يستعد مجلس بلدية بيروت لعقد جلسة طارئة له ظهر اليوم، يتراجع فيها، وان بصيغة التعديل والتشذيب والتهذيب، عن قراره رقم 583، الذي تخذه يوم الثلاثاء في 13 تموز الحالي. وقضى فيه بمنع سير الدراجات في شوارع العاصمة نهائياً، ابتداء من الاول من تشرين الاول المقبل، مع استثناء الدراجات التي تسير على ثلاثة دواليب، بسعة 250 س. س. على ان تكون تابعة لمؤسسات وليس لأفراد. تسرّع أول أسباب اضطرار المجلس البلدي للتراجع عن قراره أو »إعادة صياغته«، هي إقراره الضمني بأنه تسرع في اتخاذ هذا القرار. ويكفي للتأكد من هذا الاقرار، ان المجلس يجتمع اليوم ليعيد البحث في قرار اتخذه قبل أقل من عشرة أيام. بعد ان ركزت جميع الانتقادات والاعتراضات على اتهام المجلس بالتسرّع في قراره، عدا عن ان قرار منعه سير الدراجات، وإن حظي بتأييد في صفوف المواطنين المتضررين من فوضى الدراجات وحوادثها، الا انه ظلم فئة من الناس، ممن لا يحسبون على المخالفين أو النشالين ولا حتى على أولاد الشوارع. ومن ابرز عناصر هذه الفئة، بائعي الصحف والمجلات الذين أصدرت نقابتهم بيانا اشارت الى ان المنتسبين اليها أكثر من ثلاثمئة بائع. وانهم مضطرون لاستعمال الدراجة النارية ذات الدولابين في اعمالهم، لانها اسرع وارخص من الدراجة ذات الدواليب الثلاثة. وكذلك الأمر بالنسبة لكثير من العمال وأصحاب المهن والطلاب، الذين لا يتبعون لشركات تستحصل لهم على ترخيص بقيادة دراجة نارية. اتهامات كذلك واجه القرار فور صدوره عن المجلس البلدي، اتهامات وعمليات تشكيك واسعة بنوايا الجهات التي سعت لاصداره. ومن بين الاتهامات، ربط البعض هذا القرار بتصريح شديد اللهجة لأحد نواب بيروت، صدر من فترة، تهجم فيه على سائقي الدراجات وهددهم بوقف سيرها في شوارع العاصمة. حيث اعتبر البعض ان هذا التصريح لم يكن الا التمهيد لصدور مثل هذا القرار. بل ان البعض وعلى نطاق واسع في العاصمة، ربط بين النائب المذكور ومتموّل بيروتي، قيل انه يسعى للحصول على وكالة استيراد من الشركات الوحيدة التي تصنّع دراجات ذات ثلاثة دواليب، وان هذه »الصفقة« هي سبب استثناء هذا النوع من الدراجات في قرار المنع، اضافة الى ان شركة »سوكلين« تستعمل دراجات بثلاثة دواليب. وواجه القرار وصانعوه، تهمة لا تقل قساوة. وهذه المرة من قبل جهات رسمية. حيث تشير اوساط في لجنة الأشغال النيابية، الى ان اللجنة، سبق وعقدت اجتماعات تحت عنوان »حقوق المشاة« في التاسع والعشرين من تموز الماضي وكان أحد بنود النقاش خطر الدراجات على المشاة، وقد دعي الى هذا الاجتماع جميع المعنيين بالامر، بما فيهم بلدية بيروت ومحافظها وقيادة شرطتها و»مجلس الانماء والاعمار« وشركات هندسية... الخ واتخذت توصيات تقضي بالتشدد في تطبيق القوانين لحماية المشاة، بما فيها القوانين التي ترعى استعمال الدراجات، للوصول الى تطبيق قوانين السير على الدراجات، المتفلتة من كل القوانين، خصوصا ان هناك قرارا سابقا صدر عن وزير الداخلية (رقم 440 تاريخ 26 تموز 2001) يمنع سير الدراجات النارية في المناطق اللبنانية كافة، بين الثامنة مساء والسادسة صباحا، الا بموجب ترخيص صادر عن وزارة الداخلية والبلديات. تضيف الاوساط، ان شرطة بيروت، ممثلة بالعقيد عبد البديع السوسي طلبت مهلة شهرين لتطبيق القوانين، في انتظار اصدار تشريعات عقابية رادعة بحق المخالفين. وهكذا عمدت لجنة الاشغال النيابية، الى اعطاء نفسها مهلة شهرين لاصدار توصياتها، ريثما يتم اصدار تشريعات بتشديد العقوبات بحق سائقي الدراجات المخالفين واتخاذ تدابير ادارية لتنفيذ القانون القائم. وتشير الأوساط المذكورة، الى ان بلدية بيروت كانت ممثلة في اجتماع اللجنة النيابية الاول، بشخص ممثل المجلس البلدي د. سليم عيتاني وممثل المحافظ يعقوب الصراف، عصام التنير. فيما حضر رئيس مجلس بلدية بيروت المهندس عبد المنعم العريس الاجتماع التالي للجنة. وتعتبر هذه الاوساط ان مجلس بلدية بيروت تبنى قرار المنع الكلي بشكل متسرّع، وذلك استباقا للقرار الذي تحضر لجنة الأشغال النيابية لاتخاذه بعد شهرين، بمشاركة الجهات التي تمت الاشارة اليها آنفا. في محاولة لقطف ثمار ايجابياته ولاعتقاد صانعيه بأنه »قرار شعبي«. الا ان التسرّع أضاع الثمار والأصداء الايجابية، التي سعت وراءها البلدية. وتشرح الاوساط النيابية مشروع اللجنة، باختصار لتقول انه يتشدد في قرار المنع ليلا. ويستثني الدراجات الصغيرة التي لا تصدر اصواتا مزعجة، ويشترط على السائقين التقيد بالقوانين، خصوصا وضع لوحة للدراجة وحيازة رخصة قيادة وغير ذلك من عوامل الضبط والتنظيم وليس المنع الكامل. ثغرات قانونية واللافت للانتباه ان المجلس البلدي في بيروت لم يجر أي استشارة قانونية قبل اتخاذ قرار المنع في حين ان وزير الداخلية والبلديات الياس المر، استند في قراره رقم 440 الذي حدّد فيه مواعيد سير الدراجات الآلية في كل المناطق اللبنانية، الى جملة مراسيم وقوانين وإجراءات، بينما »استشارة مجلس شورى الدولة رقم 266 2000 2001 تاريخ 24 7 2001«. وبالتالي، ليس هناك ما يمنع الآن ان يلجأ المتضررون الى مجلس شورى الدولة لتعطيل قرار المجلس البلدي، خصوصا ان المادة 51 من قانون البلديات تعطي المجلس البلدي حق تنظيم المرور والنقل العام. ولا تعطيه حق المنع او السماح. كما ان المادة 302 من قانون السير التي تقول »إن أحكام هذا القانون لا تحد من السلطة الممنوحة لوزيري الاشغال العامة والنقل والداخلية ورؤساء البلديات بموجب القوانين والانظمة المرعية، بأن يفرضوا ضمن صلاحياتهم وحين تستدعي السلامة والنظام العام، تدابير من غير التدابير المنصوص عليها في هذا القانون. وللمحافظين حق اتخاذ التدابير ذاتها ضمن نطاق محافظاتهم«، إذا عطفت هذه المادة، على الواقع القانوني لبلدية بيروت، كونها سلطة تشريعية فيما السلطة التنفيذية منوطة بالمحافظ، فان المجلس البلدي يواجه معضلة قانونية، في هذا الجانب، لانه يقرر في ما لا صلاحية له فيه. لأن القانون حتى الآن، ما زال يعطي هذه الصلاحية في هذا الشأن للسلطة التنفيذية، أي الى المحافظ. موقف البلدية وتشير أوساط في بلدية بيروت، الى ان اعضاء المجلس البلدي وافقوا بالاجماع في الثالث عشر من الشهر الحالي، على اقتراح رئيس البلدية المهندس عبد المنعم العريس، بوقف سير الدراجات في العاصمة حين سمعوا تبريرات القرار، خصوصا لجهة ازدياد حوادث السير الدامية التي تسببها فوضى الدراجات. وازدياد حوادث النشل والسرقة التي يستعمل مرتكبوها دراجات نارية. ومخالفة سائقي هذه الدراجات لكل قوانين وتعليمات السير. وكذلك عجز رجال الشرطة عن مواجهة هذه الحالات الشاذة وقمعها. وقد أكد رئيس البلدية ل»السفير« هذه التبريرات مشددا على ان المجلس كان امام استحقاق صعب لم يكن ازاءه خيار غير وقف سير الدراجات، لافتا الى انه والمجلس البلدي منفتحون على كل الآراء والنقاشات حول هذا الموضوع لما فيه المصلحة العامة. وعن اجتماع اليوم، يشير العريس الى انه »لتبادل الآراء ومناقشة قرار منع سير الدراجات والصدور بقرار يوازن بين ترحيب البعض بقرار المنع وتضرر البعض الآخر منه. وبما لا يوقع الضرر بالشركات والمؤسسات بل يوفق بين الشكوى من الدراجات والحفاظ على مصالح الناس«. ويرى العريس ان عودة المجلس البلدي الى مناقشة قرار اصدره قبل حوالى اسبوع أمر لا يعيب المجلس وان من حق سكان العاصمة عليه البحث عن الحل الأفضل لمشاكلهم. رئيس لجنة طوارئ السير في مجلس بلدية بيروت المهندس هشام سنو، اوضح بدوره ان اهتمام البلدية بموضوع الدراجات قديم. وأنه بحثه مع قيادة شرطة بيروت ممثلة بالعقيد عبد البديع السوسي، الذي أفاده بأن الشرطة عاجزة عن ضبط موضوع الدراجات النارية، لأسباب عديدة، ابرزها النقص في عديد الشرطة والخطر الذي يصاحب أي مطاردة من قبل الشرطة لراكب الدراجات. وقد جاء تزايد أعمال السرقة والنشل بواسطة الدراجات النارية وتكرار حوادث السير القاتلة التي تسببها الدراجات يومياً، لتدفع المجلس البلدي الى اتخاذ قراره، الذي سبق ان اتخذت ما يماثله عواصم عدة عربية وأجنبية. ورأى سنو ان شمولية القرار أضرّت بالكثيرين من أصحاب المصالح والمؤسسات وأدت الى اعتراضات سيبحثها المجلس البلدي اليوم ويأخذها في الاعتبار بحيث يسقط المنع عن الدراجة، ذات العجلتين لكن بشرط أن لا تزيد قوتها عن 250 س.س.« لأن الدراجات الكبيرة، والمرتفعة الثمن يقتنيها أصحابها للتشفيط«. كما يشترط القرار »المنقّح« الذي سيصدر اليوم جملة ضوابط على السائقين لمنع تكرار السلبيات المعروفة مثل التسابق والسير على عجلة واحدة أو السير على الارصفة. ويتبنى عضو المجلس البلدي عصام برغوت هذا التوجه، ليقول ان اجتماع اليوم هو »لإصدار بيان توضيحي يعدّل فيه قرار منع سير الدراجات، بحيث يكون المفصل في الموضوع التزام الشرطة، تنفيذ القانون وضبط حركة الدراجات«. يضيف: ستتم العودة عن قرار المنع، بحيث يسمح بسير الدراجات ذات العجلتين مع التشدد في تطبيق القوانين«. معتبراً ان للقرار السابق فائدة كبرى اذ انه شكّل »فلاشاً« لفت الانظار الى مشكلة الدراجات«. أخيرا اذا كانت الشرطة عاجزة عن تطبيق قوانين السير بحق سائقي الدراجات، فكيف ستمنعهم من قيادتها؟ وكذلك كيف يمكن تطبيق قرار المنع في بيروت وحدها فيما السماح ساري المفعول في بقية المناطق وللعاصمة عشرات المداخل؟ وكيف سيكون موقف المجلس البلدي اليوم وهو الذي صوّت بالاجماع بالامس على قرار يريد تعديله اليوم؟ وهل سينسق المجلس البلدي اليوم في اتخاذ القرار مع محافظ العاصمة، المخول قانوناً سلطة القرار والتنفيذ في هذا الشأن أم سيكون هذا الامر باباً آخر لخروج الخلافات بين المحافظ والمجلس البلدي الى العلن؟ ثم أخيراً من يضمن حسن تنفيذ هذا القانون وغيره، خصوصا عندما نعلم ان قوى الامن تصادر عشرات الدراجات النارية خلال حملاتها ضد السائقين المخالفين، الا ان هذه الدراجات، بدلاً من ان تحوّل الى خردة، تباع بالمزاد كما هي لتعود الى الشارع يقودها الشبان والاولاد من دون أي مسوغ قانوني؟