As Safir Logo
المصدر:

تعرفتْ في رحلة طائرة إلى الشيخ البهائي الذي خرج ومعه نظرية ولاية الفقيه من لبنان الى إيران دلال عباس: سروش يرى أن الحكام من رجال الدين يتصرفون كآلهة لا عبيد لله

دلال عباس مع عبد الكريم سروشب#X
المؤلف: الامير رشا التاريخ: 2002-08-16 رقم العدد:9276

ذات صدفة، التقت دلال عباس، يوم كانت برعما أكاديميا يتلمّس طريقه، بالقارة الفارسية، ومنذ ذلك اليوم وهي إحدى الساعيات ليكون تطبيع عربي فارسي. يدين قرّاء اللغة العربية للدكتورة دلال عباس بتعريفهم الى بهاء الدين العاملي الفقيه اللبناني المولد الذي لعب دورا هاما في إيران الصفويين والى عبد الكريم سروش مارتن لوثر العالم الاسلامي كما يحلو لمريديه ان ينادوه، كما يدين لها تلاميذها في المدرسة والجامعة وزملاؤها وقراء كتبها، بحماستها التي لا تنضب وشغفها القادر على زحزحة الجبال. بسبب دلال عباس يبدو حوار العرب والفرس افتراضا ممكنا، ودربا هي إحدى الساعيات لتمهيدها. بمناسبة صدور ترجمتها لكتاب القبض والبسط في الشريعة عن دار الجديد ومنتدى الحوار العربي/ الايراني حاورت رشا الأمير لملحق »السفير« الدكتورة دلال عباس. منذ سنوات ودلال عباس تجتهد في اطار عملها الاكاديمي للتقريب بين الحضارتين العربية والفارسية، فهل لنا ان نسمع منك قصة لقاء ابنة النبطية وأستاذة الأدب العربي اليافعة »بالقارة« الفارسية؟ { في أثناء دراستي الجامعية أحببت اللغة الفارسية، ولكنني كنت على علاقة حميمة بالأدب الأندلسي، وقد تظهّر هذا الوله، لما اخترت المرأة الاندلسية موضوعا للرسالة التي أوصلتني الى رتبة المجاستير. كانت الأندلس في تلك الحقبة من حياتي، في أواسط السبعينيات، قبلتي ومتوجه جميع أنظاري الاكاديمية، وكنت بالطبع أخطط لأطروحة الدكتوراه وأنوي اختيار موضوع أندلسي صرف يتيح لي سبر كتب كانت تستحوذ على الكثير من وقتي وحماستي. بين الاكاديميين اللبنانيين تصنفين اليوم »شرقا« لا »غربا«، اي انت تخليت ذات يوم عن اهتمامك الأندلسي، وفضلت عليه الايراني الذي يدنيك من بلاد فارس ولا يبعدك عن جبل عامل، وأضحى رفيق حياتك الاكاديمية بهاء الدين العاملي. كيف التقيت بهذا الرجل المتعدد المواهب المثير للجدل الذي كان له الفضل في وصولك الى عبد الكريم سروش في ما بعد. { في العام 1977 انتقل زوجي للعمل في إيران، وأتيحت لي فرصة مرافقته والتعرف الى إيران الشاه. ولما كنت غير معتادة على المكوث عاطلة عن التفكير والعمل سارعت الى نقل اوراقي الاكاديمية من لبنان الى طهران، واجتهدت لإتقان اللغة الفارسية، تلك التي كنت قد درست أسسها في الجامعة اللبنانية في مرحلة الاجازة. بسرعة تمكنت من قراءة الصحف الايرانية ومن متابعة البرامج التلفزيونية، ولما ارتحت الى وضعي اللغوي، أخذت أفكر بموضوع لأطروحة الدكتوراه. وشاءت الصدف ان التقيت بشابة إيرانية من مدينة أصفهان قالت لي مداعبة حين عرفت أنني من جنوب لبنان »أنت قريبتي«، فسألتها كيف ذلك أخبرتني انها تعيش في شارع اسمه »درب أمام« في أصفهان حيث كان منزل الشيخ البهائي. بصراحة، قبل لقائي بهذه الصبية لم يكن الشيخ البهائي الذائع الصيت في إيران من معارفي الاكاديميين. سألتها عنه، أخبرتني ان أصله من جبل عامل، وأن مزاره موجود في مدينة مشهد في الصحن المفضي الى حرم الإمام الرضا. ثم أخبرتني القصة التي يتناقلها الايرانيون عنه والمعروفة ب»قصة الشمعة«. فالبهائي عدا مآثره الفقهية والادبية كان عالماً: فقد تمكن من تسخين مرجل ماء في أحد قصور الشاه عباس بشمعة واحدة أوقدها في أتون الحمام الملحق بالقصر... بدت لي قصة الشمعة هذه عجائبية علما انها ظلت، بحسب الرواية الشعبية، مشتعلة زهاء مئتي عام حتى أتى الانكليز وأطفأوها. حدثتني رفيقتي الأصفهانية عن مآثر عجائبية اخرى تنسب الى الشيخ البهائي، أقرب الى الخيال منها الى الواقع... ثم تبيّن لي حين اهتممت بالموضوع ان البهائي شخصية وطنية إيرانية إن صح القول، فما من ايراني لم يسمع به. وهكذا، وبالصدفة المحض، أخذت على نفسي التعرف إليه والتعريف به. اطروحتك التي نشرت بعد سنوات من مناقشتها، اي في العام 1995، تسلّط الضوء على البهائي، وكذلك ترجمتك لكتابه »التدين والنفاق، بلسان القط والفأر« الذي صدر بعد عام من صدور الكتاب الاول، فهل لنا ان نستفيد منك للتعرف الى ذلك العالم الموسوعي؟ { تعود أسرة بهاء الدين العاملين الملقب ب»البهائي« الى جبل عامل والى قرية جباع التي تقع الى الجنوب الشرقي من مدينة صيدا، وإليها ينتسب عشرات الفقهاء الذين خرجوا من جبل عامل وانتشروا في بلاد الله الواسعة. ولد في بعلبك في العام 953ه 1546م، حيث كان والده معلما فيها وكان في السابعة من عمره حين هاجر أبوه مصطحبا عائلته كلها الى إيران. ارتبط اسمه باسم الشاه عباس أهم ملوك الدولة الصفوية وأقدرهم، يتردد اسمه باستمرار حين يزور المرء أصفهان، فبصماته حاضرة في الآثار العمرانية التي ما زال بعضها قائما حتى اليوم. والبهائي فقيه مجدد اجتهادي، عمل جهده للتقريب بين المذاهب، وللتعريف بالتشيع الاثني عشري المعتدل البريء من مظاهر الغلوّ، منتقدا الجمود والتقليد ومتزمتي الفقهاء ومتطرفي العرفاء. وهو أول من كتب بالعربية كتابا في النحو الميسر: »الصمدية في النحو«، اما كتابه الآخر »خلاصة الحساب« فقد اعتمد منذ أربعمئة عام وحتى النصف الاول من القرن الماضي لتدريس الرياضيات والحساب في مختلف مدارس إيران، وكان مقررا ضمن منهج الدراسة في النجف الاشرف حيث لخص في هذا الكتاب مسائل الحساب والجبر وعلوم المساحة التي كان قد فصلها في كتابه المفقود: »بحر الحساب«، كما قدم قواعد وفوائد لتسهيل أعمال المحاسبة. وهو أول من قدم كتابا في الفقه الميسّر، وقد ظل كتابه »جامع عباس«، أكثر كتاب فقهي تداولاً في إيران والهند. فالكتاب بالفارسية ولم ينقله أحد الى العربية. وقد قصد الشيخ البهائي من اعتماده اللغة الفارسية البسيطة والمباشرة، تعريف عامة الناس في إيران بأحكام الدين كي لا يظل فهم أمور الدين منحصرا بالنخبة التي تعرف العربية. كان البهائي شاعرا باللغتين العربية والفارسية، وقد بزّ معاصريه، وأسدى خدمة الى الثقافتين العربية والفارسية بتطوير النظم في كل منهما باعتماده في كل منهما وزناً من أوزان الاخرى. فقد نظم كثيرا من شعره العربي على طريقة الرباعيات الفارسية كما انه نوّع في أوزانه وقوافيه في عدد كبير من قصائده. وكان شعره الفارسي أرقى من شعر معاصريه، بلغ في بعض قصائده الى مصاف الكبار كسعدي وحافظ والمولوي، وهو أول من نظم الشعر الفارسي على بحر »الخبب« وهذا الوزن لم يكن معروفا عن الشعراء الفرس قبل البهائي. وعلى الصعيد الفكري فقد عمل البهائي على جبهتين: 1 مواجهة الفقهاء القشريين. 2 مواجهة المتصوفين الطرائقيين. ولاية الفقيه أطروحة ولاية الفقيه التي قامت على أساسها الجمهورية الاسلامية في إيران تعود إذن الى نظرية النيابة عن الإمام، والطريف ان مصدر النظرية لبنان لا إيران، هل من الممكن تفصيل الكلام على هذه القضية للقارئ العربي المهتم بالشأن الايراني؟ { ان نظرية »النيابة العامة عن الائمة« طرحها للمرة الاولى الشيخ المفيد (413ه 1022م) بديلا من نظرية »الغيبة والانتظار« التي كانت قد برزت في الفقه الاثني عشري منذ أوائل القرن الثالث الهجري، والتي جمّد على أساسها الفقهاء فرائض: الجهاد، وإقامة الحدود والنهي عن المنكر، والزكاة والخمس. وقالوا ابتداءً من القرن السادس بعدم وجوب صلاة الجمعة في عصر الغيبة. اجتهد الشيخ المفيد لإخراج الشيعة من مسكنتهم التي طال أمدها، من خلال دعوته الى تفويض الائمة للفقهاء إقامة الحدود في عصر الغيبة، ومع ذلك لم يكن مؤمناً بقيام دولة إسلامية في غياب الإمام المهدي، لذلك رفض الحكم حين عرضه عليه البويهيون. لقد اعطى هو وعلماء مدرسة الحلة أدوارا اجتماعية للفقيه لكي يقوم بجباية الاموال من الاغنياء وصرفها على الفقراء والمحتاجين. الخطوة الثانية خطاها العلامة الحلي (647ه 736ه) الذي فتح باب التقليد. الخطوة الثالثة خطاها الشهيد الاول محمد بن مكي (1382م)، الذي طور نظرية النيابة العامة من القضاء والحدود والزكاة الى صلاة الجمعة، وكذلك فعل الشهيد الثاني وتلامذته. ولكنهم جميعا لم يفتوا بالجهاد وإقامة الدولة في غياب المعصوم. أما الذي طبق هذه النظرية عمليا فهو المحقق الكركي. البهائي وسروش كما عرّفت القارئ العربي ببهاء الدين العاملي، تعرّفينه اليوم الى فكر عبد الكريم سروش، ما هي الصلة بين الاثنين؟ { البهائي كما ذكرت كان مجددا، وكان من التيار الاجتهادي الذي يعتمد، الى جانب القرآن والسنّة الصحيحة، على العقل، اي إخضاع المرويات للقرآن وللعقل، وهو مناهض للتيار الإخباري الذي يقبل المرويات بقضّها وقضيضها دون تمحيص، ويعتمد ظاهر النصوص. لم يسلم البهائي في عصره وبعد عصره من انتقاد بعض العلماء له. انتقده المجلسي الثاني صاحب بحار الأنوار وآخرون كثر أذكر منهم الحر العاملي (1033ه 1104ه) وهو عاملي مثله، كان إخباريا صرفا لا يوثق للشيخ البهائي حتى إنه رفض شهادة أحد الطلبة حين علم انه يقرأ »زبدة الاصول« للشيخ البهائي، وطعن به بعض علماء القرن الثاني عشر لآرائه الاجتهادية. في حياته انتقده الإخباريون الذين يصرون على رؤية الهلال بالعين المجردة لانه أفتى بالرؤية بواسطة المراصد. سروش ايضا كالبهائي من حيث تنوع ثقافته، مختص بالكيمياء وعلوم الصيدلية ودرس التاريخ والفلسفة وعلم الكلام، وأسلوبه أدبي ومرجعياته اسلامية وعرفانية. وقد أثار جدلاً لا يزال محتدماً حوله وحول ما طرح من أفكار. ما هو الدور الذي لعبه سروش على الساحة الثقافية الايرانية؟ وما تأثير مقولاته في تحولات المشهد الثقافي الايراني؟ { لا بد من الاشارة أولا الى ان سروش يصدر في مقولاته وأطروحاته عن مرجعية دينية اسلامية، اي انه ينتمي الى فضاء الثقافة الاسلامية. وهو قد نما وتطور داخل هذا الفضاء. وعندما أرادت الثورة إصلاح التعليم الجامعي وإعادة هيكلته بما يتلاءم وينسجم مع فكرها وأهدافها وتطلعاتها، كان سروش واحدا من الذين اختيروا لهذه المهمة، بتوصية من الإمام الخميني، ولتوصية الإمام تلك دلالة على ثقة وتقدير النظام الجديد لسروش عالما وفقيها. إن انتماءه الى الحجتية (وهي فرقة من الفرق الشيعية التي تقول بوجوب انتظار الحجة الغائب وترفض تأسيس اي دولة قبله، وترى ان كل راية قبل رايته هي راية ضلال)، ومن ثم خروجه من هذه الجماعة دليل على ان هذا الرجل مهجوس بالسياسة والعمل السياسي، وهذا ما دفعه بعد ذلك للعمل مع جمعية الشباب المسلم أثناء دراسته في لندن ولكنه سرعان ما فارقها لخلافات معها. مع انتصار الثورة، عاد سروش الى إيران، فاعلا ومتفاعلا معها، وعاملا في مواقع ثقافية اساسية ومؤثرة (مراكز دراسات وتخطيط، وأستاذا محاضرا في الجامعة والمستويات الثقافية فضلا عن كتابته في المجلات والصحف). ويبدو ان اول خلاف حاد وقع بين سروش والملالي الممسكين بزمام السلطة ومواقع القرار، تمثل في كتابات وآراء نقدية قاسية طاولت الحوزات الدينية، وهي المؤسسات الأهم والأخطر في النظام الجديد، فاعتبرها مؤسسات عقيمة لا تنتج علما ولا علماء، بل نراه يتعجب كيف أنتجت الحوزة رجالاً أمثال السيد محمد باقر الصدر والشهيد مرتضى المطهري. استثار هذا النقد حفيظة آيات الله ورجال الدين واستفزهم، فدارت سجالات حامية على صفحات الجرائد بينه وبينهم، كان فيها الكثير من التجريح والتشهير والاتهامات المتبادلة، فدخل سروش بؤرة الضوء والمتابعة، والتفت حول مقولاته النقدية أعداد كبيرة من المثقفين وطلاب الجامعات التي كان يحاضر فيها، وأثارت مقالاته في الصحف والمجلات، لا سيما مجلة كيهان، التي كان أحد أركانها الاصليين، نقاشا واسعا، وأحدثت صراعا ثقافيا في الساحة الثقافية الايرانية، وأصبح لسروش أتباع وتلامذة وحواريون، حتى بات يلقب بشيخ الطريقة. ومن أهم الاطروحات التي أطلقها في عقد الثمانينيات علاقة الدين بالسياسة، وهي من المحظورات، والمناطق الحرام الخطرة والمتفجرة في نظام يقوم على الدين ويستمد مشروعيته منه. كان عبد الكريم سروش يرفض ان ينسب فكره الى السياسة، فهي تهمة لطالما حاول ردها وإلغاءها عن نفسه، وكان يحلو له ان تصنّف أعماله في دائرة الفكر. فهو مفكر ومشتغل في الفلسفة ومجاله عالم الافكار. وربما لأنه لم يرد التصادم مع السلطة، داور وخاتل وتحايل ونقل سجاله ونقده من دائرة الكلام السياسي المباشر ومن الفكر السياسي الى الكلام في فلسفة الدين وتجديده، وهو مما لا شك فيه، كلام خفي في السياسة، تشهد عليه تلك المنظومة الاخلاقية التي طرحها بالتأسيس على تقسيم الاخلاق الى أخلاق آلهة وأخلاق عبيد (عبيد الله). فهو يرى ان أخلاق البشر التي يجب ان يتحلوا بها هي أخلاق العبيد، أما أخلاق الآلهة فهي محصورة ومختصة بالله فقط. وإشكاله على الأخلاق السائدة، لا سيما لدى الفئات الحاكمة، والغالب عليها رجال الدين، أنها كانت أخلاق آلهة، اي ان هؤلاء كانوا يتصرفون كآلهة منزهين آمرين متحكمين، ولكي يستقيم الوضع العام ينبغي ان يرجعوا الى ما يناسبهم من أخلاق، أخلاق العبيد. أما مقولته الأخرى، فهي تصوره للدين والمعرفة الدينية والفرق بينهما. ووصل المطاف بعبد الكريم سروش الى القول بضرورة فصل الدين عن الدولة، وابتعاد رجال الدين عن السياسة، ذلك انه يعتبر، وهو العرفاني، ان الدين تجربة شخصية. هذه الافكار وكثير غيرها حرّكت العقول وحثتها على التفكير وإعادة النظر في المسلّمات، لا سيما انها ترافقت مع انتهاء الحرب العراقية الايرانية، التي كانت تشغل الساحة الفكرية الايرانية. بالطبع، لم يكن عبد الكريم سروش المفكر الوحيد او اللاعب الوحيد على الساحة الثقافية الايرانية المشتغلة في النقد وإعادة البناء، فقد كان لنظرياته وآرائه ما يقابلها او يتقاطع معها او يعاديها. فمن المبرزين على الساحة الايرانية والخائضين معركة التجديد والنقد آنذاك، شخصيات لها وقع وتأثير كبيران. وإن لم يكن عبد الكريم سروش، كمفكر تجديدي، لاعبا وحيدا على المسرح الثقافي الايراني، فإنه كان الاكثر استفزازا في ما يطرح، الامر الذي عرضه في محطات عدة للتهجم الذي تعدى الرد الفكري الى المواجهة الشخصية من قبل بعض الاحزاب او الجماعات الطلابية التي كانت تعترض سبيله الى إلقاء المحاضرات وتمنعه منها او ترشقه بالبندورة والبيض او تشوّش عليه في المحاضرات الى ان تنزله عن المنصة. وما يؤسف له أننا لا نعرف الا القليل عن نتاجه التجديدي الغزير في الفكر الديني، الذي فرض التفكير فيه انخراط المنظومة الدينية الشيعية في العمل السياسي وممارسة السلطة، ولولا هذا الانخراط لظلت هذه المنظومة مجرد نسق فكري متعالٍ على النقد والمساءلة والمراجعة. أما مرد عدم المعرفة ذاك فسببه الانقطاع شبه الكامل بين العالمين العربي والفارسي على مختلف المستويات وخاصة المستوى الثقافي والفكري. هل لك ان تعرّفينا بكتاب »القبض والبسط« لسروش وهل هو أول كتبه أم آخرها؟ { ليس أول كتبه ولا آخرها، هو مجموعة محاضرات حول علم الكلام الجديد، ويتضمن عصارة رأيه بالدين وبالمعرفة الدينية. فحوى نظريته ان المعرفة الدينية واحدة من المعارف البشرية، وأن الدين متميز من المعرفة الدينية. انها تفصل بين الشريعة وفهم الشريعة. فالشريعة عبارة عن مجموعة من الاركان والاصول المنزلة على النبي اضافة الى سير الأولياء وسننهم، أما المعرفة الدينية فهي فهم الناس للشريعة، ولها هوية جمعية، اي انها غير محصورة بالمتعاصرين. انها جهد انساني وهي غير الشريعة، وهي على الرغم من انها مبنية على الدين ومرآة له لكنها ليست الدين نفسه. فالدين بنظر المؤمنين به لا تناقض فيه ولا اختلاف، أما المعرفة الدينية فتتضمن تناقضا واختلافا. والدين حق كله، أما المعرفة الدينية فمزيج من الحق والباطل. والدين كامل لا نقص فيه، أما المعرفة الدينية فليست كاملة. الدين ثابت ولكن المعرفة الدينية، اي الاستنباطات الفقهية والتفسيرية والتحليلات التاريخية والاجتماعية، متغيرة. ان قدسية الشريعة وكمالها ووحدتها لا تؤدي بالضرورة الى ان يكون فهم الناس للشريعة ايضا قدسيا وكاملا وواحدا. القول بأن المعارف بشرية وضمناً المعرفة الدينية، معناه ان شؤون الانسان وأحواله تؤثر في علمه، لذلك فإن نقص المعارف وعدم خلوصها المعرفة الدينية ضمنا هو أحد تجليات بشريتها. يرى سروش ان ما أظهره بعض المفكرين التنويريين في تاريخنا المعاصر من بعد عن الدين، لم يكن سببه الحقد على الدين، وإنما كان سببه ان الدين الذي عُرض عليهم لم يكن مليح الصورة ولا جذابا. ان المعرفة الجديدة للانسان والمجتمع والطبيعة فريضة على المتكلمين ورجال الدين اليوم، وعدم الاعتناء بها لن يؤدي الا الى ركود الفهم الديني والرد على الاسئلة الجديدة بتكرار الاجوبة القديمة. لغة الدكتور سروش، نقلا عن قرائه الفرس، عرفانية راقية تنسج جمالها وهي تحاكي الشعر الايراني الرفيع. فهل هذه اللغة الفلسفية الادبية تنصب الكمائن للمترجمين؟ وما هي الصعوبات التي واجهتك كمترجمة؟ { هذا السؤال المركب يطال مطرحين: اولا: خصوصية اللغة الفارسية بعامة وخصوصية لغة سروش بخاصة. وثانيا: علاقتي الشخصية بالنصوص التي أترجم. بالنسبة الى النقطة الاولى أقول ان اللغة الفارسية نفسها تنصب الكمائن للمترجمين الى العربية. اولا: ان اللغة الفارسية لغة هندو أوروبية اي انها من حيث الهيكلية والتكوين سليلة اللغات الاوروبية، وتختلف اختلافا جذريا عن اللغة العربية على الرغم من استخدامها الحروف العربية، ومن كون أكثر من نصف ألفاظها عربية او من أصل عربي. وثانيا: معظم الألفاظ العربية المستخدمة في اللغة الفارسية لم تحافظ على معناها الاصلي الدقيق، ولذلك نرى في الترجمات الكثير من هذه الألفاظ التي تحول بين النص المترجم وبين صيرورته عربيا. ان تركيب الجملة مختلف كليا عن تركيب الجملة العربية. فالجملة الفارسية تبدأ بالفاعل وتنتهي بالفعل وما بينهما المفاعيل وغيرها، مما يضطرك احيانا الى متابعة معنى الجملة في سطرين او ثلاثة لتعثر على الفعل وتفهم المعنى المقصود. هذه حال اللغة الفارسية العادية، فكيف هي الحال مع لغة سروش، وجملته أطول من المعتاد وفيها تعرجات الفلسفة وبلاغة اللغة العرفانية ورمزيتها وجمالها. لغة سروش جميلة ومتأنقة أناقة مقصودة، فيها الكثير من الغواية والجذب اللذين لا مثيل لهما إلا في لغة أهل العرفان. لقد عرض علمه وفلسفته بثوب قشيب من البيان وجمل فائقة الطول ومراوغة يحتاج قارئها وليس فقط مترجمها الى التمرس بها. النقطة الثانية مرتبطة بعلاقتي الشخصية بالترجمة. فأنا لا أمتهن الترجمة وإنما أنقل الى العربية النصوص التي أحبها وتعجبني، ارغب في ان يشاركني أبناء لغتي في ما استمتعت بقراءته. يجب ان أحب النص اولا لأشعر بعد ترجمته بأنه قد صار نصي (أنا). لقد حبّب اليّ سروش الفلسفة كما كان البهائي قد حبب إليّ الفقه الاجتهادي، ولكن ترجمة سروش لم تكن هينة لينة. فأنا حين أترجم نصا سياسيا او تاريخيا لا يحتاج مني الى أي جهد ليصبح عربيا، في حين أنني مع سروش منذ بدأت بترجمة مقالاته المتفرقة قبل ترجمة »القبض والبسط« وحتى الآن أحتاج إلى الكثير من التمعن والتدقيق وتخيّر الألفاظ والعبارات وأعيد كتابة النص أكثر من مرة لأجعله نصا عربيا مع حذر دائم من اللجوء الى التأويل او الى التقويل. فالنص الفكري يفرض ترجمة أمينة، واللغة العربية تدعونا دائما الى حسن استخدامها. هذا الامر نفسه ينطبق على ترجمتي للشعر، بحيث يلازمني هاجس الامانة من ناحية وهاجس تحويل النص الى نص عربي أصيل. وهنا تكمن صعوبة الترجمة الأدبية والفكرية وفي الوقت عينه جمالها. أحب ان أضيف انه لو لم تكن لغة سروش العرفانية الفلسفية في »القبض والبسط« أدبية شعرية، لما تجشمت عناء ترجمته. فأنا لا أستسيغ الفكر الجاف ولا أحبه، ومنطلقاتي منذ البداية أدبية وشعرية، ولا يمكنني التعايش مع النصوص المغلقة او الجافة او التلقينية المحضة. هل تعتقدين ان خاتمي متأثر بسروش؟ { لا شك في ان فكر سروش الفلسفي أثر في فكر خاتمي وفي التيار الاصلاحي بأكمله، بصورة غير مباشرة، فهو ولئن لم يدخل في الصراع القائم طرد من الجامعة. هذا الموضوع مرتبط بالوضع السياسي الداخلي في إيران، كلام سروش الذي نشره في كيهان عن »المؤسسة الدينية والحرية« مع انه لا يهاجم المؤسسة الدينية كما هاجمها علي شريعتي مباشرة كان وراء طرده من الجامعة. السياسة في واد والفكر والفلسفة في واد آخر.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة