As Safir Logo
المصدر:

قصة قصيرة للشاعر والقاص البيروفي خوليو أورتيغا البطاطا

المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 2002-07-26 رقم العدد:9258

فتح حنفية المجلى وغسل السكين. وإذ شعر بطرطشة الماء، نظر عبر النافذة فرأى ريح ايلول تهز الاغصان الطرية لأشجار الشارع، أولى تباشير الخريف. غسل بسرعة ثمار البطاطا حبة حبة. لونها فاتح وصاف، الى كونها كبيرة وثقيلة. باشر بتقشيرها على مهل مستخدما السكين بدقة وعناية، عندها دخل الصبي المطبخ. »ما الذي ستطهوه؟« سأله، ثم وقف بانتظار الجواب. »دجاج مع الصلصة«، اجابه الرجل، لكن الصبي لم يصدقه. كان في السادسة فقط، غير ان بمقدوره تمييز طبخة دجاج عن اخرى. »انتظر لترى«، قال له الرجل. »هل ستضيف إليها البصل؟« سأله الصبي. »القليل منه«، اجابه. ترك الصبي المطبخ غير مقتنع. أنهى الرجل تقشير البطاطا، وأخذ يقطعها. تراءى له من خلال النافذة تقدم وهج منتصف النهار. بدا ذاك النور وكأنه يشل الاوراق اللماعة على الشجر، كان للب البطاطا نفس البياض النظيف لخارجها، وراح السكين يخترقها وكأنه يقطع طينا مبلولا. بعد البطاطا غسل البصل وقطعه بهدف فرمه. نظر الى الوصفة مرة ثانية، وبحث في خزانة المطبخ عن التوابل. عاد الصبي ادراجه، ثم قال بما يشبه الاحتجاج: »أكل الدجاج ممل«. »ليس هذه الوصفة بالذات«، اجابه الرجل، »سترى انها طبخة لذيدة«. »أضف إليها موادّ كثيرة«، اوصاه الطفل. »سأضيف إليها المردكوش والفلفل، وحتى بعض السكر«، اوضح الرجل. ارتسمت على وجه الطفل ابتسامة الرضى. وضع الرجل البطاطا في المصفاة لتجفيفها. بدا اللب نضرا، شديد البياض تقريبا حتى كأنه لب التفاح. من اين اتت تلك الحبات؟ الارجح من ويومنغ او ايداهو. تذكر ان بطاطا بلاده اكثر صلابة وذات نكهة اقوى تكتسبها من طبيعة التربة ا لمحلية. هي من النوع الداكن قليلا، بلون الارجوان تقريبا، وثمة ايضا الحبات الصفراء الاشبه بصفار البيض. يقال انه كان هناك اكثر من ألف نوع من البطاطا، وقد انقرض معظمها. تلك التي اختفت، هل يعود السبب الى انها لم تغرس بقوة في التربة؟ أكانت من الانواع الحساسة؟ لعلها اختفت بسبب تراجع الاهتمام بالاراضي الزراعية. يقول البعض، وربما هم على صواب، ان خسارة ولو نبتة بلدية واحدة تجعل العالم اكثر فقرا، مثلما هي الحال عند تدمير عمل فني في مدينة ابتليت بغزاة. لو ان تاريخ الانواع المنقرضة قد دُوّن لتبيّن انه لكثرتها ما كان لإنسان ان يجوع. مسلوقة، مشوية، مقلية، او يخنة، لا شك في ان تنوع طرق طهو البطاطا يشكل تاريخا طويلا في حد ذاته. تذكر ما اخبرته والدته يوم كان طفلا: في أوان »الحصاد«، تشوى اضخم حبات البطاطا لكل الحاضرين، فتظهر امام الاعين وهي تتفتح في النار كما الازهار. لعل هذا النوع هو من ضمن تلك المنقرضة، ذاك الذي يتحول الى ازهار داخل ألسنة اللهب. تساءل هل »تُحصد« البطاطا ليلاً على ضوء القمر؟ اخذته الدهشة لضآلة ما يعرفه عن شيء يأتي من بلده. وإذ هو يفكر بالامر، تراءى له ايضا ان كلمة »حصاد« ليست الكلمة الصحيحة. أهو جمع؟ أم حفر؟ ماذا يسمي ذاك »الحصاد« من تحت الارض؟ تجنب لفترة طويلة في الماضي عدم اكلها. حتى اسمها تبدى له غير مستحب. كلمة يرتبط اسمها بالمقاطعات، انها مجرد دليل آخر على الموارد الهزيلة المحتوى الغذائي، فالبطاطا تفتقر للبروتين فضلا عن نسبة الكاربوهيدرات العالية فيها. بدا له ان البطاطا المقلية حسب الطريقة الفرنسية يمكن احتمالها اكثر من غيرها. حسب ما يذكر انها تتميز بتأثيرات سلبية اقل. في البداية، حينما بدأ الاهتمام بالصغير دون مساعدة احد، حاول تبسيط محنة الوجبات بأن يقصد المطعم القريب من المنزل. لكنه سرعان ما اكتشف انه إذا حاول طهو شيء ما فذلك يساعد على مرور الوقت، كما يتسلى ايضا بما يثيره الامر من فضول لدى الصغير. تناول الشرحات المقطعة، لم يكن هناك من جديد ليكتشفه فيها. لم يكن من الضروري توقع شيء اكثر من الكثافة التي تتميز بها، والمقرونة بنظافة خام من نكهة الارض. ما لبث ان تخيلها تتحول بين يديه الى إزهار سري انقشع أمامه في المطبخ. بدا كأنه اكتشف واحدا من انواع البطاطا الأنديزية، ذاك النوع الذي يخصه. راح يتساءل عند الظهيرة عن صوابية ما افترضه. عندما بدأ الفروج يتحمر في المقلاة، رجع الصبي وقد جذبته الرائحة. كان الرجل منشغلا في إعداد السلطة. »من أي بلد هذه الوجبة؟« سأله الولد مدركاً أنها وصفة مختلفة. »البيرو«، اجاب الرجل. »أليست من إيطاليا؟« سأل الصبي مندهشاً. »أعدّ الآن وصفة مختلفة«، شرح له. »تأتي البطاطا من البيرو. تعلم ذلك، أليس كذلك؟«. »بلى، لكني نسيت«. »لكنها من النوع الجيد، وثمة انواع ونكهات عدة. كما انك تذكر انواع المانغا؟ كنت تحبها حين ذهبنا لزيارة جديك«. »لا أتذكرها. أذكر فقط الأسد في حديقة الحيوانات«. »ألا تذكر الشجرة التي في متنزه أوليفر؟«. »آه هاه. أتذكرها«. »كنا سنعود الى هناك الصيف المقبل لزيارة عائلتنا الكبيرة«. »ماذا لو حدث زلزال؟«. ذهب الصبي وأحضر كتابا يعلم القراءة بالاسبانية، ثم جلس الى طاولة المطبخ. قرأ الاسماء الرنانة بصوت مرتفع، أسماء بدت اشبه بتاريخ لم يزل نابضا. كان على الرجل ان يذهب إليه بين الفينة والاخرى لشرح هذا وذاك. تذوّق الأب الصلصة متفحصا مقدار ملحها، ثم اضاف قليلا من نبات الطرخون التي بدت رائحتها القوية مدعاة للبهجة، ثم شيئاً من المردكوش لإضافة نكهة طيبة اخرى. لاحظ كيف ان الضوء الخارجي الذي كان منحبسا بفعل شجرة انسل عبر حفافي الاخضرار الداكن للأوراق، ليندلق الآن على عشب الرابية التي يقوم عليها منزلهما. ومع بلوغ النور كامل العشب، بدا الاخير كحقل مائل، بل اشبه بمنحدر لنار أليفة تتبدى من النافذة. ألقى نظرة على الصبي الذي كان منشغلا بالتحديق بإحدى صفحات الكتاب الذي بين يديه. من ثم نظر الرجل الى الزرقة الهادئة والمترامية للسماء. بعدها تطلع في اوراق الخس بين يديه، تلك الاوراق التي راحت تطقطق لدى خلعها لتتبدى كالبراعم الطرية واحدة اثر الاخرى تحت حنفية الماء الجارية. خطر له فجأة انه لا بد كان في سن السادسة او السابعة عندما اعتاد والده، يوم كان ذاك الولد في مثل عمره الآن، في قرابة الاربعين، الطهو في المنزل أيام الآحاد. لطالما كان والده في مزاج رائق وهو يطهو، مفاخرا بأهمية الطبخات الصينية التي تعلمها في مزرعة نائية من البيرو. لعل والده اعد هذه الطبخات له هو في ذلك الماضي الذي لا يموت، احتفاء بلقاء الأب والابن. شعر بقلق غريب، أشبه بالذي يتسبب به سؤال لا جواب له، عندما تبين له انه لم يعترف قط كما يجب ببادرة والده، بل إنه حتى لم يفهمها. واقع الامر انه رفض ذات مرة طريقة طهو والده قائلا ان طعامه كثير التوابل. الارجح انه كان عندها في حوالى الخامسة عشرة وحدث لديه حينها تحول كبير باتجاه الاطعمة الطبيعية، ويذكر انه ترك الطاولة وصحن السمك في يديه. قصد المطبخ وفتح الحنفية ليغسل بسرعة لحم السمك المطهو بصلصة الصويا والزنجبيل. حضرت والدته الى المطبخ ووبخته على فعلته، التي بدت له غير مؤذية، لكنها غدت منذ ذلك الحين غير قابلة للإصلاح. عاد الى المائدة بصمت وتجهم، رغم انه لم تظهر على والده علامات الانزعاج. او هل يمكن ان يكون قد تراءى للوالد ان الطبخة التي سيعدها لاحقا ابنه، تلك الطبخة التي سيطهوها بدوره لابنه الذي سينجبه عندما يكبر، سيرفضها الابن؟ لم تزل الذكرى تؤلمه، لكنها تجعله يشعر ايضا برغبة في الضحك. كان ثمة نوع من السخرية في ترداده لحركات والده وإشاراته، اذ هو يعد طبخة ذات نكهة معينة في المطبخ. مهما يكن، كما يحصل للتنهيدة التي لا تكتسب معنى لها سوى بإعادتها، اكتشف نوعا من التناسق في الاعادات، تناسق يكشف آلام المشاعر التي لا يفهم كنهها بسهولة. كما تفعل الحيوانات التي تطعم صغارها، نغذي نحن بني البشر انفسنا بوعد يقول ان الطعام سيحمل مذاقا طيبا، قال لنفسه. نقوم بتحضير طبخة بكل تفاصيلها المنهكة كي يذكرنا اولادنا ضمن سياق تاريخ من النكهات يمر بساحتهم. لا بد انه رفع صوته اثناء تمتمته بذلك، لأن ابنه رفع رأسه ونظر إليه. »ماذا«، سأله »إيطالي؟«. »بيروفي«، صحح له. »مع نكهة من الجبال، مزيج من نكهة الطعام الهندي، والصيني والاسباني«. ضحك الصبي لأنه احس بانطواء اصوات تلك الكلمات مجتمعة على نكتة. »عندما نذهب الى ليما، سآخذك الى المطاعم«، وعده الأب. انفجر الولد بالضحك ثانية. »طعمها جيد«، قال الصبي. »طعمها افضل من طبخة البارحة«، عقب الرجل. سكب الرجل قليلا من عصير البرتقال. ركع الصبي على الكرسي ثم راح يأكل لقمة من كل شيء. اكل بدافع الفضول اكثر منه بدافع الشهية. أحس الرجل مرة جديدة بذاك الشعور من الانكشاف الذي يصاحب عملية اكل الشخص ما طهته يداه. كان يعلم انه تكمن خلف النكهة، تلك المواد المكونة للطبخة التي تحولت مع الطهو من مواد منفصلة الى وجبة مستقلة عما تكونت منه أساسا. وهذا سر لا يعرفه سوى الطاهي الذي يخلط المكونات والنسب الى ان يتأتى امام العين والفم شيء مختلف. هذا الفعل الطبخي يمكن ان يشكل مغامرة، بل هو اشبه بغزوة صيد. ولا بد من ان تحصل مشاركة في لذة احداث ذاك النقل او التغيير، بمعنى ان يحل نوع من مهرجان وجيز مع استكشاف الآكلين لمغالق النكهات، مدركين بالنتيجة ان شيئاً أشبه بالوهم قد تحقق. لاحقا قصد المطبخ وأحضر حبة بطاطا غير مطهوة، ثم رفعها مقابل الضوء الذي يبين عبر النافذة. كانت الحبة كبيرة، وقد ناسبت بشكل رائع تعاريج يده التي اطبقت عليها. لم يندهش من ملاءمة الشكل غير المستوي لهذه الدرنة المنتفخة للخط المتعرج ليده. يعلم ان حبة البطاطا، وإن تكيفت شكلا مع اراضي بلدان عديدة، تبقى امينة لطبيعتها الداخلية، حتى لو بدا انها تجاهد لاحتلال حيز اشبه بالمسروق. كان كامل تاريخ شعبه حاضرا ها هنا، قال لنفسه، شعب صمد في ارض غُزيت ونهبت مرات عدة، ليعود ويتكاثر في اماكن قصية تحت الحصار والانتظار. ترك الشقة، نزل الدرج ثم سار باتجاه الشجرة التي على الرابية. كان نهارا كامل الاوصاف، وكأن كل تاريخ النهارات حضر مع كتل الأشعة أمامه. كان العشب متوهجا، ويمثل كل انواع العشب التي وقعت عليها عيناه سابقا. راح يحفر بكلتا يديه، فانفتحت امامه الارض باردة. وضع حبة البطاطا في الحفرة، ثم غطاها بسرعة بالتراب. مع شعوره بشيء من الحرج، تلفت حوله. عاد ادراجه وصعد السلم ماسحا يديه وهو يكاد يركض. كان الصبي واقفا على الشرفة بانتظاره. لقد شاهد كل شيء. »ستنمو شجرة هناك!« قال الصبي بصوت ينطوي على شيء من الذعر. »لا«، اجابه الرجل مهدئا، »البطاطا لا تنمو الى اشجار. اذا نجحت ونمت فذلك يحدث تحت الارض«. بدا ان الصبي لم يفهم كل ما قاله الوالد، لكنه ضحك فجأة. »لا احد سيعلم انها موجودة هناك«، قال وقد شعر بشيء من الحماسة لمشاركته والده في ما يشبه جريمة ما. ترجمة/ فوزي محيدلي خوليو أورتيغا: ولد عام 1942 في كاسما بالبيرو، وهو يعيش اليوم في الولايات المتحدة منذ عام 1979. علّم الأدب الاميركي اللاتيني في جامعات تكساس، وكاليفورنيا وماساشوستس. يكتب اورتيغا الشعر والفن القصصي، والمقالات، مستعملا الاسبانية والانكليزية. عمله السردي الأول »دياريو ايماجينا ريو« (1988) نشر في كولومبيا. تركز قصته القصيرة »البطاطا« على مهاجر بيروفي الى الولايات المتحدة. تعتبر البيرو أمة متعددة الأعراق، وتتألف من الهنود الأصليين وأناس متحدرين من أوروبا وأفريقيا وآسيا. ومعظم ذوي الأصول الأوروبية يتحدرون من اسبانيا.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة