الكتاب: حديث النار الكاتب: مفيد خنسة الناشر: جمعية الشجرة، بيروت صار للصورة التي تنقلها كاميرا التلفزيون او تراها عينه لتنقلها الى الملايين في شتى أنحاء العالم، وشم في الذاكرة، يرغب الشاعر السوري مفيد خنسة بتسميته وشم النار في مجموعته الشعرية الاخيرة المسماة »حديث النار«، التي ينطلق فيها من مأساة الفتى الفلسطيني محمد الدرة، وقد ثبتتها للعالم كاميرات التلفزيون، متوسدا ركبة والده وقد نهب الرصاص الاسرائيلي آخر نبضة تتردد بين جوانح الفتى الصغير، فمن يجرؤ بعدها على النسيان؟ كتب مفيد خنسة قصيدة واحدة طويلة، بل نشيدا ملحميا متعدد الأصوات والمقاطع، ضمّنه كتابه الشعري، انطلاقا من مشهد محمد الدرة، مبتدئا هذا الإنشاد بعبارة »نار على كتفيك«، وأول ما يتبادر للذهن تجاه هذا المطلع، وتاليا تجاه القصيدة، صورة شعرية وسؤال في الشعر حول واقعة استشهاد الفتى الفلسطيني محمد الدرة بالذات كما نقلتها الكاميرا الحية بمراحلها وتفاصيلها. أما صورة النار على الكتفين فصورة حسية ورمزية مؤثرة قد تحمل ذهن القارئ في اتجاه الشال الفلسطيني المرقّط الذي يوضع في العادة على الكتفين، فكأنه شال من نار المأساة. لكن السؤال الملح علينا، قبل الاستطراد في تحليل القصيدة، هو التالي: الى اي حد يستطيع الشعر ان يباري مشاهد صارخة ووحشية بعينها بفداحة مشهد محمد الدرة كما نقلتها الكاميرا؟ بلاغة المشهد ان لمشاهد خاصة بلاغتها التي لا تبارى، والبلاغ الشعري يكاد يدخل في حرج معها، لقد حصل مثل ذلك حين سال الدم غزيرا في شوارع تشيلي فصرخ بابلو نيرودا مكتفيا بالتسجيل: »تعالوا انظروا الدم في الشوارع/ تعالوا انظروا الدم في الشوارع«. ولعل هذا الحرج حاصل كل يوم تجاه حدثيات الدم الفلسطيني المراق بفداحة يومية على ارض فلسطين، فلا مانع من ان نستعيد هنا ايضا صرخة نيرودا »تعالوا انظروا الدم في الشوارع«. لكن ذلك لا يمنع الشاعر من دخول مباراته الشعرية مع الواقع... يتابع مفيد خنسة نداءه الانشادي الصوري الاول، منتقلا من النار (الحارقة، رمز الألم او العذاب) الى النور المضيء والكاشف على وجه الفتى فيقول »نورٌ على خديك«، اذ ما يحرق ويعذّب (على الكتفين) ينعكس نورا على الخدين، بذا تستقيم معادلة الألم المبدع او المحيي للفتى الفلسطيني.. ويستطرد الشاعر مسجّلاً رؤيته الرمزية المستمدة من عناصر الإحياء في ملامح الفتى، قارئا الأمطار (رمز الخصب) في عينيه، فيقول.. »والأمطار هاطلة بكل بهائها من مقلتيك«، ويحتدم الخطاب الانشادي الصوري تبعا لذلك واستطرادا من خلال توجيه هذا الخطاب الى ضمير المخاطب »ك..« لتنكفئ او تنتهي العناصر الاحيائية والبهية إليه، ومنه على البلاد، فيصوره فارشا للتلال حديقة بيضاء تنعم في جدائلها البلابل.. »والضياء يهلّ فوق سمائنا من ناظريك..« والورود تسّاقط على السفوح.. الخ، فالقسم الاول من القصيدة يسجّل هذه المفارقة او الطباق بين النار الملقاة على كتفي الفتى والنور والمطر وسائر عناصر الاحياء في بقية ملامح جسده ووجهه.. وهي ملاحظة تحسب للشاعر الذي ينهي هذا القسم بما يشبه صور القيامة.. »القدس.. ها قد شقّت الارض الحنونة مثلما انفطرت سماء الشام..«. يبقى ان نشير الى ان هذا القسم من القصيدة هو إنشادي إيقاعي من الوزن الكامل »متفاعلن متفاعلن متفاعلن..«، لكن الشاعر ما يلبث ان ينتقل منه في القسم الثاني من القصيدة الذي هو شكل من أشكال القسم »والحجارةِ والنار.. وجمة أمي وعهد الجسور... الخ« الى وزن المحدث الثقيل »فعولن فعولن فعولن..« ما يناسب طقس المعنى.. لكن تعود فتغلبه غنائيته فيعود الى »الكامل« مستنطقا الشجر العالي والبحر والأنهار العربية، التي يحشرها جميعا في مقطع واحد او جملة شعرية واحدة. ».. والنيل يحبس في عينيه من غضب ماء الفراتين، لو أمطرت في شجني لفاض من عيني الخابور مرتجفاً وطاف من قلقي في فيضه بردى..« ولا نلاحظ على هذا المقطع تعبا شعريا او تكلفا إيقاعيا، فالربط بين الأنهار وذات الشاعر ربط ينساب بلا افتعال، بل هو ربط جميل.. لجهة تجنّب إعلان الاحتجاج السياسي، والاكتفاء بالايماء، ما يجافي الشاعر في ما بعد فيسمّي الأشياء بأسمائها او يكاد. يقول: »حاخامهم من دم الأبرار عتّقها«، ويسمّي ويومئ »مدت لإسحاقهم بالأمس وانخسفت/ تلك التي سلّمت ياهو صكوكهم/ والصلعتان لو ان البحر موردهم/ من الخيانة لا يكفي لهم مددا..«، والسؤال الساخر هو عن »صاحبي الصلعتين« من هما؟ طقس شعري هل هذا الكشف السياسي يعيق الشعرية؟ نسأل أنفسنا، نجيب: أحيانا... خاصة حين يجد الشاعر نفسه مطالبا بحشد جميع أسماء ومفردات السياسة العربية، وتلك المتعلقة منها بفلسطين، حشدا يعطّل الايماء والرمز، ويقرّب الشعر من البيان السياسي... فتراه تبعا لذلك، يذكر بالتسمية، القدس والجليل و»حقد اليهود« و»العرب« وصنعاء وبردى »ومجزرة القدس« و»سفح الجنوب« واليهود »الخائفين«، والمقاومة في الجنوب بإشارة لاسم قائدها »وها إمام جليل ماردٌ حسن« »تهتز من صوته الدنيا اذا ارتعدا«، يتبع ذلك استنهاض عربي شامل بالتسميات للبلاد والعواصم.. ما يضعف القوة الايمائية للشعر ويقرّبه من التقرير. وهو الجزء الأضعف في قصيدة الشاعر، على كل حال. لكن مفيد خنسة، ما يلبث ان يسترد طقسه الشعري بشفافية الرمز والصورة، حين يعود ليشير الى الدرة، المقتول ظاهرا، إنما الحي فعلا فيراه »يوغل في حميم أنوثة الاشجار/ يمطر في حريق سريرها ماءً وفي أحشائها نوراً..«، كما انه يحشد زبدة القول الشعري، ويتجاوز المشهد المحرك للقصيدة، في اتجاه معانٍ يمدها على الحياة بكاملها، بادئا ومستطردا من ضمير المخاطب »ك« (نارُك، يداك، عيناك... الخ)، الى الضمير المنفصل »هي«، فكأن هذا الانتقال باللغة من ضمير لآخر، هو انتقال بالقصيدة من الخاص للعام، ومن المسمّى للتسمية.. بما يشبه او يلامس الحد الشمولي (الصوفي) الموحد بين الاشياء والأسماء على تناقضاتها... فهي ما هي؟ (كما يقول): »لكأنه يُغري السؤال وهي القصيدة والمحال ولكل مرتحل مآل وهي الغصون هي الظلال وهي الكلام أو المثال وهي السهول هي التلال هي ما يقال ولا يقال وهي الجواب هي السؤال«. وكأن الشاعر يدرك ان زبدة قوله الشعري في مثل ما سبق، فيثنّي ايضا »... فهي الطريق إلى النجاة هي المصير وهي الغصون هي الجذور وهي الحصيرة والحصير هي، ما هي؟ هي كالبحيرة حين يدخلها الغدير وهي المنام هي السرير وهي المضيق هي العبور وهي المدار هي المدير فبأي المدار هي المدير فبأي آلاء تكذّب أو تحير؟ هي سدرة النجوى التي في مهدها يحلو لقلبك ان يشير«.