As Safir Logo
المصدر:

ثورة يوليو.. خمسون عاماً: هل كانت الثورة لازمة؟ »6« في انتظار ثورة!

مصطفى النحاس باشا
محمد صلاح الدين
علي ماهر باشا
المؤلف: هيكل محمد حسنين التاريخ: 2002-09-03 رقم العدد:9291

عندما انقضت مواسم الإجازات أواخر صيف سنة 1951، وبدأ المسافرون إلى أوروبا يرجعون إلى القاهرة بعد غياب أسابيع قضاها بعضهم هناك: (الملك »فاروق« وعروسه »ناريمان« على شواطئ »كابري« والريفييرا الإيطالية والفرنسية ومنطقة البحيرات ما بين سويسرا وإيطاليا لمدة عشرة أسابيع مثيرة وصاخبة وغالية التكاليف وبمتوسط (100 ألف جنيه إسترليني كل يوم في تقدير السفارة البريطانية في روما) و»مصطفى النحاس« (باشا) وقرينته »زينب هانم الوكيل«، وفي رفقتهما »فؤاد سراج الدين« (باشا) معظم الوقت، إلى جانب حاشية قريبة مستعدة للخدمة فور الإشارة، يتقدمها الأستاذ »محمود أبو الفتح« (صاحب جريدة المصري) كانت الأحوال في مصر مختلفة كثيرا عما كانت عليه عندما ركب المسافرون إلى أوروبا بواخرهم قاصدين عبر البحر الأبيض إلى الشمال! ولم تكن غيبة الصيف في حد ذاتها كافية لصنع ذلك الاختلاف المحسوس وإنما الراجح أن تلك الأسابيع كانت فترة تحول »كيفي« لتراكم »كمي« سبقها، وتطورات أُضيفت إليها حتى وقعت لحظة الخلق كما يحدث للجنين في رحم أمه! والحاصل أن الأحوال كانت من قبل إجازات الصيف شديدة الوطأة: } فالطرف المصري الأول في معادلة السلطة (وهو القصر) كان في حالة ضياع أخذته إلى سلسلة من الفضائح تصدعت معها »شرعية العرش«، حتى أن »حسين سري« (باشا) الذي جاء به الملك إلى رئاسة الديوان ليكون عازلا أو »مانعة صواعق« بينه وبين الوفد لم يلبث شهورا في منصبه حتى وجد نفسه يتلقى أمرا ملكيا بإنهاء مهمته، باعتبار أن الملك لم يعد في حاجة إلى عازل ولا إلى »مانعة صواعق«، لأن العلاقة بين الطرفين أصبحت »سمنا على عسل«. وكان التفسير الذي قدمه »كريم ثابت« (باشا) بتكليف من »فاروق« لحسين سري (باشا) بما معناه »إن الملك وقد اعتزم أن يتزوج من الآنسة »ناريمان صادق«، يشعر أن وضع »حسين سري« في القصر بوصفه زوج خالة الملكة السابقة »فريدة« قد يصبح محرجا، وهو من باب الحرص على مشاعره، يعفيه من الإحراج ومن منصبه، حفاظا على أعصابه وكرامته! وكذلك انطلق »فاروق« في حياته الخاصة متحررا من كل قيد، إلى درجة أنه وهو في ذروة سعادته الزوجية للمرة الثانية مع »ناريمان« تورط في مشكلة تحرش جنسي مع »فردريكا« ملكة اليونان (زوجة الملك بول) وكانت »فردريكا« امرأة جميلة وشديدة الجاذبية، ويظهر أن الملك »فاروق« نسي نفسه لحظة كانت فيها ملكة اليونان تزور مصر، وحاول معها بطريقة فجة، إذ إنه عندما قَبَّل خدها كما هي العادة، حاول أن يصل بالقُبْلة إلى شفتيها فأزاحته، وإذا هو يحاول احتضانها، فكان أنها اضطرت للتعامل معه بحزم. وتطورت الفضيحة لأن الملكة »فردريكا« التي سارعت بمغادرة مصر تحدثت إلى بعض الدبلوماسيين الأميركيين في القاهرة، وتسرب الخبر وسُئِلَت فيه الملكة نفسها في حديث مع »ويليام آتوود« وهو من كبار محرري مجلة »لايف« الأميركية وإذا هي تؤكده ثم كان أن الحكومة اليونانية رجت الملكة »فردريكا« أن تصدر بيانا يقلل حجم الإساءة إلى ملك مصر، ولم يكن الطلب حرصا على الملك، وإنما طبقا لبرقية السفارة البريطانية في أثينا (13 ديسمبر 1950 رقم 50/5/1045) بسبب مصالح الرعايا اليونانيين في مصر، الذين توجه وفد منهم إلى سفارة بلادهم في القاهرة يلحون على تدارك الأزمة بأي شكل، كما أن واحدا من أبرز رجال هذه الجالية وهو المليونير »جورج كوتسيكا« طار على عجل إلى العاصمة اليونانية يشرح للمسؤولين هناك خطر غضب ملك مصر على الرعايا اليونانيين في مملكته. ثم إن الطرف الثاني في معادلة السلطة (وهو حزب الوفد) كان مشغولا إلى جانب استرضاء الملك واستباقه إلى تلبية طلباته بحروبه الأهلية، خصوصا بين مجموعة »فؤاد سراج الدين« (باشا) ومجموعة »نجيب الهلالي« (باشا)، وفي حين أن مجموعة »سراج الدين« استقطبت كبار المُلاك الذين كانوا دائما في خلفية الحزب وليس في واجهته فإن مجموعة »الهلالي« قدمت إلى الواجهة ما أَطلق عليه »فؤاد سراج الدين« نفسه وصف حزب الدكاترة: »حامد زكي« »زكي عبد المتعال« »أحمد حسين« »طه حسين«. وأواخر سنة 1950 وقع حزب الدكاترة، فقد حاول »زكي عبد المتعال« أن يتصدى لعمليات المضاربة في بورصة القطن، ثم اضطر إلى وقف المعركة في منتصف الطريق، فقد تصور في البداية أن كبار المُضاربين هم أنسباء زعيم الوفد وأصهاره أو وكلاء سكرتير الوفد وأصدقاؤه، وبالتالي فإن التصدي لهم مُباح، لكنه لم يلبث أن اكتشف أن »إلياس أندراوس« (باسم الخاصة الملكية) هو أكبر المضاربين، ومعنى ذلك أن المضي في الطريق إلى منتهاه مستحيل، وبدأ »زكي عبد المتعال« يتراجع وكذلك فإن حزب الدكاترة أُصيب بأول صدمة. وكانت الصدمة الثانية أن الدكتور »حامد زكي« وكان مفروضا أن يكون الأقرب إلى رئيس الوزراء (كوزير دولة للرئاسة) وجد أن »النحاس« (باشا) ليس جاهزا لسماعه، وإنما هو غائب في عالم خاص به وصفه السير »رالف ستيفنسون« يوم 15 يونيه 1951 في خطاب إلى »هربرت موريسون« وزير الخارجية البريطانية قائلا: »إن النحاس (باشا) لا يقوم بأي عمل على الإطلاق، ويبدو من كل ما أسمعه أنه يقضي معظم يومه في الحمام، فقد أُصيب بمرض النظافة، ويُضَيِّع ساعات في العناية ببدنه، والواقع أن برنامجه كما بلغني من أقرب الناس إليه أنه منذ استيقاظه وحتى الساعة الحادية عشرة والنصف موجود في غرفة النوم أو في الحمام، وقُرب الثانية عشرة ظهرا يخرج ليجري مقابلة أو مقابلتين أو يقرأ بنفسه أو يسمع ورقة أو ورقتين تُتْلى عليه، ثم يعود إلى جناحه يختفي فيه من الساعة الثانية بعد الظهر حتى الساعة السابعة مساءً، حين يظهر في صالون بيته ويتناول عشاءه ثم يأوي إلى فراشه في الساعة التاسعة«. ويضيف السير »رالف ستيفنسون« بعد ذلك: »لقد جاءني أحد أصدقاء أسرته وهو »توفيق مفرج« (رجل أعمال ثري من أصل لبناني)، وخلال حديثه معي وجدته حريصا أن يفضي إليَّ بأن »النحاس« (باشا) أبلغه بأنه لم يعد يهمه أن تخرج القوات البريطانية من مصر. ويضيف »مفرج« »إن ذلك هو أيضا رأي »زينب هانم« «! ثم يزيد ذلك »الصديق المُقَرَّب من الأسرة« فيقول للسفير البريطاني »إن قرينة »النحاس« (باشا) لم يعد لها شاغل غير زيادة ثروتها، وهي في ذلك تعتمد على نفوذها الطاغي مع زوجها«. وكذلك وجد الدكتور »حامد زكي« أنه لا يملك وسيلة إلى مجلس »النحاس« (باشا) أو إلى أذنه وضاع واحد آخر من حزب الدكاترة. والواقع أن نجما من حزب الدكاترة لم يلحقه غيره وجد طريقه إلى إنجاز مهم في التعليم، معتمدا على قوة شخصيته وعلى شهرته الأدبية والأكاديمية، وكان ذلك هو الدكتور »طه حسين«. ولم يكن حزب الدكاترة وحده هو الذي تعثر على الطريق، وإنما فقد »فؤاد سراج الدين« نفسه، الكثير. ذلك أن صراعه مع حزب الدكاترة ولو أنه انتهى بفوزه استنزف جزءاً من وقته، ثم إن جزءاً آخر من هذا الوقت ضاع استثمارا غير مأمون في توثيق علاقة وزير الداخلية مع القصر ولعل ذلك الاستثمار الذي وضعه »فؤاد سراج الدين« (باشا) على القصر جاءه بمردود عكسي، لأن »فؤاد سراج الدين« (باشا) كان هو الذي تصدى للدفاع عن تصرفات القصر ضد منتقديه، وبينهم في ذلك الوقت بعض أحزاب المعارضة التي تقدمت إليه بعريضة عن سوء الأحوال في مصر، وجدها القصر متجاوزة للحدود، خصوصا عندما نوقشت طلبات الاعتمادات الخاصة بالقصر (وضمنها تكاليف تجديد اليخت الملكي »المحروسة«). وفي هذا الصدد تورط »فؤاد سراج الدين« حين أخذ على نفسه أن يقود الحملة الملكية المُضادة على المعارضة، وبهذه الحملة فإن مكانة المجلس التشريعي الأكبر مقاما في مصر (وهو مجلس الشيوخ) نزلت إلى الحضيض! ]وطبقا لتقرير كتبه السفير البريطاني السير »رالف ستيفنسون« (رقم 46/1016) فإن تلك المهزلة بدأت سنة 1941، حين قامت وزارة »حسين سري« (باشا)، في غيبة حزب الوفد أيام الغارات الألمانية والإيطالية على مصر والتجاء قيادة الحزب إلى قصور ومزارع شمال الدلتا بتعيين 29 عضوا في مجلس الشيوخ، وكان ذلك التعيين قد جرى بمقتضى الدستور الذي يجعل نسبة الخُمْسين من أعضاء المجلس معينين بمرسوم ملكي مقابل ثلاثة أخماس بالاقتراع العام ومع ملاحظة أن الأعضاء المُعينين على أساس نسبة الخُمسين تتجدد عضويتهم كل خمس سنوات، وأن هذه النسبة في المجلس تمثل 59 مقعدا فمعنى ذلك أنه كل خمس سنوات يكون التجديد أو التغيير شاملا ل 29 مقعدا في المجلس. ويستطرد تقرير السفير البريطانى: } عندما جاءت وزارة »النحاس« (باشا) سنة 1942 نتيجة لإنذار بريطاني، فإن الوزارة الوفدية اعتبرت أن التعيينات التي صدرت في عهد »سري« (باشا) وفي غيبة الوفد ودون تمثيله ليست دستورية، ولذلك ألغت المرسوم القديم واستصدرت مرسوما بتعيين 29 عضوا في مجلس الشيوخ راعت أن يكون بينهم ثلاثة عشر وفديا! } ثم حدث أن وزارة »النحاس« (باشا) أُقيلت في 8 أكتوبر 1944 وجاءت بدلا منها وزارة »أحمد ماهر« (باشا) وسارعت هذه الوزارة في 16 يناير 1945 وأسقطت عضوية الأعضاء الذين اختارتهم وزارة »النحاس« (باشا) سنة 1942، واستصدرت مرسوما بتعيين 29 عضوا بدلهم! وفي ظل هذا التركيب جرى انتخاب الدكتور »محمد حسين هيكل« (باشا) رئيس الأحرار الدستوريين رئيسا لمجلس الشيوخ. } وعندما عادت إلى الحكم وزارة وفدية برئاسة »النحاس« (باشا) بعد الانتخابات التي أجرتها وزارة »حسين سري« (باشا) سنة 1950، فإن الوزارة الوفدية لم تبادر إلى إسقاط عضوية أعضاء مجلس الشيوخ التسعة والعشرين الذين اختارتهم وزارة »أحمد ماهر« (باشا)، وإنما انتظرت حتى تحصل على موافقة ملكية، خصوصا أنها شعرت بعدم ارتياح الملك لنتائج الانتخابات النيابية التي جاءت بحكومة وفدية ما لبثت أن أكدت له ولاءها. وعندما اطمأن لها، وغضب على خصومها الذين أصبحوا من مُعارضيه هو أيضا فإن الفرصة أصبحت متاحة لمواصلة الطرد والتعيين. وجاءت اللحظة المناسبة عندما طرح الأستاذ »مصطفى مرعي« استجوابه الشهير أمام مجلس الشيوخ عن تجديد اليخت الملكى »المحروسة« في إيطاليا بتلك التكاليف الباهظة، وأحس »فؤاد سراج الدين« أن المعارضة دخلت إلى الفخ المنصوب لها، خصوصا عندما طلب إلى رئيس المجلس الدكتور »هيكل« أن يوقف »مصطفى مرعي« عند حده، ولا يسمح له بالخوض في أمور تتصل بالقصر وتهمه. وعندما لاحظ »فؤاد سراج الدين« (باشا) أن »هيكل« (باشا) لا يستجيب له وَجَّهْ إليه تلك الصيحة التي اشتهرت في التاريخ السياسي المصري والتي قال فيها: »إننى أستطيع أن أرى الكرسي (كرسي رئاسة مجلس الشيوخ) يهتز من تحتك«. } وكذلك كان ففي ظرف أيام استصدرت الوزارة مرسوما ملكيا بإسقاط عضوية 29 شيخا عينتهم وزارة »أحمد ماهر« (باشا) سنة 1945، بحجة أن تعيينهم (للمرة الثالثة) لم يكن دستوريا وبالطبع فإنها استصدرت مرسوما بتعيين 29 عضوا بدلا منهم. وكان بين الذين سقطت عنهم العضوية الأستاذ »مصطفى مرعي« (صاحب الاستجواب الشهير) و»أحمد لطفي السيد« (باشا) (المعلم الأول في مصر الحديثة وأبو الجامعة المصرية) و»إبراهيم عبد الهادي« (رئيس حزب السعديين) و»حسين فهمي« (وزير المالية في وزارة »حسين سري«) و»فؤاد نجيب إسكندر« (باشا) (وزير الصحة) في وزارة »إبراهيم عبد الهادي«. ولأن رئيس المجلس لم يكن ضمن الأعضاء التسعة والعشرين الذين تسقط عضويتهم بالجملة بسبب سقوط مرسوم تعيينهم، فإن الوزارة استصدرت مرسوما بتعيين »زكي العرابي« (باشا) رئيسا للمجلس بدلا من »هيكل« (باشا). وكان بين الشيوخ الذين شملهم مرسوم التعيين الجديد في عضوية مجلس الشيوخ: »إلياس أندراوس« (باشا) (المستشار المالي للملك »فاروق«) و»أحمد عبود« (باشا) (المليونير المصرى الذي تولى هندسة عودة الوفد إلى السلطة) و»محمد أحمد فرغلي« (باشا) (سمسار القطن المشهور الذي تردد اسمه أخيرا في عمليات المضاربة على القطن) و»محمود أبو الفتح« (صاحب جريدة المصري الذي أصبح من كبار رجال الأعمال تاركا جريدته لشقيقه الأستاذ »حسين أبو الفتح« الذي تركها بدوره لأخ أصغر منه، حتى يتفرغ هو لإدارة نشاطاته المالية). ويروي السفير البريطانى السير »رالف ستيفنسون« في تقريره »إنه على يقين من أن ذلك الانقلاب الجديد في مجلس الشيوخ جرى بالتفاهم بين »فؤاد سراج الدين« (باشا) ممثل الوفد وبين »كريم ثابت« (باشا) ممثل القصر«. كانت تلك وغيرها لمحات من مجمل الأحوال قبل إجازات صيف سنة 1951 وكان لا بد لكل من يتابع الشأن المصرى أن يدرك أن هذا الذي يجري في مصر له كما هي الحياة دائما: ظواهر وبواطن. وإذا كانت تلك هي الظواهر إذن فلا بد أن البواطن تعيش حالة »تَخَمُّر« مؤدية بالضرورة إلى تحولات بعيدة الأثر. ثم زاد على تفاعلات عملية »التَخَمُّر« أن الحالة المصرية دخلت إلى فراغ أو تفريغ مزعج، لأن هذا الذي يجري في مصر ذلك الوقت أواخر سنة 1950 ومنتصف سنة 1951 كان له معنى واحد، مجمله أن الطرفين الرئيسيين في معادلة السلطة داخل مصر منذ ثورة 1919 وحتى تلك اللحظة وهما القصر رمز الشرعية والوفد ممثل الأغلبية كلاهما ضَيَّع دوره المحوري في توجيه الشأن المصرى. والواقع أنه عندما استسلم الوفد دون قيد ولا شرط للملك »فاروق« كي يظل في السلطة، وحين استسلم الملك »فاروق« دون قيد ولا شرط لأهوائه مطمئنا إلى أن حزب الأغلبية مربوط بطاعته كانت النتيجة انكشافا سياسيا، لأن المؤسستين المصريتين في ثلاثية السلطة انكفأت كل منهما وتراجعت، وهو ما صنع فراغا موحشا في قلب الحياة السياسية المصرية. وبما أن قوانين الطبيعة تعتبر »الفراغ« في الحياة حالة مستحيلة، فقد حدث في السياسة المصرية ما يحدث في طبائع الأشياء، ومؤداه أنه حين يطرأ الفراغ على منطقة، فإن المحيط الأقرب إليها يندفع نحوها بكل حمولاته وعوالقه لكي يملأ ويغطي. أي أن المحيط يتسرب وينفد، وأن الأطراف تزحف نحو القلب، وأن الهوامش بكل ما فيها تحل محل المتن الذي فك تماسكه وضاع معناه، وذلك بالضبط ما جرى على الساحة المصرية ذلك الصيف سنة 1951. وكان المحيط والأطراف والهوامش حول قلب السياسة المصرية حيث كان القصر والوفد من قبل مناخا مشحونا بعناصر متناقضة: فيها بقايا من جماعة الإخوان المسلمين الغاضبة مما حل بها في السنوات الأخيرة وفيها فرق من الشيوعيين ضمت أخلاطا من المصريين والأجانب يظهر بينهم تأثير يهودي ملحوظ وفيها بقايا من شراذم انبهرت بالفاشية والنازية قبل الحرب وهي الآن مفتوحة على تأثيرات أخرى من كل ناحية تبحث لنفسها عن دور. إلى جانب جماعات بدت رافضة لكل شيء، وهذه الجماعات تظهر في كل موقع حتى في حزب السلطة نفسه، الذي برز من داخله جناح معارض أطلق على نفسه وصف »الطليعة الوفدية«، وتزعمه الدكتور »عزيز فهمي« (الابن الأكبر لأحد أقطاب الوفد ورؤساء مجالسه النيابية باستمرار وهو »عبد السلام فهمي جمعة« (باشا) والحقيقة أن الطلائع الرافضة لكل شيء لم تقتصر على حزب السلطة وحده، وإنما تكاثر وجودها في كل محفل سياسي، ولمع فيها نجوم من أمثال »مصطفى مرعي« (بك) (وهو في الأصل رجل قضاء) تمرد على النظام وخرج منه، ومن أمثال »محمد خطاب« (بك) (وهو في الأصل سكرتير عام مجلس النواب) وقد خرج بدعوة إصلاحية لها صوت مسموع، ومن مفكرين ومثقفين من أمثال الأستاذين »سلامة موسى« و»مريت غالي« والأول منهما ساخط يرى بضرورة الثورة، والثاني منضبط يدعو إلى تطور لم يعد يحتمل الانتظار. وهكذا كان الصيف في مصر يزداد سخونة، بينما إجازات أوروبا سواء للهو أو الاستشفاء تعيش عوالمها وتغرق فيها! 1 رجل يعمل وحده من بعيد! طرأ على تلك الأجواء الساخنة والمضطربة عنصر آخر فرض نفسه على كافة القوى الموجودة من الأصل على الساحة أو المستدعاة إليها بالفراغ ذلك أن وزير الخارجية الدكتور »محمد صلاح الدين« الذي كان يمارس دوره منفردا وبتفويض أصلي من »مصطفى النحاس« (باشا) وضع كل الأطراف أمام طريق مسدود لا مفر من كسره إذا كان لا بد من اجتيازه! كان الدكتور »محمد صلاح الدين« رجلا متحمسا بوطنيته وصلبا في اعتقاده بمقتضيات مسؤوليته، وقد كان عليه أن يفتح ملفات التفاوض مع الإنجليز لتعديل معاهدة سنة 1936، وفي الواقع فإن هذه الملفات كانت مفتوحة بالفعل منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية (1945) فقد كان »محمود فهمي النقراشي« (باشا) سبق وتفاوض وفشل ولحقه »إسماعيل صدقي« (باشا) ووصل إلى مشروع اتفاق وسقط المشروع أمام معارضة شعبية قوية ثم عاد »النقراشي« (باشا) إلى الوزارة مرة ثانية وحَمَّل القضية المصرية إلى مجلس الأمن، وانتهى المجلس إلى دعوة الطرفين لاستئناف التفاوض مرة أخرى (1947) ثم جاءت حرب فلسطين 1948 فحولت الانتباه وشغلت، لكن هذه الحرب نفسها طرحت بشدة موضوع العلاقات مع بريطانيا والأولوية المطلقة لقضية استقلال مصر، وضرورة خلاصها من الاحتلال البريطاني لمصر، الذي استمر أكثر من سبعين عاما، وتركز الآن كله في منطقة قناة السويس. ................. ................. ]وفي لقاء بين الدكتور »محمد صلاح الدين« وبيني في تونس سنة 1982، قال لي الدكتور »محمد صلاح الدين« بنفسه: »إنه كان يشعر أن عمله في وزارة الوفد الأخيرة، نوع من مهمة إنقاذ وطني«. فقد رأى و»حزن« لما حل بالنحاس (باشا) (دون أن يدخل في تفاصيل). ورأى و»تألم« لهذه الحروب الأهلية التي احتدمت في قلب الحزب. ورأى و»استبد به الخوف« على ما يمكن أن يصل إليه الشأن المصري في الأوضاع السائدة. وكان حلمه إذا نجح في مهمته واستطاع إخراج القضية الوطنية من المأزق الذي وصلت إليه أنه يستطيع تحقيق هدفين: أولهما: إعطاء »النحاس« (باشا) وحزب الوفد، حلقة للنجاة في »بحر عاصف«. والهدف الثاني: استعادة روح الشعب وثقته في نفسه. وقد فتح باب التفاوض مع الإنجليز بكل موضوعية وجدية، لكنه ما لبث أن اكتشف أن الإنجليز لم يتركوا له فرصة، بل تراجعوا حتى مشروع »صدقي بيفن« الذي سبق رفضه شعبيا سنة 1946[. ................. ................. كان الدكتور »محمد صلاح الدين« يركز جهده على »قضية الجلاء«، وكان تقديره أن »وعد الجلاء« وهو حلم الوطنية المصرية الدائم كفيل إذا تحقق بصنع المعجزة. ومع أن قضية السودان راحت تذكره بنفسها، فقد كان تقديره »إنه لا يُعْقَل في أجواء عالمية وبعد ميثاق الأمم المتحدة أن يكون هناك حل لمستقبل السودان غير طرح خيار الحق في تقرير المصير«. فإذا كان ذلك فليس هناك شك أن أغلبية سودانية سوف تختار الاستقلال. وكان »صلاح الدين« فوق ذلك يعرف أن »النحاس« (باشا) بتجربة مفاوضاته الطويلة مع الإنجليز خصوصا سنة 1930، ثم سنة 1936 أصبح ميالا إلى منطق أن مسألة السودان لا يصح أن تعطل كل شيء، بل إن تفويض »النحاس« (باشا) له عندما اختاره وزيرا للخارجية (1950) كان بأهمية التركيز على قضية الجلاء، وأما السودان فكان الرأي أنه مشكلة عويصة، »لأن الإنجليز سبقونا ورتبوا كل شيء لصالحهم هناك«. وفي حقيقة الأمر فإن الطلب المصري بعد الحرب العالمية الثانية في شأن السودان اقتصر على نقطة واحدة هي أن يظل السودان تحت »التاج المصري« (على طريقة الكومنولث البريطاني). وفي هذه المسألة كانت خطة الدكتور »محمد صلاح الدين« أن يحاول الوصول إلى أقصى مدى متاح، ولكن المطلب الذي لا بد أن يتحقق كاملا هو »الجلاء الكامل«. على أن استقراء الواقع المصري والإقليمي والدولي وقتها يكشف أن محاولة الدكتور »محمد صلاح الدين« كانت في نطاق المستحيل لأسباب عديدة: } أولها: أن الإنجليز أو أي طرف دولي آخر لا يستطيع أن يتنازل عن امتياز استراتيجي لديه إلا إذا كان واثقا أنه: إما غير قادر على مقاومة المطالبين بإزاحته عن موقع امتيازه، وبالتالي فمن الأفضل له أن يتفق. وإما أنه سوف يحصل في المقابل على تعويض مناسب يحفظ له جوهر الامتياز الاستراتيجي، حتى وإن قبل التغيير في شكله. ولم يكن كلا الاعتبارين واردا في مفاوضات الدكتور »محمد صلاح الدين«، وكان يجريها أساسا مع السفير البريطاني في القاهرة السير »رالف ستيفنسون« (وذلك في حد ذاته يكفي لقياس درجة الاهتمام البريطاني بهذه المفاوضات). } وثانيها: أن الإنجليز وذلك درس التعامل معهم دائما لا يتفاوضون بجد إلا مع جبهات وطنية تمثل كافة القوى في البلدان التي يتفاوضون معها. وتلك تجربتهم بالذات في مصر، فهم لم يتفاوضوا ويصلوا إلى توقيع معاهدة (1936) إلا مع جبهة وطنية مصرية يقودها حزب الأغلبية، وكان رئيس هذا الحزب »مصطفى النحاس« (باشا) هو الذي وَقَّع المعاهدة مع وزير الخارجية البريطانية »أنتوني إيدن«! وفي ظروف سنة 1951 فإن احتمال قيام جبهة وطنية لم يكن واردا، فضلا عن أن حزب الأغلبية نفسه كان مغلوبا بظروفه، ثم إن مجمل الأحوال في مصر كان يتردى بسرعة تنبئ بأن أي اتفاق يمكن التوصل إليه محكوم عليه مقدما بسبب تيارات متعارضة راحت تتدافع في الواقع السياسي المصري، وفيها جميعا ما يدعو الحكومة البريطانية إلى التمهل والانتظار وعدم المجازفة مبكرا بحرق أوراق لم يجئ بعد أوان المساومة الجدية حولها. } وثالثها: أن الحكومة البريطانية كانت تواجه في الشرق الأوسط تحديات عنيفة أبرزها على وجه التحديد في إيران، حيث ظهر زعيم وطني قوى الشكيمة هو الدكتور »محمد مصدق« الذي تمكن بالفعل من محاصرة امتيازات النفط البريطانية في إيران، ثم استولى على منشآتها الكبرى في »عبدان«، ومعنى ذلك أن بريطانيا كانت داخلة عند منطقة الخليج في تحديات لا تستطيع معها أن تقبل بتنازلات عند منطقة السويس. وكانت مشكلة الدكتور »محمد صلاح الدين« هي ظنه أنه يستطيع استعمال ما يجري عند مواقع النفط في إيران لتشديد الضغط على الحكومة البريطانية عند قواعد القوة العسكرية في السويس ببساطة لأن الإمبراطوريات لا تتعامل في العادة بهذا المنطق، خصوصا في أحوال ضعفها، لأن الضعف في حد ذاته أكبر محرض على العنف يداري أو يعوض! } ورابعها: أن الإمبراطورية البريطانية كانت في ذلك الوقت تواجه ضغوطا أميركية إمبراطورية تطلب وراثتها في حياتها. وحدث فعلا أن الدكتور »محمد صلاح الدين« تصور أنه يستطيع الاستعانة بالأحلام الأميركية الإمبراطورية، وذلك بتشجيع الولايات المتحدة أن تلعب دورا في المفاوضات مع مصر، كما بدأت تلعب دورا في المفاوضات مع إيران (حتى مع الدكتور »محمد مصدق« نفسه). ووقع فعلا أثناء مفاوضات الدكتور »محمد صلاح الدين« مع السير »رالف ستيفنسون« أن السفير البريطاني أشار إلى أن منطقة قناة السويس لا يمكن تركها فراغا أمنيا، وأنه إذا كان على القوات البريطانية أن تجلو، فإن نظاما للدفاع المشترك لا بد أن يحل محلها. وكذلك فوجئ الدكتور »محمد صلاح الدين« بأن الولايات المتحدة التي كان يطلب مساعيها الحميدة في إقناع بريطانيا بالجلاء عن مصر هي التي جاءت تعرض عليه معاهدة للدفاع المشترك على أساس حلف إقليمي يضم باكستان وتركيا (وفي مرحلة لاحقة إسرائيل). وكان السيد »نوري السعيد« رئيس وزراء العراق (في كل أزمة) قد وصل إلى مصر يحاول إقناع »النحاس« (باشا) بالفكرة، ويحاول أيضا مع الملك »فاروق«. لكن الدكتور »محمد صلاح الدين« الذي رأى الحكومة البريطانية تأخذ منه »الكارت الأميركي« على حد وصفه، لم يتردد في رفض مشروع الدفاع المشترك. (وكان ذلك أول دخول أميركي ظاهر وعلني على حلبة السياسة المصرية). ومن المفارقات أن الملك »فاروق« بعد عودته من إجازة ذلك الصيف الساخن سنة 1951 سأل السفير الأميركي الجديد في القاهرة »جيفرسون كافري« كما سأل كثيرين غيره قبله وبعده: «ما رأيك في الدكتور »مصدق« الموجود عندي My Mossadaq، ولم يفهم »كافري«، وأوضح له الملك »فاروق«: »إنه يتحدث عن الدكتور »محمد صلاح الدين« (يعتبره مصدق المصري)! وكذلك كانت خطوط وظلال الصورة التي وجدها العائدون بعد موسم الصيف: كم من المشاكل يتحول إلى كيف من الأزمات! وفي واحد من أوائل تقاريره من القاهرة كتب السفير الأميركي الجديد »جيفرسون كافري« وهو رجل جاءت به الخارجية الأميركية من منصب سفيرها في »باريس« إلى منصب سفيرها في القاهرة، تحسبا واستعدادا لشرق أوسط تزداد أهميته وترتفع درجة حرارته، قائلا لوزير الخارجية الأميركية العتيد »دين أتشيسون«: »ليست في القاهرة ثورة، وإنما هناك حالة ثورية A State of Revolution«. 2 البحث عن فرص وسط الفراغ! { في تلك الأوقات كتب القلم المخصوص (البوليس السياسي) تقريرا »سريا للغاية«، رسم فيه ما يمكن اعتباره خريطة لمصادر التهديد على الأمن الداخلي في مصر، ومن الملحوظ أن نسخة من هذا التقرير ظهرت في أوراق »حسن يوسف« (باشا) وكيل الديوان، وذلك شيء يمكن فهمه، لكن الذي يصعب فهمه هو أن السفارة البريطانية حصلت على نسخة منه، وصنفته هي الأخرى بوصف »سريا جدا« وسجلته في الوثائق البريطانية (تحت رقم 167/ 1019) وهو يبدأ بعرض: إن مشكلة الأمن الداخلي يمكن بحثها تحت خمسة عناوين رئيسية: 1 الشيوعيون 2 المعارضة 3 الإخوان المسلمون 4 العناصر الإرهابية والمتطرفون 5 أهمية استمرار الأحكام العرفية. ثم يستطرد التقرير يقول »سوف نحاول هنا أن نناقش كل عنوان من هذه العناوين على حِدة وبطريقة مفصلة: } أولا الشيوعيون: أثبتت الأحكام العُرفية رغم طبيعتها المؤقتة أنها عنصر نافع وضروري في مواجهة الشيوعيين، لأنهم يملكون قدرا كبيرا من المرونة يمكنهم من تجديد تنظيماتهم وتوسيع دائرة نشاطهم باستمرار. وينقسم الشيوعيون في مصر إلى ثلاث طوائف، ويمارسون عملهم في ثلاثة مجالات: ( أ ) هناك نشاط شيوعي بين المصريين. (ب) وهناك نشاط شيوعي بين الأجانب. (ج) وهناك نشاط شيوعي مُوَجَّه من خارج مصر. ( أ) وبالنسبة للنشاط الشيوعي بين المصريين فإنه لم يتوقف رغم الأحكام العُرفية، ورغم الاعتقالات التي طالت أعدادا كبيرة من الشيوعيين، ذلك أنهم وهم في السجن لا يضيعون وقتهم، وإنما ينهمك قادتهم في تنظيم الخلايا خصوصا بين الطلاب، ويبذلون جهدا تعليميا كبيرا لجعل أتباعهم أكثر التزاما بالعقائد الشيوعية، بحيث يتحولون إلى عناصر قيادية عندما يخرجون من السجن، ومعنى هذا أنهم في السجن يعمقون نشاطهم ويكثفونه وهم خارج السجن يوسعونه وينشرونه. ومن متابعتنا للنشاط الشيوعي نلاحظ أن وجودهم خارج السجن هو العنصر الأهم في جعل كتل من الناس تحس بوجودهم عن طريق تأسيس الجمعيات، وطبع المنشورات، والتحريض والدعوة، ولا نبالغ إذا قُلنا إن التحريات تؤكد أن عدد الشيوعيين الآن تضاعف، ففي حين كان عددهم قبل سنتين يُعد بالمئات، فإن عددهم الآن بالألوف. وحتى وقت قريب كان النشاط الشيوعي في مصر تحريضيا، ولكن تحرياتنا في الشهور الأخيرة تبين أنهم انتقلوا من التحريض إلى التخطيط، وأنهم الآن يقومون بوضع برامج للعمل تستطيع أن تمارس أعمال الكوماندوز وحرب العصابات. والواقع أن هذا التحول الذي ينزع إلى العمل المباشر بعد عشر سنوات اقتصر النشاط فيها على التنظير، يشير إلى استعداد الشيوعيين بتوجيه من الخارج للقيام بعمليات تحريض لجماهير واسعة، خصوصا بين الطلبة والعُمال. ولاحظنا أن المنشورات الشيوعية التي صدرت أخيرا، تحتوي على هجوم ضد الوفد بعد هُدْنة معه سببها أن بعض القيادات الشيوعية تصورت أن الجناح اليساري فيه (الطليعة الوفدية) في مقدوره أن يشد الوفد إلى اليسار، لكن منشورات الشيوعيين الآن لا تؤيد الوفد، وفي اجتماعاتهم فإنهم يقرون أن العناصر اليمينية في الحزب أصبحت لها الغلبة. (ب) النشاط الشيوعي بين الأجانب: هذا العنصر في العمل الشيوعي هو أخطر العناصر في الوقت الحالي، فمن المعروف أن هناك جاليات أجنبية كثيرة تقيم في مصر، وأبناء هذه الجاليات من الشباب اعتنقوا الشيوعية وأنشأوا بغرض الدعوة إليها نوادي ومؤسسات قوية، وأنشط العناصر بينهم وأكثرها خطرا هم الجاليات الأرمنية والفرنسية واليونانية. هناك أيضا جاليات سُلافية من أوروبا الشرقية، ولكن هؤلاء يحصرون معظم نشاطهم في العمل لحساب قنصليات أوروبا الشرقية المُوالية للاتحاد السوفياتي، وفي بعض المرات فإنهم يعملون لحساب الاتحاد السوفياتي نفسه وعن طريق قنصلياته مباشرة. وقد رصدنا عن طريق رقابة البريد رسائل تحمل تفصيلات دقيقة عن خطط التغلغل الشيوعي في أوساط الجامعات المصرية والصحافة والجماعات الثقافية والعلمية، واحتوت بعض الرسائل على قوائم طويلة بأسماء من يمكن الاتصال بهم في مصر، بحيث ترسل إليهم المنشورات والمطبوعات وكُتب الدعاية مباشرة، وقد تمكنا من اختراق عدد من الشبكات جعلتنا على علم بتحركات واتجاهات هذا النوع من النشاط، بحيث نستطيع متابعته وتعقُبَه. (ج) الجزء السابق من التقرير يغطى البند ج، وهو البند الخاص بالنشاط الشيوعي المُوَجَّه من الخارج. 2 أحزاب المعارضة: أحزاب المعارضة الرسمية (السعديون والأحرار الدستوريون والكتلة) لا قيمة لها، فهي عاجزة عن تنظيم صفوفها وغير قادرة على برنامج موحد ينظم عملها، وبعض الأحزاب الثانوية وضمنها الحزب الوطني تحاول البحث عن تحالفات مع الأخوان المسلمين وغيرهم بقصد »التهييج في التركيز على إثارة المطالب الوطنية«. ويصل تقرير القلم المخصوص (البوليس السياسي) إلى مصدر التهديد الثالث فيقول: 3 الأخوان المسلمون: إن الأخوان المسلمين استأنفوا نشاطهم فور وقف العمل بقانون الأحكام العُرفية فترة إجراء الانتخابات الأخيرة، متصورين أنهم يستطيعون الحصول في زحمة الحوادث على عدد من مقاعد مجلس النواب، وعندما فشلوا في تحقيق هذا الغرض أدركوا أن المهمة الرئيسية بالنسبة لهم هي إعادة تنظيم أنفسهم من الأساس بعد الضربات القوية التي تلقوها على يد الوزارات السابقة. لكن الأخوان لديهم في هذه اللحظة مشكلتان رئيسيتان: ( أ ) المشكلة الأولى: هى اختيار مرشد عام يحل محل الشيخ »حسن البنا« وكان المرشحون لهذا المنصب تصارعوا في ما بينهم وأولهم »صالح عشماوي«، والثاني »أحمد حسن الباقوري«، والثالث »مصطفى مؤمن«، والأخير وراءه تأييد كبير من العناصر المتشددة في الأخوان، رغم أن قسما كبيرا من تنظيم الطلبة في الأخوان يؤيد ترشيح »عبد العزيز كامل« وهو مدرس في معهد شبين الكوم. (ولم يكن الأمن في هذا السياق على علم كامل بما يجري داخل الجماعة، ذلك أن الفِرَق المختلفة داخل الجماعات كانت قد تراضت في ما بينها دفعا للفتنة واتقاءً للشر على اختيار مرشح »محايد« يستطيع أن يجنب الأقوياء في الجماعة مهاوي الشقاق ويعطيها في نفس اللحظة واجهة محترمة تيسر لها استعادة مشروعية نشاطها بعد كل ما تورطت فيه فِرَقِها الجامحة وتعرضت له من ضربات شديدة، وهنا كان التراضِي على اختيار المستشار »حسن الهضيبي« ليكون المرشد العام الثاني للأخوان، وعلى ضرورة كتمان اسمه حتى تتكشف الأحوال من ناحية، وتتوفر له بيعة فروع الأخوان وتنظيماتهم في مصر وخارجها من ناحية أخرى). ويستطرد تقرير القلم المخصوص (البوليس السياسي): (ب) والمشكلة الثانية أمام تنظيم الأخوان هى قلة مواردهم المالية بعد مصادرة ما كان لديهم من عقارات وموجودات وأرصدة، عندما صدر قرار حل الجماعة. والمسؤولون عن عملية تمويل جماعة الأخوان المسلمين الآن هم »منير الدله« و»الباقوري« وتأمل الجماعة أن تجد موارد للتمويل علنية وسرية تمكنها من إعادة إحياء التنظيم الخاص المسلح التابع لها، وهنا فإنه من المهم جدا تشديد الرقابة على الأخوان حتى لا تفاجأ السلطات بعودة الجماعة إلى العنف المسلح في أي وقت من الأوقات. 4 العناصر الإرهابية والمتطرفة: هناك الآن في مجال التحريض السياسي عدد كبير من الشباب التابعين للحزب الوطني ومن المتطوعين العائدين من فلسطين، يتصورون أن مشاكل البلاد لا يمكن حلها إلا بالخلاص من الساسة القُدامى ولو بالاغتيال، ومعظمهم يعتقد أن الوسائل الدستورية للتعبير ميؤوس منها (وهنا أورد التقرير قائمة بأسماء شباب يظن القلم المخصوص أنهم جاهزون للعمل الإرهابي). بعد هذا التقرير التوصيفي يجيء تقرير ثانٍ عملي يتحدث عن تحالف بين قوى عديدة معارضة يطلق على نفسه وصف اللجنة العُليا للكفاح الشعبي، ويمهد ذلك التقرير الجديد (ومثل التقرير السابق فقد ظهرت نسخة منه في الديوان الملكي ونسخة أخرى في الملفات البريطانية) في مقدمته بملاحظة مهمة تقول »كما هي العادة فإن الذين يريدون أن ينشطوا سياسيا على الساحة مرة واحدة يحاولون الابتعاد قدر ما يمكن عن العاصمة، وتفكيرهم أن قبضة الحكومة في العاصمة قوية، وبالتالي فإن العمل أسهل عليهم من خارج العاصمة«، وذلك ما فعلته اللجنة العليا للكفاح الشعبي، فقد عقدت بسرعة مؤتمرا عاما في الإسكندرية تبنت فيه هدف الكفاح المسلح ضد الإنجليز بعد أن تبين فشل المفاوضات المصرية البريطانية التي يقوم عليها وزير الخارجية الدكتور »محمد صلاح الدين«. ويستفيض التقرير في تعداد العناصر المشتركة في اللجنة العليا للكفاح الشعبي، فيقول إنها »خليط واسع ومتنافر من أحزاب المعارضة، ومن الشيوعيين، ومن الأخوان المسلمين، ومن تنظيمات »مصر الفتاة«، ومن الجمعيات الخاصة مثل لجنة الدفاع عن الحريات الشعبية، واللجنة العُليا للدعوة للمطالب الوطنية، وجمعية أنصار السلام، وحزب العمال المصري، وتنظيمات أخرى تردد اسمها حديثا مثل »كتائب التحرير«. ويُلاحظ التقرير أن الحزب الوطني جرى تمثيله في اللجنة العليا للكفاح الشعبي بوجوه جديدة، فقد تقدم إلى واجهته جيل من رجال لهم شهرة ومصداقية مثل »مصطفى مرعي« (بك) والأستاذ »فتحي رضوان«، وانضم إليهم »عبد السلام الشاذلي« (باشا) (وهو محافظ سابق لمدينة القاهرة تولى وزارة الشؤون الاجتماعية مرة ثم تكرر ظهوره في استجوابات مجلس الشيوخ)، وكلهم ممن جمعتهم كراهية العصر الراهن كله (القصر والوفد). وكان أهم ما في هذا التقرير العملي إشارة جاءت في نهايته أن »هناك معلومات لم تتأكد حتى الآن، وتشير إلى أن مؤتمرات هذه التجمعات ظهر فيها عدد من الضباط والجنود العائدين من فلسطين«. 3 مشاعل النار فوق الحقول الخضراء { كانت الظاهرة الأخطر في الحالة الثورية (كما أسماها السفير الأميركي »جيفرسون كافري«) هو ما راح يجري على نطاق واسع في الريف المصري، وأثار أكبر قدر من القلق لدى العائدين من إجازات الصيف في أوروبا (سنة 1951). ذلك أنه سواء بالنسبة للقصر أو بالنسبة للوفد، كانت ملكية الأرض الزراعية هى الأساس المضمون للثروة، لأن الريف المصري دائما هو العملاق النائم، والذي يتبدى مستسلما لمقاديره فإذا تململ أو تحرك وقع المحظور. ومن المفارقات أن ملكية الأرض الزراعية كأساس للتركيب الطبقي في مصر الحديثة لم تُدرس بالقدر الكافي في وطنها، وأن أكمل وأوفى دراسة لها جاءت من الجامعة العبرية التي تنبهت مبكرا إلى أن أي معرفة جادة بأوضاع مصر لا بد أن تبدأ بدراسة التركيب الطبقي فيها، وإذا كان ذلك فمعناه دراسة توزيع ملكية الأرض، لأنها الأساس الذي قامت عليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية من أواخر القرن التاسع عشر. وكان الذي أشرف على هذه الدراسة في الجامعة العبرية واحدا من أكثر أساتذتها دأبا وجدا وهو الدكتور »جبرائيل باير«. وعلى وجه التقريب وباختصار فإن مساحة الأرض الزراعية في مصر (قبل ثورة 1952 وقبل السد العالي) كانت في حدود خمسة ملايين فدان، تتوزع ملكيتها على النحو التالى: مليون فدان للخاصة الملكية والأوقاف الملكية الخاضعة لإشرافها. مليون فدان للأسرة المالكة والأوقاف الخيرية الخاضعة لإشراف تفاتيشها الكبيرة. مليون فدان للأجانب (شركات وأفراد)، (وقد بدأ هؤلاء يبيعون أجزاءً كبيرة من أملاكهم في أعقاب انتهاء الحرب العالمية ومع ظهور بوادر لحركة وطنية واجتماعية تأثرت بالمناخ العالمي السائد (بعد تلك الحرب)، وقد وجد هؤلاء المُلاك من الأجانب (شركات وأفراد) مشترين من أغنياء الصدفة (أثرياء الحرب) يقبلون على الشراء استكمالا للمكانة الاجتماعية. مليون فدان للأسر المصرية الكبيرة التي تملكت مساحات شاسعة من الأرض الزراعية (في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، خصوصا بالشراء من أملاك الدائرة السنية عند تصفية ديون الخديوي »إسماعيل«). مليون فدان لكل الفلاحين (حوالى 15 مليونا من تعداد سكان يصل إلى 21 مليونا) يعملون بأنفسهم وبأولادهم وزوجاتهم على رقع متفرقة من الأرض الزراعية، يحتفظون بملكيتها بما يشبه معجزة تتكرر كل موسم! وكان هذا التوزيع لملكية الأرض الزراعية تركيبا طبقيا مقسوما بالتساوي ما بين سيطرة الاستبداد أو سيطرة الفقر! وفي صيف 1951 وفي مُناخ حالة ثورية حسب تعبير السفير الأميركي »جيفرسون كافري« كان ظاهرا للعيان أن هناك بوادر تمرد في الريف المصري! فقد تطاير الشرر لافتا للنظر في بلدة »كفور نجم« (في محافظة الشرقية) حيث يوجد تفتيش مساحته 7500 فدان مملوك للأمير »محمد علي« (ولي العهد حتى لحظتها). واشتكى مدير التفتيش للبوليس أن الفلاحين دأبوا على تأخير سداد إيجار الأرض، وهنا قام البوليس بحملة اعتقالات واسعة (أثبتت تحقيقات النيابة في ما بعد أنهم قاموا بحلق رؤوس الفلاحين وأرغموهم على أن يأكلوا شعرهم المحلوق، ثم ألبسوا عددا منهم أزياء نساء، واستعملوا عصيهم »خوازيق« أجلسوا عليها من ظهرت عليهم أمارات التحريض على التمرد). وفي مزارع »البدراوي« (باشا) في بلدة »بهوت« اندلعت اضطرابات سببها أن وكلاء الباشا أخذوا من الفلاحين مصاغ زوجاتهم رهنا لسداد الإيجار، ثم إن دائرة الباشا طلبت سداد الإيجار بتوريد حبوب حددت الدائرة سعرها، واندلعت اضطرابات ظهرت على صفحات الأهرام أواخر يونيه تحت عنوان »معركة في عزبة »البدراوي« (باشا) تبادل النار بين الأهالي والبوليس إضرام النار بأجران القمح قتلى وجرحى في »بهوت«! «. وقام السيد »عبد العزيز البدراوي« (وهو شقيق »زكية هانم« قرينة »فؤاد سراج الدين« (باشا) بعملية هجوم مُضاد على الفلاحين، وعُذره أنهم حرقوا بعض سيارات الأسرة احتجاجا على تصرفات وكلائها، وكان أن »عبد العزيز البدراوي« أمر بإطلاق النار على الفلاحين، وقاد حملة التأديب ضدهم بنفسه، ونقلت عنه مجلة المصور قوله: »ليس هناك في الدنيا مخلوق ألعن من الفلاح، إنه لا يُقَدِّر العطف، وإذا أظهرنا الرحمة عليه أصابه الطمع وتحين الفرصة كي ينهبنا، وتلك طبيعة العبيد. لقد بنيت للفلاحين مسجدين وأقمت مستشفى أوقفت عليها ثلاثمئة فدان، ومع ذلك استطاع بعض الأشرار الذين اِنْدَسُّوا وسطهم أن يجروهم، فإذا بهم ينقادون خلفهم دون تَبَصُّرْ«. وكان المشهد المفاجئ الذي وقع ردا على حملة التأديب أن مئات الفلاحين زحفوا في الليل على قصر »البدراوي« (باشا) رافعين المشاعل، وهناك كسروا أبواب القصر وأحرقوا الستائر، وطبقا لبلاغ من وكيل الدائرة إلى البوليس، فإن »الفلاحين نهبوا الصالونات والفضيات والأثاث«! وبداية خريف 1951 (سبتمبر وأكتوبر) كانت حوادث التمرد في الريف ظاهرة يومية، وراح كبار المُلاك وسايرتهم الحكومة يلقون اللوم على الشيوعيين، ونشرت بعض الصحف عشرات من البرقيات، يحتج أصحابها من رجال الأسر الكبيرة في الريف على نشاط »الإرهابيين الشيوعيين«، الذين يحرضون على الفتنة والعِصيان وعلى إتلاف الزراعات والمنشآت. وكان »فؤاد سراج الدين« (باشا) وزير الداخلية الذي عاد قبل أيام من أوروبا متأثرا بأجواء أسرته (وكذلك بتقارير وزارته) قد ترسخ لديه الاعتقاد بأن الشيوعية هي مصدر التهديد الرئيسي للأمن الداخلى. لكن القصر الملكي بدأ يمارس لعبة أخرى فقد فوجئ الرأى العام بافتتاحية في جريدة أخبار اليوم (وهي المتصلة بالقصر وقتها عن طريق »كريم ثابت«) عنوانها: »حركة الفلاحين ليست شيوعية«. ثم تستهل افتتاحية أخبار اليوم مقالها بما نصه: »يُخطئ من يتصور أن حركة الفلاحين في عزبة »البدراوي« (باشا) حركة شيوعية. ولو اعتقدنا هذا فإننا نعطي الشيوعية شرفا لا تستحقه، ولا يجوز أن نعطي الشيوعية كل هذا الشرف«. وتصل افتتاحية أخبار اليوم إلى حيث تقول: »استقل يا وزير الداخلية، لأن الشعب كله ينتظر ما سوف تفعله، فالمعركة التي حدثت في »بهوت« هي معركة بين الفلاحين وبين كبار المُلاك. والفلاحون لا حيلة لهم ولا سلطان، وكبار المُلاك في نفس الوقت هم أشقاء حرم »فؤاد سراج الدين« (باشا) الذي يهيمن على البوليس«. وتنتهي افتتاحية أخبار اليوم بقولها »اضرب المثل أيها الوزير، واترك منصبك حتى يتحقق العدل«! وكانت هذه الافتتاحية تحمل معنى يتخطى عباراتها ويتخطى موضوعها أيضا، فقد كانت إشارة واضحة إلى أن حلف القصر والوفد لم يعد قادرا على أن يتحمل أثقال حقائق مستجدة، دفعت كلا الطرفين إلى تبرئة نفسه وإلقاء المسؤولية على الطرف الآخر. وكان ذلك منطقيا لأن العادة في أي »علاقة انتهازية« أن الشركاء يتخلون عن بعضهم إذا بلغوا حافة الخطر، وتوهم كل طرف منهم أنه يستطيع النجاة بنفسه تاركا شريكه للذئاب الجائعة تنشغل به عن مواصلة المطاردة. 4 ضرائب على غير أرباح! { عندما عاد الملك »فاروق« من شهر العسل (وهو في الحقيقة عشرة أسابيع أي شهران ونصف شهر) كانت الصورة التي عُرضت عليه »داعية إلى انشغال باله« (طبق وصف »عبد الفتاح عمرو« (باشا) الذي استُدْعي إلى القاهرة للتشاور في شأن تعثر المفاوضات بين الدكتور »محمد صلاح الدين« وزير الخارجية وبين السير »رالف ستيفنسون« السفير البريطاني في القاهرة ووراءه وزارة الخارجية في لندن). والتقى »عبد الفتاح عمرو« (باشا) مع »حسن يوسف« (باشا) في شقته المطلة على النيل بشارع الجبلاية في الزمالك، وسهرا بالأرق ليلة طويلة يبحثان هَمًّا مشتركا بينهما هو »أحوال الملك«، واستقر رأي الاثنين على ضرورة مصارحته بأن »الأوضاع قاربت مرحلة الخطر«. وبما أنه طلب »عبد الفتاح عمرو« (باشا) بوصفه السفير في لندن لكي يسمع منه تفاصيل الأزمة التي صارت إليها المفاوضات المصرية البريطانية، إذن فإن الفرصة تطرح نفسها، وتكاد تحدد شخصية من يتحمل مسؤوليتها. وكان »حسن يوسف« (باشا) يدرك (دون أسى) أن الملك »تَعَوَّد أن يسمع منه حتى لم يعد السماع مؤثرًا«. ثم إن الملك بحكم العادة ظل ينظر إليه ك »موظف كبير في القصر« ولا يتفهم دوافعه إلى هذه الخدمة، وأولها أنه »يتحمل ما يتحمله عن إيمان بأهمية »الملكية« كمؤسسة، وكونها نظاما أصلح من غيره في حكم مصر وضمان استقرارها وتقدمها«. وحسب تعبير »حسن يوسف« (باشا) (في شهادة مسجلة بصوته) فقد كانت ميزة »عمرو« أنه زائر يجيء إلى مصر بين فترة وأخرى مرة في السنة لا أكثر وليس فردا من أفراد الحاشية مقيم في القصر باستمرار. ثم إن »عمرو« بحكم غيابه عن مصر معظم الوقت لم يكن معرضا لدسائس الناحية الأخرى من الحاشية (يقصد »كريم ثابت« و»يوسف رشاد« وغيرهما من هؤلاء الذين يحومون حول الوجه الآخر للقمر وذلك تعبير »عبد الفتاح عمرو«) زيادة على ذلك فإن »عمرو« بحكم كونه سفير الملك في لندن والرجل الذي خلصه من »كيلرن« (السفير البريطاني الذي أهانه وأذله مساء 4 فبراير والذي يُعتبر قناته الموثوق بها لدى الدولة الكبرى المهيمنة على الشأن المصري) يملك لدى فاروق (على المستوى الإنساني وعلى المستوى الرسمي) حظوة تسمح له أن يتحدث بغير تحرج، خصوصا وهو »دبلوماسي بالفطرة« يعرف كيف يقول كل ما لديه ب»كياسة«. ويروي »عمرو« (باشا) وكلامه مسجل بصوته، إن موعده مع الملك تحدد ظهر يوم في سبتمبر (1951) (لم يتذكر تاريخه بالضبط) وأنه جلس معه »أكثر من ساعتين« وفتح قلبه. ولم يذكر »عمرو« (باشا) أمام جهاز التسجيل تفاصيل ما قاله للملك، لكنه يتذكر أنه تكلم عن »كل شيء« و»بالقدر وبالأسلوب« اللائق ولو أنه انفعل في لحظة من اللحظات و»تهدج صوته«، واستأذن جلالة الملك في فنجان قهوة و»كوب ماء«. ثم خرج »عبد الفتاح عمرو« من مكتب الملك متوجها إلى مكتب وكيل الديوان »حسن يوسف«، ثم قصد الاثنان للغداء معا في بيت »حسن يوسف«، وطال جلوسهما معا في غرفة الطعام »أكثر من ثلاث ساعات«، وقد راحا يتذكران تفاصيل التفاصيل من حديث »عمرو عبد الفتاح« إلى »فاروق«، ويتساءلان »أي أثر يمكن أن يتحقق نتيجة له؟«. كانت تصرفات الملك في تلك الفترة العصيبة توحي بأنه إذا كان »فاروق« قد استمع إلى ما صارحه به »عبد الفتاح عمرو« (باشا) وربما غيره، (وكانت هناك شواهد تدل على أن الملك عندما عاد من أوروبا وفوجئ بحجم ما وصل إلى الناس من تصرفاته هناك، وراح يبحث ويتحرى الأسباب) فإن »فاروق« استنتج ما قابل استعداده ووافق هواه. } كان الاستنتاج الأول الذي توصل إليه هو أن »الوزارة« قصدت فضيحته أمام الناس بحيث يعرفون جميعا بما كان يفعله في أوروبا وقد وجه الملك أصبع الاتهام إلى الدكتور »محمد صلاح الدين« وزير الخارجية شخصيا، وحجته (وليس معروفا من أوحى إليه بها) أن الدكتور »محمد صلاح الدين« أمر عددا من سفارات مصر وبينها سفارات روما وبرن وباريس أن تحتج على الطريقة التي تناولت بها صحف بلدانها أخبار التصرفات الملكية أثناء مهرجان شهر العسل (ومع أن الملك »فاروق« نفسه وفي اتصال تليفوني من »لوجانو«، طلب من »حسن يوسف« (باشا) أن يحتج على السفارة السويسرية في القاهرة، لأن الصحافة السويسرية تلاحقه حيث ذهب وبإصرار على التربص والتشهير) إلا أنه عندما احتجت السفارات المصرية ثم عاد الملك إلى مصر، توصل إلى تفسير غريب لموقف الدكتور »محمد صلاح الدين« مؤداه: »أن صلاح الدين لم يقصد بالاحتجاج أن يدافع عن الملك، وإنما أراد إثارة أزمات مع الدول التي نشرت صحفها أخبارا عنه، ويكون ذلك دافع الناس حتى يسألوا عما وراء الاحتجاجات، ثم تجيئهم الإجابات بالتفاصيل ويعيدون روايتها في مجالسهم ويبالغون فيها«. وعلى هذا الأساس فإن الاحتجاجات التي أشار بها »صلاح الدين« لم تصدر عن »غضب وطني«، وإنما صدرت عن »غرض خفي« هو توسيع نشر »الحكايات« حتى »يعرف من لم يكن يعرف«! } والاستنتاج الثاني الذي توصل إليه الملك »فاروق« في تلك الظروف أن جزءاً من حملة الكراهية ضده، هي بتوجيه من الوزارة لتحويل الأنظار عن الفساد الجاري فيها وعن الصفقات المشبوهة والصراعات المكشوفة. ومن الغريب أن »كريم ثابت« أقنع الملك »فاروق« بإمكانية القيام بحملة مضادة تكشف مواقع الفساد »الحقيقي« في البلد وتخفف الضغط عن »القصر«. وهكذا دعي إلى القاهرة خبير علاقات عامة هو المستر »بلوردون هلسبي« وكان من قبل يعمل في مصر مديرا لتحرير جريدة »الإجيبشيان غازيت«، وبالفعل جاء »هلسبي« إلى القاهرة وعاد إلى لندن ليكتب في جريدة »ذي ستار« رسالة مستفيضة من القاهرة قال فيها: »إن الذين يتابعون أخبار الملك »فاروق« في الصحافة البريطانية قد لا يصدقون إلى أي مدى يعمل ملك مصر في خدمة بلاده، وكيف يعيش حياته جادا وملتزما ومضطرا للعمل مع حكومة فاسدة يرأسها رجل متهالك في الخامسة والسبعين من عمره، عاجز عن إدارة شؤونها، وخاضع لتوجيه زوجته الشابة التي هي القوة الحقيقية في الحكومة الوفدية من وراء الستار (وظهرت وسط رسالة »هلسبي« صورة لزينب هانم الوكيل قرينة »النحاس« (باشا) كُتِبَتْ تحتها جملة »المرأة الذكية التي تدير كل شيء في مصر من وراء الستار«! } والاستنتاج الثالث أن القصر من حقه وواجبه أن يكشف »الوفد« و»النحاس«، وهكذا راح الملك يهاجم الوزارة دون تحرز ويلقي عليها مسؤوليات ما حل بالبلد من »تردٍ وتفسُّخ«: فالوزارة »مهلهلة« بالانقسامات بين أعضائها الذين لم يعودوا حتى معسكرات، وإنما أصبحوا أفرادا، كل واحد منهم له عالمه وله مطالبه وله معاركه. } و»فؤاد سراج الدين« يلعب لعبة تحتاج إلى المساءلة، لأن هذه الخطة التي رسمها وراج تنفيذها لتحويل مؤسسة البوليس إلى »عزبة« خاصة له »توحي بأنه يدبر شيئا أو يستعد لشيء« والظاهر حتى من كلام صديقه »كريم ثابت« »إنه فقد الأمل في رئاسة الوزارة ب »الذوق«، والآن يريد أن يصل إليها ب »العافية«. } و»محمد صلاح الدين« يدفع المفاوضات مع الإنجليز إلى أزمة قبل الأوان، وهو متأثر بالدكتور »مصدق« في إيران ولا يعرف أن »مصدق« أخذ »إيران في داهية« (رواية »كريم ثابت« (باشا) في مكتبي في الأهرام سنة 1958، وكان قد جاء يزورني ويعرض علي مذكراته عن أيام خدمته في القصر). } ووسط هذه الفوضى كلها فإن »النحاس« مقيم في بيته أسير أمراضه ووساوسه الصحية إلى درجة أنه لم يعد يقابل أحدا غير قرينته، ولا يتحرك حتى في البيت إلا ووراءه تابع خاص يحمل زجاجة كحول مطهر يغسل بها يديه إذا لامست يد أي إنسان آخر، حتى من العاملين في البيت. ................. ................. ]والحقيقة أنه في تلك الأيام وعندما كان »النحاس« (باشا) يضطر إلى الخروج من بيته لمناسبة لا يستطيع أن يتخلف عنها، فقد كان يتبعه باستمرار سكرتير (وأحيانا ضابط من حراسته الخاصة) يحمل زجاجة كولونيا لكي يغسل بها الباشا يديه، وقد رأيت ذلك المشهد بنفسي في احتفال أُقيم في النادي السعدي في إحدى المناسبات الوطنية أواخر سنة 1950 (وفي الغالب احتفال عيد الجهاد 13 نوفمبر 1950) ويومها اضطر »النحاس« (باشا) إلى مصافحة كثيرين، لكنه كل مرة كان يلتفت خلفه ويطلب »كولونيا«، وفي البداية لم أفهم سر الطلب ثم عرفته من »محمود سليمان غنام« (باشا). ................. ................. وهكذا استنتج الملك »فاروق« أن رئيس الوزراء الذي »عفا« عنه وقَبِلَ بفتح صفحة جديدة معه وترك له كل شيء واثقا فيه لم يعد صالحا لخدمته وأنه فقد قيمته، وأكثر من ذلك أصبح عبئا عليه. وفي هذه الأجواء المضطربة فإن ما عُرف بوصف قضية الأسلحة الفاسدة راح يملأ أجواء مصر، ويضع الملك نفسه في قفص الاتهام، ذلك لأن الروايات تناثرت في كل المحافل وفي الصحف تتحدث عن عمليات لشراء السلاح جرت على عجل بعد قرار الملك بدخول حرب فلسطين سنة 1948، على غير رغبة رئيس الوزراء »محمود فهمي النقراشي« (باشا)، وعلى غير استعداد عسكري يطمئن إليه في معركة خارج حدود مصر (بمنطق ذلك الوقت). وتمضي الروايات لتقول »إنه في شعور الملك بدوره في قرار الحرب، فإنه اعتبر نفسه مسؤولا عن توفير السلاح للجيش بكل وسيلة، وهكذا انشغل عدد من أفراد حاشيته أو من أصدقائهم بعمليات لشراء الأسلحة والذخائر، ومعظمه مما كان باقيا في مخازن أوروبا (إيطاليا بالذات) من أيام الحرب العالمية الثانية. وكان الحلفاء قد كدسوا هناك جبالا من العِتاد استعدادا لغزو إيطاليا من الجنوب إلى الشمال، لكن الملك »فيكتور عمانوئيل« اختصر لهم المهمة فاعتقل الزعيم الفاشستي »موسولينى« وأعلن استسلام إيطاليا. وكان معروفا وذائعا على أوسع نطاق في العالم أن مواقع كثيرة في إيطاليا لا تزال مزدحمة بمخازن السلاح والذخيرة، وأن هناك سوقا مفتوحة لمن يطلب ويعرض الثمن المناسب. والمشكلة أن البعثات التي ذهبت لشراء السلاح لم تدرك أن هذا السلاح الباقي من أيام الحرب العالمية، ظل أعواما (أربعة أو خمسة) مكشوفا في العراء، ومن ثم أصابته بالضرورة عوامل الجو وأثرت على صلاحيته. وفي الغالب فإن بعض البعثات أدركت أنها تشتري سلاحا فقد بعض صلاحيته، لكنها اشترته كبضاعة عليها طلب، والمحتاج على استعداد لقبولها بحالتها الراهنة وتحمل مسؤوليتها كيفما جاءت. وأخيرا فإن بعض البعثات ومعها عدد من التجار والسماسرة قدموا فواتير لمشترياتهم مُبالغا فيها، وكان على أولئك المحتاجين أن يدفعوا! وهنا فإن ما سُمي »بصفقة الأسلحة الفاسدة« أصبح أزمة ضمن الأزمات التي أدت إلى سقوط هيبة النظام الملكي، لأن الاتهامات في خاتمة المطاف كانت واصلة إلى القصر، وإلى الملك شخصيا. ................. ................. ] والراجح أن الملك الذي كان يعتقد ببراءته، رد بغضب وربما بحماقة على الاتهامات التي التصقت به وبسمعته. وفي ما بعد، وعقب قيام الثورة كان موضوع الأسلحة الفاسدة واحدا من ذرائعها، جرت تحقيقات في قضية الأسلحة الفاسدة وظهرت في التحقيق مسألتان: الأولى: أنه كانت هناك بالفعل أسلحة فاسدة، لكن نسبة هذه الأسلحة الفاسدة كانت في الحدود التي يمكن تصورها، وعلى ضوء الظروف التي تمت فيها مشترياتها مع وجود مبالغات في الأسعار استفاد منها بعضهم. ثم إن الضجة التي أُثيرت حول هذه القضية كانت وراءها جماعات متنافسة من الموردين، وحين نجح بعضهم في إبرام صفقاته، ولم ينجح بعضهم »الآخر« فإن المعركة بين الطرفين أعطت للقضية حجما يفوق واقعها. ولعل أكثر ما ضايق الملك »فاروق« (في حديث له مع »نجيب الهلالي« (باشا) سنة 1951 وكان قد قابله سرا كما قابل ساسة غيره، بينهم »حافظ عفيفي« (باشا) يستطلع رأيهم في تردي أحوال »البلد«) »إن الناس صدقوا أنني تاجرت في السلاح، وأنني أتحمل مسؤولية دم كثير »ساح« في فلسطين«! ................ ................ ]والشاهد أنه يمكن تشبيه قضية »الأسلحة الفاسدة« ودورها في تعرية النظام الملكي في مصر، بالدور الذي قامت به قضية عقد الملكة »ماري أنطوانيت« في سقوط أسرة »البوربون« في فرنسا على عهد »لويس السادس عشر«. فقد استطاعت مغامرة فرنسية هي الكونتيسة »جين فالوا« أن تُقنع الكاردينال »دي روهان« بأن يسترضي الملكة »ماري أنطوانيت« وكانت تُظهر نفورا منه بأن يشتري عقدا نادرا من اللؤلؤ، صنعه الفنان »بوهمر« وهو أشهر مصمم للجواهر وقتها، وثمنه مليون وستمئة ألف فرنك، ويهديه عن طريقها (»جين فالوا«) إلى »ماري أنطوانيت« ملكة فرنسا، ورتبت »فالوا« إشارات وملابسات معينة جعلت الكاردينال على يقين بأن هديته سوف تُسَلَّم للملكة، في حين أن »ماري أنطوانيت« لم تكن تعرف شيئا عن الموضوع كله. وحدث أن العملية انكشفت، وبراءة الملكة ظهرت، وبرغم ذلك فإن قضية عقد اللؤلؤ ظلت تطارد »ماري أنطوانيت« حتى وهي تصعد سلالم المقصلة التي قطعت رقبتها في ميدان الثورة (الكونكورد الآن) قلب باريس. والواقع أنه في الأجواء الحافلة بالاتهامات عن مغامرات وفضائح مالية وغرامية تورطت فيها »ماري أنطوانيت« فعلا، وفي أجواء مخازِ حقيقية سقط فيها بلاط البوربون فإن كافة التهم أصبحت قابلة للتصديق، لأن اللحظة النفسية مناسبة، ولأن الروايات جاءت متسقة مع الانطباعات الشائعة عن أصحابها من ناحية، ومن ناحية أخرى جاءت متوافقة مع السياق العام للحوادث في زمن وقوعها. كذلك حدث في قضية عقد اللؤلؤ بالنسبة لماري أنطوانيت. وكذلك حدث في قضية »صفقة الأسلحة« بالنسبة لفاروق[. ................. ................. وعلى أي حال فإن الملك خرج بعد القضية باقتناع لم يتزحزح عنه وهو أن الحكومة لم تُحسن الدفاع عنه (ولعلها لم تحاول) ثم إنه هو نفسه وبمركزه الملكي لم يكن قادرا على الدفاع عن نفسه مباشرة (ولم يكن مُصَدَّقا فيه حتى لو حاول). والنتيجة أن تحالف القصر والوفد تفككت عُراه وأن عهد الصلح بين الاثنين سقطت ضروراته، وأن قُبلة طبعها »النحاس« (باشا) على يد الملك »فاروق« عربونا لولاء بغير حدود تحولت إلى ضريبة على أرباح لم يعد لها في النهاية وجود! 5 فرسان الساحة الفارغة! { إذا كان التوافق إلى درجة التواطؤ بين القصر والوفد قد ترك فراغا كبيرا في قلب السياسة المصرية مما سمح لعناصر الهامش في المجال السياسي المصري بأن تندفع إلى قلبه فإن الاختلاف والانشقاق بين الاثنين زاد من مساحة هذا الفراغ، وجعل أجواءه معتمة وداكنة تظهر عليها التحركات وكأنها من أفعال الظلال أشكالا ومساحات غير واضحة وغير محددة! وكان »علي ماهر« (باشا) أول من اعتبر أن الساحة السياسية الراهنة تناديه وتقدم إليها تلك اللحظة لينشئ جماعة أسماها »جبهة مصر«. وكان »علي ماهر« (باشا) صاحب دور ملتبس في السياسة المصرية، فقد ناصر قيادة »سعد زغلول« لثورة سنة 1919، وهو موظف كبير في وزارة الحقانية، ثم راح ينشق ويبتعد ماشيا في حقل الشوك الواسع بين الوفد والقصر، خارجا من الولاء لسعد وواصلا إلى العداء معه ومع »النحاس« (باشا) خليفته، حتى ظهر مُقَرَبا من الملك »فؤاد« وشِبْه قَيِّم على ابنه »فاروق« الذي جلس على العرش و»علي ماهر« بجانبه، رئيسا للديوان الملكى (1937). لكن »علي ماهر« لم يكن لديه شيء نافع يعطيه للصبي الذي جلس على عرش مصر، بل كان ما لديه لذلك الصبي الذي اعتبرته أغلبية الشعب المصري وعدا وبُشرى وسوسة تزين الدكتاتورية وتحرض على الدستور كلما سنحت فرصته. وقد رتب »علي ماهر« (باشا) (وهو رئيس الديوان) انقلاب »فاروق« الأول على الأغلبية الوفدية، وكذلك أُقيلت وزارة »النحاس« (باشا)، وخلفتها وزارة برئاسة »محمد محمود« (باشا) رئيس الأحرار الدستوريين لم تستطع أن تحكم، لأن »على ماهر« (باشا) كان يريد رئاسة الوزارة لنفسه. وبالفعل فإنه كان في ذلك الموقع عندما جاءت الحرب العالمية الثانية ثم خرج منها بإنذار بريطاني 1940 لم يلبث أن لحقه إنذار بريطاني آخر 1942 جاء بوزارة وفدية يرأسها »النحاس« (باشا)، وكان بين إجراءاتها اعتقال »علي ماهر« (باشا) في مزرعة له في مديرية البحيرة لم يعد منها إلا بعد أن أصبح شقيقه »أحمد ماهر« (باشا) رئيسا للوزارة في انقلاب دستوري آخر (أكتوبر سنة 1944). ولم يكن لعلي ماهر (باشا) حزب سياسي، ولا كانت له شعبية جماهيرية وكذلك كان مكانه دائما منطقة الظلال وكان ذلك أكثر اتساقا مع شخصيته وفيها لمسة من الغموض (لعلها من أيام الخدمة في القصر) ولمسة من العبوس (لعلها من أثر النفي في مزرعته أو النفي من السلطة) ولمسة من المرارة (لعلها من بقايا طموحه إلى إيقاع الملكة »نازلي« أرملة الملك فؤاد في غرامه، لكنها أعرضت عنه وأعطت ما عندها لأحمد حسنين (باشا) الذي خلف »علي ماهر« على رئاسة الديوان الملكي). والمهم أن »علي ماهر« بقي شخصية ملتبسة غامضة أو على الأقل غير واضحة وغير محددة. وبرغم ذلك فقد كانت هناك مجموعة من الرجال والنساء أخذهم ذلك المزيج »المُعَقَدْ« في شخصية »علي ماهر«، وكان فيهم من اعتبره »رجل الأقدار« الذي يستطيع مواجهة الصعاب وإنقاذ المواقف في أصعب الأوقات. .................. .................. ]وكان بين المُعجبين بعلي ماهر (باشا) رجل وسيدة كنت ولا أزال من المُعجبين بنواحي قوة في شخصية كل منهما: } الرجل هو الدكتور »محمود عزمي« كان لزمن طويل مؤيدا ل »علي ماهر« (باشا) (في رئاسته الأولى للوزارة سنة 1939)، وكان هو الذي اقترح عليه إنشاء وزارات جديدة (مثل وزارة الشؤون الاجتماعية) توسع بعض الشيء مهام الحكم في مصر لكنه على سنة 1951 حين بدأ »علي ماهر« يقدم نفسه باعتباره »المُنقذ من الضياع« كان الدكتور »عزمي« قد شُفي من الإعجاب به! } وأما السيدة فهي »روز اليوسف« (الفنانة القديرة التي أصبحت مالكة لمجلة واسعة النفوذ تحمل اسمها) فقد كانت هي التي دعتني معها تقدمني إلى »علي ماهر« (باشا) في بيته (ذلك الوقت) في شارع »مظهر« في الزمالك. وحاولت السيدة »روز اليوسف« أن تهيئنى (صحفيا شابا متحمسا) للقاء »رجل الأقدار«، وكان قولها ونحن على عتبة باب بيته، إنك الآن سوف تقابل »نمر« السياسة المصرية، وعندما خرجنا بعد ساعتين من »عرين النمر«، سألتني السيدة »روز اليوسف«: كيف رأيت »علي ماهر« (باشا)؟ وأحست بذكائها أنني لم أقتنع بما رأيت![. ................. ................. وفي أجواء الفراغ الموحش الذي اعترى السياسة المصرية بالوفاق ثم بالشقاق بين القصر والوفد، دخل »علي ماهر« (باشا) يقدم نفسه باعتباره رجل المواقف الصعبة القادر على ملء الفراغ وعلى انتزاع المستقبل المرتجى من وحشة الحاضر الراهن! وكانت مشكلة »علي ماهر« الحقيقية »أنه ليس في مقدور رجل أن يتحدث عن المستقبل في عزلة عن ماضيه، ولا أن يحلم بإنقاذ وطن ليست له فيه قاعدة، لأن خطط العمل الوطني تحتاج إلى ما هو أكثر من البرامج المكتوبة بواسطة نخب عجزت طول تجربتها عن التواصل مع أوسع الجماهير، وأخيرا فإن الإرادة السياسية لا توفرها قدرة رجل على المناورة، وإنما توفرها قدرته على مد رباط الثقة بينه وبين الناس. ويستحق التأمل أن أول جهد »لعلي ماهر« (باشا) في أداء دور المنقذ المُخلص كان موجها إلى السفارة البريطانية. وفي صيف سنة 1951 يظهر ضمن الوثائق البريطانية تقرير برقم (12/ 1010) كتبه السفير البريطاني في القاهرة يقول: »أنه منذ فترة و»علي ماهر« (باشا) يحاول أن يجد وسيلة للاتصال بالسفارة أو بأحد من كبار المسؤولين فيها، ومع أني شخصيا أستغرب محاولة »علي ماهر« (باشا) الآن أن يقوم بدور سياسي، فقد وجدنا من الأفضل أن نستكشف ما يريد ولا نصده. لقد كنت أتصور بعد كل ما جرى له وبعد اغتيال شقيقه »أحمد ماهر«، وخلفه »النقراشي« أن الرجل لم يبق له غير أن يلجأ إلى دير يقضي فيه بقية حياته معتزلا إلا أن الرجل الآن يجمع حوله بعض المستقلين، ويظن بمقدوره أن يستقطب من حوله قوى وتيارات يراها فاعلة على الساحة دون توجيه واضح أو قيادة مُعْتَرَف بها. وقد لاحظنا أنه في الشهور الأخيرة يحاول جس نبض عدد من التيارات لعلها تناصره كلها أو بعضها في تصوراته عن »إنقاذ ما يمكن إنقاذه«، ونحن نعرف أنه اتصل بالأخوان المسلمين وبالشبان المسلمين (التي يرأسها واحد من أصدقائه هو »صالح حرب« (باشا) ) وبساسة ينتمون إلى أحزاب ضعيفة، ووصل به الأمر إلى حد أنه اتصل بمجموعة »أخوان الحرية« وهي جماعة يشك في أمرها كثير من الوطنيين، ويظنون أننا (السفارة الإنجليزية) نحركها، ومما لاحظناه أن »الباشا« يوحي عن طريق بعض المتصلين به لعدد من السفارات الأجنبية في القاهرة، بأننا (السفارة البريطانية) راضون عن برنامجه، ويتصور أن ذلك يعطي مصداقية لدعوته! وعندما وجدنا أن الاتصال به لا ضرر منه، لم نشأ أن يكون الاتصال عن طريق مسؤول سياسي، وانتهزنا فرصة أن المستشار القانوني في السفارة »جون هاملتون« تلقى دعوة من بعض أصدقاء »علي ماهر« (باشا) لحضور غداء معه، ورأينا أن يقبلها بشرط أن يوضح موقفه، على أساس أنه يحضر الغداء بصفة اجتماعية وليس بقصد سياسي«. يستطرد التقرير البريطاني (12/ 1010) بعد ذلك إلى القول بأن »جون هاملتون« حضر مأدبة غداء في بيت »عبد الملك حمزة« (بك) وهو من أقرب المقربين إلى »علي ماهر« (باشا)، وهناك سمع عن خطة لعودة »علي ماهر« (باشا) إلى رئاسة الديوان الملكي بداية تمهد له (كما حدث من قبل) طريق رئاسة الوزارة »حيث تنتظره مسؤولية إنقاذ الموقف«. والفكرة التي يدعو لها أصدقاؤه أن هناك فراغا فظيعا في الحكم لأن رئيس الوزارة الحالية »النحاس« (باشا) أصبح رجلا مُتْعَبا، أصابه »الخَرَف« Gaga (هكذا بالنص) بسبب تقدم السن، والأليق به أن يعتزل ويقضي بقية عمره يتمتع بالثروة التي جمعتها زوجته. وإذا اعتزل »النحاس« (باشا) فإن حزب الوفد يصبح مثله مثل كل الأحزاب بغير سند جماهيري ولا قيادة تجمع الناس«. تلك مقدمات مشروع أصدقاء »علي ماهر« (باشا). يستطرد التقرير إلى مشهد بعد الغداء جرى فيه اقتياد »جون هاملتون« إلى جلسة منفردة على الشرفة Veranda لمدة ساعتين في خلوة منفردة مع »علي ماهر« (باشا)، هيأها لهما مضيفهما »عبد الملك حمزة« (بك) ويكتب »جون هاملتون« »إن »علي ماهر« أراد أن يثبت لي صدق نيته معنا زمن الحرب، وأن يؤكد ولاءه وإخلاصه لنا بما يعني في النهاية أننا ظلمناه بشكوكنا فيه وتجنينا عليه، ودخل »الباشا« إلى هذا الموضوع ببراعة يستحق التهنئة عليها، فقد بدأ كلامه بقوله: »إنه عائد من إجازة في تركيا واكتشف هناك من كل ما سمعه أن دور تركيا معنا في بداية الحرب كان مماثلا لدور وزارته بالضبط، فقد اتخذت »تركيا« في الظاهر موقفا محايدا لتغطي به إيمانها بقضية الحلفاء على اعتبار أن موقفها ذلك يخدم الحلفاء بأكثر من المشاركة معهم في القتال وقال »الباشا« »إن ذلك الموقف كان عين العقل، وأنه ساعد الحكومة البريطانية وخدم مجهودها الحربي«. ويكتب »هاملتون« »ومن هنا استطرد »الباشا« إلى أن وزارته سنة 1939 فعلت الشيء نفسه، فقد وضعت كل إمكانيات مصر تحت تصرفنا في تنفيذ أمين لمعاهدة سنة 1936، وأكثر من ذلك قامت هذه الوزارة بأمر منه شخصيا بتجريد الرعايا الطليان والألمان من سلاحهم وحبسهم في معسكرات اعتقال حتى لا يتحولوا إلى طابور خامس يؤثر على المجهود الحربي، وأكثر من ذلك فإنه وضع تحت تصرفنا كل المعلومات الخاصة لدى حكومته وكان لديها الكثير عن نوايا إيطاليا، وكان العسكريون البريطانيون يقدرون له (لعلي ماهر) صنيعه، حتى أن الماريشال »ويفل« قائد القوات البريطانية في الشرق الأوسط بعث له بخطاب شكر سوف نجد نسخة منه في سجلات السفارة«. ويكتب »هاملتون« »واصل الباشا كلامه منتقلا من الماضي إلى الحاضر قائلا: »إنه لا يعرف سببا لعدم الوصول إلى اتفاق على تعديل معاهدة سنة 1936 حتى الآن، وأنه كعضو في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، تصدى لوزير الخارجية »محمد صلاح الدين« قائلا له: »إن سياستك تأخذ مصر إلى الضياع!«. أضاف »علي ماهر« (باشا) قائلا: »إن قضية السودان لا يصح أن تعرقل المستقبل وأن المطلوب هو »صلة رمزية« بين مصر والسودان، وأن مصالح مصر في السودان متماثلة تماما مع مصالح بريطانيا وذلك يسهل كل شيء«. أضاف »الباشا« »أنه ضد تورط مصر في مشاكل العالم العربي، وأن التعقيدات كلها تجيء من أن الأمين العام للجامعة العربية »عبد الرحمن عزام« (باشا) يتخطى حدود وظيفته وهو »كما رأينا« في »حوادث المغرب العربي« لا يمارس الدبلوماسية بقدر ما يمارس التحريض«! وأخيرا وصل »جون هاملتون« المستشار القانوني للسفارة البريطانية في القاهرة إلى وصف لعلي ماهر (باشا) بدا وكأنه قراءة في الغيب، فقد كتب بالحرف »باختصار لقد جعلني »علي ماهر« أشعر بأنه »تاليران« مصري (كان »هاملتون« يشير إلى السياسي الفرنسي الأشهر الذي عاش أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر والذي كان وزير خارجية لويس السادس عشر قبل الثورة الفرنسية ثم أصبح وزيرا لخارجية »نابليون بونابرت« ثم انتهى وزيرا لعصر ثالث عندما عاد البوربون مرة أخرى إلى قصر التويلري على عهد لويس الثامن عشر، واستحق »تاليران« بالتالي وصف »رجل لكل العصور«)! وفي مساحات الظل جاءت إلى الفراغ أيضا قوى توهم أصحابها أنهم شكل المستقبل، وكان في المقدمة من هذه القوى حفنة الأحزاب والتنظيمات الشيوعية (على اليسار) ثم كتلة جماعة الأخوان المسلمين (على اليمين). وعلى نحو ما فإن الشيوعيين تبدوا أمام نظام الحكم تلك الفترة (بالتحديد القصر والوفد) باعتبارهم مصدر الخطر الحقيقي على النظام، ومصدر الشك ساعتها أن الشيوعيين وراءهم قوة عظمى تساند وتدعم، وأما الأخوان فقد تبدوا عنصرا مقدورا عليه لأنه ليست وراءهم قوة عظمى تماثل الاتحاد السوفياتي. ومع أن الأخوان كانوا هم الذين قاموا بكل الاغتيالات التي شهدتها مصر خلال عشر سنوات سبقت، وكانوا هم الذين فجروا القنابل وأطلقوا الرصاص فإن خطر الشيوعيين بدا أكبر في تلك الساعة، وساعد على ذلك اعتقاد بأن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية (إلى جانب فساد وَصَفَتْهُ السفارة البريطانية وغيرها بأنه »أسوأ مستوى من الفساد يعرفه العالم«) كله يصب في خانة الشيوعية، وكذلك راح النظام يعتقد أن فرصة الشيوعية في استقطاب الجماهير أقرب وأوفر، وربما أن طبائع الأشياء ذاتها كانت تهيئ للطبقة الحاكمة في مصر ومن موقعها المتميز أن الشيوعية هي العدو، حتى أن بعضهم راح يسوق الأدلة مما جرى في أوروبا الشرقية بقوة الجيش الأحمر في إيران واليونان وحتى كوريا بالمقاومة المسلحة إلى درجة الحرب الأهلية. وفي ذلك كان الأخوان هم المستفيدون قبل غيرهم من القوى المتحركة في ساحة الظلال. وفي الحقيقة فإن الأخوان المسلمين أحسنوا استغلال الظروف، خصوصا بعد أن فشلت محاولتهم الأولى (منتصف سنة 1950) في دخول الانتخابات، واقتناص عدد من المقاعد مستفيدين بوقف العمل بقانون الأحكام العُرفية فترة إجراء الانتخابات النيابية، وعندما تخلى الحظ عنهم جاء إدراكهم أنهم أمام مهمة إعادة تأسيس وليس أمام مهمة »اقتناص« مقعدين أو ثلاثة في مجلس النواب، ولعل ذلك كان الإسهام الكبير للرجل الذي وقع عليه اختيارهم، وأبقوا اسمه سرا عن عيون النظام وأجهزة أمنه حتى تتم البيعة له وهو المستشار »حسن الهضيبي«. وكان »الهضيبي« كرجل قانون عاش معظم سنوات خدمته على كرسي القضاء مرشدا عاما ثانيا للأخوان مختلفا عن مرشدهم الأول المؤسس »حسن البنا«. وفي حين أن »حسن البنا« كان خطيبا يثير الحماسة في جمهوره بشعبيته وجاذبيته، فإن »الهضيبي« كان متحدثا يثير الملل لدى سامعيه بحججه وأسانيده، لكن ترسانة »الهضيبي« وليس ترسانة »البنا« كانت بالضبط ما يلزم للأخوان المسلمين في تلك الظروف. وكانت خطة »الهضيبي« ومن أحاطوا به في مكتب الإرشاد خطوة بعد خطوة تدل على تصور مدروس: 1 رفع قضية أمام مجلس الدولة فترة وقف العمل بقانون الأحكام العُرفية بسبب إجراء الانتخابات النيابية تطلب إعادة نشاط الجماعة، والحجة »أن قرار الحاكم العسكري الذي أصدره »محمود فهمي النقراشي« (باشا) رئيس الوزراء سنة 1948، استند على قانون الأحكام العُرفية عندما قرر »حل نشاط الجماعة ومصادرة ممتلكاتها وأموالها«، لكن هذا القرار لم يتعرض لإلغاء التصريح بإنشائها، وبالتالي فهذا التصريح قائم، ولا تحتاج الجمعية إلى تصريح جديد حتى تستعيد نشاطها في ظروف متغيرة وبالفعل فإن مجلس الدولة أخذ بوجهة نظر محامي الأخوان. 2 ثم راح المستشار »الهضيبي« يبعث برسائل طمأنينة إلى كل من يعنيهم الأمر، وكان اهتمامه بادئ الأمر بالوزارة، وذلك حتى لا تعترض على حكم مجلس الدولة في المدة القانونية المسموح فيها بالاعتراض. وهنا كان »فؤاد سراج الدين« (باشا) في انتظاره، فهو وزير الداخلية الذي يملك حق الاعتراض في المهلة القانونية على حكم مجلس الدولة، وفي الواقع فإن »فؤاد سراج الدين« كان على استعداد لعقد صفقة: فهو مثله مثل غيره كثيرين يتصور أن »الدين أقدر على مقاومة الشيوعية التي تمثل في نظره ونظر طبقته من كبار ملاك الأراضي محرك الخطر الزاحف ودافعه، بشاهد ما يجري الآن في الريف المصري. يضاف إلى ذلك أن الأخوان المسلمين لديهم القدرة على تكوين تنظيمات في الشارع السياسي، تستطيع أن تعترض النشاط الشيوعي في البلد وتحاصره، وإذا استطاع وهو وزير الداخلية أن يتوصل إلى صفقة مع الأخوان فإنه يكون قد صاد: عصافير بحجر واحد. يضمن قوة تقاوم الشيوعية والشيوعيين. ينقل المعركة في الشارع من كونها مع الوفد أو ضده إلى معركة بين الشيوعيين والأخوان، في حين تقف وزارة الداخلية تتفرج على الاثنين وكلاهما يستنزف قوته. وإذا استطاع أن يأخذ الأخوان إلى جانبه، فمعنى ذلك أنه ضمن في الشارع سواء أمام القصر أو أمام فرق أخرى متنافسة في الوفد صديقا مؤثرا فاعلا ومقاتلا. ................ ................ ] وطبقا لشهادة الأستاذ »عبد الفتاح حسن« (باشا) الذي كان وزيرا للدولة في وزارة الوفد وقوي الصلة بفؤاد سراج، وقد سمعتها منه بعد أن توثقت علاقاتنا خلال ثلاثة شهور قضيناها معا وبرفقة آخرين من الأصدقاء وضمنهم »فؤاد سراج الدين« (باشا) في سجن »مُلحق مزرعة طُرة« ضمن اعتقالات سبتمبر 1981 فهو نفسه (»عبد الفتاح حسن«) تخوف من »المفاتحات« التي جرت بين »فؤاد« (باشا) وبين الأخوان المسلمين، وقد سأله فيها مباشرة قائلا: »ألا ترى يا »باشا« أن الأخوان المسلمين وحش تصعب مصادقته؟ ثم ألا ترى أن ظهور الأخوان قريبا من الوفد يمكن أن يسبب إزعاجا لجماهيره الواسعة بين الأقباط؟ وكان رد »فؤاد سراج الدين« (باشا) وقد اقتنع به »عبد الفتاح حسن« (باشا) »وقتها« (كذلك أضاف الرجل بأمانة واستقامة ناسبا اقتناعه إلى زمن معين) قوله: »أولا: بالنسبة للوحش، فإن الوحش الذي يعوي معك أفضل من الوحش الذي يعوي عليك. وثانيا: (أضاف »فؤاد« (باشا) ) لقد كان الأخوان وحشا خطرا عندما كان البوليس لا يعرف شيئا عن تنظيماتهم السرية، أما الآن وبعد ما جرى فإن كل شيء أصبح مكشوفا، فضلا عن أن الأخوان تعلموا الدرس. وثالثا: فإن الوفد بعلاقة بينه وبين الأخوان المسلمين يستطيع أن »يحتويهم« ويحصر انتشارهم، وذلك أفضل لجماهيره من الأقباط[. ................. ................. 3 لكن المستشار »حسن الهضيبي« بعد أن حصل على حكم مجلس الدولة، وضمن عن طريق »المفاتحات« مع »فؤاد سراج الدين« (باشا) أن وزارة الداخلية لن تعترض على عودة الأخوان المسلمين إلى نشاطهم في ظل شرعية جديدة ما لبث أن قام بالحركة التالية في استراتيجيته، وهي الالتفاف والتوجه نحو القصر. وكان القصر يتابع ما يجري بين الأخوان ووزير الداخلية بتحفز، وفي اللحظة المناسبة قرر أن يقفز وتقابل القصر والأخوان، وظُهْر ذات يوم كان المستشار »الهضيبي« يتشرف بمقابلة ملكية خرج على أثرها ليصرح للصحفيين بأنها »كانت مقابلة كريمة من ملك كريم«. 4 وكانت للمستشار »حسن الهضيبي« خطوة رابعة نصح بها تنظيمات الأخوان، يدعوها إلى العمل في العلن، وأما العمل في السر فليس وقته الآن، وحتى عندما وقع استفتاؤه في موضوع اشتراك عناصر من الأخوان المسلمين في المقاومة الوطنية الجارية ضد قوات الاحتلال البريطاني في منطقة القناة كانت فتواه »إن الأخوان عليهم أن يقيموا توازنا بين قوة يصرفونها في مقاومة الإنجليز (مع غيرهم من فصائل المقاومة) وبين قوة لا بد لهم أن يحتفظوا بها حتى لا ينقض عليهم غيرهم ممن يساعدونهم اليوم، لأن قيمة الأخوان في كل الأوقات تظل مرهونة بقدرتهم. (وفي ما بعد كان هناك من رأوا أن تلك في الواقع كانت إيماءة المرشد الجديد اعترافا بالنظام الخاص الذي أنشأه المرشد الأول حسن البنا والذي كان الذراع المسلح في الخفاء للجماعة، ومعنى ذلك أن متطوعي الأخوان كانوا منذورين للمقاومة الوطنية، وأما الجهاز السري فقد كان مُحتجزا للعمل الداخلي على أن أنصار المستشار »الهضيبي« ينكرون ذلك، ودليلهم أن هذا النظام الخاص داخل الأخوان قام بعملية عصيان علني ضد »الهضيبي«، وصل فيها إلى حد احتجازه رهينة حتى تُجاب مطالب قدموها له). 6 التسابق إلى الهاوية! { عندما وقع ذلك الفراغ في الوسط والقلب من مجال السياسة المصرية، وراحت كل القوى المتناثرة حول الهامش تندفع إلى الداخل لأن قوانين الطبيعة لا تسمح بالفراغ أصبحت الساحة الوطنية خليطا مخيفا من الفوضى. فالقوى الأصلية التي تراجعت عن »القلب« في حالة الوئام وفي حالة الخصام، لم تستطع أن تجد لنفسها وسيلة تسترد بها مواقعها الضائعة. } من ناحية فإن القصر لم يكن قادرا على استعادة زمام المبادرة كمقدمة لنوع من العودة لأن الوقت كان متأخرا، فأسرة »محمد علي« كانت من عصر »توفيق« (وضرب الثورة العرابية) وحتى عهد »فؤاد« (ومعاداة الدستور والحركة الوطنية) ضيعت شرعيتها. وكان أمل الأسرة في ميلاد جديد يعطيها عُمرا مُضافا (في أوقات تتساقط فيها العروش الأوروبية ذاتها أمام عواصف الثورة، كما حدث في الصين وروسيا واليونان والبرتغال) أو أمام عواصف الصراع الإمبراطوري (كما حدث في النمسا وألمانيا وبلغاريا، وكاد يحدث في بلجيكا وهولندا والدانمارك لولا معجزة لحظة أخيرة) معلقا بذلك الصبي الذي جاء إلى عرش مصر حسن الطلعة، حلو البسمة، بادي اليقظة يوحي بوعد وبشرى، ومع أن أسرة »محمد علي« كانت كارهة بعمق لفرع الملك »فؤاد« وكل ما يمثله، فإنها أقبلت على »فاروق« تحاول أن تتعلق بأذياله إلى مستقبل تظن أنه عمر جديد قد كُتِبَ لها. لكن ما حدث هو أن الملك »فاروق« خَيَّبْ الآمال، وأكثر من ذلك فتح كل الثغرات التي تستطيع تهديد نظام ملكى. } ومن ناحية أخرى فإن الوفد لم يكن هو أيضا قادرا على استعادة زمام المبادرة تمهيدا لنوع ما من العودة، والسبب الواضح أن الوفد في سبيل الوصول إلى السلطة سَلَّم ما كان لديه من أسلحة سواء للإنجليز (في صفقة 4 فبراير 1942 بالدبابات تحاصر عابدين) أو للقصر (في صفقة يونيه سنة 1950 وختم التسليم بتلك القُبْلة التي طبعها »النحاس« (باشا) عهد ولاء على يد الملك »فاروق«). وربما أن الرجل الوحيد القادر على إنقاذ الوفد كان زعيمه »مصطفى النحاس« (باشا)، لكن الرجل للإنصاف أعطى كل ما عنده، ثم إن المحارب القديم الذي كانه ذات يوم فقد ربما بالسن والمرض كل رغبة في المقاومة وجاء استسلامه كاملا. ولم يكن هناك من يحل محل »النحاس« (باشا) لأن انقسام الحزب إلى فرق متنافسة على السلطة، متسابقة إلى المغانم (باستثناء قلة محدودة) أدى إلى حالة ضياع مثير للشجن والخزي، وذلك ما يشعر به أي قارئ للملفات وضمنها الوثائق البريطانية، وبالذات تقرير كتبه السير »رالف ستيفنسون« إلى وزير خارجيته وفي ذلك التقرير (104/ 1018) يقول السفير البريطاني في القاهرة بالحرف: »من المدهش أنه لم يعد هناك مصدر قوة للوفد إلا فساده المطلق وتلك ظاهرة من أغرب الظواهر السياسية ولكنها الحقيقة، لأن ذلك الفساد في الحزب أصبح العنصر الوحيد الذي يجمع كل المستفيدين بمواقعهم فيه ويقرر موقف كل واحد منهم، ويدعوهم جميعا مهما كان ما بينهم إلى المحافظة على البقاء في الحكم بصرف النظر عن الثمن!«. ويستطرد السير »رالف ستيفنسون« فيقول بالحرف: »إن فساد حزب الوفد وصل إلى مستوى غير مسبوق في أي حزب مصري، فقد تخلى الحزب عن دوره كممثل لتحالف شعبي عريض يعتمد أساسا على الطبقة المتوسطة، وبدلا من ذلك أصبح حزبا من الأغنياء جدا وللأغنياء جدا. والحزب نفسه يعتمد في تمويل نشاطه على »عبود« (باشا) لكن كل من في الحزب يمد يده في كل ناحية ليحصل على أكثر ما يستطيع أن يطوله ويزيد من غِناه«! كان مغزى ذلك على الناحيتين أن القوتين الرئيسيتين في النظام السياسي المصري (القصر والوفد) لم تبق لدى أيهما وسيلة وربما إرادة حقيقية في العودة إلى القلب، لأن مثل هذه العودة تقتضي معركة هائلة مع النفس أولا، ثم مع الطرف الآخر ثانيا لاستعادة الكفاءة والصلابة والعزم التي تُفسح لأي طرف سياسي مكانه على الساحة العامة! ولم تكن القوى الهامشية التي اندفعت بقوانين الطبيعة إلى ملء الفراغ مستعدة لا بقوة الفكر ولا بقوة الفعل لكي تصنع بديلا: كانت القوة الأولى في تقدير الأمن المصري أيامها وفي تقدير أطراف النظام (القصر والوزارة) هم الشيوعيين. لكن الشيوعيين كانوا معوقين بأوضاعهم. } كانوا أولا مثقلين بالحملة العالمية التي شنتها الحرب الباردة على الشيوعية كعقيدة وكدولة عُظمى تدعي تجسيد هذه العقيدة. } وكانوا ثانيا بدون طبقة عاملة كافية في مصر بسبب ضعف التصنيع ومحدوديته، خصوصا بعد تعثر بنك مصر وأزمته واضطراره إلى طلب تدخل حكومي ينقذه بسرعة من عثرته، سواء كان سببها ضغط الظروف العالمية أو كان نقص الكفاءة في إدارة البنك. (وقد جرى ذلك في عهد وزارة »حسين سري« (باشا) الأولى، وكان الثمن الذي طلبته الوزارة لإنقاذ البنك إقصاء »طلعت حرب« (باشا) رغم أن »طلعت حرب« هو مُنشئ البنك وبانيه). وبالزيادة على ذلك فإن الوِرَش الضخمة التي أقامتها قوات الحلفاء في مصر لصيانة معداتها زمن الحرب Ordannance (واشتهرت وسط عمالها باسم »الأُرنوس«) فكت عنابرها الكبرى وحملت معداتها إلى مواقع أخرى مع تقدم الحرب، وكان يمكن أن تقوم هذه الورش بدور أساسي في عملية تصنيع جدي تقوم عليه طبقة عاملة واسعة (وذلك ما حدث في الهند). وكذلك كان الشيوعيون في حالة انكشاف فكري ومعنوي لأن الحركة الشيوعية لم تستطع أن تستوعب قوة فاعلين رئيسيين: الدين والوطنية. وأخيرا كان الشيوعيون معوقين بحقيقة أن الأحزاب الشيوعية الرئيسية الثلاثة في مصر تلك الأيام قامت عليها قيادات من اليهود تمرد عليها صف ثان من الشيوعيين المصريين، والنتيجة أن التنظيمات تفسخت، كما أن خلاياها تبعثرت، ثم إن الاجتهادات الفكرية توزعت حتى أصبحت الحركة الشيوعية في مصر »جنرالات« بغير »جيوش« قواد بغير قوات. وكان حال الأخوان على النقيض تماما من حال الشيوعيين. كان الأخوان على النقيض من الشيوعيين جيوشا بغير جنرالات وقوات بغير قواد! والأسباب كانت ظاهرة: أولا إن العقائد الدينية لها سلطان هائل يدعو المؤمنين إلى خدمة ما يؤمنون به، لكن التاريخ الإسلامي ظلم عقائده بكثرة الرواة والشراح والمفسرين وطلاب الملك وفقهاء العصبية. وثانيا لأن العقائد المقدسة تلهم، لكن الإلهام يحتاج إلى مشروعات وخطط، وإذا غابت المشروعات والخطط وكلها من صنع الفكر الإنساني فإن غيابها يمكن أن يخلق الأحوال التي حذر منها المرشد العام للأخوان الثاني المستشار »حسن الهضيبي«، حين أطلق شعاره المشهور: »دعاة لا قضاة«. وثالثا فإنه حتى إذا لم يتحول الأخوان إلى »قضاة« وبقوا في إطار كونهم »دعاة«، فإن الأمر بالمعروف أمر وكل أمر ينتظر جوابا، ومعنى ذلك أن الدعوة ليست مجرد تنبيه وإنما هي بعد التنبيه، انتظار لجواب. ورابعا فإن اعتماد الدين وحده منهاجا للعمل الوطني، يقسم الوطن نفسه رأسيا على أساس طائفي، وإذا أصبحت الدولة »إسلامية« فإن أمنها يتوقف عن أن يكون وطنيا. وخامسا فإن تعطل الوطنية يأخذ أي بلد خارج حدوده السياسية وخارج إطاره القومي، وهناك تصبح قضايا أمنه وحتى تنميته ومستقبله مشاعا على آفاق غير محددة وغير معلومة! وربما أن هذه الأسباب مجتمعة على الناحيتين هي المقادير التي جعلت الشيوعيين والأخوان مثلهم (مهما زاد نفوذهم) على تناقض ما بين اليسار واليمين قوى هامشية لا تقدر على ملء الفراغ السياسي في قلب وطن أو فضاء أمة. ومهما يكن فإنه من وراء الشيوعيين والأخوان المسلمين اندفعت إلى الفراغ الموحش الذي صنعه اتفاق وانشقاق القصر والوفد قوى أخرى من أطراف الهامش، فيها خليط متوتر من بقايا أحزاب وتنظيمات سابقة مثل مصر الفتاة (التي غيرت اسمها إلى الحزب الاشتراكي) ومثل جرائد ومجلات (مثل الملايين والجماهير وغيرها) ظهرت فجأة بظن أن المناخ ملائم لها من تنظيمات، وقد راحت جميعها ترفع لافتات وقف تحتها رجال محبطون، يرفعون شعارات مدوية وأفكارا مرتبكة، لكنها جميعا تحمل أسماء موحية بأكثر من الحقيقة! كانت كل القوى التي خرجت من »القلب« (مثل القصر والوفد)، وتلك التي اندفعت من هوامش الساحة إلى وسطها (مثل الشيوعيين والأخوان)، وتلك التي جاءت من أطراف الحافة (مثل الحزب الاشتراكي والجرائد الملتهبة بالحماسة التي ظهرت فجأة) قد تلاقت جميعها على اختلاف ما بينها، وعلى تناقض وسائلها، وعلى اختلاف أغراضها قريبا وبعيدا من حول القضية الوطنية التي طرحت نفسها بشدة وبحدة، خصوصا بعد أن تعثرت مفاوضات الدكتور »محمد صلاح الدين« في الوصول إلى حل لمسألة تعديل معاهدة سنة 1936 وبما يحقق لمصر مطلبها »السحري« وهو مطلب »الجلاء«. وكان تعثر المفاوضات قد استدعى بالضرورة كل التجارب السابقة لتحقيق المطلب الوطني الأسمى، وهي التجارب التي بدأت عمليا منذ سكتت مدافع الحرب العالمية الثانية سنة 1945، ثم وجبت سياسيا وقانونيا بعد أن حل أجل إعادة النظر في معاهدة سنة 1936، وقد قامت على هذه التجارب بلا نتيجة خمس وزارات في خمس سنوات. والآن سنة 1951، فإن حكومة تمثل الأغلبية يرأسها »مصطفى النحاس« ويتفاوض باسمها الدكتور »محمد صلاح الدين« وصلت إلى نفس الطريق المسدود، بينما الأجواء الإقليمية (خصوصا في إيران) ساخنة، والأجواء الدولية (باشتداد الحرب الباردة) حرجة، ثم إن الأوضاع الداخلية في حالة فوران! وكادت حالة الفوران تتحول إلى شبه غليان عندما شاع في المحافل السياسية المصرية مع نهاية موسم الصيف أن الدكتور »محمد صلاح الدين« الذي قابل »النحاس« (باشا) بعد أسبوعين من عودته إلى الوطن بعد مواسم إجازات الصيف عرض عليه مأزق المفاوضات. وطرح »تصورا« لحسم الموقف وإرغام الطرف البريطاني على أن يكشف أوراقه ويتحمل مسؤوليته. كان الدكتور »محمد صلاح الدين« شبه واثق من أن الطرف البريطاني يتابع تفاعلات الأوضاع الداخلية في مصر، ويحلم بأنها قد تعفيه من الضغوط التي يمارسها عليه وزير الخارجية وبالطبع فإن السفارة البريطانية كانت على علم بحلول الشقاق محل الوفاق في العلاقة بين القصر ووزارة الوفد، وكانت أمنية هذا الطرف البريطاني أن تفرض الأزمة الداخلية نفسها على الساحة قبل أن تتوقف المفاوضات بالكامل، لأن الحكومة البريطانية لم تكن على استعداد مهما كانت دعاوى المتفاوضين وحججهم وضغوطهم للجلاء عن مصر إلا إذا احتفظت بقاعدة قناة السويس تحت سيطرتها الكاملة، إما داخل وضع إمبراطوري وإما في إطار دفاع مشترك يلتحق بحلف الأطلسي، وهو ما بدا أن الدكتور »محمد صلاح الدين« يرفضه واثقا من تأييد »النحاس« (باشا) له نهاية المطاف. وكانت آخر مماطلات السفارة البريطانية في تأخير الرد على آخر مقترحات مصرية، أن الحكومة البريطانية القادمة المحافظين تحتاج إلى وقت يدرس فيه وزير خارجيتها »أنتوني إيدن« ملفات التفاوض ويقرر بشأنها ما يراه. وكان الإيحاء أن »إيدن« يعرف القضية المصرية كما لا يعرفها غيره، ثم إن رئيس الوزراء »ونستون تشرشل« من المُقَدِرين لدور »مصطفى النحاس« (باشا) في خدمة الحلفاء أيام الحرب العالمية الأخيرة، لكن الدكتور »محمد صلاح الدين« كانت لديه اعتبارات أخرى مؤداها أن »تشرشل« بعودته إلى إدارة شؤون الإمبراطورية سوف يكون أكثر تشددا من أي رئيس وزراء عُمالي سبقه (كليمنت آتلي). وفي لقائه مع »النحاس« (باشا) يوم 10 سبتمبر 1951 طرح الدكتور »محمد صلاح الدين« تصوره ومؤداه: »إن الوقت قد حان لإعطاء الطرف البريطاني مهلة محددة يتقدم فيها باقتراحات تتفق مع الأماني المصرية التي أجمع عليها الشعب كله وإذا لم يحدث ذلك، فإن البديل أمام الجانب المصري يكون بإيقاف العمل بمعاهدة سنة 1936، أو إلغائها«، وهنا يكون على الجانب البريطاني كأمر واقع أن يتوقف عن المماطلة أو يدفع الثمن! ورد »النحاس« (باشا) على تصور وزير خارجيته ب: »إن الملك »فاروق« لن يوقع على مرسوم تقدمه الوزارة بإلغاء معاهدة سنة 1936، لأنه عاد إلى عِناده وعِناد أبيه القديم وسوف يجدها فرصة لإقالة الوزارة كي يرِضي الإنجليز، ويتعلل أمام الناس بأن وزارة الوفد فشلت لمدة سنة كاملة في الوصول إلى اتفاق يحقق مطلب الأمة«. ورد الدكتور »محمد صلاح الدين« بهدوء: »إن الملك لن يجرؤ على إقالة الوزارة إذا وضعت أمامه مرسوما بوقف العمل بمعاهدة سنة 1936 أو إلغائها، وإلا فهو في هذه الحالة يتحمل على نفسه مسؤولية إقالة وزارة وطنية وضعت الحكومة البريطانية أمام إنذار نهائي«. أضاف الدكتور »محمد صلاح الدين«: »إنه أكثر من ذلك يعتقد أن الملك لن يكون أمامه خيار غير التوقيع إذا تقدمت الوزارة بالمرسوم«. وكانت فكرة وقف العمل بمعاهدة سنة 1936 أو حتى إلغائها اقتراحا جرى طرحه عندما بأن تأزم المفاوضات، ثم زاد الإلحاح على الفكرة في أجواء الفوران إلى حد الغليان ربيع وصيف سنة 1951 وحدث عندما سمع »النحاس« (باشا) بالفكرة أول مرة أنه تصدى لها بنفسه وبغضب، ورآها »نوعا من الدَّس والتشويش على حكومة الوفد، ووصل إلى حد القول بأن »الإلحاح على الفكرة رغبة في التخريب«! لكنه الآن (10 سبتمبر 1951) استمع إلى وزير خارجيته يعرض عليه تصوراته وتوقعاته، وقد استوقفه فيها اعتبار لفت نظره إلى »أن الملك لن يجرؤ على إقالة الوزارة إذا عرضت عليه مثل هذا المرسوم بوقف أو إلغاء معاهدة سنة 1936 وأنه إذا تردد في التوقيع عليه انكشف وضعف، وإذا وضع توقيعه على المرسوم، فقد أصبح إلى النهاية مرتهنا بسياسات وتصرفات حكومة الوفد«. وكان وصف الدكتور »محمد صلاح الدين« نفسه »إنه أحس وكأن »النحاس« (باشا) يستعيد نفسه وهو يستعيد ما يسمعه من تصورات وتوقعات وزير خارجيته، ويرددها بصوت مسموع ويبدو عليه وكأنه »يمضغها ويبلعها« ويكتشف فيها كل ثانية ميزة إضافية«. وروى الدكتور »محمد صلاح الدين« »أنه حين غادر بيت »النحاس« (باشا) في الساعة الثانية والربع بعد ظهر 10 سبتمبر 1951، كان شعوره أن زعيم الوفد عاد إليه ذلك »الناب الأزرق« الذي يعرفه ويعرف صلابته عندما كان يعمل مديرا لمكتبه سنة 1936«. وفي النصف الثاني من شهر سبتمبر 1951، تظهر في الوثائق البريطانية برقيتان بتوقيع السير »رالف ستيفنسون«: } البرقية الأولى يقول فيها السفير البريطاني في القاهرة، موجها الكلام إلى وزير الخارجية بما نصه: »قابلت »النحاس« (باشا) في بيته يوم 21 سبتمبر ويبدو لي الآن وكأن ما سمعناه حتى من مصادر موثوقة حول إلغاء معاهدة سنة 1936 ليس وشيكا. لقد سلمت للنحاس (باشا) رسالتكم إليه (حول رجاء انتظار الانتخابات البريطانية قبل توقع أي مقترحات جديدة من لندن)، وقد أدهشني بوده الزائد تجاهي، ولعله قصد أن يبعث إليَّ برسالة تطمين«. وفي تقريره بعد ذلك أبدى السير »رالف ستيفنسون« استغرابه لأن الود الظاهر للنحاس (باشا) يتعارض مع معلومات تصل إلى السفارة، »بأن الحكومة المصرية لم تعد معنية بأي مقترحات جديدة تتلقاها، »حتى ليبدو كأنهم على استعداد لإعلان رفضهم مقدما بصرف النظر عما يمكن أن نتقدم به إليهم من مقترحات«. ثم يضيف »رالف ستيفنسون« »لعله من المفيد أن نسارع إلى إخطارهم بأن لدينا ما نعرضه قبل أن تزداد عليهم الضغوط لإلغاء المعاهدة«. } وفي البرقية التالية بعد ثلاثة أيام تتغير الصورة ويكتب السير »رالف ستيفنسون« إلى وزير الخارجية قائلا: »قابلت الملك »فاروق« اليوم 24 سبتمبر، ووجدته يقول لي: »إن وسائله في التأثير على قرارات الحكومة محدودة، وأنه على علم بأنهم الآن يعدون مراسيم إلغاء معاهدة سنة 1936، وإذا قدموها إليه فلن يكون أمامه خيار غير التوقيع عليها«. أضاف الملك »فاروق«: »إنه يعرف ذلك التكتيك التقليدي الذي تتبعه حكومات الوفد، فهي عندما تشعر أن موقفها إزاء القصر يسوء تبحث عن ذريعة شعبية تخرج بها، وبحيث تُنسب الإقالة إلى مواقف وطنية »اتخذتها الوزارة على غير رِضا العرش أو موافقته«. أضاف الملك »إن »النحاس« يعرف أن هذه معركته الأخيرة، واعتقاده أن زعيم الوفد على استعداد لمجازفة أخيرة وإلى درجة الانتحار وهو لن يمنعه بل وليس في مقدوره أن يمنعه. وإذا حاول فإنه أي الملك سوف يضعف نفسه أمام شعبه ويظهر هو متهاونا، بينما »النحاس« هو المتشدد«. والواقع أن الملك »فاروق« كان قد درس موقفه وتأكد من أنه لم يعد أمامه خيار غير أن يترك »النحاس« (باشا) يفعل ما يريد، ثم يتحمل عواقب ما يفعل، وكان الملك بناء على اقتراح من »حسن يوسف« (باشا) قد استقبل »نجيب الهلالى« (باشا) سرا وطرح عليه سؤالا: »هل يستطيع »نجيب« (باشا) وهو الآن »مُحْبَطْ« ينأى بنفسه عن وزارة الوفد أن يبذل جهدا إضافيا لينقذ الحزب من نفسه و»النحاس« (باشا) من »بيته«؟! وأبدى »نجيب الهلالي« (باشا) رأيه بأن »الوقت تأخر لسوء الحظ«. وكان لدى الملك اقتراح آخر (لم يفصح عن المصدر الذي قدمه إليه) ومؤداه: »إذا كان »نجيب« (باشا) لا يستطيع مباشرة عملية إنقاذ الوفد و»النحاس«، فهل يستطيع إذا كُلِفَ بتشكيل الوزارة في لحظة أزمة بين القصر والوزارة أن يضمن تأييد كتلة مؤثرة من نواب الوفد تقف معه حِرصا على الوفد وحتى على »النحاس« وإشفاقا من مخاطر انتخابات نيابية جديدة إذا حدثت إقالة الوزارة وتلتها دعوة لانتخابات عامة تجري في ظروف غير ملائمة للوفد وأعضائه؟«. وكان رأي »نجيب الهلالي« أن ذلك لم يأتِ وقته بعد (لسوء الحظ أيضا)«! ويوم 7 أكتوبر قدم »النحاس« (باشا) إلى الملك »فاروق« مرسوما بإلغاء معاهدة سنة 1936، ووضع الملك عليه توقيعه، (وأعلنه »النحاس« (باشا) يوم 8 أكتوبر في جلسة خاصة عقدها مجلس النواب). ثم اختار القصر أن ينأى بنفسه بعيدا ويقف ليرقُب مواجهة قادمة بلا شك بين الوفد والإنجليز. لكن الأمر كان أخطر لأنه لم تكن هناك مواجهة كما توقع البعض، لأن الوزارة أقبلت على »قرار وطني« أغرتها به اعتبارات حزبية وشخصية في ظروف هوة واسعة بين القصر والوفد تحولت إلى زحام من الفوضى التهبت فيه نيران الحماسة الوطنية. على أن العُقْدة في الموقف ما لبثت أن ظهرت، فقد كانت وزارة الوفد تتصور أن الخطوة التالية في الأزمة هي الآن في يد الحكومة البريطانية لأنها (الحكومة المصرية) اتخذت من جانبها إجراءاتها وقالت كلمتها، وعلى لندن الآن أن ترد. لكنه في المقابل تبين أن لندن لا تستطيع أن ترد بمقترحات جديدة لتعديل معاهدة لم تعد قائمة. وبهذه العُقْدة أصبح الموقف مفتوحا لكل الاحتمالات بما فيها أن تتحول العُقْدة إلى استعصاء لا تظهر فيه بارقة ضوء! 7 في انتظار الثورة! { كان السفير الفرنسي في القاهرة تلك الأوقات العصيبة من التاريخ المصري هو »كوف دي مورفيل«، وأهمية »كوف دي مورفيل« أنه كان الدبلوماسي الأقرب بكفاءاته ومزاياه إلى الجنرال »شارل ديغول« رئيس فرنسا الأسطوري ورمز مقاومتها بعد أن استسلمت حكومة فرنسا الرسمية أمام الألمان (يونيه 1940) وكانت ثقة »ديغول« في » دي مورفيل« هي التي دعته في ما بعد إلى اختياره وزيرا لخارجية فرنسا أوائل الستينيات، ثم رئيسا للوزراء منتصف الستينيات. ولم يكن »كوف دي مورفيل« سياسيا شعبيا، وإنما كان واحدا من هؤلاء الناس الذين تتجلى مزاياهم في إدارة المواقف الصعبة، وتتحمل أعصابهم تداعياتها، وتقدر ملكاتهم الفكرية على النفاذ من سطح الحوادث إلى عمقها، بحثا عن تصور رشيد، وفعل واثق من تقديراته ومتوازن. وفي ملفات قصر الإليزيه في باريس تقرير بالغ الأهمية كتبه »كوف دي مورفيل« بوصفه سفير فرنسا في مصر (مع ملاحظة أن اهتمام فرنسا بمصر تلك الفترة كان متعدد الجوانب: ثقافي (موروث من القرن التاسع عشر) واستراتيجي (بحكم العلاقة بين شمال البحر الأبيض وجنوبه) واقتصادي (بواقع وضع فرنسا الخاص في شركة قناة السويس) وسياسي (بطبيعة تنافس بريطاني فرنسي في الشرق الأوسط ظل فاعلا بعد الوفاق (فاشودة سنة 1904) وبعد تقاسم تركة الخلافة العثمانية بين الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية (اتفاق سايكس بيكو سنة 1917). وفي ذلك التقرير بالغ الأهمية الذي كتبه »كوف دي مورفيل« (بتاريخ 11 ديسمبر 1951 والذي يحمل ختم »إدارة مكتب رئيس الجمهورية« بتاريخ 15 ديسمبر 1951) وإشارة تفيد بأنه »عُرض على رئيس الدولة« يقول »كوف دي مورفيل«: »إن السرعة التي تلاحقت بها الحوادث تظهر لأي مراقب أنها حركة تدافع فعل ورد فعل، استدعته أسباب غير موضوعية في النظر وفي التعامل مع الأزمة السياسية بين الحكومة المصرية وحكومة المملكة المتحدة (البريطانية). ومن الواضح أن أيا من طرفي الأزمة التي استحكمت بسرعة ليس لديه »سيناريو« يوجه خطواته المُقْبِلة، كما أنه ليس هناك منطق عقلاني يبدو حاكما على التصرفات. وقد تسلسلت الوقائع في الفعل ورد الفعل بين الطرفين المصري والبريطاني على النحو التالي: يوم 8 أكتوبر 1951 أعلن رئيس الوزراء »مصطفى النحاس« إلغاء معاهدة سنة 1936، وفتح إعلانه بعبارة حماسية فيها »إنه هو الذي وَقَّع المعاهدة في صالح مصر، وهو نفسه الذي يلغيها الآن لنفس السبب وهو صالح مصر«. يوم 9 أكتوبر 1951 أصدر وزير خارجية المملكة المتحدة (البريطانية) بيانا مقتضبا أعلن فيه أن حكومته لا تعترف لا بحق مصر في إلغاء المعاهدة ولا بقانونية الإجراء الذي أقدمت عليه بإلغائها. ويوم 11 أكتوبر 1951 وجهت حكومة المملكة المتحدة (البريطانية) تحذيرا للحكومة المصرية تحملها فيه المسؤولية كاملة عن حياة الرعايا الأجانب وعن ممتلكاتهم، لأن إلغاء المعاهدة من جانب واحد والأجواء التي صاحبت الإلغاء، أطلقت العنان لمشاعر مُعادية للأجانب، مما أدى بالفعل إلى وقوع حوادث. يوم 14 أكتوبر 1951 تلقينا في هذه السفارة (السفارة الفرنسية في القاهرة) تقريرا من مكتب المدير المقيم لشركة قناة السويس يفيد أن عددا من موظفي الشركة تعرضوا لاستفزازات واعتداءات استوجبت قرارا منه يطالب كل العاملين في الشركة بالتزام الحذر، وأن يبتعدوا قدر الاستطاعة عن »الأحياء العربية« وعن أماكن الزحام في »بورسعيد« و»الإسماعيلية« و»السويس« تجنبا لأي احتكاك وحِفاظا على سلامتهم، مع العلم بأن هناك اعتداءات وقعت على منشآت فرنسية، بينها مكتب الغرفة التجارية الفرنسية في الإسماعيلية. يوم 20 أكتوبر كتب القُنْصل الفرنسي العام في الإسماعيلية إلى السفارة يقول: »إن جماعات وفرقا كثيرة من المهيجين المحليين أو القادمين من القاهرة أخذت القانون في يدها وراحت تحرض على عنف لا تظهر له »بؤرة« تؤثر في »الأفعال« وتوجهها. ويظهر أنه في غيبة سياسة حكومية تخطط وتضبط بعد إلغاء معاهدة سنة 1936 فإن كل جماعة من »المُهيجين« انطلقت »تفعل« ما تراه مطلوبا أو متلائما مع أوضاعها ووسائلها، وذلك خلق حالة تهديد ليس له مركز يمكن التوجه إليه بخطاب أو بطلب إجراء! إن الحكومة البريطانية كانت لديها خطتان لمواجهة أحوال طوارئ في مصر، وكما تعرفون أن الحكومة البريطانية في إطار التنسيق المشترك معنا ومع الولايات المتحدة أعلمتنا باستعداداتها: } فهناك الخطة المختصرة »القاعدة الثابتة« (Firm Base) وهي تقضي باحتلال كل محافظات القناة، وإعلان حكم عسكري فيها يتحول عند اللزوم إلى حكومة عسكرية تنفصل بها المنطقة بالكامل عن العمق المصري. } كما أن هناك الخطة الأوسع المسماة »روديو« (ترويض الحصان الجامح) وهي تشمل إلى جانب احتلال محافظات القناة تقدم القوات البريطانية لاحتلال دلتا النيل كلها ودخول القاهرة وذلك في حالتين: حالة ما إذا ظهر تهديد على حياة ومصالح الأجانب والأقليات في العاصمة المصرية. وحالة ما إذا كان توسيع العملية ضروريا لتدعيم الموقف في محافظات القناة. يستطرد تقرير »كوف دي مورفيل« يقول: »إننا في إطار لجنة تنسيق سياسات الشرق الأوسط (التي يلتقي فيها سفراء فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة) توصلنا إلى مجموعة من التوصيات اتفقنا أن نعرضها على حكوماتنا: أولا إنه من الخطر في الوقت الراهن طرح عملية »روديو« (احتلال الدلتا بما فيها القاهرة) للاعتبار فتلك عملية كبرى لا تقتضيها حتى الآن حدود الظرف الراهن، ومن الممكن أن تعتبر هذه الخطة التي تعرف بها الحكومة المصرية سيفا مسلطا على رقبتها بما يعني أن تلك الحكومة على وعي مُسْبَق بأن سياساتها سوف تؤدي إلى احتلال كل الأرض المصرية وذلك عامل ردع له قيمته يفرض على الحكومة المصرية أن تبذل جهدها لتكبح جماح القوى التي أطلقتها من عِقالها وشجعتها بغير مسؤولية على الانفلات مع العلم بأن هذه مهمة بالغة الصعوبة لأنها تنطوي على تناقض جوهري بين ما ذهبت إليه الحكومة المصرية بإلغاء المعاهدة في جو من التحريض الشديد وبين ما تفرضه مسؤوليتها إزاء المخاطر المحتملة من التمادي في سياساتها إلى النهاية، ومع ذلك فإنه من الأسلم انتظار التطورات والرد عليها في حينه. وكانت العوامل التي دعتنا إلى اتخاذ هذه التوصية بالذات: 1 أن تنفيذ الخطة »روديو« قد يضع الملك »فاروق والحكومة المصرية أو ما تبقى منها في مأزق لا مخرج منه، بحيث يضطر كلاهما نهائيا إلى عدم التعاون مع السياسات الغربية كلها وليست البريطانية فقط. 2 أن هناك احتمالات تتزايد الآن بأن الجيش المصري العائد من فلسطين يمكن أن يتدخل لمقاومة القوات البريطانية في زحفها نحو الدلتا وفي اتجاه القاهرة، وذلك يجعل الخطة »روديو« أكثر صعوبة مما كان متوقعا عندما جرى تصميمها وتخصيص القوات اللازمة لتنفيذها. 3 إن غزو الدلتا والقاهرة يمكن أن يحول المشكلة المصرية إلى أزمة إقليمية وعالمية تخرج عن حدودها بالتفاعل مع الأوضاع القائمة في فلسطين وإيران والشرق الأقصى. ثانيا وقد توصلنا إلى أنه من الألزم قصر الإجراءات العسكرية البريطانية الآن على منطقة قناة السويس كأولوية أولى، لأن القاعدة البريطانية هناك يمكن أن تكون هدفا لمحاولات تخريب ولنوع من حرب العصابات يستطيع تطوير نفسه بالتجربة، أو بمجيء عناصر خارجية تتسلل إلى المنطقة تحت شعارات مقاومة الاستعمار. ثالثا لقد وقع اتفاق في الرأي بيننا على أن التصرفات السياسية المصرية في هذه اللحظة غير منطقية، وفي الواقع فإنها أقرب إلى أن توصف ب »الاندفاع إلى الانتحار« على طريقة الدكتور »محمد مصدق« في إيران. وعليه وحتى تتضح الصورة أكثر فإننا نرى الآتي: العمل على تخفيف حدة الأزمة الحالية وتبريد درجة حرارتها قدر الإمكان. تأجيل أي قرار بشأن العملية العسكرية »روديو« وتركها تهديدا معلقا. البدء على الفور بترحيل رعايا بلادنا من كبار السن ثم بعد ذلك غيرهم، بحيث لا تكون هناك دواع ملحة لبقائهم في مصر. كان تقرير »كوف دي مورفيل« وصفا للحالة من موقع سفير أجنبي لدولة كبرى في القاهرة ومع أنه كان دقيقا، إلا أن الأحوال على الأرض في منطقة قناة السويس كانت أسوأ ذلك أنه مع غياب خطة لمواجهة ما بعد إلغاء المعاهدة، فإن التنظيمات والجماعات المبعثرة والمختلفة والتي التقت كلها حول القضية الوطنية، هرعت جميعا إلى الساحة تجرب حظوظها، وكانت المشكلة أن الأعلى صوتا بينها والأقل فعلا هي التي ظهرت على الساحة المضطربة (وذلك منطق أحوال الفوضى). كانت خطة كل تنظيم أن يعلن ما يشاء من النداءات، وأن يطرح ما يوافقه من الشعارات، وأن يذيع الأخبار عما أحرزه من انتصارات دون روية أو تدقيق أو حساب، عارفا أنه في مثل ذلك الزحام يستطيع كل طرف أن يقول ويسرد ويحكي دون ضابط أو رابط أو رقيب، لأن أحدا ليس في وسعه أن يتابع ويرصد وينسب فعلا حقيقيا لأصحاب حقيقيين قاموا به! ومع أنه كانت هناك عمليات مقاومة لها قيمة، إلا أن نطاقها ظل محصورا بسبب قوة السيطرة العسكرية البريطانية، التي تسندها إمكانيات ووسائل قاعدة قناة السويس، وهي وقتها أضخم القواعد العسكرية في العالم. وعلى سبيل المثال، فإنه حين أعلن عمال الشحن في موانئ القناة إضرابهم عن تفريغ شحنات الإمداد والتموين الواردة إلى القاعدة حل محلهم بسرعة جنود من الجيش البريطاني (معظمهم من قوات المستعمرات). وحين بدأت الحكومة تهدد بقطع خطوط المواصلات من الداخل المصري إلى منطقة قناة السويس (خصوصا من المواد التموينية) ألمحت الحكومة البريطانية إلى أنها سوف توقف تدفق البترول من معامل التكرير التابعة لشركة »شل« في السويس إلى القاهرة وغيرها من مدن مصر (وكان لا بد من إعادة التقدير). وحين أعلنت الحكومة أنها سوف توقف وصول المياه العذبة (من نهر النيل) إلى المعسكرات فإن الحكومة البريطانية أعلنت أنها سوف تعرقل وصول أية إمدادات بما فيها الطعام والشراب عن الجيش المصري المرابط وراءها شمال سيناء على الحدود في مواجهة إسرائيل. وباختصار فإن حجم المقاومة في منطقة قناة السويس ظهر على صفحات جرائد الأحزاب والتنظيمات والتجمعات أكبر مما فعل على أرض الواقع، كذلك فإن البيانات التي تسابقت إليها كافة الأطراف، غطت على قيمة أعمال حقيقية قامت بها جماعات من الشباب، وصل إنكارها لذاتها إلى درجة عدم إعلانها عن نفسها ولا عما تقوم به. ................. ................. ]وأتذكر شخصيا أنني كنت خارج مصر عندما أُلغيت معاهدة سنة 1936 (يوم 8 أكتوبر 1951)، وتلقيت حيث كُنت خطابا من الصديق الغالي الأستاذ »كامل الشناوي« قال لي فيه: »ما الذي يدعوك إلى أن تكون الآن خارج مصر تغطي معارك الآخرين، بينما وطنك هنا في معركة تستحق منك أن تبادر إلى ميدانها؟«. واستجبت لدعوته وعُدْتُ سريعا إلى القاهرة، وفي اليوم التالي قصدت إلى منطقة قناة السويس، واتصلت بعدد من التنظيمات العاملة في مقاومة الاحتلال، ثم ذهبت مع واحدة منها لدورية ليل عُدت منها قُرب الفجر ولم أر شيئا سوى دائرة من الطبشور الأبيض قُرب حاجز الأسلاك الشائكة حول معسكر بريطاني في منطقة »فايد«، وداخل الدائرة عبارة بالطباشير أيضا وبالخط الكبير تقول: »كتائب التحرير مرت من هنا«. وبعد أيام عُدت إلى القاهرة لأكتب افتتاحية لمجلة »آخر ساعة« (وكنت مسؤولا عن تحريرها) أُبْدي تخوفي من المبالغات التي تحيط بعمليات المقاومة في منطقة القناة، وختمت ما كتبت قائلا: »إنني لم أفهم حتى الآن لماذا اكتفت »كتائب التحرير التي مرت من هنا« بأن تسجل بالطباشير الأبيض »مرورها«، ولماذا لم تسجل ذلك مثلا بإلقاء قنبلة تترك علامة أكثر مدعاة للاحترام وألزم لمصداقية كتائب التحرير التي مرت من هنا!«. ................. ................. والذي حدث أن الحكومة البريطانية رغم ضيقها ببعض عمليات المقاومة لم تجد داعيا إلى احتلال مدن القناة بالكامل، وإخضاعها لحكم أو حكومة عسكرية تجد نفسها مسؤولة عن إدارة المنطقة بما في ذلك من توفير الخدمات والسلع لسكانها، وبدلا من ذلك راحت تقوم بإجراءات مطاردة وتمشيط لبعض القرى والمدن التي تعرف أن جماعات المقاومة تتخذها قواعد لعملياتها: على الأرض أو على الورق! ................ ................ ]وأتذكر أنني في ذلك الوقت حضرت في مدينة »بلبيس« مؤتمرا صحفيا دعا إليه الأستاذ »أحمد حسين« زعيم الحزب الاشتراكي (مصر الفتاة سابقا)، وكان ملخص ما قاله »أحمد حسين«: »إن جماعته وغيرها من جماعات المقاومة أصبحت ترى نفسها مكشوفة بغير غطاء أمام قوات الاحتلال البريطاني، وأن الحكومة المصرية التي ألغت المعاهدة لم توفر لهذه الجماعات أى غطاء سياسي ولم توفر لها دعما بالسلاح والذخائر والمؤن، وذلك تقصير يجعل القاهرة نفسها أولى بالتحرير من مدن القناة، لأن أساس المشكلة هناك«. ولاحظ الأستاذ »أحمد حسين« وجودي ضمن عدد من المراسلين المصريين والأجانب الذين جاءوا ليسمعوه، وقصد نحوي بعد انتهاء المؤتمر يحدثنى عن »افتتاحية آخر ساعة« التي أبديت فيها رأياً عن »كتائب التحرير التي مرت من هنا«، وتصورت أنه سوف يكون مُعاتبا، لكن ما حدث أنه دعاني إلى العشاء معه في بيت أحد أنصاره في »بلبيس«، وجلست أسمعه حتى الواحدة والنصف صباحا. ولم تكن جماعة »أحمد حسين« وحدها هي التي تركت منطقة القناة عائدة إلى القاهرة، وإنما تصرفت مثلها جماعات أخرى، وكذلك استدار الزحف غير المنظم عائدا إلى القاهرة! وكانت الصورة فوضى شاملة! ................. ................. ] وأتذكر أيضا أنه في تلك الأوقات خطر على فكري أننى أخطأت تقدير موضع الاحتكاك بين مصر وبريطانيا بعد إلغاء معاهدة سنة 1936 (وفيها اتفاق الحكم الثنائي للسودان بين مصر وبريطانيا) وراودني أنه كان يجب أن أذهب إلى »الخرطوم« وليس إلى الإسماعيلية إذا كنت أبحث عن ذروة الأزمة. وكان السبب الذي دعاني إلى التفكير في الخرطوم: توقع أن يقوم الإنجليز في العاصمة السودانية بترحيل كتيبة الجيش المصري المقيمة هناك، والتي كان يقودها اللواء »البشاري« كما فعلوا بعد إنذار اغتيال السردار السير »لي ستاك« (سنة 1925)، وحين كان إنذارهم إلى »سعد زغلول« هو ضرورة خروج آخر جندي من الجيش المصري بالكامل من السودان. وعُدت من الإسماعيلية طائرا إلى الخرطوم أتمنى أن لا تسبقني الحوادث وتتحرك قبل أن أتواجد هناك لأراقب. ومرة ثانية لم يحدث ما توقعت أو ما انتظرت، فالكتيبة المصرية موجودة في ثكناتها لم يصلها شيء من أي طرف (بما في ذلك رئاسة الأركان في القاهرة)، وقائدها اللواء »البشاري« يواصل عمله في مكتبه كعادته كل يوم. وأسوأ من ذلك أنه كانت هناك اتصالات تجري بين السلطات البريطانية وبين القوى والأحزاب السودانية لترتيب مستقبل السودان بعيدا عن التاج المصري. وذهبت أقابل السياسي السوداني الكبير الأستاذ »محمد أحمد محجوب« وإذا هو يبادرني بقوله: »من أين جئتم بحكاية وحدة السودان تحت التاج المصري، ومن قال إننا نريد تاجا، وتاجا مصريا بالذات؟«. ثم أضاف: »يا أخي نحن بلدان مختلفان، ثم استشهد ببيت من الشعر (وكان هو شاعرا مجيدا) يقول: ولو أننا على حجر ذبحنا جرى الدميان بالخبر اليقين! أي أن الدماء المصرية والدماء السودانية لا تختلط حتى على المذبح!«. ورتب لي السيد »محمد أحمد محجوب« مقابلة مع الإمام الكبير السيد »عبد الرحمن المهدي« (باشا) وكان سؤالي الأول له: »إذاً تتفاوضون مع الإنجليز وليس مع مصر في شأن مستقبل السودان؟«. ورد عليّ الإمام الداهية بقوله: »لماذا تريدنا أن نتحدث في شأن مستقبلنا مع المصريين وليس مع البريطانيين؟«. ثم استطرد بهدوء قائلا: »يا ولدي إن السيد الإنجليزي جاءنا إلى هنا (يقصد إعادة فتح السودان بجيش مصري يقوده الجنرال البريطاني »كيتشنر«) راكبا عربة مصرية تجرها جياد مصرية وتدفعها من خلف أيد مصرية ويحف بها من الناحيتين حرس مصري، فمع من تريد للسودان أن يتحدث عن مستقبله؟ مع العربة أو مع الحرس من الخلف والجانبين أو مع الجياد التي تُجر؟«. قالها السيد »عبد الرحمن المهدي« (باشا) وسكت وعلى شفتيه ظِل ابتسامة أحْدَ من نصل سيف. (ونَشَرْتُ ذلك الحديث في جريدتي: أخبار اليوم وآخر ساعة). وعُدت من الخرطوم كما عُدت من الإسماعيلية أسائل نفسي: »أين يظهر مفعول الأزمة ومتى؟!«.[ ................. ................. كانت القاهرة تغلي كأنها إناء كبير على نار موقدة! وكان الملك »فاروق« قد سارع بتعيين »حافظ عفيفي« (باشا) رئيسا لديوانه، لأنه أحس مرة أخرى بحاجته المُلِحة إلى عازل بينه وبين الوزارة. وينقل »عبود« (باشا) إلى السفير البريطاني في القاهرة (طبقا لتقرير من السير »رالف ستيفنسون« إلى حكومته) إنه سمع من »فؤاد سراج الدين« (باشا) »أن هناك تفكيرا في تهدئة الأمور بنقل الدكتور »محمد صلاح الدين« من وزارة الخارجية إلى منصب وزاري آخر، وفي الغالب فإنه هو نفسه (»فؤاد سراج الدين«) سوف يتولى وزارة الخارجية، ثم يضيف »عبود« (باشا) في ما نقله إلى السفير البريطاني على لسان »فؤاد سراج الدين«: »إن صلاح الدين قاد الوزارة والبلد كله إلى مأزق مستحيل، ولم يعد أمامه حل إلا أن يترك وزارة الخارجية أو يستقيل من الحكومة«. ولعل أغرب ما تضمنته تقارير السفارة البريطانية تلك الساعات، ما كتبه السير »سيسيل كامبل« عميد الجالية البريطانية في مصر، وكان وقتها حلقة الاتصال بين القصر والحكومة وبين السفارة، مع توتر العلاقات الرسمية بين الطرفين المصري والبريطاني وانقطاع الاتصالات بعد إلغاء المعاهدة وفي هذا التقرير قال السير »سيسيل كامبل«: »إن »محمد شعراوي« (باشا) (مليونير مصري وإقطاعي كبير وابن وحيد لعلي (باشا) شعراوي زميل »سعد زغلول« و»عبد العزيز فهمي« في مقابلة المعتمد البريطاني في مصر السير »وينجت« (باشا) يوم 13 نوفمبر 1919 (وهو اليوم الذي اعتبر عيدا للجهاد الوطني) اتصل به (بالسير »سيسيل كامبل«) يبلغه رسالة هامة مؤداها: »أنه إذا كان في نية الحكومة البريطانية أن تحتل الدلتا وتدخل القاهرة، فإن عليها أن تُخطر الفريق »محمد حيدر« (باشا) القائد العام للقوات المسلحة مسبقا بنواياها على الأقل بيومين، حتى يضمن »حيدر« (باشا) إبعاد قوات الجيش المصري عن بعض المواقع التي يُحتمل أن يقع فيها صدام لأن مشاعر الجيش العائد من فلسطين مستفزة، وقد تقع حركة خاطئة ولو بسوء الفهم تؤدي إلى اشتراكه في المقاومة المسلحة ضد الجيش البريطاني، وذلك موضع احتكاك خطر لا بد من تفاديه!«. ولعل احتمال مثل هذا الصدام مع جيش مجروح عائد من فلسطين ووسط شعب موجوع بما أحاط به من أزمات قَوَّى عزم الحكومة البريطانية على تأجيل خطة »روديو«. وهنا راحت الحكومة البريطانية وبالطبع غيرها من الحكومات تراقب مواكب العائدين من منطقة القناة فرقة بعد فرقة، وجماعة بعد جماعة، عائدين بالمرارة والإحباط إلى عاصمة زادت عليها حمولات الأزمة! ويلتقي السير »رالف ستيفنسون« السفير البريطاني في القاهرة بحافظ عفيفي (باشا) رئيس الديوان الملكي الجديد (5258/11/1011) ويتوجه إليه مباشرة بسؤال: »هل ترانا على حافة ثورة في ظرف شهور؟«. ويرد رئيس الديوان الملكي: »أخشى أن الثورة الآن ليست مسألة شهور وإنما مسألة أسابيع!«.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة