أصدر المجلس الدستوري، أمس، قراره في شأن مراجعة الطعن المقدمة من النواب حسين الحسيني، عمر كرامي، نائلة معوض، بطرس حرب، مصطفى سعد، محمد كبارة، جورج قصارجي، نزيه منصور، محمد الصفدي، نعمة الله أبي نصر، صلاح حنين وفريد الخازن، وذلك لتعليق مفعول وإبطال القانون الرقم 393 الصادر في 1 حزيران 2002، والمنشور في الجريدة الرسمية العدد 31 تاريخ 1/6/2002، والمتعلق بالاجازة للحكومة منح رخصتين لتقديم خدمات الهاتف الخلوي. وذلك لمخالفة هذا القانون أحكام الدستور، ولا سيما، مخالفة مبدأ الفصل بين السلطات، مخالفة احكام المادة 89 من الدستور، مخالفة المبادئ العامة للعقود الإدارية والأعمال التمهيدية للعقد، ومخالفة مبدأ سيادة الدولة والسيادة في الدولة، حسب ما جاء في مراجعة الطعن، التي تقدم بها النواب، وسجلت في قلم المجلس الدستوري تحت الرقم 2/2002، في الرابع عشر من حزيران 2002. أي بعد أقل من أسبوعين من نشر القانون المطعون به، في الجريدة الرسمية. وتضمّن قرار المجلس الدستوري، قبول المراجعة من حيث الشكل، لكونها وردت ضمن المهلة ومستوفية جميع الشروط القانونية، وقرر رد المراجعة في الأساس، واعتبار القانون المطعون فيه غير مخالف لأحكام الدستور أو للمبادئ العامة ذات القيمة الدستورية. جاء في قرار المجلس الدستوري: »ان المجلس الدستوري الملتئم في مقره بتاريخ 3/7/2002 برئاسة رئيسه أمين نصار وحضور نائب الرئيس مصطفى العوجي والأعضاء: حسين حمدان فوزي أبو مراد سليم جريصاتي سامي يونس عفيف المقدم كبريال سرياني مصطفى منصور اميل بجاني. وعملاً بالمادة 19 من الدستور، وبعد الاطلاع على ملف المراجعة وعلى تقرير العضو المقرر، بما ان النواب المشار اليهم أعلاه قد تقدّموا بمراجعة سجلت في قلم المجلس الدستوري تحت الرقم 2/2002 بتاريخ 14 حزيران 2002، يطلبون فيها تعليق مفعول وابطال القانون رقم 393 الصادر بتاريخ 1/6/2002 المتعلق بالاجازة للحكومة منح رخصتين لتقديم خدمات الهاتف الخلوي والمنشور في العدد 31 تاريخ 1/6/2002 من الجريدة الرسمية وذلك لمخالفته وثيقة الوفاق الوطني واحكام الدستور. وقد ادلى المستدعون بما يأتي: كانت الحكومة قد استصدرت القانون رقم 218/93 تاريخ 13 أيار 1993 الذي يجيز لوزارة البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية إجراء استدراج عروض عالمي لتحقيق مشروع النظام الراديو خلوي الرقمي المتطور معيار ج.أس.أم او ما يعادله في امكانياته وتسهيلاته باعتماد مبدأ التمويل الذاتي وذلك على أساس دفتر شروط خاص يوضع لهذه الغاية تحدد فيه الشروط الفنية والإدارية والمالية والاستثمارية ويصدق في مجلس الوزراء. وبتاريخ 31 أيار 2000 صدر القانون 228/2000 المتعلق بتنظيم عمليات الخصخصة وتحديد شروطها ومجالات تطبيقها. وقبل أن تتحقق الشروط الأساسية للخصخصة المنصوص عليها في نص القانون لا سيما منها: الهيئات الرقابية المستقلة التي تنشأ لهذه الغاية. تأمين المنافسة من أجل خدمة أفضل وكلفة أقل. حماية المال العام وحماية حقوق المستهلكين. توسيع قاعدة المشاركة في الملكية ورأس المال بإعطاء الفرصة للمواطنين للمساهمة في ملكية او إدارة المشروع العام والحؤول دون احتكار الأسهم. صدر القانون المطعون فيه الذي يخالف أحكام الدستور: أ لمخالفته مبدأ الفصل بين السلطات. ب لمخالفته احكام المادة 89 من الدستور. ج لمخالفته المبادئ العامة للعقود الإدارية والأعمال التمهيدية للعقد. د لمخالفته مبدأ سيادة الدولة والسيادة في الدولة. فبناء على ما تقدم: أولا: في الشكل: بما ان المراجعة قد وردت ضمن المهلة ومستوفية جميع الشروط القانونية فتكون مقبولة شكلا. ثانيا: في الأساس: 1 فيما يتعلق بمخالفة مبدأ الفصل بين السلطات: أدلى المستدعون لهذه الجهة بأن القانون المطعون فيه احلّ السلطة التنفيذية محل السلطة التشريعية في ممارسة اختصاصها بإصدار قواعد ملزمة لها صفة التشريع خلافا للنص الدستوري وخلافا للمبدأ العام بأن لا حلول دون نص، وان هذا الحلول حصل في شأن مالي خلافا لأحكام المادة 16 من الدستور لجهة الاختصاص وخلافا لأحكام المادة 89 من الدستور لجهة منح امتياز او التزام باستغلال مورد من موارد ثروة البلاد الطبيعية ومصلحة ذات منفعة عامة، وان النظام الدستوري اللبناني قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها مما يضفي عليها صفة التكامل بمعرض ممارستها لاختصاصاتها التي لا يجوز التنازل عنها. بما ان القانون المطعون فيه تضمن في مادته الاولى ما نصه: »المادة الاولى: اجيز للحكومة بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء منح رخصتين عن طريق مزايدة عمومية عالمية، يعلن عنها بواسطة وسائل الاعلام المحلية والعربية والدولية، لمدة اقصاها عشرون سنة لتقديم خدمات الهاتف الخليوي المحلي بتقنياته المختلفة والمتطورة خلال تلك المدة والتي تشمل فقط نظامي G.S.M و"G.P.R.S. » كما اجيز للحكومة بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء اجراء مناقصة عمومية عالمية يعلن عنها بواسطة وسائل الاعلام ذاتها لإدارة كل من شبكتي الهاتف الخليوي العاملتين حاليا لمدة اقصاها عشر سنوات«. » تتم المزايدة والمناقصة العموميتان في آن واحد وفقا للقانون رقم 228 تاريخ 31/5/2000 (تنظيم عمليات الخصخصة وتحديد شروطها ومجالات تطبيقها)«. وبما انه من الواضح ان القانون المطعون فيه بإيجابه اتمام المزايدة والمناقصة العموميتين وفقا للقانون رقم 228/2000 المذكور يكون قد ألزم السلطة الاجرائية بالتقيد بأحكام هذا القانون الذي يحدد في المادة الثامنة منه القواعد الاساسية لتحويل المشروع المخصخص وهي تتعلق بتأمين المنافسة وحماية المال العام عبر تقييم اصول وممتلكات المشروع العام وفق الاسس المالية والاقتصادية المعتمدة دوليا، وكذلك حماية المصلحة العامة ومصالح المستهلكين من حيث مستوى الاسعار وتوفير جودة الخدمات، كما تتعلق بتأمين المراقبة عن طريق الهيئات الرقابية المختصة المنشأة بموجب القوانين القطاعية. وبما ان المجلس الدستوري في قراره رقم 4/2000 تاريخ 22/6/2000، قد اعتبر ان القانون رقم 228/2000 المذكور هو غير مخالف لأحكام الدستور. وبما ان المادة الثانية من القانون المطعون فيه نصت على ان تتم المزايدة والمناقصة العموميتان موضوع المادة الاولى من نص القانون وفقا لدفتر شروط خاص تعده شركة عالمية متخصصة مصادق عليه في مجلس الوزراء بناء على اقتراح الوزير المختص، وحددت البنود التي يجب ان يتضمنها دفتر الشروط على وجه الخصوص وتلك التي يجب ان لا يتضمنها، وهي وفقا لنص البند السابع من المادة الثانية المذكورة البنود المتعارضة مع المبادئ والاحكام والشروط المالية التي حددها القانون المذكور. وبما ان المادة 89 من الدستور تنص على انه لا يجوز منح اي التزام او امتياز لاستغلال مورد من موارد ثروة البلاد الطبيعية او مصلحة ذات منفعة عامة او اي احتكار الا بموجب قانون والى زمن محدود. وبما ان المادة 65 من الدستور تنص على ان من الصلاحيات التي يمارسها مجلس الوزراء المناطة به السلطة الاجرائية اتخاذ القرارات اللازمة لتطبيق القوانين. وبما انه يتبين مما تقدم ان تحديد المبادئ والقواعد الاساسية لمنح امتياز او التزام لاستغلال مرفق عام معين يتعلق بمورد من موارد ثروة البلاد الطبيعية ومصلحة ذات منفعة عامة هو من اختصاص السلطة المشترعة، وان تحديد الاجراءات اللازمة لتطبيق هذه المبادئ والقواعد انفاذا للمنح (mise en oeuvre) هي من اختصاص السلطة الاجرائية، وان الاجراءات الاخيرة لا تدخل في عداد العناصر الحاسمة لتكوين ارادة المشترع. وبما ان القانون المطعون فيه الذي اقر منح الامتياز والالتزام الى زمن محدود، وحدد القواعد الاساسية لهذه الغاية وناط بالحكومة مهمة اتخاذ الاجراءات التطبيقية انفاذا لمضمونه بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء لا يكون الحال ما ذكر اعلاه قد فوض اختصاص السلطة المشترعة الى السلطة الاجرائية، وخالف بالتالي مبدأ الفصل بين السلطات. 2 فيما يتعلق بمخالفة المادة 89 من الدستور: أدلى المستدعون لهذه الجهة ان القانون المطعون فيه لم يخالف ارادة المشترع الدستوري فحسب عندما نقل اختصاص منح اي التزام او امتياز لاستغلال مورد من موارد ثروة البلاد الطبيعية الى السلطة التشريعية كما نصت المادة 89 من الدستور، وذلك بإعادته هذا الاختصاص الى السلطة التنفيذية بل خالف قاعدة وجوب استصدار قانون خاص لكل التزام او امتياز على حدة، فضلا عن تفويضه السلطة التنفيذية صلاحية التصديق على دفتر الشروط الذي هو جوهر العقد. بما ان المادة 89 من الدستور تنص على وجوب استصدار قانون لأي التزام او امتياز والى زمن محدود، الا انها لا توجب استصدار قانون خاص لكل ترخيص يتناول المرفق العام نفسه موضوع الالتزام او الامتياز الذي اقره القانون عملا بالمادة 89 المذكورة. وبما ان القانون المطعون فيه يتعلق بمرفق عام واحد هو مشروع تقديم خدمات الهاتف الخليوي. وبما ان معاملة اعداد دفتر الشروط وفقا للقواعد الاساسية التي يحددها قانون منح الامتياز او الالتزام والمصادقة على هذا الدفتر من مجلس الوزراء هما من الاجراءات الممهدة للمزايدة والمناقصة انفاذا لمنح الامتياز او الالتزام، ولا يدخلان بالتالي في نطاق المبادئ والقواعد الاساسية التشريعية لهذا المنح. وبما ان عمليات فض عروض المزايدة والمناقصة وارساء المشاريع وتوقيع العقود اللازمة واجراء عمليات التسلم والتسليم المنصوص عنها في المادة الثالثة من القانون المطعون فيه هي المعاملات والقرارات الاجرائية لتطبيق القانون المذكور انفاذا لمضمونه. وبما ان القانون المطعون فيه، ومن باب المحافظة على المال العام، قد نص على انه اذا لم تنجح المزايدة لأي سبب كان تصبح ايرادات شبكتي الخليوي لصالح الدولة ابتداء من 31/8/2002، وبما انه ما دام ان القانون المطعون فيه قد اقر منح الامتياز والالتزام الى زمن محدود وحدد القواعد الاساسية لهذه الغاية وناط بالحكومة مهمة اتخاذ الاجراءات التطبيقية لتقييد مضمونه بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء وحظر ان يتضمن دفتر الشروط الخاص الذي يصادق عليه مجلس الوزراء والمراسيم التنظيمية التي قد تصدر عنه، أي بند يتعارض مع المبادئ والاحكام والشروط المالية التي حددها القانون المطعون فيه، كما سبق بيانه، فلا يكون المشترع والحال ما تقدم قد خالف المادة 89 من الدستور ويكون قد راعى احكام المادة 65 منه. 3 في ما يتعلق بمخالفة المبادئ العامة للعقود الإدارية والأعمال التمهيدية للعقد: أدلى المستدعون لهذه الجهة أن الأعمال التمهيدية التي تبين مصلحة الدولة في التوجه نحو احلال شخص او شركة محلها في استغلال مورد من موارد ثروة البلاد الطبيعية وتقديم خدمة عامة للمواطنين، هو الأمر الأساسي قبل اعداد مشروع عقد الالتزام، فإذا لم تتقدم السلطة الاجرائية من السلطة المشترعة بمشروع القانون الرامي الى منح امتياز مرفقا بدفتر الشروط، فإن ذلك يعني ان ما يطلب من السلطة المشترعة الموافقة على أمر جلل مجهول معناه، وان جميع الامتيازات والتزامات المرافق العامة منذ سنة 1949 حتى هذا القانون كانت تصدر بقوانين مرفقا بها دفاتر الشروط الخاصة بها. بما انه ليس في نصوص الدستور ولا في المبادئ العامة ذات القيمة الدستورية ما يمنع السلطة من اتباع طريقة المزايدة او المناقصة في عقود الامتياز والالتزام او ما يوجب ان يكون صاحب الامتياز او الالتزام من التابعية اللبنانية. وبما ان القانون المطعون فيه قد وضع القواعد الأساسية لعملية منح الامتياز عن طريق مزايدة عمومية ولعملية منح الالتزام عن طريق مناقصة عمومية وحدد البنود التي يجب ان يتضمنها دفتر الشروط وتلك التي يجب ان لا يتضمنها وأناط بالحكومة مهمة اتخاذ الاجراءات التطبيقية انفاذا لمضمونه. وبما ان عدم عرض دفتر الشروط على السلطة المشترعة لا يشكل والحال ما ذكر اعلاه مخالفة للدستور او للمبادئ العامة ذات القيمة الدستورية. وبما ان مخالفة المبادئ العامة للعقود الإدارية والأعمال التمهيدية للعقد تكون غير متوافرة مما يغني عن البحث في دستورية هذه القواعد. 4 في ما يتعلق بمخالفة مبدأ سيادة الدولة والسيادة في الدولة: استعرض المستدعون لهذه الجهة للفقرتين (أ) و(د) من مقدمة الدستور وللمادة الأولى من الدستور وحددوا مفهومهم لسيادة الدولة والسيادة في الدولة وأدلوا بأن القانون المطعون فيه تضمن ذكر »مزايدة عمومية عالمية« و»مناقصة عمومية عالمية« من دون ذكر الحدود الواضحة لمساهمة الجهات الأجنبية في امتلاك المرفق العام موضوع القانون، وهو طاقة اقتصادية مالية سرعان ما تتحول الى قوة سياسية، واستشهدوا بالقانون رقم 218/93 وما حصل من جراء تطبيقه وخلصوا الى القول بأن القانون المطعون فيه يعرّض سيادة الدولة والسيادة في الدولة للخطر ويخالف أحكام وثيقة الوفاق الوطني والدستور. بما ان المجلس الدستوري، في قراره رقم 1/2002 تاريخ 31/1/2002، قد اعتبر انه بقدر ما تتضمن وثيقة الوفاق الوطني نصوصا ادرجت في مقدمة الدستور او في متنه او مبادئ عامة ذات قيمة دستورية بقدر ما تكون مخالفة تلك النصوص والمبادئ خاضعة لرقابة المجلس الدستوري، وبما ان مقدمة الدستور، في الفقرة »و« منها، تنص على ان النظام الاقتصادي حر يكفل المبادرة الفردية، وبما ان المجلس الدستوري، في قراره رقم 4/2000 المشار اليه اعلاه، قد اعتبر انه يعود للدولة ان ترسم لنفسها حدود اختصاصها وتحديد دورها في الشأنين الاقتصادي والاجتماعي وكذلك دور القطاع الخاص ومدى تدخلها في هذين المجالين وحدود هذا التدخل فتخرج بعض المشاريع ذات الصفة الاقتصادية من ميدان النشاط العام وتتركها لمبادرة القطاع الخاص او تشرك القطاع الخاص في ملكية وإدارة هذه المشاريع بما لا يتعارض مع احكام الدستور ومقدمته والمبادئ ذات القيمة الدستورية، وبما ان المرفق العام موضوع القانون المطعون فيه ليس مرفقا عاما دستوريا او وطنيا لا يجوز ان يكون موضوع امتياز او التزام من غير قطاع الدولة، بينما ان المرافق العامة الاقتصادية هي التي يمكن ان تخصخص او ان تكون موضوع امتياز او التزام من القطاع الخاص بموجب قانون، وبما ان القانون المطعون فيه لا يكون قد خالف مبدأ سيادة الدولة والسيادة في الدولة، لهذه الأسباب: يقرر المجلس: أولا: قبول المراجعة في الشكل. ثانيا: ردها في الأساس واعتبار القانون المطعون فيه غير مخالف لاحكام الدستور او للمبادئ العامة ذات القيمة الدستورية. ثالثا: ابلاغ هذا القرار الى المراجع المختصة ونشره في الجريدة الرسمية.ل