طريف هو أمر الكتاب الذي صدر، بحجم الجيب، ضمن سلسلة »ألف ليلة وليلة« الفرنسية، لفيلسوف مغمور من التراث الشفاهي يدعى جان باتيست بوتول (1896 1947) ويتناول »الحياة الجنسية لعمانوئيل كانط«، فهذا الكتاب كما جاء في تقديم فريدريك برجيس له هو مجموعة خمس محاضرات ألقيت في أيار 1946، وامام مهاجرين ألمان ارادو العيش على الطريقة الكانطية في الباراغواي فأنشأوا مستعمرة »كونيكسبرغ الجديدة« تيمنا باسم مدينتهم، مسقط رأس كانط وعاصمة بروسيا الشرقية التي حوّلها الجيش الاحمر الى كالينينغراد. قد تكون الحكاية المحيطة بالكتاب من نسج الخيال، وقد لا... ليس للامر أدنى أهمية. نحن امام اطار طريف، والاهم انه يسمح بنوع آخر من القول الفلسفي. ثمة مهاجرون يريدون العيش على الطريقة الكانطية، وثمة فيلسوف فرنسي مغمور يسمع بتجربتهم اثناء اقامته بالارجنتين، فيحتار لأمرهم كيف يمكن لجماعة تطبق العفة الكانطية ان تستمر ويقصدهم محاضرا في جنسانية كانط بصفتها الطريق الملكي لفهم الكانطية، متيقظاً الى ان مسائل السيرة تقابل دائما بنظرة سيئة، وهذا امر طبيعي عندما نزعم تفسير عمل مفكر من خلال حياته، ولكن في المقابل، من المشروع ان يطرح السؤال، عن اثر حياة الفيلسوف بالنسبة الى الفلسفة في مقابل تراث تعليمي كان يردّ سلفا وحصرا على السؤال بأن »لا«. فيلسوف من المنزل في عصر الأنوار عمانوئيل كانط هو نموذج الفيلسوف دون معادل. في مرحلة كان فيها الفلاسفة الكبار أمثال فولتير وروسو وديدرو وهيوم يجوبون قارتهم، بقي كانط في كونيكسبرغ. ولد فيها عمل ومات، ورفض مقعد الاستاذية الذي عرضته عليه كبرى الجامعات الألمانية. في عصر الانوار والغليان والثورة الفرنسية، بقي منعزلا في مدينته البلطيقية، يوقظه خادمه لامبيه عند الخامسة إلا خمس دقائق كل يوم، فيحضّر الدروس ويعلّم حتى وقت الغداء، وبعدها يسير في نزهته الشهيرة حتى قلعة فريدريشبورغ، وباتباع الطريق إياه في كل مرة. عند السادسة مساء، وبعد قراءة الصحف، يعود الى العمل في مكتبه، حيث يحافظ دائما على حرارة معدلها خمسة عشر درجة، ويجلس بطريقة تجعله يرى أبراج القصر القديم من امامه، حتى اذا دنت الساعة العاشرة توقف عن الكتابة، والتفكير، ودخل الحجرة التي تبقى نوافذها مقفلة على امتداد العام، ووضع نفسه في السرير بالاسلوب الذي كان معتمداً في بونسيونات ذلك الوقت لمنع المراهقين من الاستمناء. حياة بلا ضفاف، وظاهريا بلا ازمة. لم يحب كانط يوما، بقي طول حياته عازبا من دون عشيقة او زوجة او خادمة. بمعنى آخر، ليس عنده ما يغري كتّاب السيرة وهواة المغامرات. بخلاف فيثاغوروس الذي يدّعي انه عاش عشرين حياة بكاملها، يبدو ان كانط عاش بالكاد واحدة. مع ذلك، ففي هذه التوافه نلقى شيئاً جوهرياً من فلسفة كانط، ومن الفلسفة بشكل عام. يشغل بوتول نفسه بأن العزوبية، جزء من ماهية الفلسفة نفسها، وان الفيلسوف الأهل بهذا اللقب لا يتخذ زوجة. والحال أن كانط لم يكن ناسكاً، ينصرف عن الحياة المدينية أو ينعزل في برج عاجي. كان يلعب البلياردو ويهضم أضخم الأطباق بالطريقة نفسها التي يهضم فيها أكثر الناس فلسفته التي يعطيهم إياها ليقرأونها. وكانت له مكانة الشرف في مآدب الكونت والكونتيسة كيسرلينغ، حيث كان يأخذ دائما بزمام المناقشة. كان بإمكانه الحديث في كل الموضوعات وكانت تجري استشارته في كل شيء. الا أن كانط بقي مرتبطاً بالنظام القديم للتعليم حيث يدفع الطلاب لأساتذتهم. لم يكن أول أستاذ فلسفة حديث بل آخر فيلسوف من النظام القديم. ليس ثمة ما يقارن مع جامعة برلين التي أمّنت الوظيفة والأمان لهيغل. مارس كانط الفلسفة كمهنة حرة، مثل الطبيب أو المحامي، وحوّل منزله الى قاعة تدريس لكل أنواع المواد من الشعر الى الجغرافيا الى علم الفلك، أما مؤلفاته في الفلسفة فكان يكتبها بعد العمل أو قبله كهوى يجتاحه أو علاج. مثل فلاح مرتبط بمزروعاته على مدار العام، لم يكن يأخذ عطلاً ولم تكن حياته سهلة، فالبعض يدفع والبعض لا يدفع، اما الاعتراف الأكاديمي فلم يرده الا متأخراً جداً، وبقي يؤدي لعبة الموسوعات الحية حتى سن متأخرة. كانت حياة المثقف بحد ذاتها، عند ابن الحرفي، نجاحا ليس بعده نجاح. فكيف يراد له بعد ذلك ان يذهب الى باريس أو البندقية أو... أن يتزوج؟ ماذا عن عفته؟ بالتأكيد عرف كانط الحسية إذ أحب الطعام، واشغل فمه وشفتيه، وكان يبتاع ثيابا أنيقة حين تتوفر النقود. لم يستح بجسده وان لم يكن شكله مغرياً. لم يترك النساء لامباليات. رفض عرضي زواج لكن لم يتجاهل المرأة، بل اعتبر الطهورية تشويه للفضيلة، يبشر الدعاة بالعفة ويمارسون خلافها أما كانط فعكس الآية، حين بشر باللذائذ وأغفل عن ممارستها. الخلاصة المؤقتة: كانت النسوة تهتم بكانط، وكان كانط يهم النسوة. هل يتّخذ الفيلسوف زوجة؟ أول مبادئ الأخلاق الكانطية أن اعمل كما لو كانت ارادتك تنقل حكمة عملك الى مرتبة القانون الكوني. بتطبيق هذا المفهوم على الحياة الجنسية، نرى ان العفة لا يمكن الدفاع عنها أو هي متناقضة مثل فعل القتل الذي لو مارسه كل البشر لانقرض النوع، العفة ليست إذاً قانونا كونيا للنوع البشري. المبدأ الثاني: »كل عضو يوجد تبعاً لوظيفة ينبغي أن يشغلها«. يسري المبدأ على الأعضاء الجنسية بطبيعة الحال، وعلى تلك التي للفيلسوف أيضا. من هنا يتبين أن تعفف كانط يطرح مشكلة بالنسبة الى انسجام نظامه الأخلاقي. ثوّر كانط فلسفة الأخلاق. قبله، كان محور السؤال الأخلاقي الأساسي تعريف ماهية الخير، وهو ما سعى اليه كل الفلاسفة القدماء اذ اقاموا هرمية للأشياء الخيرة من أجل الوصول الى الخير الأسمى، الذي دُعي بحسب كل منهم، لذة أو حقيقة أو فضيلة أي قيما برانية بالنسبة للإنسان، تتجاوزه ولا ينشئها. هنا تدخل كانط، فانقلبت المعادلة، وأصبح معيار الأخلاقية لا يجد نفسه فيما نحن فاعلون، ولكن في الطريقة التي نفعل بها. نتيجة العمل لم تعد المعيار، وإنما نقاوة القصد وقوامية الارادة. لم يعد السؤال »كيف نحصل على السعادة«؟ وانما »كيف نكون جديرين بالسعادة«؟. في الصياغة الاولى، يكون التباين بين وضعنا وبين ما نبتغيه، وتكون الحكمة في التقريب بينهما. في الصياغة الكانطية، يكون التباين عن الذات وعن الفكرة التي عندنا عن هذه الذات. من هنا تتأسس اخلاقية الواجب على طريقة مدينة دينية من دون اكليروس، وتتوجه الى الانسان بما هو انسان... لكن ماذا عن المرأة!! ماذا نفعل بتعددية البشر؟ رجل وامرأة، متحضرون وغير متحضرين، أصحاح وغير أصحاح؟ كتب كانط ان »امرأة محشو دماغها بالفلسفة الاغريقية مثل السيدة داسييه او تتكلم في العمق عن الميكانيكا مثل الماركيز دو شاتوليه يمكن ايضاً ان تطلق لحية«، وانه من »الصعب علي ان اعتقد بأن الجنس الجميل قادر على المبادئ«، وان »كثرة من النساء تتمادى بالسماح المعطى لهنّ بأن يكنّ جاهلات«. لا يمكن استيعاب ذلك دون النظر الى الكانطية كنمط حياة. التفكير يعني اولا عيش حياة مفكر، والزهد يستعاد في معناه الايتيمولجي القديم الذي يفيد التدرب على مجموعة تمارين وقواعد في الحياة. من بين هذه القواعد هناك مسألة الاختلاط. بالنسبة الى كانط فإن العيش بلا امرأة هو زهد، والعيش معها زهد ايضاً. والسؤال: هل يمكن قبول النساء في المدرسة الفلسفية؟ ماذا نفعل بهن؟ صديقات او حبيبات او زوجات؟ اختلف القدماء بحسب تلاوينهم الفلسفية عند مقاربة هذا السؤال. كتب الرواقي الروماني موزينيوس رسالة »لماذا ينبغي على الفلاسفة ان يتزوّجوا؟« وشرح فيها ان العيش حسب الطبيعة والعقل يفترض العيش في زوج. بيد ان الاتجاه القِراني بقي أقلوياً بين الفلاسفة الاغريق واللاتين. الفلاسفة الاييقوريون والكلبيون كانوا ضد الزواج، والفلاسفة المسيحيون الاوائل اعتبروه نيراً. هذا لان الفلسفة فاعلية تتطلب الوقت، كل الوقت. كتب سينيك الى لوسيليوس: »لا تظن انه يمكن ان تقوم بها في اوقات فراغك«. بعد تسعة قرون ستكتب ايلوييز الى حبيبها ابيلار تعيد تذكيره بموجب العزوبية بعد ان طلبها الى الزواج. ردت مستشهدة بالقديسين بولس وجيروم، وبتيوفراس وشيشرون: كيف يمكن لرجل خلقته الطبيعة للعالم كله ان تأسره امرأة واحدة؟ ان تنحية الفلسفة جانباً للحظة، يكاد يعادل هجرانها. »إنْ أوقفتموها تهجركم«. ماتت ايلوييز عام 1164، لكنها بعثت في القرن الثامن عشر من خلال »الايلوييز الجديدة« لروسو الذي اتخذ في حياته صديقة بشرط ان تكون غير متعلّمة، وانجب اطفالا، شرط ألا يتكبّد مشقة التربية. اكثر الفلاسفة بقوا عزاباً. الجميع في القرن السابع عشر بلا استثناء: ديكارت، اسبينوزا، باسكال، لايبنيتز، مالبرانش، غاسندي وهوبس. البعض فقط حاول المغامرة الزوجية في القرن الثامن عشر، ديدرو مثلا، لكن ليس هيوم او فولتر او كانط، وفي القرن التاسع عشر فان هيغل وفيشتيه وشيلينغ وكومت وماركس تزوّجوا، لكن ليس شوبنهاور او نيتشه ولا كيرغيغارد. ثمة شعور يتولّد بأن مرحلة تنتهي، وأخرى يدشنها هيغل بقوله: »مع وظيفة وامرأة محبوبة لديك كل ما يلزم في العالم«. تحاشى كانط كلاً من مصير روسو وهيغل. لا زوجة ولا عشيقة. لا اولاد شرعيين او غير شرعيين. الزواج هو الجحيم. تراه يقول: »سنثبت بصعوبة ان الشخصيات التي عمّرت كانت في اكثر الاوقات متزوّجة«. ينبغي الاختيار اذاً، إما العيش طويلا وإما الزواج الذي هو انتحار بطيء او طريقة مسموح بها لاختصار الايام. جسد الحلقة المقفلة العيش طويلاً! هذا ما كان يشغل عصر الأنوار. لإتمام ذلك، ينبغي للمرء ان يحفظ سوائله، العرق واللعاب والمني، بل ينبغي حجزها، وحصرها، فكل قطرة منها هي جزء من قوتنا الحيوية وكل سيل لها هدر للطاقة. الكانطية هي هذه الطوبى فيما يخصّ الجسد، انها طوبى العيش في حلقة مقفلة وسط الحد الأدنى من التبادل بين الجسم وما يحيطه. ينبغي أولا حفظ العرق. تميزت نزهة كانط صيفا بالبطء الشديد ليقي نفسه شر التصبب، وان حصل الأمر كان يقف في الظل كما لو كان ينتظر أحدا وذلك حتى يجف العرق. ثانيا، ينبغي حفظ اللعاب، فالبصاق هدر لأن هذا السائل بمثابة دواء يعين على عملية الهضم كما له تبعات على الحب. ان ممارسة القبلة الرطبة تضر بالصحة، ألم تكن القبلة الحقيقية جافة بالضرورة عند الرومان؟ ثالثاً، وهذا الأهم، ينبغي حفظ المني. انفاقه هدر للطاقة الحيوية، وكل قذف يقصر عمر الحياة. يتقاطع كانط هنا مع ابن سينا حين يقول »احفظ منيك ما استطعت فإنه/ ماء الحياة يُصبّ في الأرحام«، الا ان الفارق بائن، فحتى عند المتزوجين يجدر التقليل قدر الامكان من الانفاق المنوي عند الجماع. وفيما يخص العازبين فهذا يطرح مسألة الاستمناء الذي يعتبره كانط أخطر من الانتحار ويربأ تسميته بالاسم، داعياً الى حماية المراهقين منه بزرع فكرة انه يجلب العجز ويبدد البدن ويفسد الذكاء، وان كانت مساحة للاختيار بين الاستمناء وبين الاتصال بشخص من الجنس الآخر فلا حرج عنده. المومس خير من الاستمناء. يتطابق تابو كانط بصدد الاستمناء مع نظريته عن المخيلة، إذ اعتبر »ان الشهوة مخالفة للطبيعة عندما لا يكون الإنسان مندفعا بموضوع فعلي، بل مدفوعا من طريق التمثل الخيالي لهذا الموضوع«، لكن، وبخلاف ابن سينا الذي يدعو الى صب المني »في الارحام« ليتحول الى ماء الحياة، فإن كانط ينيط بالعفة تحويل السائل المنوي الى »ماء الحياة«، ليست مراكمة المني مضرة للصحة بل على العكس »يعاد ضخّه« في الدم، فتصبح الدورة الدموية أكثر حراكا، وتمسي تغذية الشرايين لأنحاء الجسد أكثر دقة. ثم أن حفظ المني على هذه الطريقة يحسّن الصوت. هذا ما خبرته روما، إذ كان الخطباء يُنصحون بالامتناع عن ممارسة الجنس عشية مسابقات البلاغة. والفلسفة نفسها، ما الذي تكونه ان لم تكن مواجهة يومية مع فكر الآخرين، ومحاججة دائمة؟ ولما كانت كتابة القليل من »نقد العقل المحض« كل يوم مسابقة بلاغية تطول، فلا مكان لممارسة الجنس في أي عشية. الشيء في ذاته عارياً عندما نعيب على كانط حياته الهادئة، نعيب عليه انه لم يعرف أزمات. ماذا يكون الإنسان من دون أزمة؟ ماذا يكون الفيلسوف ان لم يشهد ثورة داخلية؟ يعج تاريخ الفلسفة بهذه اللحظات الحرجة او »النقدية«، مع ذلك فإن مؤسس الفلسفة النقدية لم يعش أياً من هذه اللحظات. إلا ان المفارقة تنم عن نظرة غير دقيقة، فكانط يتكلم كثيرا عن الأزمة الوجودية التي تأخذ الفرد أحيانا، وكتب عن تلك الأوقات المميزة حين نكون في حضرة »الخارق« das Erhabene أي حين نكون مسحوقين في حضرة ما يتجاوزنا. عندها لا ننوجد، نكون في موت وجيز، وفي اختبار للمفارق غير الالهي. يقدم كانط الأمثلة من خلال الظواهر الطبيعية، مثل الأعاصير وهيجان المحيطات والبراكين. انه لم ير أياً منها بأم العين، إذ لم يبحر أبدا في البلطيق، ومع ذلك فإن »الخارق« مقولة أساسية في الفلسفة الكانطية عند بوتول، وتعرّف في علاقتها مع مفهوم الجميل، بل ان كل فضاء كانط يتشكل تبعاً لتعارض الجميل والخارق، مثلما تشكل ثنائيات النيء والمطبوخ، والناشف والرطب، والقاسي واللزج، الفضاء الذهني للقبائل البدائية. والخارق كذا نوع، الخارق الطبيعي والخارق البشري مثلا. ضمن الاخير هناك الخارق الجنساني، أي رؤية العضو، والأدق رؤية عضو المرأة. السامي مثل الفاحش ينبئ اذاً بضياع الذات. كل تقديم لفلسفة كانط يستهل بالتمييز بين النومين والفينومين، بين الشيء الذي لنا وبين الشيء الذي في ذاته (das Ding an sich) الذي نفضل تعريبه ب »الشغلة التي في ذاتها«. تقدم نظرية المعرفة الكانطية العلم كما لو كان يدرس »شغلات«، اي اغراضا دائمة وثابتة ومعزولة في حين ان العلم الحديث بات يدرس العلاقات. نحن امام فيتشية »الشغلة التي في ذاتها« التي لا نستطيع ان نعرفها لا لشيء الا لأنه »غير مسموح« لنا بذلك. انها نظرية معرفة لا تنفصل عن مسلكية معينة تُرسَم للعقل. في المسألة اخلاقيات ورغبة. على هذا المنوال يصنف »نقد العقل المحض« عملية الخلط بين البائن والظهورة في مرتبة الخطيئة وليس الخطأ. هناك خطيئة لأن هناك رغبة. اننا نرغب في »الشغلة« كما هي في ذاتها، الا ان النقد الكانطي يأتي ليردع هذه الرغبة المتلصصة. عندها يمسي الحجاب الموضوع على الحقيقة ذروة الايروتيكية، وبالطريقة التي يختصرها نيتشه في »العلم الجذل« حين يقول: »نحن لم نعد نعتقد ان الحقيقة تبقى حقيقة من دون حجابها«. لقد حركت الرغبة المتلصصة من اجل المعرفة علماء القرن التاسع عشر الذين اظهروا ورعا في حياتهم المهنية شكّل الماخور مقلبه الآخر. لا مكان للمرأة في المختبر او الكلية، لا مكان هناك لغير الحقيقة. بيد ان هذه الحقيقة التي نريدها عارية تماما عبر التجربة والتأمل كنا نروح لنشاهدها، أخيرا، بين فخذي عاهرة تحترف »الشغلة التي في ذاتها«. في مقابل ذلك الوضع يشق الفيلسوف الكانطي اختلافه: انه زبون من نوع خاص يدفع من اجل »الشغلة التي في ذاتها« لكنه يمتنع عن اللمس. ما يتحاشاه ليس الجنس في ذاته، وانما التناسل، تلك النزعة الحيوانية من اجل حفظ النوع وتكاثره والتي لم تفلت منها الانسانية الا من طريق عفة الفرد التي ليست موجهة ضد اللذة وانما ضد التناسل، ذلك انه بإمكان لذة ان تساوي اخرى، ولو أتت الاولى من العقل او نبتت الاخرى من تحت البطن، غير ان ما يميز العضو الجنسي (الجنس بما هو عضو) هو انه يهيج الفرد لمصلحة النوع، أما الفلسفة فقد أنشأت طريقا أخرى، فائقة للعادة، لتناسل من نوع آخر يقوم على الانسحاب بدل الايلاج Pژnژtration وتسوده الميلانخوليا. هكذا تكون جنسانية كانط طريقا ملكيا الى الفلسفة بما هي طريق غير جنسانية للديمومة. التفلسف هو الانتساب لآباء روحيين والاستغناء عن الامهات، ومع التفلسف لا تعود العزوبية تهدد النوع بل تعطي الانسانية »البذرة الروحية« والسائل المخصب الوحيد الذي هو الحبر. من هنا فإن كانط الذي هو فيلسوف الحد، حيث ما من ما وراء أو ما فوق، ليس فيلسوفا متمردا ولا خاضعا، بل هو يعيش التوازن في اللاتوازن، انه كما يقول بوتول، نزيه جدا كي يكون لا منتظما، ومنتظما جدا لكي يكون نزيها. المهم ألا تكسر شرنقة الفيلسوف التي ينسجها كي تحميه من هشاشته والوهن.