يكتب ممدوح عدوان نصه المسرحي الجديد »الفارسة والشاعر« (منشورات الريس 2002) على طريقة مسلسلات الفانتازيا التاريخية، فهو يحذو حذوها وينفض يديه من أي التزام بزمان ومكان للحدث، حين يسجل في بداية نصه: »لا زمان/ كل مكان: منذ اكتشاف النار حتى ما بعد تنسيق الكومبيوتر«، وهذه، وان بدت في الظاهر انصياعا لهموم انسانية أعم وأشمل، ما هي الا حيلة سهلة تريح الكاتب من عناء المطابقة بين منطق النص وزمن الأحداث. وهي تعينه ايضا على التفلت من أي منطق، ففي التعميم تغيب خصوصية اللغة والحوار والشخصيات، ويمكنك ببساطة ان تجمع بين إنسان الكهوف مع مستخدمي الانترنت. ولكن ممدوح يذهب أبعد من ذلك بكثير، حين يخرق كل منطق للكتابة. يتذرع عدوان، وهو هنا بصدد تكريم الشاعر محمد الماغوط، بحكاية ملك يأخذه جبروته الى محاولة تغيير جنس ابنته الى ذكر، فيربيها تربية فارس، إلى حد يلبسها درعا من حديد عندما يخرج نهداها عن طوعه. يترك لها أن تقود جيشا لمحاربة الأعداء، فتعود منتصرة عليهم، بعد ان تغتصب قائدهم حيث تجده عاريا مع جواريه، مقتفية أثر والدها الملك، الذي كان يغتصب الأميرات اثر كل معركة. يجن الملك ويدرك انه هزم، وبالضبط في الموقع الذي يتوهم فيه الانتصار. هذه هي الحكاية (وهي تصلح لأن تكون قصة لدينو بوتزاتي من صفحتين لا أكثر، وبما تحت عنوان »خوف الملك«) فما هو دور الشاعر؟ على المستوى الدرامي لا تفترض الحكاية أكثر من أن يكون الشاعر هو الشرارة التي تنبه الفارسة الى جسدها، الى مشاعرها تجاه أنوثتها التي اخفيت عنها خلسة. لكن يبدو ان الكاتب كان يبحث عن أي شاعر يصادفه في أي حكاية، ليحمله هواجس الماغوط وأشعاره. وعلى ذلك كان لا بد من ملوك وعسس يسوسون بالعنف الجياع والمظلومين، الذين لا يملكون سوى سنابل قمح، يرفعونها عريضة احتجاج في وجوه الطغاة! ألم أقل لكم انها فانتازيا! تكريم الشعر؟ لست مهتما بأن ألاحظ مدى اقتراب العمل وابتعاده من تصوير شخصية الماغوط، مع ان النص يفترض ذلك باعتباره تكريما له، فالخطر هنا في أن شخصية الشاعر في الأساس هي فائض عن الحكاية، وان حضرت فإن حدودها في ما اشرنا. لقد بدا الشاعر مهرجاً حيناً (لماذا يقول شاعر: »أنا خائن. أنا جاسوس. أنا جاموس...«؟ أم انها لعنة القافية؟)، وحينا آخر يشكو ويبكي لا حول له ولا قوة (كتب الشاعر محمد علي شمس الدين في الزميلة »الحياة«: اين تسكع الماغوط وأين رفضه الناشب كالمخلب في عين الوطن والارض والسماء من هذا الشاعر؟). كما بدت أشعار الماغوط مسكينة الى ابعد حد، حين انتزعت من سياقها لتصب في حوار ساذج. من قال ان الشعر يكرم حين يصاغ في حوار مسرحي؟ ولعل الماغوط نفسه قد أساء الى مكانته الشعرية حين كتب مسرحا. وكأني بالكاتب قد جهز مجموعة من أشعار الماغوط وراح يزج بها كيفما اتفق. لقد فكر طويلا، أين اضع عبارة مثل »لا شيء يربطني بهذه الأرض الا الحذاء«. فكان لا بد لأحدهم أن يسأل: »ألا تشعر برابطة مع هذا الوطن؟«. وهذه نموذج لمعظم الحوار في المسرحية. ولذلك كانت محاكمة الشاعر وزوجته النموذج الأمثل لحوار كهذا، فمن حق القضاة أن يسألوا عما يشاؤون، دون ان يحق لك البحث عن مبرر درامي للسؤال، وكذلك هي فرصة للمتهم لأن يثرثر ويسخر ويشتم ويقول شعرا إذا شاء. أما باقي شخصيات العمل فليست أقل حنكة وحذقا وتحسسا للشر. فهي تتحدث باللغة ذاتها، كأن لا فرق بين مخبر أو أمير. وهذا أمر غريب على فهم ممدوح عدوان، وهو استاذ مادة الكتابة المسرحية في المعهد العالي للفنون المسرحية، وليس أقل من أن يعرف ان لكل شخصية منطقها. شخصيات »الفارسة والشاعر« كلها مثقفة، تعرف أرسطو، بل وتنظر ل»فن الشعر«، وتبحث في معنى الكاثارسيس (التطهير) وعنصري الخوف والشفقة. بل ان تابعا للملك لا يتورع عن القول ان كلمة ما بذيئة لا تندرج حتى في أدب الواقعية الاشتراكية! كان على ممدوح ان ينتبه، عدا عن كون العبارة تشكل خروجا عن منطق الشخصية، الى ان هذه تعني تحديدا زمنيا كان قد وسعه منذ البداية، فكيف لزمن اكتشاف النار ان يتعرف على أدب الواقعية الاشتراكية؟ يتعامل النص مع الشعر وكأنه في زمن الجاهلية، حين كان بيت رائق من الشعر يهز أركان الصحراء، ليس فقط بسبب روعته، وانما لفرط حساسية المتلقين النموذجيين في ذلك الزمن. وهنا فإن اميرتنا صاحبة الدرع الحديدي ومغتصبة الجيوش تكاد تصاب بالصرع حين تسمع صوت الشاعر من بعيد يقول: »غدا يا حبيبتي، غدا /نرتفع مع الريح كالطيور/ كالدماء عند الغضب« ويتابع: »نمنا متعانقين طوال الليل/ وايدينا على حقائبنا/. وفي الصباح اقلعنا عن السفر/ لأن الصحراء كانت في قلبينا«. ألا يبدو هذا الشعر غريبا على ذائقة اميرة على هذه الشاكلة؟ لو كان الشاعر هو الجواهري، لحق لها ان تفتن بالوزن والقافية ورنين الخطابة، وعندها سيكون مفهوما لنا سر فتنتها. خفة ظل من يعرف ممدوح عدوان في الحياة، لا بد ان يعرف انه رجل خفيف الظل، بل ان قمة نكات قد اصبحت مسجلة باسمه، وقد يزيد من وقعها انه هو لا غيره من اطلقها. ولكن من يقول لممدوح ان النكتة في الحياة غيرها في سياق نص ابداعي؟ من جهة اطلق الكاتب في نصه مجموعة من النكات القديمة ومنتهية الصلاحية، ومن جهة أخرى حاول اللعب على المفردات، فكان لعبا غير موفق، ولم يستطع اقتناص تشابه موح في استخدامه لمفردات مثل: الصيصان، الصئبان الكفار، الكافيار ...). ولكن أما من شيء يثير ويستنفر المرء لقراءة »الفارسة والشاعر«، وهي المسرحية السادسة والعشرون لممدوح عدوان؟ بلى. اذا اردت ان تتعرف على مجموعة من المصائب دفعة واحدة، فما عليك الا ان تريح نفسك وتذهب فورا الى هذا النص. هناك حيث تتعرف على أزمة القراءة، ازمة النشر، مأزق المسرح العربي، وفوق كل ذلك... أزمة العيش! (دمشق)