As Safir Logo
المصدر:

عرفان شهيد حول الرومان والبيزنطيين وعرب ما قبل الفتح الغساسنة عرّبوا بلاد الشام قبل الإسلام وكان لهم بلاط شعري

المؤلف: هواري زهير التاريخ: 2002-07-19 رقم العدد:9252

خلال الفترة الفاصلة بين 25 ايار و20 حزيران زار لبنان استاذ الدراسات العربية في جامعة جورجتاون الاميركية البروفسور عرفان شهيد. ومع ان الدعوة للبروفسور شهيد وجهت له اصلا من جامعة البلمند افتتاحا لسلسلة محاضرات عصام فارس، الا انه حاضر ايضا في كل من الجامعات الاميركية والروح القدس الكسليك والمعهد الالماني للابحاث الشرقية. المحاضرات التي ألقاها شهيد تمحورت حول »البيزنطيون والعرب في مرحلة ما قبل الاسلام« و»الترجمة العربية للكتاب المقدس قبل الاسلام« و»جبران خليل جبران بين ألفيتين«، والعناوين الثلاثة هذه ألقيت في باحة عصام فارس في كلية الآداب والعلوم الانسانية في جامعة البلمند. أما المحاضرات التالية فدارت حول موضوعات متصلة بهذه العناوين او متقاطعة معها. ويحمل عرفان شهيد شهادة الدكتوراه في الدراسات العربية والاسلامية من جامعة برنستون. وهو مؤرخ متعدد الاختصاصات والابحاث في تاريخ الرومان واليونان وبيزنطه القديم والمتوسط، وكذلك في العالم العربي والاسلامي والشعر العربي، منذ ما قبل الاسلام. ويستند شهيد الى معرفة باللغات القديمة ايضا: اللاتينية واليونانية والسريانية، وله العديد من الكتب المنشورة منها: شهداء نجران (بروكسل 1971)، روما والعرب (واشنطن 1984) البيزنطيون والعرب في القرن الرابع الميلادي (واشنطن 1984) البيزنطيون والسامية الشرقية قبل ظهور الاسلام (لندن 1988)، البيزنطيون والعرب في القرن الخامس الميلادي (واشنطن 1989) البيزنطيون والعرب في القرن السادس (واشنطن 1995) والبيزنطيون والعرب في القرن السادس الميلادي (واشنطن 2001) وهو في ثلاثة مجلدات. وله كتاب بالعربية يحمل عنوانا هو »العودة الى احمد شوقي« صدر عن الدار الاهلية في العام 1986. له ابحاث منشورة في ابرز المجلات الاميركية والالمانية والهولندية والعربية والبلجيكية والانكليزية. وله مساهمات في الموسوعة الجديدة للإسلام والموسوعة البريطانية وقاموس العصور الوسطى وقاموس اوكسفور البيزنطي و.. »السفير« التقت شهيد قبل عودته الى الولايات المتحدة وأجرت معه حديثا مطولا، تناولت فيه معه تاريخ الروم وبيزنطة والعرب، والشعر العربي في بواكيره الاولى، والقبائل العربية لا سيما القبائل المتنصرة، الغساسنة خصوصا وتنوخ وسليح وكلب عموما ودورها في تعريب المنطقة، كذلك تطرق الحديث الى الدولة الاموية وكيفية تعاطيها مع هذه الفئات. ونظرا لاتساع المساحة الزمنية للحديث نكتفي بأن نأخذ منه ما يضيء على رؤية شهيد كمؤرخ للتاريخ السياسي العسكري والفكري باعتبار ان النص الكامل بحاجة الى مساحة لا تتوافر، مع تركيز خاص على الجانب الادبي والثقافي. علما اننا سنعتمد سردا يحذف الاسئلة من النص. يعيد شهيد اهتمامه بالدولة البيزنطية الى مرحلة كان فيها طالبا في جامعة اوكسفورد، اذ لفته ان المؤرخين الاوروبيين تناولوا سقوط الدولة الرومانية تحت تأثير هجمات القبائل الجرمانية في الجناح الغربي مع اهمال الجناح الشرقي في سقوطها وهو الهجوم العربي في القرن السابع الميلادي وكانت ذروته معركة اليرموك واقتطاع بلاد الشام وشمال افريقيا والاندلس. ومع ان الوحيد الذي لفت الى الامرين هو المؤرخ ادوارد جيبون، الا ان كتابه »تدهور وسقوط الامبراطورية الرومانية« بات قديما. وعندما بدأ شهيد دراسة هذا الحدث شعر بأن دراسة ظهور الاسلام والفتح العربي ليست كافية، بل لا بد من دراسة خلفية هذا الحدث، لا سيما ان علاقة الروم بالعرب تمتد الى عام 63 ق. م. عندما احتل القائد بومباي بلاد الشام وانتزعها من ايدي السلوقيين، علما ان الحضور العربي كان قويا في هذه البلاد عبر العديد من الدويلات التي اغتنمت ضعف الدولة السلوقية واحتلت اكثر بلاد الشام. ويقسم شهيد القرون السبعة التي فصلت بين هذه السيطرة وظهور الاسلام الى ثلاثة اقسام: الأول: الروم والعرب من العام 63 حتى حوالى عام ثلاثمئة قبل الميلاد. وكان القرن الثالث الميلادي عربيا في تاريخ الامبراطورية، فالامبراطور سبتموس سفيروس تزوج سيدة عربية من حمص تدعى جوليا دمنة، كما تزوج سواه جوليا سحيمة وجوليا مايسة وهي اسماء عربية. وكان الامبراطور فيليب عربيا مئة في المئة من الشهباء. واعتمد الرومان على اذينة اللامع في قهر شاقور الاول الفارسي وأعاده الى اسوار طيسفون عاصمته. المهم ان زوجته المشهورة زينب او الزباء اعلنت الحرب على روما واحتلت القسم الشرقي من الامبراطورية وكادت تصبح امبراطورة في روما نفسها، لولا ان غريمها اورليان كان ماهرا عسكريا. ولو كان زوجها أذينة حيا فالارجح انه كان هزمه واستولى على روما. الثاني من القرن الرابع وحتى السابع، وقد افردت له مجلدا في مجلداتي، وقد خصصت للقرن الخامس مجلدا، أما القرن السادس فقد خصصت له ثلاثة مجلدات. وهي تتناول التاريخ السياسي والاجتماعي والأثري، اي العمائر والمباني. وأكتب الآن الجزء الرابع الذي يتناول الحياة الثقافية ويوضح بشكل دقيق وتام عروبة الغساسنة التي مهدت لتعريب المنطقة. الثالث وقد انهيت البحوث عنه وهو الروم والإسلام في القرن السابع، وسأتناول فيه حكاية الفتح، مع عناية خاصة بخالد بن الوليد جندي الاسلام الأول، الذي انتصر على الرومان. الغرب يعرف هنيبعل، الذي ربح كل المعارك ضد الرومان لكنه خسر الحرب. انا اريد وضع خالد في الموقع الذي يستحقه كعبقرية عسكرية نادرة في التاريخ الانساني. ما اقصده من الاشارة او الربط بين الهجومين الجرماني والعربي مهم جدا لإظهار الفرق بينهما. فالهجوم الجرماني جاء في موجات متعددة. فقد قامت قبائل جرمانية غير موحدة بهذه الهجمات، أما الهجوم العربي فكان تحت لواء واحد وفي فترة قصيرة جدا حدث النجاح، بدأ هذا الهجوم خلال حياة الرسول، وبعد ذلك بأربع سنوات حدثت معركة اليرموك واحتل العرب بلاد الشام وتتالت بعدها الفتوحات. هذا واحد من الفروق المهمة. اما الفارق الثاني فهو ان الهجمات الجرمانية لم يكن لها ايديولوجيا او مثال ةلمفٌ، فيما الفتوح العربية كانت لها ايديولوجية مصدرها الاسلام وممارسة الرسول الذي ارسل كتابا الى هرقل اعتبره صحيحا عندما نسقط منه كل الخرافات التي حيكت حوله. اظن ان الكتاب لم يصل الى الامبراطور، لكن استطيع ان اجزم بأنه ارسله له. اذ ان الرسول كان يرسل الكتب تنفيذا للتعليمات القرآنية، وهناك كتاب الرسول الى صاحب ايله حوالى السنة الثامنة الهجرية او 630 الميلادية، ويقول فيه »ما كنت لأقاتلك قبل ان اكتب اليك«. هذا ما قاله لصاحب ايله حنا بن رؤوبة. واتجه الرسول نحو فلسطين، وهي ارض مقدسة لدى المسلمين ولا يمكن ان يهاجمها قبل ان يفسر لجيشه وللناس والعالم اجمع لماذا يفعل، خصوصا ان الاسلام بات دينا عالميا. يثير هذا التحليل مسألة بالغة الاهمية تتمثل في العلاقات العربية البيزنطية، اذ من »العصر العربي« القرن الثالث الى الفتوحات العربية لبلاد الشام لا بد وأن تكون تطورات قد حدثت. يشير شهيد الى ان العامل العربي انتهى مع نهاية القرن الثالث، لأن الكيانات العربية دمرت خلالها. اذ ضم الرومان مملكة الانباط، ودمر الامبراطور تراجان تدمر. بعدها عندما جاء الامبراطور قسطنطين اقام علاقة احلاف مع العرب. وتعامل بعده الاباطرة مع فئات عربية هاجرت من الجزيرة العربية مثل تنوخ وسليح والغساسنة، ولعب هؤلاء دور الحزام الشرقي لحماية الامبراطورية من البدو مقابل السماح لهم بالاقامة ومنحهم رواتب. لا اسمي هؤلاء قبائل، لأنهم لم يكونوا بدوا، اي قبائل مرتحلة. الغساسنة كانوا شعباً مستقراً، وقد قدموا من المجتمع اليمني المستقر. الفئة العربية الاولى التي سادت هي تنوخ، ثم سليح في القرن الخامس والغساسنة في القرن السادس. التعريب والشعر هناك فارق بين هذه الفئات الثلاث ومن سبقها من عرب، امثال الانباط والتدمريين. الاخيرتان ذابتا في الحضارة الرومانية والهيلينية، لا سيما بعد ان ضم الامبراطور تراجان مملكة الانباط وتدمر. لقد بات هؤلاء يتسمون بالاسماء الرومانية واللاتينية وانصهروا الى درجة لا تصدق. حتى ان اثنين منهم اصبحا رئيسين للاكاديمية الاثينية للفلسفة التي اسسها افلاطون في اثينا. كما ان التدمريين، وهم تجار قوافل بالاصل، لم تكن الشخصية الحضارية قوية لديهم. كان حديثهم اليومي بالعربية، لكن نقوشهم كانت آرامية، اي ان عروبتهم كان خفيفة. الفئات التي جاءت بعدهم كانت عروبتها صريحة مئة بالمئة، وقد تمثل ذلك بالامور التالية: اسماؤهم كانت عربية. مثلا لدى الغساسنة نقرأ: جبلة، الحارث، عمرو، ثعلبة، جفنة، المنذر، حجر.. الدليل على عروبة تنوخ مثلا انه رغم تنصرهم ظلوا عربا، بدليل ظهور ملكة موهوبة عسكريا بينهم تدعى ماوية او ماويّة (بالتشديد للياء)، وقد انتصرت هذه على الامبراطور الروماني وأجبرته على تعيين اسقف عربي يدعى موسى وكانت تؤمن بمذهب الاريوسية. الأهم ان المؤرخ اليوناني الذي ظهر في ذلك الوقت اشار الى شعر عربي قيل في نصرها، وهذه اول اشارة الى شعر عربي يقال في بلاد الشام يعود الى القرن الخامس الميلادي. نحن هنا امام امرأة تصر على ان يكون اسقفها عربيا، والشعر الذي امتدحت به كان عربيا. اي اننا امام شعر ومؤسسة قائمة، سواء كانت كنسية او مدنية. التعريب يستمر في القرن الخامس مع فئة عربية جديدة تدعى سليح. الشعر الذي قيل في ماوية لم يصل إلينا، وقد اكتشفت نصا لدى ابن الكلبي يشير فيه الى ملك لسليح يدعى داوود اللتيق، لأنه ترهب وتنسك في اواخر عمره وبنى ديرا حمل اسمه ما زالت بقاياه قرب الرصافة. وقد اطيح به من خلال ثورة قامت ضده على ايدي القبائل. هنا نعثر على ثلاثة ابيات قالها احد قاتليه مفتخرا بقتله، وهي اول وثيقة شعرية ظهرت في بلاد الشام: نحن الأُلى أردت ذباة سيوفنا/ داوود بين القرنتين فحاربِ/ وكذاك أنا ما تزال سيوفنا/ تفري العدا وتزيد رعب الراعب/ خطرت عليه رماحنا فتركنه/ لما قصدن له كأمس الراهب/ ابنة داوود هذا كانت شاعرة أيضا، وهذه أول اشارة الى سيدة عربية شاعرة في بلاد الشام ترد بوصف القتلة بانهم أوباش: اصابك دونان الخليع ابن عامر/ ومشجعة الأوباش بن قارب خلاصة القول انه في القرن الخامس الميلادي لم يصلنا اكثر من هذا الشعر، ولا أشك في ان شعرا كثيرا قد قيل. وأهمية السليحيين انه للمرة الاولى يظهر لديهم بلاط شعري عند الامير أو الملك العربي في بلاد الشام. لكن ينتهي القرن السادس بظهور قبيلة غسان وهي من الفئات التي هاجرت من الجنوب، وهي الهجرة التي تعتبر الحدث الأهم في تاريخ الجزيرة العربية، وكانت قوتهم أكبر قوة عسكرية شهدها العرب قبل الاسلام. هنا يصبح التعريب تعريبا كاملا لأننا نعرف عن الغساسنة أكثر بكثير مما نعرف عن سليح. رغم ان النقوش الغسانية كانت باللغة الرسمية اليونانية. الا ان أول نقش عربي لهم وجدناه في أسيس شرقي دمشق، وقد نقشه قائد في جيش الحارث بن جبلة الغساني يقول فيه: »انا ابراهيم بن المغيرة ارسلني الحارث الملك على سليمان مسيلحة«. النقش والاسماء عربية، ودليل ايضا ان الغساسنة باتوا قوة كبيرة لأنه ذهب الى مسيلحة. المهم انه في تعريب الغساسنة حدث تطور مهم. ففي موضوع داوود اللتيق نعرف شاعرا ولا نعرف من شعره سوى ثلاثة أبيات ونعرف ان ابنته كانت شاعرة هي الأخرى. لكن في حالة الغساسنة نعرف ان بلاطهم في عاصمتيهما الجندل والجابية في الجولان، كانا مقصد الشعراء، بمن فيهم شعراء المعلقات. حسان بن ثابت شاعر الرسول جاء وأنشدهم، وهو ينتمي الى يثرب، ويثرب سكنها الأوس والخزرج، ما يعني انه يأتي الى ابناء عمومته، باعتبارهم يتشاركون في الأصول اليمنية. وقد وصف حسان بأنه شاعر الغساسنة. وأهمية شعر حسان انه مادة معرفية عن تاريخ الغساسنة. كما ان النابغة الذبياني، وهو أحد شعراء المعلقات، مدحهم بقصائد كانت من عيون الشعر العربي، وفيها أجمل وصف للجيش الغساني في المعركة. وهذا يدل على انهم كانوا عربا خلصا بدليل ان الشعراء يمتدحونهم بلسان عربي وليس باليونانية أو سواها. الغساسنة والجابية لقد حافظ الغساسنة على علاقاتهم بالجزيرة، ولم يذوبوا في محيطهم الجديد. وكانت علاقاتهم مع كل من يثرب ومكة، باعتبار ان خزاعة صاحبة الدور المهم في مكة تنتسب الى الازد أيضا، وهذه يمنية. كما ان بني أسد بن عبد العزى، البطن الذي منه ورقة بن نوفل، كانوا حلفاء الازد. وأهمية هذا التحالف حاسمة في حماية رحلة الإيلاف، لا سيما في الجهة الغربية. ثم ان مذابح نجران التي كانت في العام 520 ميلادية والتي يشير إليها القرآن قد اصابت ابناء عمومة الغساسنة. أي إن عروبة الغساسنة مؤكدة وقد حافظوا عليها خلاف سواهم، الذين تخلوا عن هويتهم تحت تأثير المحيط الجديد الذي اقاموا فيه. كانت علاقاتهم بالجزيرة العربية قائمة ومستمرة، وكان الشعراء يقصدونهم في مواطنهم، وكانوا بدورهم يرسلون إليهم. حتى إن عاصمتهم في الجابية الجولان كانت عربية تماما وتختلف عن سواها، اذ لا يمكن مقارنتها مع انطاكية التي أسسها السلوقيون أو مثل افاميا. كانت عروبة الغساسنة كاملة. وعندما تطلع على القصائد التي مدحوا بها تلاحظ فخرهم بانتسابهم العربي وأخلاقهم العربية. المهم ان قسما من الغساسنة آثر البقاء في بلاد الشام في أعقاب معركة اليرموك، وقسما رحل باتجاه الشمال. يفتح هذا على قبيلة كلب وهذه لعبت دورا كبيرا خلال العهد الأموي حتى ان عثمان ومعاوية تزوجا نايلة وميسون الكلبيتين. يجيب شهيد: نعلم حتى الآن أن هناك الكثير من النساء يحملن اسم نايلة. صحيح ان العلاقة الأموية الابرز كانت مع كلب، وهذا يعود الى ما قبل ابي سفيان الذي كانت له تجارة مع بلاد الشام. وعندما جاء الامويون الى بلاد الشام، كانت تضم الآراميين والسريان. طبعا اقرب الناس لهم كانوا الغساسنة العرب وكلب وجذام. وهذا ما تعبّر عنه الجابية التي أتاها الخليفة عمر بن الخطاب وألقى فيها خطبة شهيرة. وقد أتاها لأنه كان يعرف انها المركز العربي الكبير في بلاد الشام. معاوية عندما كان أميرا لمدة 20 سنة على بلاد الشام أقام في الجابية، لكنه عندما اصبح خليفة وجد ان الجابية لا تصلح عاصمة للدولة الاسلامية فانتقل الى دمشق، التي كانت هي الأخرى ذات جذور عربية قوية خلاف ما يتصوره الناس. مع ذلك ظلت الجابية مهمة، فمؤتمر الجابية كان حاسما في انتقال الحكم من الفرع السفياني الى الفرع المرواني. الغساسنة وكلب وجذام، هذه الفئات الثلاث حصلت على ثقة معاوية. الغساسنة لا يظهر دورهم واضحا لدى البعض، لكن عندما درست تاريخهم في القرن السادس ولأني اعرف همزات الوصل بين تاريخهم والتاريخ الاموي تأكدت من ذلك. واعتقد ان نظام الاجناد الذي لم يوجد الا في بلاد الشام هو سر قوة معاوية، وكان الغساسنة جزءاً منه. ثم ان الغساسنة كانوا في الادارة الأموية، يكفي ان نعرف ان يوحنا الدمشقي لعب دورا في ذلك وكذلك أبوه ويدعى منصور واسمه موثق في المصادر اليونانية. وصيغة المفعول لا وجود لها الا في العربية. لقد ادرك معاوية انه لا يستطيع ادارة امبراطورية بمن جاء معه من الجزيرة فاستعمل الغساسنة. أكثر من ذلك، اشك في ان توريثه للخلافة كان تحت تأثير الموروث الغساني، لأن الملوكية كانت موجودة في عاصمتهم. لكن الاثر الغساني الابرز كان في العمائر وقصور الامويين. كتابي الصادر حديثا يعرض في خمسمئة صفحة مدى حضور فن العمارة الغساني وأتمنى على الاثريين في الشام العمل على اثبات هذا الحضور العربي الممتد لألف عام قبل الاسلام. ومن المعروف ان الامويين كانوا يقصدون الصحراء للصيد والشرب، وقصورهم ما تزال موجودة، وكانوا اغنى واقوى من الغساسنة لأنهم قادة امبراطورية، لذلك استعملوا القصور الغسانية وطوروها مع ان البنية الأساسية ظلت قائمة. هذا ما يوضحه قصر غسان الرصافي وقصر الحي الغربي جنوب غرب تدمر وكذلك البرج الغساني. حتى قصر عمرة اعتقد انه قصر غساني والوليد بن عبد الملك زاد عليه، لأنه وضع صورة لزريق على جداره الداخلي وهذه من فتح الاندلس. هذا موضوع طويل ويحتاج الى دراسات، باعتبار ان المخطوطات محدودة، والعمدة هنا هي على الاثريين لمزيد من الاضاءة على هذا الموضوع الذي يتطلب مزيداً من الكشف والأضواء. بالاضافة الي ذلك يأتي دور الشعر، في القرآن وردت الآية »والشعراء يتّبعهم الغاوون...«، في زمن الخلفاء الراشدين تعرض الشعراء للضغط، حتى إن الخليفة عمر ألقى بالحطيئة في السجن وكم فاه، وأعطاه راتبا كي يتوقف عن الهجاء. كما انه امسك حسان بن ثابت شاعر الرسول الذي رد عليه »كنت أنشد في هذا المسجد من هو خير منك« يقصد الرسول. معاوية ادرك أهمية الشعر لترسيخ سلطته، وجعل من الشعراء مثيري عصبيات، وهو نفسه كان شاعرا، وله شعر جميل، حتى انه كاد يهرب من معركة صفين لولا تذكر شعر لعمر بن الاطناب. كما ان له أبياتاً كثيرة منها: اذا لم اجد بالحلم مني إليكم/ فمن ذا الذي بعدي يؤمل للحلم/ خذيها هنيئا واذكري فعل ماجد/ كساك على حرب العداوة بالسلم اذن كانت الجابية بلاط الشعراء منذ زمن الغساسنة الذين قيل فيهم: اذا ما غزوا بالجيش حلّقّ فوقهم/ عصائب طير تهتدي بعصائب/ حلفت له بالنصر ان قيل قد غزت/ كتائب من غسان غير اشائب استطيع ان اقول لك شعرا حتى الفجر، وعندما اقام معاوية في الجابية توافد عليه الشعراء، وكان معاوية مثله مثل عبد الملك راوية. قبل ان اختم هذا الجانب لا بد من ان اذكر شعر علقمة التميمي الذي أسر الغساسنة أخاه وجاء يفتديه، وفيه اشارة الى السيفين اللذين اخذهما الرسول بعد ذلك ووصل أحدهما الى علي ابن طالب وهو الذي يدعى »ذو الفقار«، يقول علقمة: ووالله لو فارس الجون فيهم/ لآبوا خزايا والاياب حبيب/ تقدمه حتى تغيب حجوله/ وأنت لبيض الدارعين ضروب/ مظاهر سربالي حديد عليها/ عقيلا سيوف مخذم ورسوب/ فجالدتهم حتى التقوك بكبشهم/ وقد حان من شمس النهار غروب/ وقاتل من غسان أهل حفاظهم/ وهند وقاس جالدت وشبيب وهذه قصيدة شهيرة ومن عيون الشعر، وكانت العرب تعتز بالحصان وتسمي الفارس به، ويصف القائد الغساني بأنه في مقدمة جنده و... يقاتل في معركة حتى الغروب ومعه هند وقاس وشبيب. لقد قرأت العهد الأموي على انه مرحلة تعايش اسلامي مسيحي، هذا على مسيحيته وذاك على اسلاميته، وأنا اهيب بالناس التعرف على آثار الغساسنة والاطلاع على الحضور العربي القوي لهم. لقد اجتمعت في الغساسنة كل التيارات: الرومانية، البيزنطية، العربية، المسيحية الاسلامية.. امتص الغساسنة كل التيارات الحضارية وأضافوا لها. الإنجيل والقرآن قبل ان اختم أسأل شهيد عما ذكره في إحدى محاضراته حول ترجمة عربية قديمة للإنجيل ومستنداته في هذا القول؟ يجيب شهيد: كانت هناك ترجمات عدة للإنجيل، بالارامية والسريانية. عادة في التبشير المسيحي خلال الدولتين الرومانية والبيزنطية، كانوا عندما يرسلون مبشرا، يستبقون ذلك بترجمة الانجيل والتوراة. لذلك ترجم الانجيل الى الفيلاسية والسلافية والارمنية والقبطية والحبشية والسريانية. هل يعقل ان يبقى العرب دون سواهم محرومين من هذه الترجمة؟ هناك من يقول ان العرب في بلاد الشام كانوا يعرفون السريانية والآرامية ولا ضرورة للترجمة؟ الا ان هؤلاء كانوا أقلية. وايضا ماذا تفعل في منطقة كنجران التي لا شك في مسيحيتها. ليس من المعقول ان يعبد احدهم ربه بلغة لا يفهمها. انا لا اشك في انه كانت هناك ترجمة للانجيل وصرت اعرف الآن معنى قول القرآن انه معجز وقديم وعربي. معجز وقديم مفهومان، ولكن ما هو المعنى الدقيق لكلمة عربي. طبعا بلسان عربي مبين. توضيح للمكيين انكم من دون عذر اذا لم تستجيبوا للدعوة، لأنكم تفهمون اللغة التي اتكلمها. هنا الله يتكلم بلسان عربي مبين. اظن ان هناك بعدا آخر لعربية القرآن. يمكن ان يكون المقصود ان الكتب الدينية التي جاءت قبلكم مترجمة. اذن الله لم يتكلم بلغة العرب قبلا. ولكنه الآن وعبر هذا النص يتكلم معهم خلاف ما كان عليه الوضع سابقا، الحكمة الإلهية تنزل الآن باللسان العربي غير مترجمة. اظن ان وجود انجيل مترجم أو مزامير داوود يعطي بعدا مهما لعقيدة عربية القرآن استطيع الآن ان افهمها الآن أكثر ويصبح معناها أدق وأجمل... أنا أعتبر المسيحية والاسلام دينا موحدا بشكله الاسلامي أو المسيحي. هناك فروق ولكن اوجه الشبه متعددة. مصدرهما الدين الابراهيمي. الفروق ان القرآن يقول ان المسيح هو إنسان وليس إلهاً، وكثير من النصارى يقولون ذلك. آريوس وأتباعه انشقوا عن الكنيسة لذلك. اذن هناك مسيحية تشارك القرآن تصوره...

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة