دأب المؤرخون الغربيون ونقاد الأدب على النظر إلى تاريخ الرحلات والاستكشافات الحديثة باعتباره مقصورًا على المسيحيين الأوروبيين ومظهرًا من مظاهر حداثتهم وتفوقهم وتقدمهم. فكان الرحالة الإنجليز فى الإمبراطورية العثمانية والإيطاليون فى فلسطين والألمان فى مصر والبرتغاليون فى شبه الجزيرة العربية والفرنسيون فى المغرب يمثلون فى نظر هؤلاء النقاد بشائر القوى الفكرية والاقتصادية التى مهدت الطريق لعصر النهضة ولصعود القوة الأوروبية الغربية وسيادتها. فى تلك الأثناء، كان هناك إغفال تام لرحلات العرب المسلمين إلى الحد الذى يذكرنا بملاحظة أبداها أحد الهولنديين للمبعوث المغربي أحمد بن قاسم فى عام 1611: »تعجبنا منك تحفظ الألسن وتقرأ الكتب، وسرت فى المدن وأقطار الدنيا ومع هذا تكون مسلماً!« بالنسبة لهذا المتحدث الذى ينتمي لعصر النهضة ويجهل تراث العرب المسلمين فى الجغرافيا وعلم الخرائط يبدو الرحالة المسلم خروجاً على المألوف. وما زالت مثل هذه الآراء سائدة فى الدراسات الحديثة. فعلى سبيل المثال فى »رؤية العالم لأوروبا ورؤية أوروبا للعالم«، وهذا هو العنوان الفرعي لكتاب أنطوني باجدن (مواجهة الآخر 2000)، لا يوجد مدخل واحد يخص »رؤية« أي من حضارات الإسلام، سواء في حوض البحر المتوسط أو وسط آسيا أو شبه القارة الهندية، وكأن الإسلام الذى تفاعلت معه أوروبا في صورته العربية والعثمانية منذ الحملات الصليبية لم يوجد على الإطلاق. قبل ذلك زعم برنارد لويس في كتابه الإسلام والغرب (1993) أن العرب أبدوا نفس الإهمال (إزاء أوروبا) كما كان الحال في العصور الوسطى، وفي كتابه »اكتشاف المسلمين لأوروبا« (1982) اتهم لويس المسلمين بانعدام »فضولهم« تجاه الأوروبيين. وهو ينكر أفضال المسلمين في عصر النهضة إنكارًا تامًا حتى أنه يرى انفتاح الإمبراطورية العثمانية على المؤسسات الغربية في القرن التاسع عشر باعتباره اكتشافًا لا يقل عن اكتشاف كولومبس لأمريكا. لكن العثمانيين كان لهم تاريخ في الرحلات وعلم الخرائط، وكثير من المؤلفين العرب وجدوا أنفسهم أثناء دراستهم لتاريخهم يقرأون عن العديد من الشعوب الأوروبية التى احتك بها الفاتحون العثمانيون. فقد كتب محمد بن أبي السرور (البكري الوارثي، المولود عام 1676) عن تاريخ الروم والبيزنطيين حتى ظهور الإسلام، وأدرك على نحو صائب أنه بعد مجيء الإسلام أصبح التاريخ يُصنع في العالم الإسلامي وليس العالم المسيحي. أما بقية رسالته فقد ركزت على الحكام العثمانيين وفتوحاتهم. وخلال دراسته للعرب الأقدمين ثم للإمبراطورية العثمانية درس الإمبراطوريات المسيحية والأوروبية التى سبقتهم. في نفس الوقت قام التونسي، حسين خوجة (المتوفى عام 1732) بترجمة المصادر التركية والفارسية إلى العربية كما امتدح في تصدير كتابه كتاب بشاير أهل الإيمان في فتوحات العثمان، الذى انتهى من كتابته حوالى عام 1726، السلاطين العثمانيين وغزواتهم في أوروبا ومواجهاتهم مع الشعوب الأوروبية وجيوشها وثقافاتها وسعى خوجة إلى جمع المعلومات عن العالم الذى استقر فيه العثمانيون والشعوب التى واجهوها أو هزموها. من الواضح أن أوروبا لم تكن »اكتشافاً« مفاجئاً للعرب. فالمعلومات التى قدمها المؤلفون من العرب وغيرهم عن بقاع العالم المسيحي وشعوبه كانت متوافرة وقابلة للانتشار اعتمادًا على الترجمة والبحث والرحلات. ومما لاشك فيه أن كثيرًا من هذه المعلومات عرف طريقه إلى العالم الناطق بالعربية في شمال أفريقيا وبلاد الشام من خلال عالم الرحلات. فقد قام الرحالة والتجار والمبعوثون والسفراء ورجال الدين بزيارات متكررة للندن وروما وقادس ومالطا ومدريد وموسكو. ففى تسعينيات القرن السادس عشر كتب أبو فارس القشتالي، كاتب مولاي المنصور، إلى والي الجزائر يشكره على مساعدة المبعوثين الكثيرين الذين كانوا يسافرون إلى البندقية »خلال موسم الشتاء عندما تجعل أمواج البحر الطرق خطرة«. وتبرز السيرة الذاتية لأحمد بن غانم مدى أسفار المؤلف والمعلومات التى جمعها عن التكنولوجيا الأسبانية و(الأوروبية): (بعد طردنا من غرناطة) سكنا بمدينة إشبيلية، أصبحت مولعًا بالسفر في البحر المحيط فسافرت فيه مرارًا، ثم سافرت في السفن الكبار المسماة بالقيلونية، بالأعجمية، التى تأتي بالفضة من الهند الغربية البعيدة؛ فكانت تمشي عمارة كما هي من عاداتهم، وفيها جيش ورجال عارفون بآلات الحرب البارودية؛ وكانوا يجتمعون مع أكابر القوم للكلام في تلك الصناعة وتارة يأتون بالكتب المؤلفة في ذلك الفن وهي كثيرة، لأن العارفين بالعلم المباشرين للعمل وغيرهما لما رأوا أن ملوكهم يعظمون أهل ذلك الفن ومن يؤلف فيه اعتنوا به. وكنت أجالسهم وأحفظ ما يتفقون عليه وأشتغل بيدي في المدافع، وجميعهم لا يظنون أنني أندلسي؛ وفي الزمن الذى أمر فيه سلطان النصارى بإخراج جميع الأندلس (كذا) من بلاده، كنت مسجوناً من أجل ما وقع لي مع بعض النصارى على أمور راجعة إلى دعوى النفس بالشجاعة، وكان لي من أكابرهم من يعتني بي ويصاحبني، حتى خلصني الله من السجن؛ فأردت الخروج من تلك البلاد إلى بلاد المسلمين مع جملة الأندلس (كذا) ومنعوني من ذلك، فعملت بينة بأنني من الأندلس لأخرج معهم، ولم ينفعني شىء من ذلك؛ ثم أنفقت دراهم في الرشى وخرجت من بينهم وجئت إلى مدينة تونس حرسها الله ...... والأمير يوسف داي أمرني بالقعود في حصن حلق الوادي، ونحن من أهل الجيش في المراتب؛ وفيها كملت معرفة آلات المدافع بالاشتغال بيدي فيها وبالقراءة في كتب الفن؛ ولما رأيت الطائفة المسماة بالمدافعين المرتبين لا معرفة لهم بالعمل وأنهم لا يعمرون ولا يرمون بما يقتضيه العمل، عزمت على تصنيف هذا الكتاب لأن كل مدفع له قيمة مال (وتلقى) تعبًا في إيجاده، ثم يوكل على تسخيره والرمي به من يكسره ويفنيه. وكانت النتيجة »كتاب العز والمنافع للمجاهدين في سبيل الله بالمدافع«، الذى كتبه بالإسبانية وقام بترجمته أحمد بن قاسم بعد ذلك إلى العربية. أحمد بن قاسم وخلال عامي 1611 1612 سافر أحمد بن قاسم إلى فرنسا وهولندا ووقع في غرام امرأة فرنسية وجلس إلى موائد الأمراء والعلماء، ونادم النبلاء، وشارك في المناظرات والمناقشات، وأجرى مفاوضات حساسة بشأن إمكانية إقامة تحالف هولندي مغربي ضد أسبانيا. وقد روى رحلته هذه في كتاب (مفقود الآن) وظل يردد قصته لعقود تلت. وخلال زيارة له لمصر شرع في كتابة ملخص لكتابه المطول وأتمه في تونس. وأصبحت روايته عن رحلته ذائعة حتى أن كاتبًا من أقاصي السودان طلب منه نسخة. وفي 16551654 رافق رحالة آخر، وهو قس أرثوذوكسي من حلب، بطريركه في رحلة إلى بلاد الفرنجة، وهي في هذه الحالة روسيا وكتب عن الكنائس، والعادات الغريبة، وعن السياسة وعن شتى الأجانب الذين قابلهم هناك، وفيهم من أخبره عن قبائل لها وجوه كالكلاب تأكل لحوم البشر. وفي نفس الوقت تقريبًا وصل »عربيان« كانا قد تحولا إلى البروتستانتية إلى باريس، وسكنا في »منزل بروتستانتي«. وبعد ذلك بثماني سنوات، وصل قس كاثوليكي سرياني من العراق، هو إلياس حنا الموصلي، إلى مدينة البندقية على متن سفينة إنجليزية من الإسكندرونة وراح يتجول على مدار السنوات السبع التالية في »بلاد النصارى« من إيطاليا إلى إسبانيا، ومن البرتغال إلى صقلية. وفي عام 1675 ركب سفينة إسبانية من قادس إلى أميركا الجنوبية وكتب أول كتاب عن العالم الجديد باللغة العربية هو كتاب سياحة الخوري إلياس بن القسيس حنا الموصلي، تحقيق أنطون رباط اليسوعي (بيروت، 1906) وخلال عامي 16821681م استقر شخص يدعى بطرس الحلبي (بيير ديبي) في فرنسا وخدم كمترجم للمبعوثين والزائرين الوافدين من شمال أفريقيا، كما كان حال حلبي آخر خدم كمترجم في إسبانيا خلال زيادة السفير المغربي، الغساني، عام 1690م. قام الغساني، ترافقه حاشية تتراوح بين خمسة عشر وعشرين رجلاً، بزيارة مدريد ووصف قصر الأسكوريال، والصيد الملكي، التزلج على الأنهار، والمستشفيات، وقوانين الميراث، والصوم الكبير، واحتفالات أحد السعف وعيد الفصح، كما سجل الأحداث المعاصرة، مثل وفاة البابا وعلق على الأدوار الاجتماعية والدينية للنساء. وكانت زيارة أسبانيا بمثابة نافذة على بقية الأحوال الأوروبية. قبل ذلك بعام واحد، في 1686، قام التونسي حسين خوجة بزيارة »أرض الإفرنج« (ربما كانت إيطاليا) حيث قابل كثيرًا من الأطباء وتعلم على أيديهم بعض العلاجات التى حملها معه إلى وطنه تونس. وبعد عودته كتب إلى الأطباء الأوروبيين وغيرهم ممن عرف يطلب منهم تقريرًا تاريخيًا عن هذا الدواء. وفي كتيبة الأسرار الكامنة ذكر خوجة مرارًا كيف قابل الأطباء في أرض الإفرنج وفي »مدينتنا تونس« وكيف استفاد منهم كثيرًا. بعد بضع سنوات ذهب السفير المغربي عبد الله بن عائشة إلى فرنسا وأقام صداقات وطيدة مع رجال من البلاط الفرنسي وشركات التجارة، ووقع هناك في الحب. وعند عودته للمغرب روى لعائلته وأصدقائه عن فرنسا وقدم وصفا مفصلاً للغاية عن رحلته لواليه مولاي إسماعيل ولرجال الحاشية. وقام مغاربة آخرون أيضًا بزيارة أوروبا وتحدثوا عنها، ففي عام 1729 كتب القبطان الإنجليزى جون بريثويت عن »الحاج لوكاس« الذي سافر إلى إنجلترا مرتين واصفا إياه بأنه »كان رحالة عظيمًا«؛ وأنه »كان يتحدث الأسبانية بشكل متقن للغاية، ويتمتع بكياسة كبيرة في تعامله مع الأجانب«. ويعلق بريثويت مرارًا على ألفة المغاربة بالعالم المسيحي: »ونجد أهل (تطوان) يتمتعون بالكياسة واللياقة في كل مكان من جراء تجارتهم وكثرة تعاملهم مع المسيحيين«؛ »فكثير من المغاربة الذين جاءوا إلى إنجلترا بصحبة سفيرهم السابق كانوا يترددون على منزلنا« وفي عام 1747 سافر محمود مقديش إلى المشرق الأوروبى ودخل إحدى الكنائس حيث رأى رسمًا يصور معركة بين السفن الإسبانية وسفن من موطنه صفاقص«. اللغة والتعليم وعلى الرغم من أن مفهوم »أوروبا« ذاته لم يوجد بين العرب المسيحيين أو المسلمين، إلا أنه كان هناك فضول بشأن الروم (وهذا هو الاسم الذي ذكره القرآن في الإشارة إلى البيزنطيين وغيرهم من الأوروبيين)، والإفرنج (الفرنسيين) والعجم (الإسبان)، وهذا يرجع إلى أنه منذ الغزو الصليبي أصبح هناك صراع ومعاملات وتجارة متبادلة معهم. فركب تجار المغرب والأندلس والشام البحر على متن سفن من جنوة والبندقية وسافروا عبر البحر المتوسط يروجون تجارتهم؛ بل بلغ بعضهم إنجلترا في عمليات وساطة من أجل دفع فدية الأسرى المسيحيين والمسلمين: ففي التماس كتبه أحد الآباء نيابة عن ابنه الأسير في مدينة بلايموث عام 1688« من فضل الله أن كان هناك تاجر جزائري في بلدة بلايموث المذكورة آنفًا وعد بأن يسعى في شأن فديته« وفي حين قام كثير من المغاربة بزيارة الأراضى الأوروبية بغرض التجارة، كان لآخرين أهداف عسكرية: ففي عام 1573 عندما كان الجزائريون يستعدون لمهاجمة تونس، أبحروا إلى مالطا واستكشفوا الساحل وقاموا بقطع الأشجار من أجل عمليات الحصار. في نفس الوقت كان الموريسكيون في إسبانيا يستعلمون عن المدن الأوروبية وطرق المسافرين وذلك بغية الهروب عن طريق فرنسا وألمانيا (كما حدث مع شخصية ريكوت في رواية دون كيشوت) وإيطاليا إلى شمال أفريقيا وتركيا. وبالنسبة لبعض العرب المسيحيين في بلاد الشام كانت اللغة والتعليم من الأسباب التي دفعتهم للسفر إلى الدول الأوروبية فمنذ عام 1584 اعتاد حوالى خمسة عشر صبيًا مسيحيًا أن يذهبوا كل عام إلى روما للدراسة في المعهد الماروني، ثم يعودون إلى بلادهم بمعرفة واسعة عن تاريخ أوروبا وفنونها وعن اللاهوت والمذهب الكاثوليكى. كما سافر مسيحيون آخرون في رحلات حج لزيارة المراكز التي تتمتع بسلطة كنسية فذهب الكاثوليك إلى روما والأرثوذكس إلى موسكو. وفي عام 1607 ذهب أحد المسيحيين المارونيين ويدعى ميخائيل قري إلى دوق توسكانيا الأعظم الذي عينه كمبعوث للتفاوض مع الزعماء المناهضين للعثمانيين في لبنان. وفي عام 1611 أرسل فخر الدين الثانى، الزعيم الدرزي اللبناني الذي تحول إلى المسيحية، البطريرك الماروني جرجس مارون إلى بلاط توسكانيا؛ وفي عام 1623 قام البطريرك بزيارة إسبانيا. وفي عام 1613 قام فخر الدين بزيارة لي÷رن ثم فلورنسا وكانت تصحبه زوجته وسبعون مرافقًا. كما قام بزيارة الفاتيكان وقابل البابا بول الخامس. وفي عام 1615 رحل إلى صقلية حيث أقام حتى عام 1618 ثم عاد إلى لبنان. وفي عام 1630 كتب إلى دوق توسكانيا طالبًا معماريًا وطبيبًا ونجارًا ونحاتًا وخبازًا (لتعليم صناعة البسكويت)، وستة مزارعين بصحبة أسرهم وذلك لتعليم تقنيات الزراعة المستخدمة في توسكانيا. واستقر هؤلاء الأوروبيون في لبنان حتى عام 1633 وتركوا أثرًا دائمًا على معمار البيوت اللبنانية. وبعد طرد الموريسكيين من الأندلس في عام 1609، ظل الكثير منهم على اتصال ببني جلدتهم من التجار الذين استقروا في مالطا وباليرمو ومرسيليا وليفرن وغيرها من المدن الأوروبية التي كانوا يترددون عليها. وكان أحد الأسباب الرئيسية لهذا الاتصال هو تأسيس مراكز مالية لتحويل الأموال سواء بغرض تسديد الديون للبنوك الأوروبية، أو لدفع أثمان المراكب والسفن الصغيرة التى كان يصنعها بناءو السفن الفرنسيون والهولنديون والإيطاليون أو لإنهاء إجراءات دفع الفدية للأسرى. وكان التبغ إحدى السلع المهمة التى دفعت المسلمين إلى السفر لأوروبا أو الثغور الواقعة تحت الحماية الأوروبية في شمال أفريقيا. وكانت تجارة التبغ واسعة الانتشار حتى إن فقهاء المسلمين حرموها لأنها تعلم المسلمين العادات الأوروبية المرذولة، وتستنزف الموارد القومية من العملة الصعبة الشحيحة. يصف أبو سالم إبراهيم الكلالي باستفاضة رحلات التجار المسلمين ومعاملاتهم مع التجار الأوروبيين وكثرة سعيهم بحثًا عن التبغ والكثير مما علموه عن النصارى.. وعن إخوانهم في الدين أيضًا. وأما ما يفعله سفلة التجار من سفرهم إلى أرض الحرب والدخول تحت حكمهم.. وهي أعمال للسفر لبلادهم والدخول تحت قهرهم وحكمهم، بالنقود الجيدة: الذهب الخالص، والفضة الخالصة، وأنواع السلاح وما يؤول إليه ودفع ذلك في أعشاب الأرض يسمونه بالنار والدخان.. ومن أغرب ما حدثني به بعض الثقات من أصحابنا التجار، بعد أن سألته عن الذهب الجيد الذي كان يتبايع به المسلمون، وأين ذهب، وهل هو باق عند الناس في ذخائرهم، وأين صار؟ فقال لي: إن التاجر لا يختزن الدينار ولا الدرهم لعدم انتفاعه بفضل ذلك، وإنما يختزن ما يكون له فيه ربح فقلت له أين ذهب المغرب كله، قال لي: عند النصارى دمرهم الله في سلعة الدخان المشموم، فاستغربت ذلك من قوله، فقال لي: أحدثك بالواقع لى، وذلك أني سافرت إلى مدينة سبتة، أعادها الله دار إسلام، فأقمت بها قريبًا من عشرين يومًا أنتظر سلعة الهند، لعلي أجد ما أشتري، فلم أجد شيئًا، فبينما نحن في انتظار ما يظهر من أغراضي، فإذا بسفن قدمت من عدوة النصارى، ففرحت، فلما أرست لم نجد فيها عدا الدخان، فما كان من صبيحة الغد، حتى كانت كلها موزونة على ذمة مشتر، فيها خمس عشرة مائة قنطار، لم يدفع في ثمنها إلا الذهب الجيد، وبقيت بعد ذلك من خمسة عشر يومًا مقيمًا أنتظر ما نشتري فقضيت بعض أغراضي ولم أستكملها بذلة ومهانة، ورجعت لثغر تطوان فوجدت دخانها كله قد نفد، وصار إلى من سخط الله عليه، فنفدت نقود المسلمين كلها في دخان لا أصل له ولا حقيقة. لا عجب من ثم أن أمر مولاي أحمد »بحرق هذا العشب الخبيث الذى بحوزة النصارى في فاس الجديدة«. مثلما حدث في إنجلترا عندما حرم الملك جيمز الأول التبغ باعتباره عشبًا مستوردًا غريبًا يتعاطاه »العبيد الهنود المصابون بالجدرى« (مكافحة التبغ، 1604). وفي عام 1607 حرم الفقيه المغربي الثائر أبو محالي »الشجرة التى جاءت من أرض الكفرة« مثلما فعل الفقيه على بن أحمد عام 1671 الذى حرم التبغ لأنه سلعة مستوردة من »أرض الكفار« وكثيرًا ما التقى الأوروبيون وأهل شمال أفريقيا في سياق التبغ. ومن هنا جاءت شخصيتا »المغربيين اللذين يتعاطيان التبغ« في بداية مسرحية توماس ذكر سطوة الشهوة (حوالى عام 16001599). المسلمون في أدب الغرب ونتيجة لرحلاتهم إلى أوروبا أصبح »المغاربة« و»العرب« و»الأتراك« (وهو الاسم الذى كان يطلق عامة على المسلمين) شخوصًا بارزة في الأدب الأوروبي وفي المخيلة الفنية (في مجال التصوير)، واحتشد بهم الشعر والنثر في عصر النهضة: فنجد الأمير المغربي في مسرحية شكسبير تاجر البندقية؛ والمغاربة (الذين اعتنقوا المسيحية على أيدي التجار الإنجليز) في بلاط الملك جيمس الأول في مسرحية ميدلتون انتصار الحقيقة؛ و»الأتراك« في الأدب الإسباني؛ والمغاربة الذين تعج بهم مسرحيات وروايات سرفانتيس ودي فيجا. في عام 1682 كتب أحد الشعراء الإنجليز المجهولين يصف المغربي: الذي ظل حبيسًا أمدًا طويلاً في القارة المظلمة أفريقيا الظمأى يداه الغريرتان قلما لمستا المجذاف مرتعشًا دائمًا وهو يزحف على الشطآن تضرم شهرة الأرض البريطانية فيه النيران وتأنف روحه المتوثبة الرمال الكسلى فينطلق ماخرًا عباب الأطلنطي، مناضلاً بشجاعة صوب القطب الشمالي ليصل إلى أرض الثلج والمطر العجيبة. وهنا نجد أنه بالرغم من مزاعم الشاعر الإنجليزى المتباهية إلا أنه يقر بأن المغاربة كانوا مغرمين بالأسفار والتعلم. فمن المشرق والمغرب قرأ العرب المسلمون والمسيحيون عن العالم من حولهم وترجموا وكتبوا من خبرتهم المباشرة عنه. وكان الفضول والرغبة في المعرفة وراء أسفارهم. ففي روايته عن رحلته إلى مكة في الفترة 1630 1633 ينصح ابن مليح من ينوي الترحال والسياحة في »أرض الله«. أن ينظر ويعتبر في اختلاف الأرض وبقعها، سهلها وجبالها ووعرها، تفجر الأنهار منها، جريانها، آثار الأمم الماضية وما جرى لهم وكيف صاروا خبرًا وأثرًا، بعد أن كانوا رؤية ونظرًا، وكذلك ينظر باعتبار إلى اختلاف الخلق والألوان واللغات المختلفة والمآكل والمشارب والملابس والعوائد والعجائب. ومع أن الحجيج كانوا يقصدون وجهة دينية إلا أنه كان ينبغي عليهم أن ينفتحوا على الأفكار والظواهر والروائح والأذواق والألوان الجديدة، وكذلك كل ما هو مبتدع ومختلف. وعليهم أن يشبعوا فضولهم خلال الرحلة التي يتوق لها الكثيرون. ويمثل شهاب الدين المقري نموذجًا كاشفًا لشهوة العرب المحدثين الأوائل في الترحال. ففي عام 1600 رحل إلى فاس ثم عاد إلى تلمسان، ثم عاد إلى فاس، وبعد ذلك توجه إلى مصر عام 1618 ثم إلى الحجاز ثم عاد إلى القاهرة عام 1623، ثم سافر إلى القدس، وعاد إلى القاهرة، ثم إلى الحجاز ثم القاهرة والقدس مرة أخرى وأخيرًا سافر إلى دمشق حيث مات عام 1631. وعلى عكس نظرائه الأوروبيين الذين كان عليهم توخي الحذر عند السفر إلى الأقطار المجاورة ذات الملل المسيحية المختلفة، كان لدى الرحالة العربي (أو التركي) من شمال أفريقيا أو بلاد الشام إمبراطورية شاسعة يحكمها أمير المؤمنين في إسطنبول؛ فبينما كان الأوروبيون في كثير من الأحيان مقيدين بحدودهم القومية وطوائفهم الدينية ويخشون عبور الحدود البروتستانتية أو الكاثوليكية، كان العرب (والأتراك، كما في حالة إيليا شليبي الشهيرة) يستكشفون إمبراطورية بأكملها. في يناير عام 1682 قام السفير المغربي، محمد تميم، يصحبه سبعة أعضاء من حاشيته بزيارة فرنسا واكتشاف إبداعاتها الاجتماعية والفنية والفكرية. وحضر السفير أوبرا »أتيس« ل دي لولي حيث أبدى »دهشة عظيمة«، ربما إزاء المشاهد المسرحية المذهلة التى اشتملت على »جبل مكرس للإلهة سيبيل«، ومعبد وقصر وحدائق. كما حضر حفل باليه في الأكاديمية الملكية للموسيقى. وبعد ذلك بأسبوع ذهب إلى كاتدرائية نوتردام واستمع إلى عزف على الأرغن ثم زار المرصد الفلكي ومنزل أحد أساتذة علم الفلك حيث أعجب بنماذج للكرة الأرضية وخرائط لمدارات الكواكب وتلسكوبات وبناديل (جمع بندول). وقد علق أحد الفرنسيين المرافقين له قائلاً: »إن هذا السفير لديه فضول شديد إزاء كل ما يتعلق بالعلوم والفنون«. وكانت هذه الزيارة ناجحة للغاية حتى إنه عند مغادرة السفير يوم 25 فبراير تلقى هو وحاشيته هدايا تذكارية رائعة من ملك فرنسا. وقد لوحظ عنصر الفضول هذا مرة أخرى مع عبد الله بن عائشة، والوفد التونسي الذى زار فرنسا عام 1743. فقد قال المبعوث الأعظم، علي أغا، في حضرة مساعده محمد خوجة وأعضاء الوفد السبعة الآخرين (الذى ضم إمامًا وطباخًا وثلاثة حراس وخادمين) »إنه لمن دواعي سرورنا أن نزور مملكة طالما تقنا لرؤيتها«. ومن ثم حرص المضيفون الفرنسيون على إشباع »فضول« الضيوف، فأخذوهم إلى الأوبرا وشرحوا لهم الفرق بين نظام كوبرنيكوس ونظام بطليموس، ودعوهم لاحتفالات أشبعت »فضولهم« كما قال المرافقون الفرنسيون. لقد كان الرحالة العرب والمبعوثون والسفراء والتجار ورجال الدين شديدي الحرص على طرح الأسئلة عن بلاد النصارى وعلى تسجيل الإجابات ومن ثم على تحويل انطباعاتهم إلى وثائق. فجاءت كتاباتهم جميعًا متميزة بالدقة والفطنة، وأثمرت معلومات مفصلة للغاية تستند إلى الخبرة العملية حول الكيفية التي كان ينظر بها غير الأوروبيين للأوروبيين في بدايات العصر الحديث. فلم تترك لنا حضارة من الحضارات غير المسيحية لا الحضارة الهندية الأميركية ولا الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى ولا الآسيوية وصفا موسعًا للأوروبيين ولبلاد النصارى، سواء في القارة الأوروبية أو أميركا، مثلما خلّفه العرب. ترجمة/ هاني حلمي حنفي أجزاء من مقدمة كتاب: In the Lands of Christians: Arab Travelers to Europe and America (1161-0071) في بلاد المسيحيين: الرحالة العرب إلى أوروبا وأمريكا (Introd and Trans. Nabil Mater) يصدر قريبًا عن دار روتلدج (*) تنشر بالترافق مع مجلة »الكتب، وجهلت نظر« القاهرية