As Safir Logo
المصدر:

ثورة 23 يوليو الإنجازات ومشكلات بناء الدولة

المؤلف: ضاهر مسعود التاريخ: 2002-07-18 رقم العدد:9251

شكلت ثورة يوليو 1952 نقطة تحول اساسية في تاريخ مصر المعاصر. ومع ان الدولة المصرية الحديثة قد نشأت في القرن التاسع عشر إبان حكم محمد علي باشا، إلا أنها تعرضت لتبدلات جذرية زمن الاحتلال البريطاني وبعده ووضعت في خدمة مصالحه بعد سيطرة بريطانيا على مصر منذ العام 1882. وقد واجهت حركة الضباط الأحرار التي تسلمت مقاليد السلطة في مصر عام 1952 مشكلات عدة في مجال تصويب مسار الدولة بما يتلاءم مع اهداف الثورة التي وعد قادتها بتصويب مسار الدولة المصرية بما يتلاءم مع مصالح الشعب المصري بالدرجة الأولى. لذا كان الصدام حتميا بين تطلعات الضباط الأحرار من جهة، ومصالح الأسرة الخديوية بقيادة الملك فاروق، والتي كانت تنسجم، جزئيا او كليا، مع ديمومة استمرار الحكم البريطاني لمصر. بعد نجاح الثورة المصرية في اطاحة الملك فاروق والأسرة الخديوية عام 1952، بات الضباط الأحرار وجها لوجه مع الاحتلال البريطاني الذي بدأ التحضير لإفشال الثورة والقضاء عليها من طريق الاستفادة من التناقضات التي كانت سائدة بين قادتها. ومن نافل القول إن جماعة الضباط الأحرار لم تكن تمتلك رؤية واضحة ومتكاملة حول كيفية ادارة الدولة المصرية بعد عزل الملك فاروق. ولم تكن لديها الخبرة الكافية لبناء دولة عصرية في ظروف اقليمية بالغة الدقة والتعقيد. لذلك اعتمدوا خطة سياسية متكاملة عبر اتجاهين متكاملين: الأول: التمسك بالثوابت القومية، والوطنية، والإكثار من شعارات التحرر السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ووضع اجهزة الدولة في خدمة المجتمع وجميع طبقات الشعب المصري او ما عرف باسم »اتحاد قوى الشعب العامل«. الثاني: اعتماد طريقة الصواب والخطأ لتنفيذ الاصلاحات الداخلية، وعلى مختلف الصعد السياسية والاقتصادية، والاجتماعية والثقافية. مرد ذلك الى ان حركة الضباط الاحرار تصدت لمن اسمتهم »جماعة العهد البائد« في الادارة وأجهزة الدولة، فعزلت الغالبية الساحقة منهم، ولم تثق بمن بقي منهم في ادارات الدولة التي أوكلت شؤونها الى قوى جديدة لم تكن لديها الخبرة الكافية، ولا الوعي بكيفية التخطيط لآجال قصيرة وطويلة الأمد، فكان على الدولة المصرية الجديدة ان تواجه المشكلات الناجمة عن الموروث السلبي للمراحل السابقة منذ بدايات تشكلها في عهد محمد علي حتى نهاية حكم فاروق، اضافة الى استمرار السيطرة البريطانية على ادارات الدولة ومرافقها الحيوية حتى تأميم قناة السويس عام 1956، ومواجهة تحديات التحالف العسكري البريطاني الفرنسي الاسرائيلي الذي تجسد بالعدوان الثلاثي على مصر عام 1956. إن ما قامت به حركة الضباط الاحرار من تدابير سريعة وصارمة خلال سنوات 1952 1956 شكل القاعدة الصلبة لانتصار الارادة المصرية في التحرر من نفوذ الأسرة الخديوية في الدولة المصرية من جهة، ومن نفوذ الاحتلال البريطاني فيها من جهة اخرى. وقد شهدت تلك المرحلة ولادة الفكر السياسي للناصرية بدوائره الثلاث: القومية العربية، والاسلامية، والافريقية. هذا اضافة الى المشاركة النشطة في مجموعة دول عدم الانحياز التي لعب الرئيس جمال عبد الناصر دورا اساسيا في انطلاقتها ورسم الخطوط الكبرى لها بهدف التخفيف من حدة الاستقطاب السياسي والعسكري والاقتصادي على المستوى الكوني في مرحلة الحرب الباردة بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي. تضمنت مقولات الحقبة الناصرية اصلاحات كثيرة في مجال بناء الدولة المصرية العصرية، يمكن تحديد معالمها الأساسية ضمن محاور كبرى عدة: أ الفكر السياسي القادم الى مراكز السلطة العليا عبر الانقلاب العسكري والسيطرة على جميع اجهزة الدولة المصرية زمن الحقبة الناصرية التي ما زالت مستمرة، وبأشكال مختلفة، حتى الآن. إن اهمية البعد النظري للانقلاب العسكري او الثورة المسلحة في اي مكان كان، أنه محاولة للسيطرة على اجهزة الدولة عبر استخدام القوة المسلحة وليس بالطرق الديموقراطية او الاحتكام الى الارادة الشعبية. وقد اظهرت الخطب الحماسية لقادة الانقلابات العسكرية التي تعممت في جميع دول العالم الثالث انهم استخدموا وسيلة الانقلاب لخدمة الشعب. لكن ممارساتهم العملية قد أثبتت على الدوام انهم هم الذين يحددون مصالح الشعب وكيفية تقديم الخدمات له في جميع المجالات. وقد اظهرت القوى العسكرية ان من يقوم بالانقلاب العسكري يضع اجهزة الدولة في خدمة القوى الانقلابية التي تبني لنفسها امتيازات لا حصر لها مع ما يمكن ان يؤدي اليه ذلك من تهميش لباقي الطبقات. ب تبني الفكر الاصلاحي لبناء الدولة المصرية انطلاقا من اهداف سياسية محددة وطوباوية تقول بوضع اجهزة الدولة في خدمة الشعب. فبعد نجاح الثورة والقيام بعدد من الاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية كان لا بد من تحصينها بقوى شعبية تحميها. فاعتمدت صيغة »اتحاد قوى الشعب العامل« التي تشكلت بقرار سياسي من السلطة بهدف حماية انجازات الثورة والدفاع عن المصالح الأساسية للشعب المصري. ومع ان الحقبة الناصرية قدمت الكثير من الخدمات الحقيقية للطبقات الشعبية خلال مرحلة صعودها 1956 1967، إلا ان تلك المكتسبات تعرضت لهجوم مضاد بعد هزيمة الناصرية التي اصبحت عرضة للنقد الجارح، وغير المنصف، طوال العقود الماضية. ج اعتماد صيغة الدولة القاعدة كقوة رافعة للنظام الاقليمي العربي. فقد وضعت ثورة 1952 مصر في موقع دولة القرار الفاعلة في عدد كبير من الأحداث الاقليمية البارزة في تلك المرحلة ومنها: اقامة الوحدة بين مصر وسوريا، ووقف اعمال العنف في لبنان، ومساعدة الثورة الجزائرية، ومساندة القوى الجمهورية في اليمن، ودعم منظمة التحرير الفلسطينية ووقف المجزرة لتصفيتها في ايلول الاسود في الاردن عام 1970، ودعم جميع حركات التحرر المطالبة بالاستقلال في الدول العربية وعدد كبير من الدول الافريقية والآسيوية وفي اميركا اللاتينية. وليس من شك في ان الحضور الفاعل للدولة الناصرية، على المستويين الاقليمي والدولي، كان يتطلب امتلاكها لكثير من الامكانات المادية، والمالية، والتكنولوجية، والعسكرية التي لم يكن يتوافر لديها إلا القليل منها. يضاف الى ذلك ان تضخيم مقولة »الدولة القاعدة او الرافعة للنظام الاقليمي العربي« جعلها في مواجهة يومية مع عدد من الدول العربية التي كانت منحازة بالكامل الى القوى المعادية للناصرية، على مختلف الصعد العربية، والاسلامية، والدولية. د المردود العملي لصيغة الدولة غير المنحازة في الصراع العالمي. لقد شاركت مصر في تأسيس دول عدم الانحياز بهدف التخفيف من حدة الاستقطاب الذي كان سائدا بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي إبان الحرب البادرة. لكن هذا الموقف الوسطي لم يوفر لها الحماية في زمن الاستقطاب الحاد على المستوى الكوني. وقد انتقل هذا الموقف الى غالبية الدول العربية ودول عدم الانحياز التي لم تستفد من قوة الاتحاد السوفياتي على المستوى الكوني، فانهارت معه وتحولت الى دول ملحقة او تابعة بالكامل للولايات المتحدة الاميركية في زمن العولمة والنظام العالمي الجديد برأس اميركي متفرد. خلاصة القول إن الدولة العصرية التي حاولت ثورة يوليو 1952 بناءها في مصر قد اكتسبت شرعية نسبية لدى الشعب المصري، بعدما قامت بتنفيذ عدد كبير من الاصلاحات التي وظفت في خدمة الطبقات الفقيرة، فقد قامت الثورة باصلاحات مهمة احدثت تبدلات جذرية في بنية الشعب المصري عبر عدد من مشاريع الاصلاح. وليس من شك في ان الدراسات التي تنكر على الثورة ما قامت به من اصلاحات هي دراسات منحازة، وتفتقر الى الدقة والموضوعية. لكن تلك الاصلاحات لم تكن كافية، او شمولية. فبرزت مشكلات حادة ناجمة عن التفرد في اتخاذ القرارات المصيرية وتنفيذها، فواجهت الدولة المصرية صعوبات كبيرة، داخلية واقليمية ودولية، جعلتها عاجزة عن انجاز ما بدأت به، وتعثرت مسيرة الاصلاح، واتخذ مسار بناء الدولة العصرية في مصر سبلا مغايرة بعيدة عن التصور الناصري، خصوصا بعد هزيمة 1967، ثم تلاها انحراف شبه كامل عن المسار الناصري في زمن الحقبة الساداتية والذي لم يكن من السهل التراجع عنه حتى الآن بسبب نفوذ »القطط السمان« في زمن الانفتاح. الآن، وبعد مرور خمسين عاما على ثورة يوليو 1952 تنشر دراسات كثيرة في مختلف الصحف العربية والعالمية للتشكيك بما قدمته تلك الثورة الرائدة لمصر وللعالم العربي، ولدول العالم الثالث. ومن نافل القول إن النظرة الايديولوجية للتاريخ تجعل من الباحث قاضيا، او جلادا، او مادحا للأحداث التاريخية منطلقا من تصور لتاريخ لم يحصل على حساب تاريخ حقيقي تدعمه الوثائق والوقائع الدامغة. لكن التاريخ العلمي يفترض بالضرورة نظرة موضوعية تقرأ زمن الحقبة الناصرية قراءة علمية لتقويم ايجابياتها وسلبياتها بهدف الاستفادة من دروسها وعبرها، وليس محاكمتها واطلاق النعوت الايجابية او السلبية عليها. فالتاريخ »ديوان العبر« كما وصفه ابن خلدون، ثم حاول هيغل استخلاص »دروس التاريخ«، لتقويم مسار الفكر البشري في مراحل تاريخية متباعدة. بعبارة اخرى احتلت ثورة يوليو 1952 موقعا متقدما في تاريخ الدولة والمجتمع في مصر طوال النصف الثاني من القرن العشرين. فقد تصدت للنظام القديم الذي كان سائدا فيها وحاولت ادخال الكثير من التغيير الجذري فيها لمصلحة القوى الشعبية والطبقات الوسطى، وحملت راية النضال ضد سيطرة الأسرة الخديوية غير المصرية على مقدرات مصر طوال اكثر من قرن ونصف قرن، حفلت بكثير من السمات الايجابية في عهد محمد علي، والسلبية في عهد خلفائه من بعده. كما حملت الثورة لواء النضال ضد الاحتلال البريطاني، وضد التحالف الاستعماري الاوروبي الاسرائيلي ضد السيادة المصرية. كذلك حملت راية الدفاع عن القومية العربية، وقضية فلسطين، وتعزيز دور العرب في المحافل الدولية، ومحاولة تخفيف الاستقطاب الحاد بين النظامين الرأسمالي والشيوعي على المستوى الكوني. ختاما، بعد مرور نصف قرن على تلك الثورة، فإن افضل ما يقدم لها على المستوى الثقافي ان تتحول الى حقل دراسة علمية لتقويم مسارها والنتائج التي تولدت عنها الى المستويين المصري والعربي، وذلك وفق منهج موضوعي بعيدا عن الاحكام الذاتية او المسبقة. فقد ساهمت الثورة في تعميق وعي العرب بمشكلاتهم الداخلية من جهة، وبدورهم على المستويين الاقليمي والدولي من جهة اخرى. وبقدر ما يزداد وعي العرب بتاريخهم النضالي وقدرتهم على التحرر من قيود التبعية والتخلف والسيطرة الخارجية، تنفتح امامهم سبل المشاركة في التاريخ الكوني من موقع الندية والفعل، وليس من موقع التبعية والارتباط بمخططات الدول الكبرى لاعادة بناء الشرق الاوسط على أسس استعمارية واضحة شكلت الثورة الناصرية نقيضا عمليا لها، وفي مختلف المجالات. (*) كاتب ومؤرخ لبناني

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة