مفهوم السيادة بالمعنى العام لا يمكن إلا ان يقبل به الجميع، فمعنى السيادة، ان يكون الفرد سيد نفسه، يتمتع بالتصرف الكامل بحقوقه، وأن يكون حرا في اتخاذ قراراته. وينطبق هذا ايضا على الجماعات والدول، وهو امر اقرته الانظمة والقوانين التي رعت انشاء الدول المستقلة بعد الحرب العالمية الثانية ومن خلال منظومة الأمم المتحدة. أما في لبنان، فالسيادة منذ الاستقلال، تتعرض لاعتداءات وانتهاكات تأتي من الداخل اولا ومن القوى الكبرى والمهينة على سياسة اكثرية دول العالم وسيادتها تاليا. من الداخل، عبر بعض القوى الطائفية التي تعتبر ان السيادة مرتبطة بالخارج، منذ تأسيس الكيان حيث احقيتها بالسيطرة على السلطة، ومن بعض القوى السياسية التي لا تلتزم في ممارساتها القانون والدستور، بل إن بعضها لا يعترف حتى بدستور الطائف. ومن بعض قوى السلطة التي تتهاون في صون هيبة الدولة والكرامة الوطنية، وفي استصدار بعض المراسيم والتشريعات المالية ارضاء لدول وهيئات خارجية. من الخارج، يأتي الخطر الأكبر على سيادة لبنان وأمنه بل استمراره ككيان وسلطة من جهة اسرائيل، وهذا لا يتمثل فقط باستمرار الاحتلال لأجزاء من الاراضي اللبنانية، وسرقة المياه والاعتداءات اليومية وقتل المواطنين واعتقالهم، بل ايضا في ما تخفيه وتضمره اسرائيل من استراتيجيتها المتمثلة في الهيمنة والسيطرة وإعادة رسم الخريطة السياسية ليس فقط في فلسطين بل في الدول العربية من ضمنها لبنان الذي يمثل لها تحديا استراتيجيا من حيث قوة مقاومته وتعايش طوائفه. إن تقسيم لبنان او اخضاعه لكل شروط الاستراتيجية الاسرائيلية هو الهدف المركزي الثابت لهذا العدو. وهنا تكمن اهمية السيادة والخطر المحدق بها. إن التاريخ قد أثبت اهمية البعد العربي والحضاري في تحديد انتماء لبنان وهويته. إن هذا البعد قد اصبح من ضرورات الحاضر والمستقبل في الوجود والبقاء. لذا فإن للبنان بعدا استراتيجيا عربيا تتكامل من خلاله مسائل الأمن والحرية والسيادة، ومن هنا اهمية الدور الذي يجب ان يأخذه لبنان في محيطه العربي والاسلامي، ومن هنا ايضا، تأتي اهمية استراتيجية العلاقة مع سوريا انطلاقا من تحديات الصراع الاسرائيلي ولكي تصبح مثلا يحتذى به في العلاقات العربية العربية. وهذا هو المدخل الوحيد لكي يصبح لبنان بلدا موحدا سيدا مستقلا عربيا. إن السيادة كما يفهمها البعض في لبنان، قد اصبحت تعني لهم المصلحة الطوائفية ومن خلال سيطرتها على السلطة لأنها تعتبر ان الطائف قد انتزعها منها. فالأم الحنون التي تبادلوا معها المصالح والمنافع، منذ نشأة الكيان اللبناني، لم تعد الآن في نظرهم قوة مساعدة وحامية لمصالحهم الفئوية. كما ان العالم قد اصبح الآن معولما ينظر الى مصالحه من منظار شركاته وشركائه في الاقتصاد. ومن هنا كان ارتماء بعضهم في احضان اسرائيل إبان الحرب الأهلية وكان انتخاب رئيسي جمهورية من خلال الدبابة الاسرائيلية، فكانت السيادة بالنسبة لهم تعني السيطرة على الدولة وقرارها من خلال سلطتهم المرتبطة بالخارج، وقد اعترف البعض منهم بأخطائه. ولما استطاع الشعب اللبناني بمقاومته انتزاع الاستقلال والسيادة بدحر الاحتلال الاسرائيلي وعملائه وبمساعدة سورية وعربية، ومن خلال وحدته، كان خوف بعض الفئات الطائفية وهلعها من تهميش ادوارهم التي كانت لهم في السابق، واعتبار ان السبب ليس قوة المقاومة ووحدة الشعب بل في من ساعدنا على طرد المحتل واستعادة السيادة. إن تنامي فكرة المطالبة بالسيادة من خلال الضغط وطلب المساعدة الخارجية لإبعاد لبنان عن سوريا الشقيقة ما هي إلا بداية لحرب اهلية قد تؤدي الى تقسيم لبنان او الى الهدف الاستراتيجي الاسرائيلي في القضاء على لبنان. لكل تلك الأسباب، فإن حركة امل لا يمكن ان تبقى مكتوفة الأيدي امام هذا الخطر المستفحل داخليا... فهي ستقاوم، وهي تدعو كل الفئات الوطنية والحريصة على وحدة لبنان وسيادته وقوته الى التضامن اكثر من اي وقت مضى في تشكيل جبهة وطنية متينة، ومن اجل بقاء لبنان سيدا حرا عربيا. (*) كاتب لبناني