ربما هو »مار الياس الحي« شاهراً سيفه في لوحة علقت فوق مذبحها الزجاجي الجديد، هو الذي استعجل عودتها قبل أبنائها لتحتفل بعيده. فبالأمس، استعاد جرس كنيسة مار الياس القنطاري صوته قبل أن تخلع جدرانها الخارجية الشباك الخضراء التي تلف جسدها الذي لم يزل قيد الترميم. بالأمس شرّعت الكنيسة، التي تمردت على الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982 واحتفلت تحت الرصاص وزنار النار بعيد شفيعها بقداس ترأسه خوري رعيتها آنذاك المطران الحالي خليل أبي نادر، شرّعت أبوابها رسمياً لأبناء رعيتها الذين توافدوا إليها من أماكن تهجيرهم التي أصبحت ديارهم الجديدة البديلة من دون أن ينسوا المساهمة في ترميمها وهو ما سجله لهم راعي أبرشية بيروت المطران بولس مطر في بداية عظته التي ألقاها خلال ترؤسه القداس الاحتفالي الذي أقيم بالمناسبة. ومن أعلى التلة المشرفة على قلب بيروت وأحيائها من اكثر من جهة وعلى البحر من جهة ثانية، اكتفت كنيسة مار الياس بموقعها المميز على كتف منطقة القنطاري وبحجارتها الرملية الجميلة على بساطة بعيداً عن النقوش والبزخ فاستعادت مقاعدها القديمة التي لم يتلفها المهجرون الذين لجأوا إليها خلال الحرب وأدخلت عليها بعض الترميم الضروري وحملت تمثال السيدة العذراء وهي تحضن ولدها من محيطها وأعادته إلى صدرها من جديد. حتى ان استعجال الافتتاح لم يسمح بترميم تمثال السيد المسيح المصاب بشظية في قلبه، إصابة لم تمنعه من حضور القداس الاحتفالي من تلك الزاوية التي مدد فيها في آخر الكنيسة. عقب انتهاء الحرب مباشرة فتحت كنيسة مار إلياس أبوابها لأبنائها وبين جدرانها التي نالت منها الحرب ولم يعرف الترميم طريقه إليها إلا قبل عام من اليوم، احتضنت أعراس من اضطروا إلى الرحيل عنها ولكنهم حملوا فرحة أولادهم إليها. وكما في أفراحهم رغب من ترك الدنيا من رعيتها بأن يكون مذبحها آخر مكان للصلوات تودع جثمانه. في عظته التي ألقاها مطر بحضور أبي نادر وحشد من أبناء الرعية من بينهم ميشال الخوري نجل الرئيس الراحل بشارة الخوري وشخصيات، تحدث عن تاريخ الكنيسة في بيروت أم الشرائع والتعايش بين أبناء الديانات السماوية الثلاث، مؤكداً انه »لا يمكن أن يكون لنا مستقبل إلا إذا عدنا إلى الله الذي خلقنا على صورته وليس الله الذي يصنعه بعضنا على صورته، يعبد شهوته وماله والسلطة والتسلط«. وبعد أن أكد على أهمية الحرية قال مطر »لا نريد للبنان أن يصبح مأوى للعجز فيما شبابه في كل مكان من الدنيا«، داعياً إلى الصلاة »لكي تنقشع غيوم الحرب عن المنطقة لكي يعرف شبابنا الحياة والسلام«، مناديا »بسلام عادل وشامل وبعودة الحق إلى اصحابه«. تاريخها، انها أول كنيسة مارونية رعوية في بيروت (سبقتها كاتدرائية مار جريس في الوسط بخمسة وعشرين عاماً ولكنها للمطرانية وليست رعوية) وك»حاضنة« لثلاثة من رؤساء الجمهورية (بشارة الخوري واميل اده وكميل شمعون) والأهم رعيتها التي زاد عددها عن الثلاثة آلاف نسمة قبل الحرب تشير الى أن كنيسة مار الياس القنطاري تستحق أكثر من أن تتحول الى مجرد مقام أو مزار لرعية تتذكرها في بعض مناسباتها ولكنها أبداً لا تعود إليها.