As Safir Logo
المصدر:

»تلفيق صورة الآخر في التلمود« لزياد منى كراهية الآخر

المؤلف: كوش عمر التاريخ: 2002-08-06 رقم العدد:9267

الكتاب: تلفيق صورة الآخر في التلمود (يسوع المسيح والعرب والمسيحيون والأميون) المؤلف: زياد منى الناشر: قدمس في هذا الكتاب يذهب زياد منى الى نصوص الكتابات الدينية اليهودية كي يكشف جانبا من تراث اليهودية يتعلق بالنظرة الى الآخر، والصورة التي رسمت له، من خلال الكشف عن صورة يسوع المسيح في الأدب الديني اليهودي في الأسفار الخمسة الاولى من العهد القديم التي تعرف باسم التوراة، والتي تعتبر شريعة اليهود، وكذلك »المشنا« وهي الشريعة التقليدية بالنسبة اليهم، الى جانب التلمود المكون من مجموعة التوضيحات والشروح والتأويلات على المشنا. ويركز على ما ورد في نصوص التلمود الذي وضع خلال القرون الميلادية الاربعة الاولى، بوصفه يعبر عن آراء حاخامات اليهود وأحبارهم من حيث علاقة اليهود بالمسيحيين والأميين، حيث يقصد بالأميين في التراث اليهودي كل من هو غير يهودي. وينطلق المؤلف من التعريف بالسيد المسيح، مستقصيا الدلالات اللغوية للكلمة، ثم التغايرات والتطورات التي طرأت عليها في اطار مفهومها الديني، وذلك بالاستعانة بما كتبه ابن منظور في لسان العرب، وتتبع معانيها في نصوص العهدين القديم والجديد. ويعتبر المؤلف التلمود كتاب شريعة لأتباعه، جذورا وبنية وتصورا، لكنه يرجع أصل اسم تلمود الى المفردة الكنعنانية التوراتية »لمد«، والتي تعني علم، وهناك من أهل الاختصاص من يعيد هذه المفردة الى أصول آشورية »لمدو« وتعني تلميذ، ويرفض الاعتقاد القائل بقدم الديانة اليهودية في شكلها الحالي، والذي يرجع جذورها الى ابراهيم ويعقوب وموسى، وبالتالي فان الكتاب المقدس بعهده القديم يعود الى تلك الفترة التاريخية، الامر الذي يعطي الديانة اليهودية مرجعية دينية. ويؤكد المؤلف ان اليهودية كما نعرفها اليوم، هي اتجاه يهوي، انبثق عن الفريسيين، الذين كانوا يشكلون احدى الطوائف العقدية الكثيرة التي كانت قائمة في فلسطين حوالى القرن الاول للمسيح، الامر الذي جعل بعض العلماء الكتابيين يطلق على اليهودية مصطلح الديانة الفريسية. وقد بدأت اليهودية بالتشكل بصورة مستقلة بعيد تدمير هيكل »حرد« العربي في القدس عام 70 للميلاد، على يد مجموعة من رجال الدين اليهويين ذوي الاتجاه الفريسي، ثم وجد فيما بعد اتجاه عرف باسم اليهودية التلمودية عكف على تسجيل توجيهات دينية شفهية المنشأ عرفت باسم جامع هو »المشنا«، ويرى المؤلف ان الرديف العربي لمفردة المنشا هو السنة. ثم نشأت جماعة من التلاميذ (التثنويين) عرفوا بالفقهاء، ودرسوا المشنا وأضافوا تأويلاتهم وتفسيراتهم وتعليقاتهم ووضعوها في كتاب هو التلمود. اما في القرن السادس للميلاد فظهرت مجموعة جديدة من اللاهوتيين اليهود عرفوا بالمتأملين، ويرى أهل الاختصاص انهم وضعوا قسما كبيرا من الصيغة النهائية للتلمود البابلي. وبقي التلمود يتناقل شفهيا حتى عام 1482 حيث أول نسخة مطبوعة من التلمود البابلي في إسبانيا، فيما ظهرت اول نسخة من التلمود الفلسطيني في مدينة »فينسيا« عام 1523، اما نسخة التلمود الحالي فقد صدرت عام 1886 في مدينة »فلنا« عاصمة لتوانيا. الأمي وفيما يخص علاقة التلمود بالمسيح ومريم العذراء والعلاقة مع الآخر بشكل عام، يرى المؤلف ان ما دفع بعض الباحثين الى البحث عن يسوع المسيح تاريخيا في كتب اليهودية هو تناقض بعض الأخبار التي ترد عنه في العهد الجديد، اضافة الى تناقض بعض ما يرد فيها من معلومات ذات علاقة مع ما تواتر من معلومات تاريخية مثبتة. وبما ان العهد الجديد نشأ من قلب العهد القديم، وان فكرة المسيح المخلص هي فكرة توراتية بالأصل، لذا فان شخص المسيح المنتظر عليه ان يلقى دعما كاملا من النصوص التوراتية. لكن الامر عكس ذلك، فوالدته مريم يقول عنها التلمود بأنها أثبتت انها خائنة زوجها، اي انها زانية، وينعت المسيح بلقب »ابن سطادا« استهزاء به، فضلا عن اعتباره الساحر الذي خدع البشر بألاعيبه وقادهم للضلالة، ولذلك فقد استحق الصلب. كذلك حوّرت الروايات اليهودية لقب المسيح ابن العذراء الى ابن النمرة، وهو نعت تحقيري ما زال يستخدم الى الآن، وكان على يسوع المسيح ان يواجه أبشع تشهير، الامر الذي ادى بحسب الأناجيل الى موته في هذا العالم صلبا في نهاية الامر، ولحق بوالدته أقسى انواع الافتراءات والنعوت. ومهما كان أمر الكتابات اليهودية في ذكر يسوع المسيح، فانها تتسم بالتعقيد المصاحب لأي فهم، وذلك بسبب طبيعة التلمود وأسلوب التورية الذي يلجأ اليه في أغلب الاحيان. ويرفض بعض المؤرخون تاريخية يسوع بسبب ما يسميه المؤلف: صمت القرن، اي غياب اية اشارة تاريخية مستقلة الى يسوع المسيح في اي كتاب لا خلاصي، او لا قدسي. وبصدد الموقف من الآخر غير اليهودي، او الأمي كما ينعته التلمود، يسوق المؤلف مجموعة من النصوص التي تبخس من شأن الآخر، فهو كافر لا نصيب له في العالم الآتي، مع ان للأميين الملتزمين بالتوراة نصيبا في العالم الآتي. وتقوم غريزة الأمي على عبادة الأصنام، لذا فانه عرضة للشبهة بسبب المآثم وحب سفك الدماء، وبالتالي وجب تجنب كل ما فيه منفعة لغير اليهود، لأن ما ينفعهم هو في مصلحة التعبد للأوثان. ويحظر التلمود تعامل اليهود مع الأميين لما فيه منفعة الأخيرين، ومن ذلك منع بيعهم الاراضي في »أرض اسرائيل«، ومنع بيعهم او حتى تأجيرهم المنازل، كما يحظر تقديم أية هدية لهم، واذا فقد أمي غرضا وعثر عليه يهودي فانه غير مضطر لإعادته اليه الا في حالات استثنائية، وعلى المرء ألا يقول للأميين كلاما طيبا او مسرا، لأن ذلك سيجلب الفرح الى نفوسهم، ويساعد في جعل حياتهم أكثر راحة، وهو ما لا مسوغ له . هكذا، يرسم التلمود صورة مشوهة عن الآخر، تقوم على ميتافيزيق لاهوتي، يحكمه تمركز يعلي من شأن الأنا ويبخس من حق الآخر. ويبدأ الإنقاص من الآخر من تسميته بالأمي، وعابد الأصنام، ويستحق الحرق كالزبالة، ومكروه، ومحتقر، وكافر، وما الى ذلك من الاوصاف الإنتقاصية. وهذا يقودنا الى النزعة الصهيونية العنصرية المتعالية والمعادية لكل البشر والديانات الاخرى، ومحاولات الصهاينة الحثيثة لطمس ومصادرة التراث الروحي والتاريخي في المشرق العربي، بهدف تسويغ مشروع احتلال فلسطين وفرض الوصاية على المنطقة العربية والعالم ككل، فالممارسات اليومية الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني من قتل ومجازر وتدمير وتشريد، تجد جذورها في تلك النزعة التلمودية في رفض الآخر، وهو ما يؤكد ذلك دون لبس ان جذور النزعة العدوانية تجاه الآخر هي جزء من التراث الديني اليهودي. وتأخذ المسألة أبعادا اخرى من خلال تلمس صورة العرب في التلمود، فرغم ان نبي التوراة أشعيا يعرب اسلوب معيشة العرب وثرواتهم، لكن الكتابات الحاخامية في المنشا والتلمود تطلق نعوتا مختلفة على العرب، مثل أمة منحطة/ سفلى/ دنيا، حيث يقول كبير الحاخامات »راب« ان يهوه ندم على اربعة أمور خلقها: السبي البابلي، والكلدانيين، والعرب (الاسماعيليين)، ونزعة الشر، كما استخدم التلمود صفة عربي رديفا للمعتدي، ويروي كذلك ان المرأة العربية تقذف بثدييها الى خلف ظهرها لإرضاع طفلها الذي تضعه على كتفيها. اليهويه هكذا، يجهد المؤلف في البحث عن صورة الآخر التي رسمت في التلمود وبعض المدونات اليهودية الاخرى، والتي ألصقت بيسوع المسيح والسيدة مريم العذراء تعابير ونعوت في غاية البذاءة والقسوة، وكذلك في حق الآخرين من غير اليهود. وسعى الى تفنيد مقولات أطلقتها ولفقتها تلك الكتابات عن قدم اليهودية، فقام برصد البيئة العقيدية التي كانت سائدة في فلسطين، وخلص الى انه لم يكن في فلسطين عشية القرن الاول للميلاد، وخلاله وبعده، عقيدة كتابية واحدة، فالطوائف والملل كانت وقتئذ كثيرة، وكانت تمتلك أسفارا كثيرة تجاوز عددها المئة، لكن لم يتم الاعتراف بها من قبل اي من الاتجاهات اليهودية او المسيحية في العهدين القديم والجديد. وتعرف تلك الاسفار في الخطاب الكتابي بالأبوكريفا، ويقترح المؤلف وجوب اطلاق اسم جامع لكل الديانات التي عاشت في المنطقة آنذاك، هو اليهوية نسبة الى الإله يهوه، الذي عرف التعبد له منذ الألف الثاني قبل الميلاد في بلاد الشام. وبذلك يسهم هذا الكتاب في التعرف على جانب من تراث اليهودية يجهله غالبا عامة الناس، ويمكن التعرف من خلاله على أسباب عزلة اليهودي، التي أصّلتها تعاليم التلمود وفرضتها على الاتباع، مما أسس لإنعزالية الذات مقابل عدائية الآخر.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة