As Safir Logo
المصدر:

شارع كوّن هوية في عاصمة تحاول (1) عشرة نواد ليلية في زاروب في مونو

المؤلف: مندور سحر التاريخ: 2002-08-08 رقم العدد:9269

شارع مونو طويل. ما عاد جديداً. بات من المسلمات. حتى تكاثر النوادي الليلية والPubs فيه بات من المسلمات. »فتح محل جديد« كلمة باتت معتادة. متوقعة. وهو شارع سكني. يسكنه بشر، لبنانيون، غير رواد السهر وشبابه. عائلات، مسنون، بيوت، عمارات وطوابقها مسكونة. لديه سكان اصليون تماماً كما فيه بيوت للايجار، يستقطب مستأجرين لموقعه الخاص، لانه شارع مونو. تماماً كما تستقطب الحمراء سكاناً لانها منطقة وسطى بين جامعتين. بيوت الطلبة فيه باتت نادرة، باتت معزولة وتشبه بيوت قدامى السكان. الى جانبه كانت الجامعة اليسوعية باختصاصاتها الاكثر حيوية، ثم نقلت الجامعة اليسوعية بفروعها الحيوية الى طريق الشام. حتى الجامعة بعدت عنه. وكأنه شارع تمكن، دون غيره من الشوارع البيروتية، من ابتكار هوية لنفسه ومن ثم التأقلم معها وفرضها على محيطه. يبدو شارعاً قوياً في عاصمة تحاول. وقوانين الليل فيه تطبق على نهاره. قوانين الليل فيه تطبق حتى على سكانه. تجد بائع السجائر والكحول و»المتفرقات« يستقبلك و»هو يعرف«. يستقبلك بطريقة مدروسة لتناسب الشارع. لا يزعجه السكر ان كنت سكراناً ولا يضايقه الازعاج ان كنت مزعجاً. بات من اهل المكان القدامى المتجددين. تأقلم ويتأقلم. فالحياة، على هذاالنحو، »كسيبة« بعدما بات »نيال مين الو مرقد عنزة بمونو«. بائع »المتفرقات« في الشارع ذاته معتاد على زبائن الشارع. كان معهم ايام ما كان بعضهم طلاباً في اليسوعية. عمو جورج. يعرفونه بالاسم وهو يعرفهم بالشكل او الانتماء. معرفته تعطي جرعة اضافية من الثقة بالنفس، معرفته تشبه جواز سفر اضافيا باتجاه الشارع. باتجاه حياة الليل. وهناك بائع آخر مقابل فلافل صهيون. هو ليس على علاقة حميمة بشارع مونو. ليس عمو جورج. لكنه على علاقة مميزة شقيقة به. فهو يؤمّن ايضاً البيرة لداخلي شارع مونو كي يشربوا و»يقلّعوا بالرخيص« قبل السهرة المكلفة. ومن الواضح انه ليس »شريباً« كعمو جورج. لكنه جاهز دوماً لاخذ وضعية الشرب وتفهمه كي يأتي على مستوى الشارع.. كي يكون من »اللي نيالهم فاتحين بمونو«. والفرق بينه وبين »عمو جورج« ان الاخير لا يأخذ عناء حفظ الزبونات ومشترياتهم كي يفاجئهم مرة تلو الاخرى، عمو جورج يؤمن »التأشيرة« وليس بحاجة للرضا. صاحب المحل الثاني يحاول دوماً. يحفظ من يأتي مع من ومن يطلب ماذا فيفاجئه مع ضحكة مرسومة، ضحكة النصر وطلب اللجوء الاقتصادي الى شارع مونو. ثم يحين موعد الامكنة. في البدء، في بادئ الامر، ومنذ حوالى خمس سنوات، افتتح ناد ليلي ابوابه للمرة الاولى في مونو: "mod cafe".. كان الاول من نوعه وغريباً في منطقة لا يبعث الحياة فيها سوى وجود فرع لجامعة. مات ال"mod" وبقيت لافتته، اثراً يحفظه شارع مونو، لم يزلها اي من النوادي التي فتحت حول اللافتة والى جانبها. بقي منه اثر وكأنه تحية للطليعي. كان الطليعي ناديا ليليا بامتياز، ينزل الشباب اليه على الدرج، يعيشون ظلامه، يشربون ويرقصون. كان نادياً ليلياً عندما كانت النوداي الليلية اما غير شبابية او بعيدة (في الكسليك تحديداً) ذلك النادي كان النقلة الاولى بين حياة النوادي الليلية السابقة وبين الحياة الليلية على طريقة مونو. اختفى ال"mod cafe" بعدما انطفأ نجمه، »وولع« الشارع. عشرة عناوين للسهر في تلك الزاوية الزاروب الذي »ولعه« »مود كافي«. الى جانبهم يرقد ال pacifico بهدوء من لن تهزه عاصفة الموجات الليلية. فال»باسيفيكو« يمثل »الرزانة اللعوبة« في ذلك المكان. يقدم العشاء الرسمي باهظ الثمن على طاولة تحتل زاوية شبه معزولة منه مع انها على اتصال بحياته الأخرى، وفي الآن ذاته يقدم البار، الطويل الشاسع الذي يحتله الرواد اما للشرب او لعشاء خفيف مع كأس وحديث. وفي مقابل البار طاولات مخصصة للشرب تحديدا، كثيرا ما تعلو الأصوات والضحكات منها. انها بؤرة الحياة فيه. ذلك بالإضافة الى اطلالته الخارجية على زاروب مونو، طاولات وكراسي في الخارج، ولكن داخل إطار الحدود الحديدية. ال»باسيفيكو« هو »الأصلي« الذي يضمن الاستمرارية، كأنه المكان الأب وحوله مراهقوه، مراهقو الأمكنة. يقصده »المخضرمون«، دون غيره، ولا يجرؤ الشباب على تجاهله، فهم رواده الأساسيون، وان تحلوا بمزايا النضج. النضح لا يعني الهدوء. هو النضج، لا أكثر. الى جانبه، ال "hole in the wall"، مكان آخر بدأ »صرعة« ومع الوقت صار رزينا، نوعا ما. تشتعل السهرات فيه ويتم التأرجح على باره، لكنه، في الآن ذاته ومع الوقت، بات شبه محتكر من قبل الجالية الغربية في لبنان. القليل من الأميركيين، بعض الاسكتلنديين، هولنديون ونروجيون، وتحديدا ايرلنديين يسهرون في أجوائه ويفرضون لون سهراتهم وصخبها على المكان، وهو ملك لأحدهم، حتى بات جوه من جوهم، الكل سريع التأقلم، حتى في ما يخص نوع السهر. وهناك ال»راي«.. وهو المكان الأكثر »تأنقا« بين أمكنة تلك الزاوية. مكان يؤكد، ليليا، ان دخوله ليس بسهولة دخول غيره وان سهرته أكثر أناقة بمراحل من سهرات غيره. تماما كأسعاره. وكأنه ممثل الكسليك وليلها في زاوية مونو. يقدم سهرات خاصة ويفرض حجوزات مستمرة ولا يتحلى بالخوش بوشية التي تنمو في مونو بين الرواد المعتادين وبين أهل الأمكنة من نادلين وسقاة بار وحراس باب. لا يتحلى بتلك الخوش بوشية الا نادرا. وهو شبه الوحيد صاحب القيود الصارمة والنخبوية بلغة المال: كثيرا ما تجد شابا حائرا بين الصبايا المنتشرات في الزاوية يطلب من كل منهن: »لو سمحت، ممكن بس تفوتي معي على الراي لأنو نحن صبيين وبنت وبحاجة لبنت تانية لنقدر نفوت«. خدمة في زاوية مونو. تأتي على هذا الشكل. وبين ترفع الراي وخضرمة ونضوج الباسيفيكو وأجنبية الهول، يأتي كم من الأمكنة، في الضفة المواجهة في الزاروب ذاته، هي الأمكنة التي فتحت مؤخرا وسريعا.. »بابلو«، للمراهقين، »لايم« لهواة الحديث والأجواء الصيفية المفتوحة على الهواء الطلق، "73" لمحبي بعض العزلة. أمكنة فتحت سريعا، وقوبلت ببعض الترحيب تارة وبعض النفور طورا تبعا للأجواء المعتادة لكل فصيلة من الرواد، لكنها، مع الوقت، باتت جزءا من نسيج لا يراد له إلا ان يبقى متماسكا. تبلع تلك الزاوية من شارع مونو الاعتراضات على الأجواء المتغيرة بين الناس وكأنها تبدي »حرية التعبير« و»احترام الرأي الآخر« كي يحافظ كل من رواده على »حرية تعبيره« وعلى »رأيه الخاص«. ومن ثم »فتح محل جديد«. »ليلا براون«. الرواد »المونويون« يعرفون، جميعا، انه تابع لل»باسيفيكو«. نفس ال owner. يتشاركون المعلومات وهم معنيون بما يجري في شارعهم كأنه بلدهم. قرر ال»ليلا براون« يوما انه لن يفتح ليل السبت. يترفع عن تلك السهرة التي يخبص فيها الحابل بالنابل ولا يتميز رواد ملتزمون عن رواد عابرين. ومن ثم، »ضجت في البلد«: »ال ليلا (وهو الاسم الذي اختاره الرواد سريعا للاختصار والدلع واعلان الانتماء) ولعان سهرة الاحد«. حتى سهرة الاحد تأتي »ولعانة« في تلك الزاوية.. كالجمعة، كالسبت، كالاثنين والثلاثاء والاربعاء.. وان بجرعات تصاعدية لا توحي يوما بالهدوء المستتب. وال »ليلا« يجمع ما بين الموسيقى الصاخبة وبين الموسيقى المختارة بدقة، ما بين ال »ولعانة« وبين ال »نشرب كاس، نحكي كلمتين، نتعشى«.. يأتي وكأنه مرحلة شباب ال »باسيفيكو« وان على خط ال »باسيفيكو« ذاته. يمتاز باتساع حجمه وتفرعاته، يمتاز بهوية اخرى لمكان واحد. في تلك الزاوية، الحياة لا تهدأ، فعلا. وهي حياة ليل. لكنه ليل من نوع آخر دخل حياة رواد بيروت. ليل يتسع للسكر والرقص وللكلام والهدوء في ليلة واحدة. ليل لا يفرض هوية وانما يفتح الخيارات. السهرة في مونو قد تتبدل في أية لحظة. أما في النهار، فمونو لا يكون شارعا مختلفا. يكون شارعا هادئا. وفي تلك الزاوية، لا يبدو للحياة اثر ولكن لا يبدو فيها تناقض ايضا. كأنه دوام معتاد. جيران تلك الزاوية يعانون. يعانون لكنهم يجدون الحل. كأن تصبح صديقا للقيّم على المرأب المقابل للزاروب، فيخبرك بمدى احتدام الوضع وبمدة الانتظار اللازمة قبل ان يتمكن من حجز مكان لك، على ضفاف الشارع، داخل اطار منطقته، لتركن سيارتك. جيران تلك الليلة النهاريون يتآلفون مع عمال مونو الليليين. يشكلون حلفا. نحن السكان الاصليون وانتم الذين تخدمون الاعداء، انتم الطبقة العاملة بينهم ونحن المتضررون منهم. اما »العمال«، فيرون في »السكان الاصليين« بعض الهدوء، بعض تلك الحاجة، هناك من يحتاج لخدماتهم ويطلبها من دون ان يكون من المطلوب منه تأديتها. فيقدمون الخدمة وهم بنفسية خدمة ل.. هم يتمتعون، خلال السهرة، بنفسية مترفعة اثناء قيامهم بعملهم، نفسية مترفعة هي جزء من وظيفتهم، من وظيفة الارتقاء بالمكان الى حيث الجودة بعيدا عن »الجلجقة«، كما يسمون الليل في اماكن اخرى. فيأتي ترفعهم وكأنه دور يؤدونه، عدة الشغل. وهم يتمتعون بالترفع ذاته اثناء تقديمهم »خدمة« للسكان الاصليين. لكنه ترفع ممزوج بتفهم، ترفع من يقدم خدمة لند وتفهم من يتشارك الوعي والرزانة لغياب السكر و»المراهقة« و»الضهرة« عن وجودهم. حلف رسمي. حلف يساعد على اكتمال الحياة في مونو بشكل عام وفي ذلك الزاروب تحديدا وعلى تكاملها. في تلك الزاوية، تبدو الحياة غريبة. لكنها تبدو شبه مثالية. لكنها تبقى حياة ليلية. سعيدة، لكن ليلية.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة