من كهربائي بسيط الى كهربة العالم كله بالعنف الدامي. هذا هو باختصار صبري البنا (أبو نضال) الذي ما برح منذ أكثر من ثلاثين سنة متواصلة يعارك مصائره المأساوية بلا نتيجة أو هدف. ولعل النتيجة الوحيدة، في خضم هذا العراك المتمادي، كانت المزيد من الضحايا والقتل المنفلت من عقاله. لم يتجاوز في تعليمه الصف الثالث الابتدائي، لكنه صار معلِّماً من طراز خطير في حقل العمليات الخاصة. وها هو الآن يموت في بغداد كآخر ممثل للعنف في الشرق الأوسط، ولم يبقَ في لجّة القتال بعده إلا أسامة بن لادن. حيّر موته العالم بأسره. كأن كل ما في العالم ينتظر هذه النهاية ليرتاح؛ لأن موته يعني إقفال ملفات كثيرة، وربما فتح ملفات غيرها، وإهالة الركام على أسرار شتى. ومنذ سنة 1984 وصبري البنا يموت هنا ويحيا هناك في الوقت نفسه. ففي 6/11/1984 أعلنت القناة الرابعة في التلفزيون البريطاني أن »أبو نضال« توفي في بغداد بعد إصابته بأزمة قلبية. وفي 11/6/1994 قال العقيد معمر القذافي إن »أبو نضال« ربما مات. وأضاف في حديث إلى مجلة »نيوزويك«: »أعتقد انه ليس حياً لأنني وجهتُ إليه دعوة ولم يأتِ«. خيّب »أبو نضال« توقعات الجميع، وبقي حياً. واليوم أمات حقاً في بغداد أم لم يمت؟ فالمؤكد أنه مات سياسياً منذ زمن طويل، واندثرت منظمته تماماً، وما عادت بضاعته صالحة للمبادلة في أي مكان في الكرة الأرضية. والغريب أن تنظيم »المجلس الثوري« هو التنظيم العسكري الوحيد، ربما في العالم كله، الذي قام قائده بتدميره تماماً، بينما لم يتمكن خصومه من هذه المهمة مباشرة. ففي الفترة ما بين 1987 و1988 جرت تصفيات مروِّعة في صفوف التنظيم، ثم انشق عليه أهم رجلين من القياديين هما: عاطف أبو بكر أحد أقرب المساعدين إليه، وعبد الرحمن عيسى رئيس المخابرات في المنظمة اللذان هربا إلى الجزائر خلال سنة 1989. وكرت السبحة بعد ذلك، فمنهم من التحق بالسلطة الفلسطينية، وبعضهم عاد إلى الاردن بعدما أفرغ كل ما يعرفه من معلومات، والآخرون يهيمون هنا وهناك بحثاً عن مأوى يقيهم جزاء ما فعلوه. ولد صبري البنا (أبو نضال) في مدينة يافا سنة 1937 لوالد يملك عدداً من بيارات البرتقال، ووالدة سورية هي الزوجة الثانية لأبيه. وبعد النكبة لجأت العائلة إلى مدينة نابلس بعدما كانت فقدت معيلها في سنة 1945. وفي نابلس أمضى »أبو نضال« طفولة بائسة؛ فلم يتابع دراسته الابتدائية، وعمل في أشغال موقتة كمساعد كهربائي تارة، وفي نقل السلع إلى زبائن المحلات التجارية طوراً. ومع أنه لم يتجاوز في دراسته الصف الثالث الابتدائي، فقد حاول أن يقرأ بنفسه على نفسه في ما بعد، فعثر على صحيفة شبه سرية تدعى »اليقظة«، فداوم على قراءتها. وكانت هذه الصحيفة ناطقة باسم حزب البعث في الاردن. وكان هذا الحزب هو الحزب الوحيد الذي انضم إليه عندما كان في الثامنة عشرة، ثم لم يلبث أن تركه في أثناء عمله في السعودية. وهناك تعرف إلى بعض خلايا حركة »فتح« فانضم إليها. عاد إلى عمان بعد حرب الخامس من حزيران 1967، ومارس نشاطاً سياسياً في صفوف حركة فتح. وفي عمان تعرف إلى صلاح خلف (أبو إياد) وتوطدت بينهما المعرفة، حتى ان »أبو أياد« رشحه لمنصب ممثل فتح في الخرطوم. وتسلم، بالفعل، منصبه هذا في بداية العام 1969. وفي أواخر تموز 1970 انتقل الى بغداد كممثل للحركة فيها. لكنه سرعان ما انقلب على قيادة فتح وراح يهاجمها من إذاعة بغداد متهماً إياها بالجبن لموافقتها على وقف النار مع الملك حسين في أحداث أيلول 1970. كان يقول عنه »أبو أياد« إن المخابرات العراقية، على الأرجح، جنّدته في الخرطوم. ومن مساخر الصدف ان »أبو نضال« حاول مرتين اغتيال »أبو إياد« في بلغراد وفي بيروت سنة 1980 وفشل. غير أنه تمكن من اغتياله في تونس في 14/1/1991 ومعه هايل عبد الحميد (أبو الهول) وفخري العمري (أبو محمد). أما نقطة اللاعودة في علاقة »أبو نضال« بحركة فتح فكانت في سنة 1974 عندما أرسل بعض رجاله لاغتيال محمود عباس (أبو مازن) في دمشق. وفي الأثر أعلنت فتح فصله نهائياً من الحركة في 26/7/1974، وحكمته بالاعدام. ومع أنه محكوم بالاعدام، إلا ان خليل الوزير (أبو جهاد) لم يتوانَ عن الاجتماع إليه في الجرائز في نيسان 1987 في محاولة لوقف عمليات الاغتيال المستمرة. وأقنع ياسر عرفات بالاجتماع إليه أيضاً. وفي هذا الاجتماع تعهد »أبو نضال« بعدم القيام بأي عملية اغتيال بتاتاً. لكنه، في ما بعد، اغتال »أبو إياد« الذي ظل يدافع عنه حتى سنة 1976. * * * في الستينيات والسبعينيات كان العنف الثوري مبجلاً وذا ألق أخاذ في مخيلة الشبيبة العربية، لأنه ارتبط بفكرة الثورة والحرية والعدالة. واحتدمت الكتب، وقتذاك، بأسماء ملوك العنف الثوري من عيار باكونين وبلانكي وغيفارا ووديع حداد وكارلوس وأوكاموتو والتوباماروس وبادر ماينهوف وغيرهم. وفي زحمة هذه الأسماء كان هناك واحد مختلف ومؤتلف في آن هو صبري البنا. كان يختلف تماماً عن مجموعات العنف الثوري وأفكارها اليسارية وتطلعاتها التاريخية. بينما كان يأتلف، إلى حد بعيد، مع جماعات »العمليات الخاصة« التي قلما تقيم أي اعتبار للسياسة بوصفها جهداً إنسانياً راقياً لصناعة التاريخ. كان وديع حداد، على سبيل المثال، مناضلاً حقيقياً انخرط في العنف الثوري من موقع الالتزام العميق بقضية فلسطين، ومثله كان كارلوس أيضاً. ثم دارت الدوائر وتقلبت الاحوال، فمات وديع حداد مسموماً على الأرجح، وجرى تسليم كارلوس إلى فرنسا، ولم يبق، الى أمد قريب، الا أسامة بن لادن وصبري البنا. وها هو صبري البنا ينتهي الآن قتيلاً أو منتحراً، بينما أسامة بن لادن يشرف على النهاية. .