As Safir Logo
المصدر:

سلسلة قصص الفتيان »حسمبا« ليغئال موسينزون في طبعة جديدة صياغة إدراك الأطفال والفتيان اليهود بواسطة الأدب العنصري

المؤلف: شلحت انطون التاريخ: 2002-08-19 رقم العدد:9278

صدرت في إسرائيل، مؤخرًا، طبعة جديدة من سلسلة قصص الفتيان »حسمبا« لمؤلفها يغئال موسينزون. وهي من أوائل سلاسل قصص الفتيان المكتوبة باللغة العبرية بعد 1948. ويمكن إدراجها ضمن »جانر« كتب المغامرات المثيرة، الذي كان شائعًا إلى أقصى الحدود في تلك السنوات. صدر أول كتاب من هذه السلسلة في 1950. وظلّ مؤلفها يكتب حلقات جديدة منها حتى قبيل وفاته (في 1994 عن 77 عامًا)، بسنوات قليلة. وقد أظهرت استطلاعات للرأي، أجريت في الخمسينيات من القرن العشرين، أن قصص »حسمبا« تبوأت مرتبة متقدمة جدًا في قائمة أكثر الكتب الشعبية التي يستهويها »القراء الصغار« بين اليهود الإسرائيليين، إلى درجة أنها تفوقت على أشهر القصص الأجنبية للفتيان مثل »روبنسون كروزو« و»جزيرة الكنز« و»أليس في بلاد العجائب« و»ماكس وموريتس« و»توم سوير« و»ثمانون ألف ميل تحت سطح المياه« وغيرها. وكان للإنسان العربي حضور بارز في قصص »حسمبا« تلوّن بالصبغة العامة، العنصرية في جوهرها، التي تميزت بها عمومًا »النظرة الثقافية« الصهيونية حياله، بل إن ثمة أبحاثًا كثيرة تشير، دون مداورة، إلى كون هذه القصص أرست »المدماك الأول« في تشييد الموقف التنميطي المقولب من العربي، لمجرّد كونه كذلك، وهو ما واصلته سلاسل قصص أخرى يصعب حصرها، خصوصًا في الخمسينيات والستينيات وحتى أواسط السبعينيات من القرن المنقضي. هذا ما يؤكده، على سبيل المثال لا الحصر، المقال التالي الذي كتبه الباحث التربوي وكاتب الأطفال أوريئيل أوفك، بعد أن أمضى سنوات عديدة في تدريس موضوع أدب الأطفال في عدة جامعات وكليات لإعداد المعلمين في إسرائيل. وقد ظهر في كتابه الموسوم بعنوان »أعطوهم كتبًا« الصادر في 1978 عن منشورات »سفريات بوعليم«. وأشير في سياقه إلى المترتبات العنصرية لمثل هذه السلاسل العنصرية، الفاسقة والخطيرة، على »القراء اليهود الصغار« الذين أصبحوا في الوقت الحالي الجيل المتحكم في مختلف مؤسسات الدولة، العسكرية والمدنية: »هذه هي لحظاتنا الأخيرة، لن نستسلم للأسر. الموت أفضل من أن تصبح عبدًا. هل صدقت؟«. في أكثر الأشكال دهشة، دون أن يتبادلوا الحديث في ما بينهم، انطلقت من أفواه الفتيان الأبطال صرخة الحرب الشهيرة بمعنويات عالية يندر أن يحظى بها إنسان في حياته: حسمبا! حسمبا! حسمبا! هذه السطور المقتبسة من قصة »حسمبا في أسر الجيش العربي« (ص126) ليغئال موسينزون هي مثال نموذجي ل»مواقف الذروة« التي تعجّ بها مئات الكتب من إنتاج معمل قصص المغامرات والمكائد ذي الماركة الإسرائيلية المسجلة. ورغم أن سلسلة »حسمبا« كانت »أولى الطلائع« في هذا المعمل، التي استجرّت وراءها سيلاً لم ينقطع من عمليات تقليدها السيئة والفاسقة، فمن الأجدر بنا أن نبدأ الكلام حول خطورة منتج هذا المعمل بحديث مقتضب حول سلسلتين مترجمتين من قصص المغامرة سبق صدورهما بدء صدور »حسمبا«، وما زالتا مقروءتين بغلواء شديد، من جانب الفتيان هواة المغامرات المثيرة. لم يكفّ أولاد إسرائيل وفتيانها، مثلهم مثل فتيان العالم كافة، عن كونهم قراء متحمسين لمختلف القصص حول الهنود الحمر. ومن بين جميع الكتّاب، الذين ألفوا هذه القصص، بقيت كتب »كارل ماي« في رأس سلم الشعبية ضمن هذا »الجانر« الأدبي. و»ماي«، الذي كتب قصصه الأولى خلف قضبان السجن، نشر على مدار عشرين سنة أكثر من سبعين كتابًا تحكي الغالبية الساحقة منها، إن لم تكن جميعها، بضمير المتكلم، عن الوقائع المدهشة في سيرة حياة مغامر ألماني الجنسية يواجه وضعيات خطيرة ويفلح، بفضل قوته الجسدية الخارقة التي لا تخور وبفضل خصائصه النبيلة، في أن ينجو بجلده منها جميعًا. وليس هذا فحسب، وإنما يفلح أيضًا في أن ينقذ أصدقاءه وزملاءه وفي أن يحقق العدالة. وكثيرًا ما تعرّض »ماي« لهجوم حادّ بسبب أسلوب كتابته. غير أنه عندما كان عرضة لذلك وهو على قيد الحياة ردّ على هذا الهجوم باستخفاف عبّر عنه قوله التالي: »ثمة من يقول إنني أكتب بأسلوب يعتبر مثالاً يحتذى به. وثمة من يقول إنني أفتقد أي أسلوب في الكتابة، بينما يقول آخرون إنني أمتلك أسلوبًا كهذا، لكنه سيئ. أنا شخصيًا غير منشغل أبدًا بقضايا أسلوب الكتابة، وأواصل كتابة الجمل التي تخرج من دماغي«. وبسبب الشعبية المستمرة لقصص »ماي« أجرى باحث الأدب الألماني »راينر جاجلمان، في 1965، استفتاء في أوساط الأدباء ورجال الفكر طَلب إليهم من خلاله أن يجيبوا عن السؤال التالي: »هل يتوجب على الفتيان أن يقرأوا كارل ماي؟«. غالبية الذين شملهم هذا الاستفتاء اعترفوا بأنهم، في سنوات فتوتهم، قرأوا قصص »ماي«، ورغم أن آراءهم حوله تغيرت فهم يعتقدون أنه لا ينبغي فرض رقابة على قراءة الأطفال والفتيان. ومن بين الأجوبة جميعًا على هذا الاستفتاء تميّز، أكثر شيء، الجواب القصير والمتشكك الذي أدلى به »أريك كاستنر« حين كتب (بعد التماس العذر من السائل على تأخره في الردّ عليه) ما يلي: »إنني أنتمي إلى الكائنات البشرية التي لا تكنّ الودّ لكارل ماي. في صغري تصفحت كتابًا أو ربما اثنين من كتبه، وبكل بساطة لم يعجبني. وعليه فلا تدع لكتب ماي أن تفسد عليك متعك وذوقك«. لكن يبدو أن النقيصة الرئيسة في كتب »ماي« ليست منحصرة، بالذات، في أحداثها المفتقرة إلى الصدقية والتي تدور في أماكن لم تطأها قدم الكاتب في حياته قطّ. كما أنها ليست منحصرة في أسلوبها الشعاراتي، وإنما بمنأى عن ذلك كله في الطريقة التي يعرض بواسطتها الذوات الفاعلة فيها من بني البشر: الهندي الأحمر فينتو والصيّاد أولد شورهاند، وفي الأساس المغامر الأبيض الأسطوري. هذا البطل الأخير يتم عرضه ليس كإنسان من لحم ودم وإنما كإنسان متفوق (ألماني!) شديد القوة والبأس، قادر على كل شيء وعارف لكل صغيرة وكبيرة، مجبول من طينة خاصة لا تشوبها شائبة، عديم المأوى والأسرة، يتكلم بكل لغات الأرض، يطبّب المرضى وملم بتقصّي الأثر، زاهد عن الجنس والنساء، طيّب القلب ونبيل النفس، قنّاص ماهر لا تحركه غريزة القتل، لا يخطئ المرمى بتاتًا ويتخلص من كل مشكلة تواجهه وتكون كفته راجحة في الدوام. أفليست رائحة العنصرية هي التي تنبعث من هذا التوصيف لإنسان أبيض متفوق كامل الأوصاف والخصائص؟ ما العجب إذاً في أن تحوز قصص »ماي« على شرعية رسمية في ألمانيا النازية وأن يتم إرسالها كهدايا إلى جنود »الفيرماخت« في جبهات القتال؟ وما الغرابة في أن أوصافه ساهمت في تكريس مصطلحات مشوهة حول الجنس البشري، كما اعترفت فتاة قارئة في ربيعها الثاني عشر حين قالت: »الرجل الأبيض في كتب كارل ماي على حقٍّ دائمًا؟«. حوالى ثلاثين من كتب »ماي« ترجمت إلى اللغة العبرية في فترات متباعدة. نذكر من بينها »الرئيس الهندي الأحمر« (ترجمة م.ز. وولفوبسكي، 1942)، »لصوص الصحراء« (ترجمة أ.أ. عقيبا، 1948)، »يد الانفجار« (ترجمة ي. هيرشبرغ، 1952)، »الغرب المتوحش« (ترجمة ح. ترسي، 1953)، »فينتو« (ترجمة نوح مان، 1957)، »أولد شورهاند« (ترجمة عوديد أفيسار، 1968)، »قصص كارل ماي« (ترجمة ب. فيكسلير، 1968) وغيرها. بيد أن أغلبية المترجمين أضفوا على قصص »ماي« أسلوبًا أكثر تشذيبًا ورقيًا مما هو في الأصل. ومع ذلك لم يكن في الإمكان تنظيفها بالكامل من لغة الأبطال ذات النبرة الفوقية، ومنها مثلاً: »لا تتكلم مع هذا الكلب! هو أيضًا سيموت لا محالة. وربما مع كل ذلك لن يموت. صاحب الوجه الشاحب المسن هذا هو مجرّد قط بائس، وينبغي عدم إماتته عمليًا وإنما طرده بلسعات السوط، هذا الجبان!« (من قصة »فينتو ويد النار«. ترجمة ح. ترسي، ص137) ونظرًا لكون كتب »كارل ماي« لا تزال شعبية للغاية في أوساط العديد من الفتيان والفتيات، فلا غرو أن يجيب فتى في العاشرة والنصف من عمره، من أحد »الكيبوتسات«، على استفتاء حول القراءة أجري في 1968، بما يلي: »البطل الذي كنت راغبًا بأن أكونه هو يد الانفجار (لقب البطل الرئيسي، المتفوق). لماذا؟ أ لأنه قنّاص بارع. ب لأنه قويّ جدًا. كنت راغبًا بأن أكون زعيمًا، لأن الزعيم يعرف كثيرًا، كل شيء«. فتى آخر، هو أيضًا من أحد »الكيبوتسات«، ابن ثلاثة عشر عامًا، تطلّع في جوابه على الاستفتاء نفسه إلى أن يكون »مثل« إنسان متفوق آخر، لكنه بدوره أبيض البشرة وينشر سلطته على مناطق وحشية. بعد »طرزان« انتقل أولاد إسرائيل لتقدير مجموعة »حسمبا« الصبّارية، التي تعمل معًا كجسم واحد. ولقد اعترف مؤلف »حسمبا«، يغئال موسينزون، على مسامعي بأن تحمّس أولاد »الكيبوتسات« لشخصية طرزان هو الذي دفعه لكتابة قصص مغامرات بلغتهم الأم تكون بمثابة »بديل مناسب« لقصص المغامرات الأجنبية. فضلاً عن ذلك أضاف موسينزون فإن المناخ العام لتلك السنوات الذي تميّز ب»النضال اليهودي والحرب من أجل استقلال إسرائيل« أتاح المجال لتقبل قصص المغامرات. هكذا ولد الكتاب الأول في هذه السلسلة الذي حمل عنوان »حسمبا أو مجموعة السرّ المطلق بالتمام« (1950، وقبل ذلك نشر على حلقات في جريدة »مشمار للأولاد«). تدور أحداث القصة حول ثمانية أولاد أعضاء في مجموعة »حسمبا«. وهم القائد يارون زهافي وتمار نائبته وايهود السمين وعوزي امين المستودع وموشيه يرحمئيل »البروفيسور« ومنشيه اليمني وزملاؤهم. يحاربون الشرطة البريطانية ويخلصون مخبأ الأسلحة التابع ل »الهاغاناه« وينقذون في عملية جسورة قائد الحركة السرية من المعتقل ويوفرون الحماية لسفينة مغامرين ويحوزون على أوسمة تقدير من القيادة العامة. وحظي هذا الكتاب بنجاح باهر (ومفهوم طبعًا!)، وظهرت في أعقابه على فترات متقطعة أربع وعشرون قصة أخرى من سلسلة »حسمبا«. وفي الكتب الأخيرة من هذه السلسلة، التي صدرت قبيل كتابة هذا المقال بسنوات قليلة، وبينها »حسمبا في غزوة قناة السويس« (1970) و»حسمبا في مواجهة الخاطفين أو فرسان الليل يضربون ثانية« (1977)، ظهر جيل جديد من الحسمبائيين يقوده يواف تسور ونائبته راحيل. وبديهي أنهما يتعاونان مع يارون زهافي، مؤسس »حسمبا«، الذي أصبح الآن قائد دائرة المهمات الخاصة في الجيش الإسرائيلي. خلقت سلسلة »حسمبا« ما يمكن اعتباره »موجة جديدة« في أدب الأطفال العبري، حسبما بشرت بذلك صحيفة »هآرتس« في ملحقها الاسبوعي حين كتبت تقول: »لقد ظهر عندنا أخيرًا أبطال شبان عبريون، مثل يارون زهافي، القائد الشجاع لمجموعة حسمبا، مع سلاح عبري وحتى مع محتالين عبريين« (10/4/1970). وفي مقابلة مع صحيفة »دفار« (نشرت في 17/6/1970) شرح موسينزون سرّ نجاح »حسمبا« بقوله: »استجابت كتب حسمبا مع غريزة المغامرة المتأصلة فينا جميعًا، وخصوصًا لدى الأولاد. يصعب أن تجد ولدًا لا يتماثل مع فتيان في مثل عمره ينفذون عمليات عادة ما يكون تنفيذها من نصيب البالغين. عمليات منسجمة تمامًا مع قدر كبير من الخيال والدقة في تطبيقها وفي قيمها المقدسة مثل الصداقة والتضحية وحب الوطن«. وعلى أية حال ففي جميع القصص الخمس والعشرين، التي صدرت حتى الآن، يخوض أولاد حسمبا (غالبًا بواسطة السلاح) معارك مختلفة ويتغلبون على مجهول يرتدي قناعًا أسود وسائر الأنذال ويتخلصون من أسر الجيش العربي ويتعاركون دون وجل مع من هم أشد منهم بأسًا وعنفًا، كما يعبّر عن ذلك المقطع التالي: »... في أثناء ذلك كان مسعود قسيس ويارون زهافي متعانقين ومتلاصقين يوجّه كل منهما إلى الآخر ضربات موجعة ودقيقة، غير أن عوزي هبّ لمساعدة يارون، وسدّد صوب الجاسوس لكمة جانبية جعلته يركع ويسقط أرضًا«. (من قصة »حسمبا والجواسيس في سلاح الجوّ«، ص144). عند هذا الحدّ يجدر ذكر أن الكتابين الأول والثاني فقط من سلسلة »حسمبا« كتبهما موسينزون بأسلوب ساخر فيه قدر من المعقولية، لكنه بعد ذلك انتقل لتسلية جمهور قرائه بواسطة سخرية هابطة ورخيصة وضعها على ألسنة الأخيار والأشرار على حدّ سواء. وهذا المستوى الهابط والرخيص من أسلوب كتابته أخذ في الازدياد سوية مع جعل كل فرد من أعضاء مجموعة حسمبا أشبه بسوبرمان صغير، ومع جعلهم جميعًا يجيزون لأنفسهم أخذ زمام القانون في ايديهم ضد الأعداء وتوجيه سهام استخفافهم نحو عالم الكبار وحتى نحو عالم الأهل. واليكم هذا النموذج بشأن الاستخفاف بعالم الأهل: في أحد لقاءات المجموعة، التي تجري في مقبرة (لماذا مقبرة بالذات؟) يقول ايهود لداني (الذي حظر عليه أهله المشاركة في عمليات حسمبا): »إذا كنت راغبًا بسماع الحقيقة فإن العديد من الأولاد يتملكهم الحسد منك ومنّا جميعًا لأننا أعضاء حسمبا وهم ليسوا كذلك! لكن إذا كان لديك أهل... إذا كان لديك أهل... إذا ربيت أهلاً مثل هؤلاء... ولم تمنحهم تربية معقولة... هل تريد القول إنهم جبناء؟، سأل داني بحزن بالغ. غير مهم، غير مهم، غمغم داني!«. (من قصة »حسمبا في أسر الجيش العربي«، ص9) النتيجة المطلوب استخلاصها من ذلك ضمنًا هي: إذا حظر عليك أهلك، أيها القارئ الصغير، المشاركة في عمليات تنطوي على أخطار ففي ذلك إثبات على أنك »ربّيت« أهلاً خطرين، ومن حقك أن تتمرّد عليهم وأن تذهب إلى عمليات كهذه، على رغم حظرهم. وهذا هو ما فعله داني حقًا، إذ انه تمرّد على أهله وانطلق إلى القيام بعمليات يقف لها شعر الرأس.. و»بعد ثانية ستسدّد اللكمات ويسمع أزيز الرصاص من المسدسات في فضاء الكهف«. تتمثل الخطورة الرئيسة من هذه السلسلة في كونها حظيت ولا تزال بأكبر شعبية في صفوف القراء الصغار. وفي استفتاء أجرته إحدى المربيات في 1967 حول أكثر الشخصيات الأدبية شعبية في أوساط الأولاد، تبين أن الشخصية التي حازت على أكبر نسبة من المعجبين هي شخصية يارون زهافي من حسمبا، في أوساط الفتيان، وشخصية تمار، من حسمبا أيضًا، في أوساط الفتيات. وحسبما أشير في سياق سابق كانت »حسمبا« الطليعة الأولى التي فتحت الطريق أمام نبع عكر من سلاسل مماثلة مختلفة غمرت حوانيت بيع الكتب واحتلت صدارة قائمة كتب المطالعة لدى الأولاد. وهي، في غالبيتها، أدنى مستوى من »حسمبا« وبينها على سبيل المثال: »مغامرات أولاد البلدة القديمة« (1952 1958) تأليف حاييم الياف و»حبو عوز« تأليف حاييم غيبوري و»جماعة تشوبتشيك« تأليف أرنونا غدوت و»جماعة الزملاء« تأليف ت. أورجيل وغيرها وغيرها. لكن لا شك في أن أكثر الكتاب غزارة في إنتاج مثل هذه السلاسل هو شراغا غفني، الذي كتب أيضًا بأسماء مستعارة مثل أفنير كرميلي وأون شريغ وإيتان درور، وقد دفع إلى السوق خلال سنوات معدودة سلاسل رائجة وهابطة يفوق عدد كتبها حتى الآن المئة كتاب. منذ الخمسينيات في القرن العشرين تحاول عشرات طواقم البحث في دول أوروبا وأميركا دراسة مدى تأثير أدب المغامرات والعنف على سلوكيات القراء الصغار. وعلى رغم عدم التوصل إلى إثباتات قاطعة في هذا الشأن، يسود في أوساط رجال التربية رأي عام يقول بوجود علاقة متبادلة بين قراءة هذا الأدب وبين ارتفاع نسبة الجريمة والجنوح بين الشبان الأحداث. بل إن باحثًا تربويًا إسرائيليًا نشر في 1955 دراسة حول هذا الأدب وتأثيره على تربية الأجيال تحت عنوان صارخ هو »معمل لإنتاج مجرمين صغار«. وفي الستينيات أشارت لجنة تحقيق رسمية عيّنها مجلس الشيوخ الأميركي إلى وجود رابطة وثيقة بين الانتشار الواسع لكراريس ال»كوميكس« الصارخة (وبالأخص تلك التي تصف بإبراز شديد العنف الوحشي وتدعو إلى تقديس شخصية الزعيم) وبين تواتر محاولات عصابات للفتيان من أجل فرض هيمنتها على أحياء كاملة في عدة مدن أميركية، حتى أنها أوصت بحظر توزيع هذه الكراريس. لكن السلطات الأميركية قررت في نهاية المطاف أن تلزم ناشري تلك الكراريس بعرضها على لجنة رقابة خاصة من أجل فحصها ومن ثم إقرارها. وتجري في إسرائيل أيضًا، بين الفينة والأخرى، أبحاث تتناول تأثير كتب المطالعة على سلوكيات الأولاد والفتيان. وفي استطلاع للرأي أجرته »مؤسسة سالد« بعد مرور عقد من السنوات على قيام الدولة، تبين أن »قراءة الأدب الفاسق هي ظاهرة عامة. وتقريبًا كل فتى وفتاة يقرآن هذا الأدب، ونسبة قراءته تزداد طردًا مع تقدّم الجيل. وبينما تشكّل هذه القراءة لدى فئات اجتماعية عليا ظاهرة عابرة وبنسبة ضئيلة مقارنة مع نسبة قراءة الكتب الجيدة، فإنها لدى الفئات الاجتماعية الدنيا تشكل ظاهرة مستمرة وتعتبر القراءة الأرأس«. لكن إذا نحينا كل ذلك جانبًا فإن هناك مجالاً واسعًا للاعتقاد بأن هذا الأدب، على شاكلة سلسلة »حسمبا« وما تلاها من سلاسل أكثر فسقًا وسوءًا، تمارس تأثيرًا كبيرًا على قرائها من خلال مواجهتهم مع واقع حياة وعلاقات إنسانية يتم تصويره بضوء كاذب ومشوّه. تكفي الإشارة إلى الفوارق الحادة، التي تجهد هذه الكتابة في توصيفها، بين الأبطال الإيجابيين وهم دائمًا يهود ذوو خصائص نبيلة لا تشوبهم شائبة ومتفوقون ويعملون معًا، وبين الأبطال السلبيين، وهم دائمًا نماذج وحشية، ظلامية، متعطشة للدم، جبانة، خائنة، مبتذلة، مختلسة، ذات مظهر منفّر، زاعقة، بذيئة اللسان، وطبعًا تحمل أسماء مثيرة للهزء، مثل زكي خلطورة ومسطول بندورة وطورطورة وكوكورتشا ومارملدا.. وما إلى ذلك. ولا حاجة للإضافة أن هذا التوصيف التقاطبي حيال »الأشرار المتعطشين للدم« من شأنه أن ينمّي في أوساط القراء الصغار كراهية عمياء للعرب واستهتارًا بقوتهم وفهمهم. وهذه الكتب لا تربي هؤلاء القراء على الاستهتار بالعرب فقط وإنما أيضًا على الاستخفاف بحياة الإنسان لمجرد كونه إنسانًا. السؤال، إذًا، هو: كيف يمكن أن نلجم مثل هذا الخطر الذي يتم تعريض أولادنا له؟ منذ أن بدأت هذه السلاسل العنصرية، الخطيرة والفاسقة، تغمر السوق وتأسر قلوب القراء الصغار علت أصوات قليلة بين الأهل والمربين تدعو إلى خوض حرب ضدها. بعض المربين طالب بفرض رقابة جماهيرية على أدب الأطفال. أنا شخصيًا نشرت في صحيفة »دفار« (عدد 30/10/1965) مقالا »حول الغذاء الروحي الفاسق المقدّم إلى صغار القراء« أنهيته بالعبارات التالية التي أعتقد أنها لا تزال صالحة حتى الآن: »الأغلفة الملونة، الضاجّة لهذه الكتب تصرخ : الحذر، سمّ قاتل! لقد حان الوقت لكي يستفيق الرأي العام على خطورة هذا »المعمل«. في جميع الأقطار تندرج أمثال هذه الكتب في عداد »القوائم السوداء« للمجلات التربوية والأدبية. وهذا الأمر ينبغي أن يتم العمل به عندنا أيضًا. وربما حانت الساعة التي يتعين فيها تشريع قانون خاص يحظر إنتاج وتسويق هذا »الغذاء« الروحي الخطير والفاسق«. حول تأثير الأدب العنصري على موقف الولد اليهودي من العرب ربما يتجوهر أهم ما يقوله الباحث اوريئيل أوفك، في السطور السالفة، في تحذيره من خطورة نشوء نمط معيّن من الإدراك والتفكير يتولد تلقائيًا من مسائل، أشبه بالبديهيات المسلم بها، راسخة في العقل. ولعل أكثر »ميزان« يمكنه أن يفحص النمط المعين هذا من الإدراك والتفكير هو الموقف من الانسان العربي، من حيث أن هذا الموقف يتربى عليه كل يهودي إسرائيلي منذ الصغر ويكبر معه (ويتكرّس، كذلك، بتأثير من الواقع السياسي الاجتماعي الإسرائيلي). فما هي أحكام هذا الموقف؟ وكيف تتولد، بتأثير من الأدب العنصري، لدى الأجيال الفتية؟ هذان السؤالان شكلا موضوع الاستطلاع الذي أجراه المحاضر في جامعة حيفا، البروفيسور ادير كوهين، بين طلاب الصفوف الرابعة والخامسة والسادسة في مدارس حيفا. وقد أرفق الباحث نتائج الاستطلاع بمقدمة كتاب له حول »انعكاس شخصية العربي في أدب الأطفال العبري« (صدر في 1985، عن منشورات »رشفيم«). شارك في الاستطلاع (520) طالبًا حيفاويًا من الصفوف المذكورة طلب إليهم أن يكتبوا حول خمسة مواضيع، وهي: أولاً: ما هي التداعيات التي يثيرها سماع كلمة: عربي؟! ثانيًا: كتابة قصة أو وصف قصير أو موضوع إنشاء حول لقاء مع عربي. ثالثًا: تلخيص كتاب قرأوه وينطوي على وصف للعربي، وشرح مؤثراته عليهم. رابعًا: محاولة شرح أسباب النزاع مع العرب. خامسًا: المجاهرة بآرائهم فيما إذا كان إحراز السلام ممكنًا، وفيما إذا كان ممكنًا قيام حياة صداقة وتعاون مع العرب. كانت حصيلة الاستطلاع ما يلي: 1. مستوى الخوف من العربي عال بشكل مذهل، ففي أكثر من 75 بالمئة من الإجابات ترافقت شخصية العربي مع »خاطف الأولاد« و»القاتل« و»المخرب« و»المجرم« وأشباه ذلك. 2. تجريد شخصية العربي تجريدًا سلبيًا (قولبتها)، وهو تجريد مكرّس في أدب الأطفال العبري، طاغ على الأسئلة الخمسة التي طلب إلى الطلاب الإجابة عليها. ففي حوالى 80 بالمئة من الإجابات تأطرت تشابيه العربي في العبارات التالية: »يعيش في الصحراء« و»صانع الخبز« و»يلبس الكوفية« و»راعي بقرة« و»ذو سحنة مخيفة« و»في وجهه ندبة« و»قذر ونتن« و»تنبعث منه رائحة كريهة« وغيرها. 3. الجهل التام، بين أوساط الطلاب اليهود، لشكل العربي وهيئته وهندامه وتاريخه وعاداته. فبعض الطلاب قال إن العرب »أصحاب شعر أخضر« فيما أكد البعض الآخر أن »العرب لهم ذيول«! 4. تسعون بالمئة من الطلاب يتنكرون لحق العرب في البلاد ويؤمنون بأنه ينبغي قتلهم أو شنقهم أو ترحيلهم. 5. فقط قلائل من الطلاب حاولوا شرح أسباب النزاع مع العرب بقدر مناسب من التفصيل، فيما اكتفى الباقون بجمل مقتضبة ومبتسرة من سياق التاريخ مثل: »انهم (أي العرب) ينوون قتلنا.. وتشريدنا من البلاد.. واحتلال مدننا. وقذفنا إلى البحر«!! 6. غالبية الطلاب الذين يرغبون بالسلام يرون أن »السلام« ينبغي أن يعني تسليم العرب بالسيادة الإسرائيلية على »أرض إسرائيل الكاملة«، بما في ذلك الضفة الغربية وقطاع غزة. بيد أن هذه المحصلة هي النصف الأول من العنصرية التي تضعها الصهيونية في »منبت رؤوس« مريديها منذ الصغر. يبقى النصف الآخر، الذي لا يقل أهمية، وهو ما ورد في إجابات الطلاب على أسئلة الاستطلاع ومواضيعه. ولتقديم أمثلة على هذا »النصف« نقدم، تاليا، نماذج مقتطعة من الإجابات: ردًا على السؤال الأول (التداعيات التي يثيرها مجرد الاستماع إلى كلمة عربي) ردّ (ر.ش) بقوله: »مجرم، وسخ، نتن، راعي بقر، مختطف، لصّ، غريب، فلاّح، عامل بناء«. وكتب (ي.ع): إن »سحنته غريبة، عصبي المزاج وحادّ، ذو شعر أخضر، شرير، مخبول، متشرد«. وكتب ثالث، رفض توقيع اسمه: إنه »عدو، خنزير، لصّ، مخبول، جلده غامق«. وكتب رابع، رفض هو الآخر توقيع اسمه: »يجب أن نقتل العرب.. وان نجلسهم على كرسي كهربائي. وان نعلقهم على أعواد المشانق. وان نطردهم من البلاد. أنا كهانا«. وجوابًا على السؤال الثاني (كتابة قصة أو وصف أو موضوع إنشاء عن لقاء مع عربي)، كتب أحد الطلاب ما يلي: »صعدت إلى الباص.. جلست. صعد إليه عربي. وجلس بمحاذاتي. فكرت فورًا انه يجدر بي أن انتقل إلى مقعد آخر. انتقلت. وانتقل العربي إلى المقعد ذاته، وفكرت انه يخطط ضدي شيئًا ما. همّ العربي بالنزول، لكن السائق منعه وقام باستدعاء البوليس، الذي ساقه إلى السجن«. وكتب الطالب (ي.ع): »عندما سافرت إلى القدس جلس بمحاذاتي صبي عربي كان ينتعل حذاءً ممزقًا ويرتدي ملابس رثة. كان لونه أسود وتنبعث منه رائحة كريهة. فقمت من جواره لأنني لا أريد أن أجلس بمحاذاته«. وكتب (ج.ل.): »سافرت في الباص، وفجأة جلس بمحاذاتي صبي عربي.. هممت أن أقوم، فقال انه سيمسني بسوء. رأيت أن بحوزته سكينًا حادًا. فجأة وقفت على قدميّ. فأخرج الصبي العربي السكين وحاول أن يقتلني. أسقطته أرضًا وأخذت السكين. فجأة لمحت شيئًا مشبوهًا. فنقلت الأمر إلى سائق الباص، الذي اتصل فورًا بالبوليس، وجاء البوليس فطلبت منه أن يحقق مع الصبي العربي. وفي التحقيق كشف العربي عن مكان سكناه. وقام البوليس بسجنه وأفراد عائلته لمدة عشر سنوات ثم أخلى سبيلهم«. ولدى توقف الباحث عند أدب الأطفال العبري وتاثيره على القراء (وهو موضوع السؤال الثالث في الاستطلاع) يخلص إلى القول انه ضمن حصيلة كتب الأطفال المعروضة في السوق حتى تاريخ إجراء الاستطلاع والتي يقبل عليها »القراء الصغار« لا تزال غالبية هذه الكتب تشوّه شخصية العربي وتنمي بين أوساط قرائها مشاعر الكراهية للعرب والاستخفاف بقوتهم وبمقدرتهم العقلية. ويرد الباحث ذلك إلى واقع انه في الخمسينيات والستينيات كان الاتجاه الطاغي، بشكل تام، على أدب الأطفال العبري هو اتجاه تشويه شخصية العربي. أما في السبعينيات (وتحديدًا في أعقاب حرب اكتوبر 1973)، والثمانينيات، فبتنا نجد بعض القصص النادرة التي تحاول أن تقدم بطلاً عربيًا يمكن أن يكون ذاته الإنسانية، فاتحة الباب بذلك لتحول بسيط صوب التعامل مع شخصية العربي كإنسان وصاحب حق. ومن هذه الكتب النادرة أعمال دفوره عومر وبنيامين تموز ودوريت اورغاد وموشيه بن شاؤول. الا أن هؤلاء الكتاب يؤكد الباحث حاولوا في قصصهم أن يتعاملوا مع العربي بضوء ايجابي في مواجهة نوع من حالة توبيخ الضمير (شعبهم يضطهد شعبًا آخر)، أو في سبيل دفع ضريبة كلامية والتظاهر بالليبرالية. ولهذا طغت على نتاجهم سمات الصنعة والافتعال. وبدا العربي في هذا النتاج شيئًا من أشياء الطبيعة يحبّه البعض كما يحبّ زهرة برية. ولم تحمل شخصيته خصائص الحركة الفردية المستقلة، بل ظل يتحرك في إطار الشخصية العربية المستحضرة لأغراض إسرائيلية محضة، أغراض انتقاد المجتمع الإسرائيلي. مقابل هذا الاتجاه، وعلى النقيض منه، بدأت تتغلغل في قصص المغامرات الرائجة أفكار »أرض إسرائيل الكاملة«! فالبطل المحوري لقصة »الرياضيون الصغار عائدون« لافنير كرميلي هو صبي يعيش مع والديه وأخوته في مستوطنة كولونيالية في الضفة الغربية المحتلة. والأمنية الخفية، التي يطوي أضلاعه عليها، هي أن يزداد هنا وهناك، في الضفة الغربية، انتشار المستوطنات الكولونيالية بحكم أن »أية قوة في العالم ليس بمقدورها أن تقتلع شعبًا من وطنه«! ويشير بحث البروفيسور كوهين إلى ان غالبية كتاب قصص المغامرات اليهود يحملون أفكارًا مماثلة لأفكار افنير كرميلي. والبعض منهم، الذي لا يوظف شخصية عربية، يضمن قصصه تشابيه مهيأة سلفًا توحي بموقفه من العربي. ومن هذه التشابيه: »الرائحة العربية« و»العمل العربي« و»التصرف مثل العربي« وغير ذلك. ويؤكد ان تأثير تلك الشابيه على تكوين وعي الأطفال الصغار مماثل للتأثير الذي يمارسه اتجاه تشويه شخصية العربي بشكل مباشر. ويضيف كوهين ان قراءة هذا الأدب الفاسق هي ظاهرة عامة. ويكاد كل فتى يهودي في إسرائيل يقرأ هذه القصص، وتتكون لديه فكرة مسبقة، وحشية وخطيرة، عن الإنسان العربي، تكبر معه وتتكرس. أما بالنسبة للسؤال الرابع (أسباب النزاع مع العرب) فقد أبدى الطلاب اليهود جهلاً مطبقًا في معرض الإجابات عليه. ويؤكد الباحث ان الجهل هو دفيئة جيدة لنمو الأفكار المتطرفة الجامحة. وأخطر ما في هذه الأفكار المتطرفة الموقف من السلام، وهو موضوع السؤال الخامس والأخير في الاستطلاع. كتبت احدى الطالبات ردًا على هذا السؤال: »حسب رأيي يستحيل أن نتوصل إلى سلام، لأن العرب يكرهون اليهود«. واللافت للنظر، في هذا الصدد، أن عشرة بالمئة فقط من الطلاب قالوا انهم يريدون السلام. واستنكفوا عن تفصيل شروطه ومواصفاته وإمكانات تحقيقه. أما الرأي المناقض لذلك، فهو ما عبر عنه الطالب (ع.ك) الذي كتب يقول: »حسب رأيي يجب طرد العرب من البلاد، اذا استمروا في سفك دم اليهود لمجرد كونهم يهودًا. يجب طرد عائلة العربي ومن ثم طرد قريته برمتها. العرب هم بغالبيتهم كارهون لنا ولا نستطيع التوصل إلى سلام معهم لأنهم يعتقدون بأننا أخذنا أرضهم. أعتقد انه يجب نقلهم إلى أية دولة ممكنة، لأن لهم عدة دول عربية ولنا فقط دولة واحدة. وبسبب سفك الدماء في هذه البلاد يظهر أشخاص مثل كهانا ويطالبون، بحق، بطرد العرب من البلاد«. وفي نهاية الاستطلاع يقول الباحث ان الواقع الذي أظهره يحبطه ويبهظه. ويعلن كفره بمقدرة الأساليب التربوية المتبعة في المدارس اليهودية على أن تشكل »بديلاً انسانيًا« لهذا الأدب الفاسق. ان مرد إحباطه حسبما يؤكد هو ان أدب الأطفال العبري يفرض على الأطفال اليهود واقعًا يتربون في ظله، دون عيشهم طفولة ساذجة بريئة. فضلاً عن انه ينمي في نفوسهم مشاعر القلق والخوف من المستقبل. العنصرية في أدب الأطفال »أفنير كرميلي« هو الاسم المستعار للكاتب الإسرائيلي شراغا غفني. ألّف عشرات الكتب الخاصة للأطفال والفتيان الأماليد الممهورة بتوقيعه الصريح وبخمسة أسماء مستعارة هي: »أفنير كرميلي« (وهو الاسم المستعار الاكثر شهرة له بين سائر أسمائه المستعارة) و»إيتان درور« و »أون شريغ« و »يغئال غولان« و»إيتان نوتيف«. ولتوسيع دائرة الضوء حول هذا الكاتب نستعين بمقابلة مطولة أجراها محرر مجلة »مونيتين« الاسرائيلية الشهرية، رون مايفرغ، مع شراغا غفني بالتزامن مع تزايد وتيرة الاهتمام بالعنصرية في أدب الاطفال (نوفمبر 1981). غفني كما يعرفه المحرر هو أحد رجال »أرض اسرائيل الكاملة«. في سن 16 عاماً، تطوّع للخدمة في صفوف منظمة »الليحي« (احدى المنظمات الارهابية الصهيونية التي انشقت عن »الاتسل«). وقد حفر تأثير ابراهام شتيرن (يائير)، قائد هذه المنظمة الذي مات مقتولاً، بصماته العميقة عليه. يقول غفني إن مقومات رؤيته السياسية مصدرها في رؤية شتيرن الأصلية وبوحيها يكتب قصصه ويبني أنماط شخوصها. يرصد كرميلي في حكاياته كما كتب محرر »مونيتين« دولة اسرائيل كما لو أنها أرض العبرانيين القديمة. »انه يتطلع الى قيام البعث العبراني في أرض العبرانيين كلها من الفرات حتى النيل. انه يرى فيها مصدر الحياة للانسانية جمعاء ومناراً للأغيار«. في سن (43) عاماً بدأ غفني في دراسة موضوع التاريخ في جامعة بار إيلان. ويفسح المحرر المجال أمام غفني ليسرد بيوغرافيته: »ابن 55 عاماً، من قدامى »الليحي«. أب لثلاثة وجد لأحفاد. التاريخ، عملي الأساسي. يرى نفسه خارج ما يسميه »النطاق التقليدي« للكتاب الاسرائيليين.. يرى نفسه كاتباً عبرانياً يخدم، في نتاجه، مثل الانبعاث العبري للأمة العبرانية الشابة الآخذة بالنمو في البلاد. لا يرى في هذه الأمة استمراراً للأمة اليهودية في المهاجر وانما هي انبعاث واستمرار للأمة العبرانية التوراتية التي أضفت على بلاد العبرانيين خصوصيتها وعظمتها في التاريخ« (بحساب بسيط يتبين أن غفني من مواليد 1926). ويشدد المحرر على أن مؤلفات كرميلي القصصية ونتيجة لسرعة انتشارها واتساع نطاق المنكبين على قراءتها تؤدي دوراً في مخاطبة وعي الطفل اليهودي (القارئ) أكثر بما لا يقاس من كتب التاريخ التي يجري تعليمها في المدارس اليهودية حسب مناهج وزارة المعارف والثقافة الخاصة بالطلاب اليهود (والتي لا تخلو هي ايضاً من عناصر التشويه والتزييف). وقرأ كرميلي على مسامع محرر »مونيتين« مقطعاً من مقال يختزل رؤيته السياسية كان كتبه إبان دراسته الأكاديمية وضمنه بعضاً من أفكاره الآنفة الذكر. وجاء في هذا المقطع: »أرض العبرانيين، وأرض اسرائيل هي جزئها الجنوبي، الممتدة على ضفتي الفرات وعلى ضفتي نهر الأردن في مفرق العبور واللقاء بين آسيا وأوروبا وافريقيا وفي قلب الانسانية، هي في تمامها وحدة ثيوقراطية وسياسية، ما معناه وحدة سياسية طبيعية واحدة، هي مركز العالم. اذا أصبحت موحدة يصبح بمستطاع شعوبها التي تعيش فيها أن تستثمر كل منافعها السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والثقافية من أجل عظمة وازدهار الوطن المشترك لصالح كل أبنائه والمخلصين له«. بوحي هذه »الرؤية« كتب شراغا غفني حكاياته للأطفال، وبوحيها ايضاً قال إنه يستعد لكتابة غيرها.. ولكتابة حكايات للكبار أيضاً. والمقصود ب»الكبار« هنا، كما يوضح ذلك بنفسه، اولئك الصغار الذين كبروا على حكاياته ويعتمد على انه عبأهم »رؤياه« التي سيضمنها مؤلفاته القادمة. نبدأ الغوص على »أفكار« كرميلي من خلال التعرض الى بعض كتب سلسلة قصصه حول »فرقة البحارة« التي ترصد، حسبما جاء في تظهير كل كتاب، لمغامرات »أفراد الفرق السرية العبرية من أجل إقامة اسرائيل وعملياتهم الماحقة ضد العرب«. وتسرد كل قصة »عملية بطولية« تقوم بها هذه الفرقة ويرى الكاتب أنها تجلب الفخار للنشء الاسرائيلي الجديد وتبرز أمامهم الخلفية التي مهّدت لإنشاء دولة اسرائيل. كانت الصهيونية تنهدف إلى الإثبات، خلال عملية تشويه مفضوحة، بأن فلسطين لم تكن سوى أرض خالية من السكان عبارة عن »بلاد قاحلة تملأها الحشرات والمستنقعات«. كتب موشيه سميلانسكي في صحيفة »العالم«، 29/1/1914 يقول »وصفت دعاية الفكرة الصهيونية منذ نشأتها البلاد التي سنتوجه اليها كبلاد خربة ومهجورة التي تنتظر الخلاص بفارغ الصبر«. وفي محاولتها لإثبات هذا الهدف لم تستطع الصهيونية ان تنفي كلية حقيقة وجود شعب عربي فلسطيني يقيم فوق هذه الأرض. وأوقعها هذا في تناقض حاولت تجاوزه من خلال تركيز نصوصها على الحديث عن شخصية العربي او البدوي، لا العربي الفلسطيني، مع التأكيد على افتقار الروابط بين هذا العربي أو البدوي وبين أرضه. في محاولتها لنفي حقيقة وجود شعب عربي فلسطيني ولتنفيذ سياستها الاستيطانية الكولونيالية، التي كانت مبنية على الفرضية المفارقة للواقع حول »شعب بلا أرض وارض بلا شعب«، لجأت الحركة الصهيونية الى اتباع المبدأ الاستعماري »فرّق تسد« في تعاملها مع أبناء هذا الشعب والى الحديث عن ملل وطوائف خلال طمس الروابط القومية التي توالف في ما بينها. فهي تتحدث عن العرب والمسيحيين تارة وعن العرب المسلمين والدروز طوراً. وأبرزت في العديد من أدبياتها ما أسمته »حلف الدم« القائم بين اليهود وأبناء الطائفة الدرزية وردته الى عوامل دينية مختلقة وملفقة. وقد خصص أفنير كرميلي جزءاً كاملاً من سلسلة حكاياته آنفة الذكر حول »فريق البحارة« لهذا الموضوع. في هذا الجزء »البحارة في عملية ساحقة« يطل علينا البطل »الدرزي« الذي يرى فيه العربي (حسب النموذج الكرميلي) »انه غير مخلص له، مثل بقية الدروز الذين يميلون الى اليهود« (ص 23). ولهذا قام العرب بقتل اخيه وبخطف ولده رهينة من أجل الضغط عليه للقيام بمهمة التجسس على فريق البحارة. أما اليهودي، فيرى في الدرزي »أنه ليس عربياً، يخون شعبه ويعطينا المعلومات لقاء حفنة من الأموال، انما هو إنسان درزي من قرية دالية الكرمل«.. وهو يكره العرب كرهاً مقيتاً لأنهم قتلوا اخاه بسبب رفضه دفع الضرائب »التي يفرضها زعماء العصابات العربية على كل المنطقة« (جبال الكرمل) (ص11). ولا يكتفي كرميلي بهذا القدر من تفريغ شخصية بطله »الدرزي« من أي مضمون قومي او إنساني، فهو يفرد فصلاً خاصاً (ص 67 68) تحت العنوان »الدرزي رزق منصور« لتعريف الطفل اليهودي على الدروز فيكتب: »رزق منصور (وهو اسم »البطل الدرزي« في هذه الحكاية) هو درزي والدروز كما هو معروف هم قبيلة من المقاتلين الشجعان. تتوزع قراهم من جبل الدروز في سوريا وحتى جبل الكرمل في ارض اسرائيل. وعدد افراد هذه القبيلة قليل. فهو لم يزد البتة عن ربع المليون نسمة. وكثيراً ما حاول العرب المسلمون ان يصغروا من شأنهم وأن يستعبدوهم. لكن الدروز الفخورين عرفوا دائماً كيف يردون الضربة لضاربها وكيف يحبطون كل من تسول له نفسه مهاجمتهم«. »وكان في أرض اسرائيل في تلك الأم العصيبة حوالى عشرة آلاف درزي سكنت اكثريتهم في الجليل. وفي جبل الكرمل سكن الدروز فقط في قريتين هما عسفيا ودالية الكرمل. وكانوا معزولين عن اخوانهم في الجليل وجبل الدروز. ولهذا زاد العرب المسلمون، جيرانهم، الضغط عليهم أكثر من اية بقعة اخرى في البلاد. وطالبوهم بالمشاركة معهم في حربهم ضد اليهود وبإرسال ابنائهم مع كامل عدتهم الحربية للخدمة في صفوف عصابات المحاربين العرب او بدل ذلك (ولأن الدروز رفضوا بإصرار التعاون مع العرب في حربهم ضد اليهود الفخورين والصناديد) ان يدفعوا ضرائب باهظة لزعماء العصابات العربية«. »واضطرت غالبية الدروز القلائل، الذين عاشوا في جبل الكرمل، الى الخضوع لمطلب زعماء المحاربين العرب الكثار وان تدفع لهم الضرائب حسب رغبتهم. وفقط الفخورون والاكثر شجاعة بين اوساط الدروز في الكرمل رفضوا دفع الضرائب المذكورة للعرب. وبين هؤلاء الفخورين والشجعان كان أفراد عائلة منصور من دالية الكرمل. وفي أحد الأيام قدم حوالى مئتي رجل من أفراد العصابات العربية الى هذه القرية وحاصروا المنطقة التي كان يسكنها أفراد عائلة منصور وقبضوا على شقيق رزق منصور البكر وقتلوه رمياً بالرصاص عقاباً له على رفضه دفع الضرائب لزعيمهم حمدان فارس الفوقا. وبعد ذلك هددوا بقية أفراد عائلة منصور بأن مصيرهم سيكون مثل مصير المقتول فيما لو واصلوا مخالفة الاوامر. وحينما أيقن أبناء عائلة منصور، وبضمنهم رزق، ان ليس بمقدورهم الوقوف في وجه جماهير المحاربين العرب على ضوء كونهم معزولين وبعيدين عن بقية الدروز والاستمرار في تحمل هذه المرارة دفعوا للعرب الضرائب المفروضة عليهم. لكن شهوة الانتقام من الأفراد الذين قتلوا ابن عائلتهم بقيت مضطرمة في نفوسهم. واتقدت شهوة الانتقام هذه بشكل خاص في قلب رزق منصور الشجاع«. ولكي يؤكد المؤلف لقارئه الصغير عمق الهوة القائمة بين »العربي« و»الدرزي« فإنه يجرّ بطله »الدرزي«، في سياق مقتضب للأحداث، الى التضحية بابنة الرهينة في أيدي العرب من أجل إهدار دمهم وحفظ دم اليهود. ويرد كل هذه العملية الى »شرف الدرزي« الذي يلح عليه كما تصور الحكاية أن يبقى مخلصاً لليهود بأي ثمن وان يدير ظهره للعرب!!! (*) باحث فلسطيني من الناصرة

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة