضمان. موظفو الدولة يستفيدون من تقديمات الضمان من دون أن تدفع عنهم الاشتراكات. الضمان يوضع في موقف صعب، أحد خياراته هو ربط التقديمات بالاشتراكات، بمعنى أنه من لا تسدد عنه الاشتراكات لا يستفيد من التقديمات. الموظف هو الذي لن يستفيد إذا لم يسدد رب العمل (الدولة أو المتخلفون من القطاع الخاص) اشتراكاته. الاحتياط مهدد بالنفاد في خلال سنوات قليلة، سنتين أو ربما ثلاثة، إذا استمرت الدولة إلى جانب بعض القطاع الخاص في الموقف الرافض للدفع. بدأ تأثير المبالغ المتوجبة للصندوق على وضعيته. الفائض يتآكل بحيث أن العجز السنوي المقدر للعام 2002 يظهر نفسه شيئاً فشيئاً في فرعي الضمان الصحي والتعويضات العائلية ليصل إلى حدود 2,86 مليار ليرة في العام 2002، وكذلك عجز الضمان الصحي البالغ 6,91 مليار ليرة، خصوصاً بعد تخفيض الاشتراكات من قبل الحكومة نفسها. سبق للضمان أن قام بمخالفة القانون عبر ربط التقديمات بالاشتراكات.. خلال سنوات الحرب. عادت الأمور إلى نصابها في سنوات السلم. والآن.. وبالعودة إلى المادة المتهمة بالالتباس، ماذا تقول المادة 73 التي أثبتت أنها مادة »إشكالية« بالنسبة إلى رئيس الحكومة الذي يشدد على التزاماته كرب عمل لكنه يحاول إعفاء هذا »الرب« من مبلغ 748 مليار ليرة (حتى نهاية العام 2002) مضافاً إليها 6,130 مليار ليرة عن العام 2003؟ وهل المادة 73 هي فعلاً وحدها محور »الإشكالية« المطروحة؟ أم أن هناك مواد أخرى يساء تفسيرها بدمج »روحها« مع هذه المادة من قانون الضمان الاجتماعي؟ المادة 73: 1) إن اشتراكات ضمان طوارئ العمل والأمراض المهنية ونظام التقديمات العائلية والتعليمية ونظام تعويض نهاية الخدمة هي كلها على عاتق أرباب العمل... 2) إن اشتراكات ضمان المرض والأمومة هي على عاتق المضمونين وأرباب عملهم والدولة. تأخذ الدولة على عاتقها 25 في المئة من قيمة التقديمات المتعلقة بالضمان المذكور وتعيين نسبة الاشتراكات التي هي على عاتق كل من أرباب العمل والأجراء بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير العمل وإنهاء مجلس الإدارة. إذاً، وبحسب المادة 73 ورأي مصادر في الضمان، فالتزام الدولة بدفع نسبة 25 في المئة من قيمة التقديمات ليس محل خيار، بل هو إلزامي. تماماً كما هو إلزامي قانونياً، وكما يرى الخبراء، بالنسبة إلى أرباب العمل الذين نفى الحريري أنه يسعى إلى إعفاء المتخلفين منهم عن الدفع من تسديد ما عليهم (في حين يبدو الأمر بمثابة العقوبة بالنسبة إلى أصحاب العمل الذين التزموا بالدفع كما تقول أوساط الهيئات الاقتصادية لا سيما الصناعية منها والتي ترى في ذلك قتلاً لشرعية المنافسة.. وترفض في الوقت نفسه إعادة رفع اشتراكات أصحاب العمل بالضمان). وبالتالي، فإن الكلام الرابط ما بين العجز في صناديق الضمان، وبين أن الدولة »يمكنها أن تساهم في سداد العجز إذا حصل«، وبين الفائض، وبين نسبة 25 في المئة من قيمة التقديمات المتوجبة على الدولة والواردة في المادة 73 التي لا يذكر فيها أي كلام عما يجب فعله في حال حصول عجز.. بل فقط ما هو لازم بالنسبة إلى الدولة. الكلام عن حالة العجز يرد في المادة 66 وليس في المادة 73. المادة 66: 2) إذا زادت مصاريف أحد الفروع المنصوص عليها في الفقرة السابقة، باستثناء فرع ضمان المرض والأمومة، على وارداته خلال سنة مالية واحدة، يؤخذ الفرق حكماً من مال الاحتياط العائد له. (...) أما إذا زادت مصاريف فرع ضمان المرض والأمومة، فيقرر رفع معدل الاشتراكات في حدود الأصول نفسها وفقاً للنسب التالية: 40 في المئة للدولة، 40 في المئة لأرباب العمل، و20 في المئة للأجراء. المادة واضحة. ففي حال العجز يتوجب رفع الاشتراكات بالنسبة إلى الأطراف الثلاثة الملزمة بالدفع: الدولة، أرباب العمل، والأجراء. ورفع الاشتراكات يتم بزيادة النسب المحددة في المادة 66. أي أن نسبة 25 في المئة الإلزامية، بموجب القانون، على الدولة ترتفع من 25 في المئة إلى 35 في المئة. نسبة 25 في المئة ليست لسد العجز إذاً، بل هي نسبة تدفعها الدولة في الأحوال »العادية«. عجز الصندوق له تدابير أخرى. هي تدابير تنعكس بالزيادة على هذه النسبة. أما السؤال فهو: إذا كانت المشكلة هي في تفسير المادة 73 من قانون الضمان، كما أشار الرئيس الحريري، فلماذا إعلان النية بتعديلها؟ لماذا لا يكون الجهد منصباً على العودة إلى نصها والتمحيص فيه من قبل خبراء قانونيين؟ الإجابة غامضة بعكس المادتين 73 و66. من جهة أخرى توقف الرئيس الحريري عند نقطة أخرى تتعلق بالضمان وهي أنه »لا بد من اعتماد أسلوب جديد ومدروس يكون فاعلاً لإخراج الضمان من وضعه الحالي ويرتكز على الآتي: عدم تحميل الخزينة أية أعباء مالية، توسيع قاعدة المشتركين، ثم تخفيض كلفة الإدارة للضمان، ومكننة جميع إدارات الضمان. في حين أن نسبة 25 في المئة التي تسدد للإداريين تعتبر نسبة كبيرة«. أوساط صندوق الضمان فهمت كلام الحريري على أنه يشير إلى الكلفة الإدارية للضمان، وكانت ردة الفعل أكثر من استهجان لهذا الكلام. واستشهدت الأوساط بدراسة أعدتها نقابة موظفي الضمان بالتعاون مع الإدارة والتي تبين فيها أن نسبة التكاليف الإدارية للضمان في العام 2002 بلغت 7,5 في المئة من إجمالي التقديمات والاشتراكات. لا شك أن السجال ما يزال في أوله. الكرة الآن في ملعب الضمان. وحول الملعب مضمونون يتفرجون، يترقبون، قلقون حدّ الخوف.. من المرض والأمومة!